الأحد، 24 مايو 2026

التجــديــد .. إحــيــاء لا تـغـيـيــر

 التجــديــد .. إحــيــاء لا تـغـيـيــر

الحسين الدومي

ماجستير مقارنة الأديان، جامعة محمد الخامس في الرباط ومستشار نفسي وأسري


يُعَدّ مفهوم تجديد الدين والإيمان من المفاهيم المركزية في الفكر الإسلامي، لما يرتبط به من حضور الدين في حياة الفرد والمجتمع، واستمرارية أثره في الواقع عبر الأجيال. وقد تناول العلماء هذا المفهوم قديمًا وحديثًا انطلاقًا من أحاديث نبوية شريفة تشير إلى طبيعة الإيمان وتقلبه في النفس البشرية، وحاجته الدائمة إلى المراجعة والتقوية والإحياء.

روى الإمام أحمد في «المسند»، والطبراني في «الكبير»، والحاكم في «المستدرك»، عن النبيأنه قال: «إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم».

كما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود في «سننه» والحاكم في «المستدرك»، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها». وقد تلقّى العلماء هذا الحديث بالقبول، وبنوا عليه أصلًا مهمًا في فكرة «التجديد»، وهو أن الله يقيّض في كل قرن من يُحيي معالم الدين ويعيد للأمة وعيها به.

ويرتبط بذلك أيضًا ما رواه الإمام أحمد والطبراني

عن النبي ﷺ أنه قال: «جددوا إيمانكم»، قيل: يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا؟ قال: «أكثروا من قول لا إله إلا الله». وقد اختلف أهل الحديث في أسانيده، إلا أن معناه في فضل الذكر وتعظيم كلمة التوحيد ثابت بأحاديث صحيحة كثيرة، منها قوله ﷺ: «أفضل الذكر لا إله إلا الله» رواه الترمذي

ومن خلال هذه النصوص، أجمع العلماء على أن الإيمان ليس حالة ثابتة جامدة، بل هو حالة قلبية تتأثر بسلوك الإنسان وظروفه، وتقوى بالذكر والطاعة، وتضعف بالغفلة والمعصية. وقد جاء في التعريف المشهور عند أهل السنة أن الإيمان «قول باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالجوارح»، وهو تعريف يعكس تداخل الجانب العقدي والسلوكي في بنية الإيمان الإسلامي.

وانطلاقًا من هذا الفهم، فإن «تجديد الإيمان» لا يعني إدخال تغيير على أصول الدين أو تبديل أحكامه الثابتة، وإنما يعني إعادة إحياء المعاني الإيمانية في القلوب، وتقوية الصلة بالله، واستحضار مقاصد الشريعة في السلوك الفردي والاجتماعي. 

فالتجديد هنا هو تجديد «الحالة الإيمانية» لا «النص الديني»، أي إنه يطال الإنسان لا الوحي.

وبهذا المعنى، يصبح التجديد عملية مستمرة مرتبطة بحيوية الأمة، وقدرتها على مراجعة واقعها الديني والسلوكي في ضوء النصوص الشرعية، دون التفريط بالثوابت أو الانجرار نحو تغيير أصول الدين تحت ضغط الواقع. فالتجديد ليس عصرنة للدين، بل هو «إحياء للدين في العصر»، بما يضمن استمرار فاعليته وهدايته للناس.

وفي المحصلة، فإن مفهوم تجديد الدين والإيمان يقوم على توازن دقيق بين الثبات على النصوص الشرعية من جهة، وبين إحياء معانيها في النفوس والسلوك من جهة أخرى، وهو ما يجعل الدين حاضرًا في الواقع، لا مجرد نصوص تُتلى، بل منهج حياة متجدد في أثره ومقاصده.

المصدر


لمــاذا لا يغـيّـــر القــــــرآن قــراراتــنــــا ؟




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق