الثلاثاء، 19 مايو 2026

قانون الأسرة الجديد في مصر.. وهدم بنيان الأسرة

 قانون الأسرة الجديد في مصر.. وهدم بنيان الأسرة    
  أشرف دوابة 

يثير مشروع قانون الأسرة الجديد في مصر حالة واسعة من الجدل المجتمعي، ليس فقط بسبب ما يتضمنه من مواد تتعلق بالنفقة والحضانة والطلاق والرؤية والاستضافة، وإنما لأن القضية في حقيقتها أعمق من مجرد تعديلات قانونية؛ فهي تمس طبيعة الأسرة المصرية نفسها، وتطرح سؤالا خطيرا حول الاتجاه الذي يراد للمجتمع أن يسير فيه: هل الهدف الحقيقي هو بناء الأسرة واستقرارها، أم إعادة تشكيلها وفق تصورات مستوردة تتبنى الصراع بين الرجل والمرأة بدلا من التكامل بينهما؟

المشكلة الأساسية في كثير من النقاشات الدائرة حول القانون أن البعض يتعامل مع الأسرة وكأنها ساحة نزاع قانوني بين طرفين متخاصمين، بينما تقوم الأسرة في التصور الإسلامي على المودة والرحمة والتكامل وتحمل المسؤولية. 
فالقوامة في الإسلام ليست تسلطا ولا استبدادا ولا قهرا، وإنما هي تكليف ومسؤولية وإنفاق ورعاية ومودة ورحمة، ولذلك ربطها الشرع بالنفقة والواجبات، لا بمجرد السلطة المجردة. والرجل الذي يتحمل مسؤولية الإنفاق والسكن والرعاية لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد خصم ينبغي تحميله مزيدا من الأعباء والعقوبات والالتزامات المالية بلا حدود وكأنه ماكينة صراف آلي.

من هنا تبدو خطورة الاتجاه الذي يحاول معالجة أزمات الأسرة فقط عبر تغليظ الالتزامات المالية على الزوج، أو توسيع دائرة العقوبات، أو تحميل الرجل ما قد لا يطيق قبل الزواج وبعد الطلاق

ومن هنا تبدو خطورة الاتجاه الذي يحاول معالجة أزمات الأسرة فقط عبر تغليظ الالتزامات المالية على الزوج، أو توسيع دائرة العقوبات، أو تحميل الرجل ما قد لا يطيق قبل الزواج وبعد الطلاق. فالحياة الزوجية لا تُبنى بالخوف من القانون، وإنما تبنى بالثقة والرحمة والقدرة على تحمل الأعباء بصورة متوازنة. أما حين يشعر الشاب أن الزواج قد يتحول إلى مغامرة مالية وقانونية مفتوحة، فإن النتيجة الطبيعية ستكون مزيدا من العزوف عن الزواج، وتأخير سنّه، وانتشار العلاقات غير المستقرة، وفتح أبواب الحرام بدل تيسير أبواب الحلال.

وهنا تظهر المفارقة المؤلمة؛ إذ يظن البعض أنه ينتصر للمرأة عبر تحميل الرجل مزيدا من الالتزامات والنفقات والتعقيدات، بينما قد تكون المرأة نفسها أول من يدفع الثمن في النهاية حين يتراجع الإقبال على الزواج، أو تتحول البيوت إلى ساحات صراع اقتصادي دائم. فالاستقرار الأسري لا يتحقق بإفقار الرجل، كما لا يتحقق بإلغاء حقوق المرأة، وإنما يتحقق بالعدل والتوازن ومراعاة طبيعة العلاقة الأسرية التي تختلف عن العقود التجارية الجامدة.

كما أن الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي يعيشها المجتمع المصري اليوم تجعل من الضروري النظر إلى ملف الأسرة نظرة واقعية لا منفصلة عن الظروف المعيشية. فالشباب يواجهون أصلا أعباء هائلة من تكاليف السكن والأثاث والذهب والأفراح والديون والقائمة التي ما أنزل الله بها من سلطان، ثم تأتي قوانين وإجراءات جديدة تزيد من المخاوف المرتبطة بالزواج والطلاق، وكأن المجتمع يسير في اتجاه وضع المزيد من الحواجز أمام تكوين الأسرة لا تسهيلها. وفي النهاية تتحمل الأسرة كلها نتائج هذه الأعباء؛ إذ تتحول سنوات الزواج الأولى إلى مطاردة للديون والأقساط، ويضيع الاستقرار النفسي، وتختفي المودة تحت ضغط الأزمات الاقتصادية، فإذا دخلت المشكلات الاقتصادية من الباب هرب الحب من الشباك، ويكون الطلاق هو سيد الموقف، والمحاكم هي المقصد، وتشرد الأولاد هو النتيجة، وتنقلب المودة والرحمة إلى عداء وانتقام، وأرقام الطلاق المخيفة من القوانين الجائرة السابقة التي هضمت حق الرجل لا تخفي على أحد.

ولا يمكن تجاهل أن كثيرا من الأطروحات المطروحة في هذا الملف تتأثر بوضوح بخطابات نسوية غربية قامت أساسا على فكرة الصراع بين الرجل والمرأة، وهي خطابات نشأت في بيئات اجتماعية وتاريخية مختلفة عن المجتمع المسلم. وقد أثبتت التجربة الغربية نفسها أن هدم الأسرة لم يؤد إلى السعادة والاستقرار، بل أدى إلى ارتفاع معدلات التفكك والعزلة والانهيار الأخلاقي وتراجع معدلات الزواج والإنجاب بصورة باتت تهدد البنية السكانية والاجتماعية في كثير من الدول الغربية.

ومن المؤسف أن بعض الأصوات تتعامل مع الشريعة الإسلامية وكأنها عقبة أمام حقوق المرأة، مع أن الشريعة كانت عبر تاريخها الضمان الحقيقي لحقوق المرأة والرجل معا، لأنها قامت على العدل والتوازن لا على الانحياز لطرف ضد آخر. ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يكون باستنساخ نماذج غربية أو تحويل المحاكم إلى الوسيلة الأساسية لإدارة الحياة الأسرية، وإنما يبدأ من التربية على الإسلام، وتعليم الرجال والنساء حقوقهم وواجباتهم، وبناء الوعي الديني والأخلاقي الذي يحفظ البيوت من الانهيار قبل الوصول إلى ساحات القضاء.

استقرار الأسرة المصرية لا يمكن أن يتحقق عبر قوانين تُفرض من فوق بمعزل عن الشريعة وثقافة المجتمع وواقعه الاقتصادي، وإنما عبر رؤية متوازنة تحفظ الحقوق، وتراعي الواجبات، وتحمي الأسرة من التفكك بدل أن تزيد أسباب الانقسام والصراع داخلها

كما أن الدولة إذا كانت حريصة فعلا على استقرار الأسرة، فإن الأولى بها أن تعالج جذور الأزمة الاقتصادية التي تدفع كثيرا من الشباب إلى الهروب من الزواج، وأن تسهل تكاليف السكن والمعيشة والعمل، لا أن تضيف مزيدا من الأعباء القانونية والمالية التي تزيد الأزمة اشتعالا. فبناء الأسرة ليس معركة قانونية، وإنما مشروع حضاري وأخلاقي واقتصادي متكامل، وفي هذا السياق يجدر بالحكومة المصرية أن تتخذ من سياسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نموذجا يُحتذى به في تيسير أمور الزواج ودعم وبناء الأسرة الشابة؛ حيث بادرت الحكومة التركية بإطلاق "صندوق الأسرة والشباب" الذي يمنح المقبلين على الزواج قرضا حسنا بدون أي فوائد بقيمة تصل إلى 250 ألف ليرة تركية، مع فترة سماح مريحة تمتد لعامين كاملين وسداد على أربع سنوات، فضلا عن تقديم خصومات وإعفاءات من الأقساط ترتبط طرديا بإنجاب الأطفال تشجيعا لزيادة النسل؛ وهي رؤية استراتيجية واجتماعية تستحق الدراسة والتطبيق لتخفيف الأعباء عن كاهل الشباب ومواجهة أزمة العزوف عن الزواج.

لقد شهدت مصر عبر عقود محاولات متعددة لإعادة تشكيل قوانين الأسرة من زوجات رؤساء سابقين، وبعض هذه المحاولات واجه رفضا مجتمعيا واسعا لأنها اصطدمت بثقافة المجتمع وهويته الإسلامية. والدرس الذي ينبغي استيعابه هو أن استقرار الأسرة المصرية لا يمكن أن يتحقق عبر قوانين تُفرض من فوق بمعزل عن الشريعة وثقافة المجتمع وواقعه الاقتصادي، وإنما عبر رؤية متوازنة تحفظ الحقوق، وتراعي الواجبات، وتحمي الأسرة من التفكك بدل أن تزيد أسباب الانقسام والصراع داخلها.

فالأسرة المسلمة ليست مجرد علاقة خاصة بين رجل وامرأة، بل هي آخر حصون المجتمع، وإذا هدمت الأسرة ضاع المجتمع كله. ولذلك فإن أي تشريع يتعلق بها يجب أن ينطلق من الحفاظ عليها وتقوية بنيانها، لا من تغذية الصراع داخلها أو تعقيد طريق الزواج أمام الشباب.

    



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق