ربَّ شدةٍ ولَّدت نعما!
د.فيصل بن علي البعداني
دكتواره في الدراسات الإسلامية، كاتب وباحث عن الحقيقة، يسعى لنشر الفهم الصحيح للإسلام
الشدائد، كالجوع والخوف والسقم والعُدْم والذل هي في ذاتها شر.
والشرور هي من جملة الأشياء التي يبتلي الله به عباده، كما قال تعالى: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ)، يقول ابن كثير : (أي: نختبركم بالمصائب تارة، وبالنعم أخرى).
ويقول الجلال المحلي: (وَنَبْلُوكُمْ): نَخْتَبِركُمْ (بِالشَّرِّ وَالْخَيْر) كَفَقْرٍ وَغِنًى وَسَقَم وَصِحَّة (فِتْنَة)…، أَيْ، لِنَنْظُر أَتَصْبِرُونَ وَتَشْكُرُونَ).
ولما كان تعالى هو الخبير الحكيم في خلقه وأمره، ومن يضع جل اسمه الأشياء في مواضعها، ويجريها على سننها، لا عبثًا ولا باطلا ولا سدى، بل لحِكَم عظيمةٍ يعلمها، ومصالح جليلة أرادها، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، فسأحاول في هذا التسطير تلمس بعض النعم والمنافع التي يمكن للعبد أن يجنيها من جراء ابتلاء الله له بالشر والشدة، ولعل من أبرزها:
أولا: رؤية الإنسان لضعفه وفقره وشدة احتياجه إلى ربه، وإدراكه -إدراك حق اليقين- أنه لا قوام له إلا به عز اسمه، وأن ما به من نعمة فمنه سبحانه، فعند ذلك ينفتح له باب الخير على مصراعيه؛ فيقبل بصدق عليه عز وجل، ويكثر دعاءه والتودد إليه، ويظهر الخضوع الحق له، والذل الصادق بين يديه، ويجتهد في شكره وتمجيده والثناء عليه والإقبال على مراضيه والحذر من عصيانه، وبذلك يتحول البلاء -نتيجة ما ينجم عنه- إلى خير، وتنقلب الشدة إلى نعماء.
ثانيا: معرفة الإنسان بحقيقة الدنيا، وأنها دار ممر، هينة زائفة غارة شاقة متقلبة، خلق الإنسان فيها في كبد وعناء، ولذا فليست بدار تنعم ولا قرار، بل يداول الله فيها بين الناس الأيام، فلا تدوم لأحد على حال، ومتى استوعب المرء ذلك زهد فيها ، و تهب للرحيل، وسلك نهج السلامة، وسبيل الاستقامة، وتلك أكبر نعماء.
ثالثا: تكفير ذنوب العبد ومحوها، وتطهيره من أدران المعاصي، ونيله الأجر والمنزلة الرفيعة عند الله تعالى، ولا نعماء أنفع له من ذلك.
أما تكفيرها الذنوب؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المؤمن من نصبٍ، ولا وَصَبٍ ولا همٍّ، ولا حزنٍ ولا أذًى ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه)، وقوله صلى الله عليه وسلم : (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه ، وولده ، وماله ، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة)، وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافى بِه يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلمٍ يصيبه أذًى -مرضٌ فما سواه- إلا حطّ الله له سيئاته، كما تَحُطُّ الشجرة ورقها)، وقوله صلى الله عليه وسلم : .(ما يزال البلاءُ بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئةٌ)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا اشتد به بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة).
وأما تسببها بالرفعة وعلو المنزلة، وظفره بعظيم الأجر وموفور الثواب، فيدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: (إنّ الرجل لتكون له عند الله المنزلةُ، فما يبلغها بعملٍ، فلا يزال اللهُ يبتليه بما يكره حتى يُبلِّغَه إياها)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إنّ العبد إذا سبقت له من الله عز وجل منزلةٌ لم يبلغها بعمله، ابتلاه الله جل وعز في جسده، أو في ماله، أو في ولده، ثمّ صبّره على ذلك، حتى يبلّغَه المنزلة التي سبقت له مِن الله جل وعزّ)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن عِظَمَ الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (يودُّ أهلُ العافية يوم القيامة حين يُعطى أهلُ البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قُرِضتْ في الدنيا بالمقاريض)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرًا يُصِبْ منه).
ولولا تلك الشدائد التي تحل بالعبد حتى توقظه وتحول بينه وبين الاستمرار في لهوه والمضى في خط ضلاله لهلك، ولذا فقد كان من رحمة الله به أن يبتليه حتى تنفتح أمامه أبواب التذكر والأوبة، ولله در ابن القيم حين قال: (ومن رحمته: أن نغص عليهم الدنيا وكدرها؛ لئلا يسكنوا إليها ولا يطمئنوا إليها ويرغبوا عن النعيم المقيم في داره وجواره، فساقهم إليها بسياط الابتلاء والامتحان فمنعهم ليعطيهم، وابتلاهم ليعافيهم، وأماتهم ليحييهم).
خامسا: مداواة علل النفوس وإصلاح خللها وتخليتها من عيوبها، وتنقيتها من آفاتها، فيُخرَج من القلب ما استقر به من إرادة الدنيا وتضخيمها، ويُخرَج من النفس الشعور بالعجب والكبر والغنى والاكتفاء، والله تعالى -بعد أن قال: (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ)- قال: (وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ)، أي، يخلصهم من ذنوبهم وعيوبهم وأدوائهم، وفي ذلك يقول ابن القيم: (فلولا أنه سبحانه يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء لطغوا وبغوا وعتوا ، والله سبحانه إذا أراد بعبد خيراً سقاه دواء من الابتلاء والامتحان على قدر حاله ، يستفرغ به من الأدواء المهلكة ، حتى إذا هذبه ونقاه وصفاه : أهَّله لأشرف مراتب الدنيا ، وهي عبوديته ، وأرفع ثواب الآخرة وهو رؤيته وقربه).
ومن عظيم تطبيقات ذلك التمحيص وتلك المداواة ما رواه الرَّبِيع بْن أَنَس قَالَ : “قَالَ رَجُل يَوْم حُنَيْنٍ : لَنْ نُغْلَب الْيَوْم مِنْ قِلَّة، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَتْ الْهَزِيمَة ..”
سادسا: ظهور حقائق الناس، وتكشف معادنهم، وتبين الصابر من الجازع، والصادق من الكاذب، والمتيقن من المهتز، وطالب الآخرة من اللاهث خلف بريق الدنيا،، فإن الناس -كما يقول الفضيل” : -ما داموا في عافية مستورون ، فإذا نزل بهم بلاء صاروا إلى حقائقهم ؛ فصار المؤمن إلى إيمانه ، وصار المنافق إلى نفاقه”.
ومن نماذج عظيم اليقين وجليل الثبات، أنه عقب حادثة الإسراء (اُفْتُتِنَ نَاس كَثِير، فَجَاءَ نَاس إِلَى أَبِي بَكْر فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ: أَشْهَد أَنَّهُ صَادِق. فَقَالُوا: وَتُصَدِّقهُ بِأَنَّهُ أَتَى الشَّام فِي لَيْلَة وَاحِدَة ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة؟ قَالَ نَعَمْ , إِنِّي أُصَدِّقهُ بِأَبْعَد مِنْ ذَلِكَ، أُصَدِّقهُ بِخَبَرِ السَّمَاء، قَالَ : فَسُمِّيَ بِذَلِكَ الصِّدِّيق).
وقال سبحانه: (مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ)، قال ابن كثير: (أي: لا بد أن يعقد سببا من المحنة، يظهر فيه وليه، ويفتضح فيه عدوه، يعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر).
وقال تقدس اسمه: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3))، قال السعدي: (يخبر تعالى عن تمام حكمته وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال ” إنه مؤمن ” وادعى لنفسه الإيمان، أن يبقوا في حالة يسلمون فيها من الفتن والمحن، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه، فإنهم لو كان الأمر كذلك، لم يتميز الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، ولكن سنته وعادته في الأولين وفي هذه الأمة، أن يبتليهم بالسراء والضراء، والعسر واليسر، والمنشط والمكره، والغنى والفقر، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل ونحو ذلك من الفتن، التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة، والشهوات المعارضة للإرادة، فمن كان عند ورود الشبهات يثبت إيمانه ولا يتزلزل، ويدفعها بما معه من الحق وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب، أو الصارفة عن ما أمر الله به ورسوله، يعمل بمقتضى الإيمان، ويجاهد شهوته، دل ذلك على صدق إيمانه وصحته.
ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه شكا وريبا، وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي أو تصرفه عن الواجبات؛ فإن ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه).
كما أن البلاء يصقل المومن ويقويه وينضجه ويخلص توكله على الله ويعده للتمكين ونصرة الدين، وقد سئل الشافعي: (أَيّهما أَفضل: الصَّبر أو المِحنة أو التَّمكين؟ فقال: التَّمكين درجة الأنبياء، ولا يكون التَّمكين إلا بعد المحنة، فإذا امتحن صبر، وإذا صبر مكن).
سابعا: ولعل من أعظم منافع العبد من الشدائد أنها تدعوه إلى محاسبة نفسه، والتعرف على ذنبه والتنبه إلى أهمية إدراك جوانب تقصيره وتجاوزه وتدعوه إلى الأوبة منها، فإنه ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة، وفي الإشارة إلى ذلك يقول تعالى: (وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيئَةٍ فَمِن نفسِكَ)، أي وما أصابك من شدة ومشقة وأذى ومكروه فمن قبل نفسك، وبذنب استوجبتها به اكتسبته نفسك.
ويقول سبحانه: (وَمَا أَصابَكُم من مصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَت أَيدِيكُم وَيَعفُوا عَن كَثِيرٍ)، قال الثوري: أي (ما من خدش عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا هو بذنب وما يعفوا الله عنا أكثر ثم قرأ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير).
ويقول عز وجل : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)، فمتى بدلوا حالتهم بدل الله نعمته عليهم، قال البغوي: (أراد: أن الله تعالى لا يغير ما أنعم على قوم حتى يغيروا هم ما بهم، بالكفران وترك الشكر، فإذا فعلوا ذلك غير الله ما بهم، فسلبهم النعمة).
وتدعوه -حين يرى تقلب الحياة وكبدها وزوالها وانتقال الناس عنها- إلى الشوق إلى لقاء الله تعالى، والتطلع إلى ما عنده، والتزود في هذه الدار الفانية للدار الأخرى، والعمل الجاد للظفر بفلاحها ونعيمها.
وتدعوه إلى شكر الله تعالى على نعمائه، وأنه سبحانه إن أخذ فقد أعطى، وإن حرم فقد وهب، وإن ابتلى فقد عافى.
وتدعوه إلى الاستعانة بالله تعالى والتعلق به في سائر أحواله، والثقة برحمته وجوده ودقيق لطفه.
وتدعوه إلى حسن الظن به عز وجل، والرضا به وعنه، وفقه طبيعة التكليف وإدراك حقيقة الدنيا، وأنه جل في علاه ما منع إلا ليعطي، وما ابتلى إلا ليهدي وينجي، وما أخر إلا ليقدم، وما أحزن إلا ليسعد.
فإذا كانت هذه بعض وجوه النعم التي يُودِعها الله في طيّات الشدائد، فحقيق بكل عاقل أن يُحسن الظن بربه، وأن ينظر إلى البلاء بعين الإيمان لا بعين السخط، وأن لا يضيع الفرصة العظيمة التي قد تكون سببًا في خلاصه ورفعة درجته.
قارئي الكريم، قف مع شدتك وقفة تأمل… لا تسخط، بل اسأل: ما الذي أراده الله بي؟
هل أراد أن يذكّرني بذنب؟ أن يردني إليه؟ أن يطهّرني؟ أن يرفعني؟ أن يعلّمني؟ أن يذيقني طعم التوكل؟
اجعل من كل بلاء طريقًا إلى الله، لا حجابًا بينك وبينه.
واذكر دومًا أن الشدة مهما عظمت، فإن الذي ابتلاك بها هو أرحم بك من أمّك، وأعلم بمصلحتك منك.
فلا تحزن إن ضاق عليك الحال، ولا تيأس إن طال بك البلاء، فكم من عبدٍ قرُب من الله في ليل البلاء، ما لم يقترب في نهار الرخاء.
فاللهم ارزقنا عافيتك ورضاك، وارزقنا حسن المعرفة بك وبدينك، وجودة البصيرة في عوايدك وجميل فعالك، يا أرحم الراحمين
والله الهادي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق