جعفر عباس
ليس من الغريب أن أمر الرقابة الصارمة على شبكات الإعلام في إسرائيل،ظل على الدوام في يد المؤسسة العسكرية، فهي وحدها الآمر الناهي الذي يحددما هو مباح وما هو محظور نقله وبثه ونشره من قِبل وسائل الإعلام..
باستشهاد الزميل محمد وشاح، ارتفع عدد شهداء الصحافة في قطاع غزة وحده، خلال 3 سنوات، الى 262 شهيدا. صعدت أرواح معظمهم برصاص القناصة والاستهداف المباشر، وهذا العدد من شهداء الكلمة والحقيقة يفوق عدد الصحفيين الذين قتلوا في ميادين الحروب في كل القارات منذ بداية تدوين التاريخ، وجاء في تقرير لجمعية حماية الصحفيين الدولية في عام 2025، أن إسرائيل هي أكثر دول العالم قتلا للصحفيين على مستوى العالم.
ولم يكن غريبا أن يكون صحفيو شبكة الجزيرة الإعلامية الأكثر استهدافا من قبل آلة الحرب الإسرائيلية، فالقانون الذي أصدره البرلمان الإسرائيلي في 1 نيسان/ ابريل من عام 2024 ويبيح للسلطات الإسرائيلية طرد وإبعاد شبكات الأخبار الأجنبية، ومصادرة ممتلكاتها، يحمل اسم "قانون الجزيرة"، وأجيز بأغلبية 71 صوتا مقابل 10 أصوات، وكان وزير الاتصالات الإسرائيلي شلومو كرحي، في منتهى الوضوح عندما قال أن القانون يستهدف الجزيرة تحديدا، وبعد صدور القانون بثلاثة أسابيع تمت إغلاق مكاتب وكالة أسوشيتد برس، بزعم أنها تقوم بتسريب الصور والمعلومات الى شبكة الجزيرة، وسبق في عام 2021، أن دمرت إسرائي مكتبي الجزيرة وأسوشيتد برس في غزة.
ليس من الغريب أن أمر الرقابة الصارمة على شبكات الإعلام في إسرائيل، ظل على الدوام في يد المؤسسة العسكرية، فهي وحدها الآمر الناهي الذي يحدد ما هو مباح وما هو محظور نقله وبثه ونشره من قِبل وسائل الإعلام، ذلك أن تاريخ إسرائيل كله سلسلة من الحروب والاعتداءات والاغتيالات، وفي الدول والمجتمعات المُعَسْكَرة، تكون هيئة الضباط في حالة هلع وجزع من انكشاف وافتضاح تجاوزاتهم، ومن ثم لم يكن مستغربا ان تنهال سياطهم الى صحيفة هآرتس الإسرائيلية نفسها، بحرمانها من العون والاعلانات الحكومية، لأنها نشرت تحقيقا عن فساد وتجاوزات المؤسسة العسكرية. وبإزاء هذا الشطط في الرقابة صارت بعض الصحف الإسرائيلية تلجأ الى حيلة ذكية، تتمثل في تسريب التقارير الى صحف أجنبية، ثم تعود وتنقل تلك التقارير عن تلك الصحف، بمنطق "ناقل الكفر ليس بكافر".
وهكذا جاء ترتيب إسرائيل في المركز الـ 108 في قائمة الدول الأكثر قمعا للصحافة والصحفيين في عام 2025، وفيما يخص الصحافة الإسرائيلية وحدها، تقول مجلة +972 إن الرقابة العسكرية حظرت جزئيا او كليا، في عام 2024 نحو 7900 تقريرا صحفيا، وأن متوسط عدد التقارير التي تخضع للحظر بلغ العشرين يوميا منذ حرب غزة.
أما في حرب حزيران/ يونيو 2025 التي أشعلتها إسرائيل بضرب العديد من الأهداف في ايران، فقد سمحت الرقابة لوسائل الإعلام بقول إن 29 إسرائيليا قتلوا بالقذائف الإيرانية، ولكنها لم تسمح بكلمة واحدة عن مواقع سقوط تلك القذائف، وعندما أشعلت إسرائيل حرب 28 شباط/ فبراير على ايران بالتواطؤ مع الولايات المتحدة، صار الصحفيون الأجانب والإسرائيليون ملزمين بعرض كل ما لديهم عنها على الرقيب العسكري، ومن ثم لا يعرف أحد سوى قادة الجيش الإسرائيلي حجم الخسائر التي تكبدتها إسرائيل، جراء الاستهداف الإيراني بالصواريخ والطائرات المسيرة.
تقول منظمة صحفيون بلا حدود إن الصحفيين الفلسطينيين في غزة، والضفة الغربية بشقيها المحتل و"المختل"، يحظون بمعاملة "خاصة جدا" من الرقيب الإسرائيلي، تتسم بالعداء المفرط، وتأليب وسائل الإعلام الإسرائيلية عليهم، بإلصاق اتهامات مخزية بهم، وترويعهم بتشجيع المستوطنين على استهدافهم، حتى صار بعض أولئك الصحفيين مرغمين على الاستعانة بحراس شخصيين، بل وبلغ العسف أن حرمت إسرائيل، في عام 2021، أكثر من 20 صحفيا فلسطينيا من مغادرة غزة والضفة الغربية الى وجهات خارجية، ثم أغلقت في آب/ أغسطس 2022، مكاتب سبع جمعيات فلسطينية لحقوق الإنسان، بزعم أنها تتواصل مع منظمات إرهابية.
استمرأت إسرائيل قمع الحريات الإعلامية لأنها ظلت تجد المؤازرة في ذلك من الحكومات ووسائل الإعلام الأوروبية والأمريكية، بـ "التواطؤ والصمت"، بل وترديد أن إسرائيل هي قلعة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، ومن ثم فهي حليف الغرب المؤتمن، وذراعه في ترويض وتدجين حكومات المنطقة. ولهذا لم يرتفع صوت رسمي أو صحفي أوروبي أو أمريكي يستنكر اختطاف إسرائيل، للخبير النووي مردخاي فعنونو من إيطاليا، وهو الذي كشف تفاصيل برنامج الأسلحة النووية الإسرائيلي للصحافة البريطانية عام 1986، ثم الزج به في السجن ل18 سنة، وحتى بعد الإفراج عنه عام 2004 ما زال فعنونو محروما من حرية الحركة والكلام، بل إن صحفيا بريطانيا تواصل مع فعنونو لإجراء حوار معه، بات ممنوعا من دخول إسرائيل "نهائيا".
كل هذا الهلع والجزع من التقارير الصحفية، يجعل من إسرائيل "المريب الذي يكاد يقول خذوني"، فهي تعلم ان سجلها في مجال حقوق الانسان مخزٍ ودموي، ومن ثم فهي تخاف من الكلمة والصورة، بدرجة أنها حظرت استخدام كلمة النكبة في وسائل الإعلام عند الإشارة لأحداث عام 1948، باعتبار أن بها حمولة دعائية معادية لإسرائيل. ومنذ عام 2016، صارت هناك إدارة خاصة في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تراقب وتلاحق المدونات وصفحات منصة فيسبوك التي تخص مواطنين إسرائيليين. وإسرائيل وعبر أصحاب الملايين الأمريكان اليهود، هي من تسعى لانتزاع حصة كبيرة من تطبيق تيك توك من الصين، لأن محتواه في السنوات الأخيرة، هو ما أدى إلى فضح جرائم الإبادة في غزة، ومن ثم تأليب الرأي العام الغربي عموما على إسرائيل.
والشاهد هو أن إسرائيل ظلت تمارس قمع الحريات الصحفية لتتستّر على جرائمها، ولكن ديمقراطية تداول المعلومات التي أتاحتها منصات التواصل التكنولوجية أسقط عنها ورقة التوت، فبات الرأي العام العالمي يراها على حقيقتها، بلا مكياج.
المزيد حول هذا الموضوع
عباس وفتح وحماس: قراءة في التوجهات


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق