السودان... الحرب وخيبة الأمل

في نهاية عام 1898، كانت مدينة أمّ درمان، عاصمة السودان وقتها، تواجه موقفاً حرجاً. بعد 13 عاماً من نجاح الثورة المهدية ومقتل الحاكم الاستعماري الجنرال تشارلز غردون، يقترب جيش غازٍ بقيادة السردار هربرت كتشنر (سيصبح لاحقاً بارون النيل والحاكم العام للسودان، ثمّ وزير الحرب البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى، لتغرق سفينته بلغم ألماني ولا يُعثر على جثّته)، ويحتاج حاكم البلاد عبد الله التعايشي، خليفة المهدي "المنتظر"، إلى قرار حاسم.
وانقسم رأي أهل الشورى بين القتال شمالاً وانتظار اقتراب العدو من العاصمة.
وانتشرت نبوءة تُنسب إلى الإمام محمّد أحمد المهدي، قائد الحركة المهدية في السودان الذي تُوفِّي قبل أكثر من عقد، أنّ أنصاره سيهزمون "جردة الكفار"، ويرجعون ليصلّوا الجمعة في جامع المهدي الذي دُفن فيه.
كانت تلك الشائعة (قيل إنّ من أطلقها جهاز استخبارات الجيش الغازي) ضمن أسباب عديدة قادت أكثر من عشرة آلاف سوداني إلى مصرعهم في تخوم مدينة أمّ درمان، يوم الجمعة 2 سبتمبر/ أيلول 1898.
كان الأمل، غير المدعوم بأيّ حقائق، حافز انتشار النبوءة التي ظنّت أن المعركة المقبلة مواجهة سريعة يرجع بعدها المقاتلون ليصلّوا الجمعة عند قبر إمامهم الذي قادهم إلى الحرّية، وحاربوا معه السلطنة العثمانية والإمبراطورية البريطانية والخديوية المصرية.
لكنّ ما حدث أنّ المقاتلين لم يرجعوا ليصلّوا الجمعة في الجامع. جاء كتشنر ليهدم قبّة المهدي، ويخرّب الجامع، ولتخضع البلاد للحكم الاستعماري 58 عاماً.
في الأيّام التي تلت 15 إبريل/ نيسان 2023، بينما يحاول سودانيون كثيرون استعادة توازنهم لفهم ما يحدث، إذ اشتعلت الاشتباكات بين الحلفاء العسكريين السابقين (الجيش السوداني وقوات الدعم السريع)، بشّرني أكثر من صديق متحمّس بأنّ "الدعم السريع" قد ارتكبت غلطة عمرها بدخولها مواجهةً مع الجيش، وأنّها فرصة للديمقراطيين بأن يتخلّص الجيش من كابوس تعدّد الجيوش. وقتها، وكانت المعارك ما زالت محصورةً في وسط الخرطوم، بدت لي تلك الحماسة نوعاً من أمل "هزيمة الكفار وصلاة الجمعة في الجامع".
احتاج أجدادنا إلى أكثر من 40 سنة ليبنوا قبّة المهدي مرّة أخرى، وأكثر من نصف قرن ليصلّوا الجمعة في الجامع أحراراً بعد خروج المستعمِر.
تعلّمنا الحياة أنّها ليست بهذا التفاؤل، وأنّ الحماسة لا تغني عن الواقع. الحماسة التي رأت في الحرب "فرصةً لتجاوز معضلة تعدّد الجيوش" لم تحسن حساب أثر الحرب. انقضى الشهر الأوّل من سنة رابعة للحرب، ولم نرجع لنصلّي الجمعة في الجامع.
البلد الذي ظلّ ينافس عقوداً على صدارة القوائم الدولية للدول الأكثر هشاشةً، وغياب حكم القانون، والتضييق على حرّية الصحافة، والبلد الذي تجاوز بالكاد هزّة الثورة الشعبية ضدّ نظام حكم 30 عاماً، مشى نحو الحرب ظانّاً أنّها جولة سريعة تضعه في الطريق الصحيح. وهو تكرار لما فعله التحالف العسكري (الجيش والدعم السريع وحركات دارفور المسلّحة) في أكتوبر/ تشرين الأول 2021، عندما أطاح انقلابهم المشترك الحكومة المدنية ظنّاً أنّه "تصحيح لمسار الثورة".
في سبيل تصحيح المسار، أطلقت قوات الأمن الرصاص على المتظاهرين السلميين شهوراً. وانتهى التصحيح بالحرب المفتوحة بين الحلفاء.
الأمل في إنهاء تعدّد الجيوش لم يتحقّق. بل زادت المليشيات المسلّحة، وزاد اعتماد طرفي الحرب عليها. انقسمت البلاد بين سلطتين. الديمقراطية والانتقال المدني وتبادل السلطة ما عادت خيارات مطروحة. عن أيّ ديمقراطية تتحدّث بينما يموت الناس في المستشفيات قصفاً، وفي البيوت جوعاً؟ يأكل من كان يطالب بالحكم المدني ورق الشجر، بينما يؤكّد العسكريون، في الخرطوم ونيالا، أنّ الحرب ستستمرّ ولو مائة عام حتى يتحقّق النصر.
خاب أيضاً الأمل، غير المبرّر، بأن يغيّر العسكريون طريقتهم في الحكم أو في خوض المعارك.
ما تحمّس له كثيرون، ظنّاً منهم أنّها معركة سريعة، تحوّل إلى دولة منقسمة، وإلى ملايين النازحين، وتُجمع المعونات الدولية لتغيث أهل السودان.
في أكتوبر 2021، عندما اقترب موعد تسليم العسكريين رئاسة مجلس السيادة للمدنيين، اخترع التحالف العسكري خلافاتٍ سياسيةً، ونظّم اعتصاماً مفبركاً موَّله قائد "الدعم السريع"، ونفّذته الحركات الدارفورية والحركة الإسلامية برعاية الأجهزة الأمنية، كما نظّم الحلف إغلاقاً للميناء البحري الرئيس للبلاد.
اختار التحالف العسكري الانقلاب الدموي بدلاً من تسليم رئاسة السلطة. وفي إبريل 2023، انهار هذا الحلف ليقسّم البلاد ويغرقها في بحور الفوضى. وبعد انقضاء ثلاث سنوات، تبدو البلاد أبعد ممّا كانت تحلم به قبل الحرب بساعات.
لكنّ طرفي الحرب ما زالا ينتظران المجد من فوّهة البندقية، ولا يريان الدمار.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق