الأربعاء، 27 مايو 2026

يؤلمهم العيد

يؤلمهم العيد



عبدالرحمن الشمري

في كل عيد تبدو الحياة وكأنها تتفق فجأة على شكل واحد للسعادة. الشوارع مزدحمة، المحلات مضاءة، الرسائل المتكررة لا تتوقف، والناس يتبادلون الأمنيات ذاتها بوجوه أكثر إشراقاً من المعتاد. حتى مواقع التواصل تتحول إلى معرض كبير للضحكات والزيارات وصور المجالس وثياب الأطفال الجديدة.

لكن هناك جانباً آخر للعيد لا يتحدث عنه أحد كثيراً. جانب صامت، يمشي بين الناس دون أن يراه أحد.

فليس كل من ابتسم في العيد كان سعيداً فعلاً، وليس كل من نشر صورة مع عائلته كان يشعر بالدفء الذي تبدو عليه الصورة. بعض الناس يدخلون العيد بقلوب متعبة، لكنهم يتقنون إخفاء ذلك، لأن الحزن في مواسم الفرح يبدو وكأنه ممنوع ولا يسمح به.

العيد يملك قدرة غريبة على إيقاظ الغياب.

كرسي فارغ على طاولة المائدة يكفي أحياناً ليغيّر معالم اليوم كله.

صوت اعتدنا سماعه كل عيد لكنه اختفى.

رسالة كانت تصل دائماً انقطعت.

أم تنتظر ابناً لن يعود هذا العام.

أب يحاول أن يبدو قوياً أمام عائلته رغم أن شيئاً داخله منكسر.

ومغترب يضحك في مكالمة الفيديو كي لا تقلق أمه، ثم يغلق الهاتف ويجلس وحيداً في غرفة صامتة وربما بكى.

هذه التفاصيل الصغيرة لا تظهر في الصور، لكنها الحقيقة التي يعيشها كثير من الناس كل عيد.

المشكلة أننا تعودنا أن نتعامل مع العيد وكأنه اختبار جماعي للسعادة.

يجب أن تكون سعيداً، متحمساً، مبتسماً، وإلا بدوت غريباً وسط الجميع.

لذلك يتعب كثير من الناس وهم يحاولون تمثيل الفرح فقط حتى لا يفسدوا مزاج الآخرين. يذهبون إلى الزيارات يلتقطون الصور يرددون عبارات التهنئة ذاتها ثم يعودون إلى غرفهم منهكين من كل هذا التظاهر.

ولأن الجميع مشغولون بإظهار فرحتهم لا أحد ينتبه غالباً لأولئك الذين يحاولون النجاة والهرب سريعاً من هذا اليوم.

لهذا لا يحتاج بعض الناس في العيد إلى هدية بقدر حاجتهم إلى انتباه حقيقي.

فغاية مرادهم أن يلاحظهم أحد فقط.

أن يسألهم شخص بصدق “أنت طيب ؟” دون أن تكون سؤالاً عابراً يُقال بحكم العادة.

أن يجلس أحد معهم دون استعجال.

أن يتذكرهم اتصال غير متوقع.

أن يشعروا أن وجودهم لا يزال مهماً وسط هذا الزحام الكبير.

أحياناً كلمة صادقة تفعل ما لا تفعله كل مظاهر العيد.

نحن نبالغ كثيراً في الاحتفاء بكل ما هو ظاهر في العيد وننسى المعاني الصغيرة التي تمنحه روحه الحقيقية. ليس العيد في عدد الزيارات ولا في الصور ولا حتى في الملابس الجديدة. العيد الحقيقي ربما يكون في قدرتنا على أن نكون أكثر لطفاً مع بعضنا وأكثر انتباهاً للقلوب التي تخفي تعبها خلف قناع الابتسامات.

ليس مطلوباً من الناس أن يكونوا سعداء طوال الوقت كي يستحقوا العيد.

يكفي أحياناً أن يجد الإنسان من يخفف عنه شعوره بالوحدة.

ولهذا قبل أن تنشغل هذا العيد بإرسال الرسائل المعتادة والمكررة أو ترتيب الصور أو متابعة تفاصيل اليوم الطويلة حاول أن تتذكر شخصاً قد يمر العيد عليه ثقيلاً دون أن يبوح بذلك لأحد.

اتصل به، اقترب منه، امنحه بعض الوقت الصادق في دعوة لمنزلك او لمكان تجتمع معه.

فالناس لا ينقصهم الفرح بقدر ما ينقصهم أن يشعروا بأنهم غير منسيين وأن هناك من يسأل عنهم ويفتقدهم ويهتم لحالهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق