‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. أسامة الأشقر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. أسامة الأشقر. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 7 يوليو 2026

ألف يومٍ من خذلان أصحاب أيّوب!

 ألف يومٍ من خذلان أصحاب أيّوب!

د. أسامة الأشقر

• تحدّث إليّ حزيناً بعد ألف يوم من الخذلان يشكو هذا الهمّ الثقيل الذي لحِق بأهله، وكاد أن ينهار من الشفقة والمَحْزَنة، فما كان لكلامي أن يصبّره إذ يرى هذا الواقع بعين الأزمة التي تطوّقه، والفاقة التي تحاصره، ولا تكاد عينُه الأخرى المرهقة الجاهدةُ مثلُها أن تنفتح على المشهد الأعلى الذي تتغيّر فيه دوائر الإغلاق البعيدة، وتنفتح مقتربةً إليه، تحمل البلسم للجروح المفتوحة والمتقرّحة.

• وذكّرتُه بأنّ نخبتكم إذا استدام صبرُها، وتَحصَّل ثباتُها فإنّها موعودة بالخلاص، وما هو أكبر؛ فابتسم الرجلُ لي وقال: لقد أكلتْنا الفاقة يا صديقي، وجعلتْنا كالفقراء الصعاليك!

• فضحكتُ لعبارته، وقلتُ له: روى الطبراني في المعجم الكبير أنّ سيدي رسول الله كان يستفتح بصعاليك المهاجرين! الذين وصفهم بأنهم هم (الذين يُعطُون كلّ الذي عليهم، ولا يأخذون الذي لهم) كما أنتم تعطُون أقصى ما عندكم، ولا تأخذون ما هو واجبٌ لكم وحقٌّ.

• وقد حكى لنا أبو سعيد الخدري: (جلستُ في عصابةٍ من ضُعَفاءِ المهاجرين، وإنَّ بعضهم لَيَستَتِرُ ببعضٍ من العُرْي، وقارئٌ يقرأُ علينا، إِذ جاء رسولُ الله صلوات ربي وسلامه عليه، فقام علينا، فلمّا قام علينا رسولُ الله سكت القارئ، فسلَّم، ثم قال: ما كنتم تصنعون؟ قلنا: يا رسولَ الله! كان قارئٌ لنا يقرأُ علينا، وكنا نَستَمِعُ إلى كتاب الله عز وجل، فقال رسولُ الله: الحمد لله الذي جعل من أُمّتي مَن أُمِرْتُ أَن أَصبر نَفسي معهم، وجلس رسولُ الله وَسْطَنَا، لِيَعْدِلَ بنفسه فينا، ثم قال بيده: هكذا، فَتَحَلَّقوا، وبَرَزَت وجوهُهم، قال: فما رأيتُ رسولَ الله عرف منهم أَحداً غيري، ثم قال رسولُ الله: أبشروا صَعَاليك المهاجرين بالنُّورِ التامّ يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل أَغنياء الناس بنصف يوم - وذلك خمسمائة سنة- !) رواه أبو داود والترمذي.

• وأوّلُ الناس وروداً على حوض رسول الله هم هؤلاء الفقراء الذين تنطبق صفاتهم على أحوالكم اليوم، فهم (الشَّعِثة رءوسُهم، الشَّحِبة وجوهُهم، الدَّنِسة ثيابُهم، لا يُفتح لهم السُّدَد، ولا يُنكَحون المتنعّمات؛ الذين يعطون كلّ الذي عليهم، ولا يأخذون الذي لهم)، رواه أحمد في مسنده.

• قلت لصاحبي: أتدري ما معنى يستفتح بهم؟ إنه يستنصر بهم، أو أنه يفتتح القتال بهم لأنهم لم يعودوا يبالون بهذه الدنيا من شدّة ما تركتهم!

• كان سيدي رسول الله يتيّمن بأمثالكم من الفقراء المحرومين، ويطلب الظفر من الله ببركتهم وثباتهم وتجرّدهم وإقدامهم، فأنتم حبال النجاة وفواتح البركات لهذه الأمّة، وعِماد قيامتها القادمة، فأبشروا بسعة من الله وبركة، فلن يخذلكم أبداً!

 

الاثنين، 25 مايو 2026

أيُرضيكم هذا!

  أيُرضيكم هذا!



  د. أسامة الأشقر


1- تُقبل علينا أيّام العيد، وقد تكيّفت فطنةُ الناس أنّ السنوات القادمة ستكون في الخيام، وأنّ عليهم أن يشقّوا طريقهم معها كما فعلوا من قبلُ، فيمكن لهذه الخيام أن تتحوّل إلى غرف صغيرة مثبّتة ببعض الجدران الخشبيّة، ألا ترى كيف ارتفع سعر الخشب الغالي إلى نحو عشرة أضعاف!

2- المشكلات كلها كبيرة ثقيلة، لكن أكبر المشكلات البعيدة الأثر أنّ فرص العمل باتت شبه معدومة، وهي فرص صغيرة تضعك في مرحلة ما قبل الحدود الدنيا للمَسْغَبة والمَتْرَبة؛ والفقرُ لا يدخل قرية إلا أفسدها أشد مما يفعل الترف بأهله.

3- وحتى إن كنتَ ذا عملٍ فلا يعني أنّك ستكون ذا مال، فأكثر الحسابات المصرفية الآن تتعرّض للتجميد والإيقاف لأدنى سبب تافه لكي يمنعوا أصحاب الحسابات من إتاحة حساباتهم لتغطية بعض حوائج الجيران والأهل، وأعرف العديد من الأصدقاء الذين لا يستطيعون صرف رواتبهم منذ ثلاثة أشهر بسبب ذلك، وليس الحلّ بتوفير النقد فقومنا ليس لديهم نقود وطنية، والتعاملُ بالشيكل، وفرق سعر الدولار بين الحساب والنقد نحو سبعين شيكلاً .

4- تخيّل أنك ترسل مائة دولار لأهلك أو إخوانك، فيأخذ الصرّافون والوسطاء الإجباريون منك مبالغ قد تصل إلى 20% أو أكثر منها، ثم إذا أرتَ تحويلها إلى نقدٍ يُخصَم منها مثلها أو أكثر، وحتى إن حصلتَ عليها فإن أكثر العملة تالفٌ مهترئ بسبب كثرة التداول، وستجد كثيرين يقولون لك إنها غير صالحة للاستخدام.

5- حتى الآن لم تستطع هذه الدول العاجزة أن تفتح معبراً وطنياً يمثّل شرف أمّتها، وما يزال الدواء والوقود وكثير من الضروريات والاحتياجات ممنوعاً، بل إن كثيراً من الواصل إلى أهلنا ما زال يخضع للابتزاز والنهب المنظّم والسحت قبل أن يصل إلى منصة التوزيع أو البيع.

6- هم يريدون لنا الفوضى حقّاً، فما تزال اللجنة الإدارية التي اختاروها هم ممنوعة من ممارسة أدوارها، وما تزال رجوم العدوّ تضرب كل مجموعة تحاول تنظيم الأمور وسط الكارثة بالنار الثقيلة والفتك الميدانيّ المباشر.

7- نعلم أنهم يريدون التضحية بنا في يوم الأضحى الذي لا نجد فيها الأضاحي، ويريدون تجويعنا وحرماننا من بركة هذا العيد وتوسِعاته، ولكننا نعلم أيضاً ذُقنا الأمرّ من هذا، وأن الصبر محشوّ بضمائر الثبات والاحتمال والقوّة، وأنّ اللهَ بالِغُ أمرِه، ولن يلبث هذا الأذى أن يتحوّل إلى مَن كان سبباً فيه، وسيشفي الله الغيظَ.

8- موقنون وجازمون أنه لن تجدي سياسات قهر هذا المجتمع الثابت المؤمن وإذلاله وتجويعه أيها الأوغاد المجرمون، ففي أرحام هذه الخيام المصفوفة تتشكّل أرتالُ مجتمعٍ نوعيّ جديد عنيد تسمعهم يردّدون بإصرار في يوم عيدهم: 

الله أكبر، الله أكبر… الله أكبر، ولله الحمد!

9- وهناك مساهمة واجبة منتظَرة لا يجوز أن تتأخّر في سرعة نجدة هذه الخيام، وحماية هذه الثلّة المؤمنة الثابتة فيها، والتفكير السريع الجادّ في تغيير واقعها، ونقلها إلى مربّع أكثر قدرة على احتمال هذا التعسّف والخذلان.

الاثنين، 6 أبريل 2026

أمَا وقد منعوا مساجد الله وسعوا في خرابها!

أمَا وقد منعوا مساجد الله وسعوا في خرابها!

1- افتحْ مصحفك، أو اسمع كلام الله يقول لك: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم)

2- إنه يقول لك: لا أحد أظلمُ من هؤلاء الذين يصدّون عن المواضع التي يسجدون فيها لله، ولا أحد أظلم ممن يسعى في خرابها بتعطيل شعائرها، أو تفريغها من الناس أو نقضها أو تغيير وظيفتها بتحويلها إلى غير ما بُنيت له.

3- وإنه يقول لك: إن الأوغاد الذي يفعلون ذلك كان حقّهم ألا يدخلوا هذه المساجد إلا خائفين، إذ لا يجوز لهم أن يدخلوها بحالٍ، ويجب أن يؤدَّبوا ويعاقَبوا على تجاوزهم بدخولها.

4- وهذا هو عين ما يجري في مسجدنا المأسور المقدّس منعاً وتخريباً؛ وكان الأجدرُ بكلّ أحد أن يمنع وقوع هذا الظلم الكبير الذي لا يقاربه ظلمٌ وفق البيان القرآنيّ، وذلك بالاستنفار الكامل والمقارعة بكل ما يُستعان به.

5- وبما أن هذه الأمّة قد بلغت مستوى من الانحطاط والخزي ما بلَغَتْه فإنّ الغَيْرة قد وجبت بإظهار الغضبة وإعلان النفير، وأوّل ما يبدأ النفير  بأن ننبّه الناس إلى هذا الظلم الكبير بصلاة الجمعة في مساجدنا المركزية الكبيرة في الساحات العامة والطرقات في يوم واحد وليس داخل المساجد لإظهار معنى المنع وفداحة الظلم بصورة عملية، ونخرج بصوت واحد في ساحات مسجد آيا صوفيا وجامع الفاتح والجامع الأزهر والجامع الأموي وجامع القيروان وجوامع الأمّة التاريخية وجوامعها الكبيرة خاصّة بأن إغلاق مسجدنا المقدّس عمل حربيّ يستدعي النفير الشامل، وأن الصمت جريمة لا تُغتفَر، وأن الواجب الآن قد انعقد بالمتاح لكسر هذا العدوان وإرغام العدوّ على فتح مسجدنا وتمكين عُمّاره من الصلاة فيه والسيادة عليه.

السبت، 17 يناير 2026

مجلس الوصاية!

 مجلس الوصاية!



د. أسامة الأشقر



1- مهمة مجلس السلام الأولى أن ينزع السلاح من أصحاب الحق طوعاً أو كرهاً، وأن يدمر عيون الأرض التي كانت تعمي أعداءهم، وأن ينشئ جهازاً شرطياً توجّهه ما سموها قوة استقرار دولية.

2- تعيين لجنة إدارية بدون خلفيات سياسية أو طموح سياسي لإدارة شؤون القطاع يعني توطين الأزمة واستمرار الظلم وترحيل المشكلات إلى مزيد من غياهب التعقيد.

3- هذه اللجنة من “التكنوقراط” لن تحتمل مواجهة الضغوط المحلية الهائلة واحتياجاتها الضرورية، ولن يستطيع مجلس الوصاية الذي يهيمن عليه الأمريكان أن يتركها دون أن يحرجها ويضعها في مواجهة شرسة مع قوى المجتمع، وهي مواجهة خاسرة بلا شك.

4- الزجّ بدول الوساطة العربية والإسلامية في عضوية مجلس الإدارة يهدف إلى تحييدها بالأساس، وتغليفها بمسحة إقليمية، ومحاولة تحميلها نتيجة القرارات التي تصبّ في صالح الأوغاد الزُّرق، مما يجعلها مطالَبةً دائماً بأن تكون جاهزة لتخفيف جموح السياسة الأمريكية ونفوذها الكبير في صناعة القرار داخل هذه الإدارة.

5- الإيجابية المتوفرة هو أنّ أهل الثغر لن يتحمّلوا كلفة الإدارة الشاقة لمتطلبات الحياة اليومية ومعايش الناس، وأنّ هذه اللجنة من أبناء المنطقة، وأنّ وجودها مؤشّر على بدء عودة الحياة.

6- قوة الاستقرار غير المسنودة بسقف أمميّ وقانونيّ ودعم كامل من أهل الشأن قد تتحوّل إلى قوة هيمنة قد تتسبب في الكثير من الاحتكاك غير السلميّ.

7- لا يوجد حديث عن موضوع التدخل العدوانيّ الدائم وسياسة الاغتيالات للعدوّ مما يعني أنّ الأمور ستبقى ملتهبة، وسيبقى الصفيح ساخناً، وسيبقى الحبل مشدوداً بأوتار التوتّر العالي بسبب الانحياز الكامل للعدوّ في موضوع الأمن الذي يتجاهل أمن أهلنا.

8- تجارب إعادة الإعمار سابقاً كلها ذات سمعة سيئة، وتدخّلات العدوّ في التفاصيل وفي السلع وفي الطرق وفي المسارات ستجعل المسار قابلاً للتقويض السريع وانقطاع الرجاء في صلاح هذا المشروع.

9- إنّه مشروع سلام بلا محتوى سلميّ ولا حقوق سلام ولا سيادة، وهو نزع سلاح بلا تسويات، وإعادة إعمار بلا ضمانات ولا التزامات، بل إنه لا يتحدث عن قرار واضح برفع الحصار عن هذا الشعب وهذه الأرض، وبالتالي فإن مجلس الوصاية هذا سيعيش مؤقتاً ليدير أزمةً بإدارة جديدة ليخوض تجربةً فاشلة جديدة، ولكن بمهلةٍ اضطراريّة لن يحلو للأعداء أن تستمر عليها طويلاً.

10- مجلس الوصاية هذا هو نموذج جديد لإرادة التدخّل الفوقيّة بغرض إدارة الصراع دون تقديم أي رؤية للحلّ، وبالتالي هو مشروع وليدٍ ينتظر شهادة وفاة متأخّرة الصدور كغيره من المشروعات التي يعلم الجميع أنها جنين ميت لكنهم أخرجوه بعملية ليكتبوا له ميراثاً.

الخميس، 11 ديسمبر 2025

نحو استئناف الطوفان واستثماره!

 نحو استئناف الطوفان واستثماره!

مؤرخ وروائي فلسطيني

1- عندما تخرج مؤقّتاً من معركة طويلة وأنت مثخن بالجراح، وأنتَ ما زلتَ في تيار المواجهة الشاملة فإن من سوء التدبير أن تضعف نفسك فوق ضعفها وأن تتلف موارد قوتك المحدودة.

2- يمكنك أن تخوض المعركة بالرواحل الموثوقة، وبأنصاف الرواحل، وبأرباعها وبأعشارها، ولم تكن سلامة الصف من تكتيكات القتال إلا في مواسم محدودة كما في مواسم البيعات الفاصلة، وتكون مؤقتة، وعندما تتأملون سيرة المصطفى فستجدون أن أكثر معاركه كان يسوق فيها المنافقين أو الحلفاء الطامعين في الغنيمة أو الظهور أو كانوا فيها عصبيةً وحَميّة، بل كانوا في بعض الغزوات فاشين فيها.

3- هذه الحروب الطويلة الشاملة تكشف الكثير من الثغرات والعيوب وربما الكوارث التي كانت كامنةً فيكَ أصلاً، لكنك تستّرتَ عليها أو تأخرتَ في علاجها أو عجزتَ عن إصلاحها، حتى استعْصَتْ، وهذا الظرف الآن هو الأسوأ في معالجتها لأنّك شديد الضعف، ثقيل الأعباء جدّاً أضعافَ ما كنتَ تتثاقل به سابقاً.

4- أولوياتُك الآن ينبغي أن تكون في مربع زيادة قدراتك وتوسيع ماعونها وتركيزها في مواجهة العدو، وليس تشتيتها في مواجهات داخلية ستنال منك وتسحب من رصيد قوتك، وتشْغلك، وهو ما يستثمر فيه العدوّ استثماراً هائلاً غير مكلف؛ وليس أمامك سوى أن تحاول مواكبة المستوى العالي من ذلك الطوفان بركوب موجةٍ من موجاته أو تركض مع إحداها قبل أن تذهب بعيداً عنك.

5- لعل العلاج الناجع الآن هو أن تجرّ المرضى جميعاً إلى مائدة الشفاء في أمر لا يستطيع فيه المريض أن يقول لك فيه لا، لأنّه قبل أن يتمكّن فيه المرض كان مثلك، والمشترك بينك وبينه أكثر بكثير من المفترق بينكما، فقد كان مشربكما ومطعمكما واحداً، وكانت تحليتكم واحدة، وما يزال أكثرها كذلك إذا تأمّلتم.

6- ولم أجِد علاجاً شافياً على سنّة المصطفى عليه الصلاة والسلام مثل إعادة برمجة الانغماس في أولويات العمل، ولاسيما ذروة سنامه، واختيار ساحاته المؤهّلة، في سياق ثوريّ شاملٍ يَستصحب الجميعَ – كيف كانوا وأينما كانوا- نحو الهدف الجامع الأوّل الذي قمتم به وعليه، وتباركتم به وعليه.

السبت، 15 مارس 2025

رمضان يُشْبِهنا!

 رمضان يُشْبِهنا!

مؤرخ وروائي فلسطيني

1- الفائزون في رمضان هم الذين أدركوا معنى الشدّة فيه، فلم تقسوا قلوبهم، بل تداوت بالشدّة، واستَشفت بالحرمان.


2- وهم الذين أدركوا أن النهوض من حرائق الشدّة لا يكون بالتسخّط والاتهام وتوزيع الشتائم والاصطفاف السياسي الخانق والجمود على وضع سابق، فهذا أمر تنفيسيّ معتادٌ يفعله كل أحد؛ والشعوب التي تنشغل بمرض التنفيس تنغمس في الوحل فتفتك بقوّتها الباقية، وتؤسس لمزيد من الصراع الدوّار.


3- وكنتُ عندما أتأمّل هذه الآية: (قل أرأيتم إن أصبح ماؤُكم غَوْراً فمن يأتيكم بماء مَعِين) أقول: إنّه لا يفهم معناها إلا الراضون بقضاء الله، فهم الأكثر جدارةً واستعداداً للخطوة التالية بحكمة وتوازن.


4- وهناك نوعان من الرضا: رضاً يكون عند وقوع الشدّة والالتحام بها والاصطدام بموجاتها المتتابعة، تجدهم يحوّلون ذروة مَوجِها إلى ناحية أخرى وكأنّهم كانوا يتوقعون صدمتها، فهذا رضا رحمانيّ يَهَبُه الله للمصطفَين من عباده، ولاسيما إذا كان مستديماً ثابتاً؛ وهناك رضا جماعيّ يكون بعد الكارثة التي أصابت الجميع، فيتساوون في البلاء، وأفضلُ مواضعه أن يكون رضاً جماعيّاً غالباً على عامّة الناس، وأصبح ظاهرةً متمكنةً فيهم.


5- في أرض الثغر هنا لا تملك إلا أن تقول: سبحان مَن علّم الناسَ الرضا، ورضّاهم بهذا الواقع بعد كل هذا الدمار! فقد كانت مثيراتُ السخط وبواعثه تملأ كل ناحية، حتى لو رفعتَ حجراً فسَيَصْدر عنه أنينٌ حزينٌ، وسخطٌ ناطقٌ.


6- تمشي الناسُ في أطلال الأسواق الآن كأنهم لم يمشوا إليها من قبلُ، ويشترون بالقليل الذائب في أيديهم، وأكثر كلامهم: الحمد لله ربّ العالمين!


7- يقول صاحبي: نحو ستين ألف مولود جديد يَنبتُ أثناء الحرب، إنها إرادةُ حياةٍ، إن الله يجدّد أرواحهم، ويبثّ رحمته فيهم بهذا اللطف الساري!


8- يقول آخر: وآلاف عقود الزواج عُقِدت بين ثنايا الحرب وبعدها، لقد جاء الوقتُ الذي يكون فيها الزواجُ علامةً على الإيمان والقوّة، ورسالةً دالةً على التحدّي والثبات، وإرادةً تقاتل العدوّ بالفطرة.


9- يقول ثالثٌ: ما يقولون عنه حرّية ليس هو الحرية، الحرّية معنى قائمٌ بالنفس له مذاقٌ ساحرٌ ، ولقد تعلّمنا أن مذاق الحرية لا يناله إلا مَن انتزعها بأسنانه من فم الصائد المفترس، ويمكن أن تشم رائحة الحرية من لثام ذاك المقاتل الذي دخل على العدوّ البابَ.


10- إننا أمّة تتجدّد ولا تتبدّد، أمّةٌ محروسة بلطف الله وعونه الدائم وتوفيقه المتّصل، ونحن شعوب رائدة قادرةٌ مشحونة بالتحدّي وإرادة البقاء وأرواح الحياة.


11- والواجبُ الآن في زمان البركة هذا ومحل البركة التي رزقنا الله المكث فيها أن ننمّي هذه الإرادة بتكسير أية مشاعر محبطة، وعزل المؤثرات السالبة، وإنعاش مجتمعاتنا بما يَرْويها في حملات متصلة تبثّ فيها الفَخار بما صبرت وعانت، وتُذكّرها بأن ثباتها العجيب يعني أنّ الله اختارها لتبقى وتعمر وتكون خليفةً في هذه الأرض التي تستحقّها بجدارة!

الاثنين، 27 يناير 2025

من ورائهم محيط!

 من ورائهم محيط! 



د. أسامة الأشقر

مؤرخ وروائي فلسطيني




1 – لا أجد كلمةً أتعزّى بها وأعزّي أهلي ورفاقي، وأمدّ بها الأمل إذا تعرّضوا لاعتداءِ ظالمٍ، أو عِنادِ جبّارٍ متكبّر، أو تطاوُل وغدٍ متعصّب إلا أن أقول: إن الله ربّي من ورائكم فلا تيأسوا!

2 – لأنني أعلم أنّ الله تعالى (من ورائهم محيط) سيسلط عليهم عذاباً لا يفلتون منه، وهلاكاً لن ينجوا منه، ورَهَقاً لا ينفكّ عنهم وعن ملئهم الأعلى الذي يُظاهِرهم.

3 – هذه “الوراء” ليست جهةً تعني الخلف، بدليل أنه قال “محيط”، والإحاطة تنفتح على كل الجهات، تعني الأمام والخلف وتعني الميمنة والميسرة، وتعني الفوقية والتحتية، بل هي تمثيل مستعار للأمر الذي يصيب هؤلاء لا محالة من حيث يظنون أنه لا يصيبهم.

4- وهو تمثيل للحال الذي ينتظرهم وهم في غفلة عن الله الربّ المتعالي، وكأن الهلاك قد أحاط بهم من جانب وهم لا يعلمون، فإذا راموا النجاة، وفرّوا وجدوا الهلاك محيطاً بهم يأخذهم أخذاً وبيلاً.

5 – واستخدام الوراء في هذا المعنى لعله بسبب أن أي مقاتل يؤمّن ما وراءهم ومن وراءه ويحميه، ويسد كل ثغراته قبل أن يتقدّم، ويحصّنه لاحتمال الانسحاب إليه، ويحسب حساباً للخطر الذي أمامه، فإذا جاءه من ورائه فقد انسدّت عليه السبل، ووقع في حصار مميت لأنّ المحاط به في حقيقة الأمر محصور محاصَر لن ينجو من القضاء الذي سيحلّ به.

6 – ومثل ذلك المعنى الحديث الصحيح: (إنَّما الإمامُ جُنَّة يُتَّقى بهِ، ويُقاتَلُ مِن ورائه)، فهذا الإمام القائد تراه وراءك: أمامك وخلفك، وعن يمينك ويسارك، تجده بذاته يقاتل إلى جانبك، وبخطته، وبعزيمته، ومساندته، وتراه جنده يستديرون من حوله ويحيطون به لأنهم يعلمون أنّه لن يخذلهم ولن يتركهم في المعركة، فتخيّروا لأئمتكم وقياداتكم!

7 – وكلمة “الوراء هنا رغم سطوع المكان فيها، وظهور معنى الظرفية إلا أنّ الزمان يتسلل إلى هذا المعنى، فكل وراء لها قدّام، وتسلسل الأحداث يبدأ خطوة خطوة، فكل خطوة تتقدم تصبح قُدّاماً، وكل خطوة تتأخر تصبح وراء، فتصبح الوراء ماضياً، ولكنها لا تنفك عن امتدادها الأمامي، ولا تنفصل عنه، يتتابعان في اتصالٍ.

8 – والذين ظنّوا أن تأويل “الوراء” يكون بـ”قدّام” وقَعوا في التسلسل المتصوّر في طبيعة التقدم والتأخر زمانياً، وظنوا أن “وراء” من أضداد “قُدّام” و”أمام”، وفاتهم أن “الوراء” ظرف يتضمن معنى التواري والاستتار، ولخفائه على الغافل فإنه لا يراه أمامه، ويظنّه خلفه، الذي كان قد مرّ به سابقاً ولم يره.

9 – وليس هذا فحسب، بل إنك عندما تقول لأحد “وراءَكَ بردٌ شديد” فهذا يعني أن هذا البرد سيلحقك، ويدركك، وكأنه صار بين يديك، فلا تحسبوا أن الله سبحانه لن يلاحق هؤلاء الظالمين، ولن ينتقم منهم، بل إن لهم موعداً كالطوفان يلاحقهم من ورائهم، وسيغرقهم لا محالة.

الاثنين، 28 أكتوبر 2024

ميزان الشماتة!

 ميزان الشماتة!

مؤرخ وروائي فلسطيني

سألني بعض الفضلاء عن موجة الشماتة التي تجتاح وسائط التواصل في هذه الأيام وكيف ينبغي التعامل معها وتقدير الحال فيها، فكتبتُ له:

1- الشماتة أن يفرح المرء ببليّة تصيب فرداً أو جماعة؛ وهذا الخلق موقفٌ فيه توحّشٌ نفسيٌّ في أصله، والنظر إليه يكون باعتبار أركانه وجهاته، فقد يكون خلقاً بغيضاً مكروهاً، وقد يكون مطلوباً مرغوباً، وقد يكون متردداً إذا داخلته الفتنة واختلف فيه تقدير المصلحة.

2- فالشماتة في وجهٍ هي بغْيٌ وعدوان قوليّ على أعراض المسلمين وخصوصياتهم وأمنهم الاجتماعي؛ وهي ناتج من نواتج البغضاء أو الحسد؛ وهي لؤمٌ في أصل الطبع والتركيب النفسي؛ لذلك فإن أكثر من يستخدمها هم الأعداء في الحروب المستعرة؛ وهو ما رأيناه من استعاذة النبي صلوات ربي وسلامه عليه من شماتة الأعداء، فشماتة الأعداء مما ينكأ القلب، وتبلغ به النفس أشد مبلغ؛ وقد قال هارون لأخيه موسى عليهما السلام: «ولا تشمت بي الأعداء”، أي لا تفرحهم بما تصيبني به؛ والعدو هو كل من ساءه ما يفرحكَ أو أفرحه ما يصيبك من شر.

3- ولك أن تتخيّل أن تصيب إنساناً مصيبة تكسره فيفرح لها هذا الشخص؛ أو يراه واقعاً في ذنب عظيم فيفرح لوقوعه فيه؛ ولذلك قرر العلماء أن الشماتة بمصائب المسلمين من كبائر الذنوب الموجبة لتوبة صادقة، بل إن بعضهم جعل الفرحَ المجهور به بالمصائب العظيمة أو الكوارث الكبيرة التي تلحق بالمسلمين في الجملة أو الخصوص من أنواع الكفر المخرج من الملة لأن ذلك يعطي الدليل على تمكّن الكراهية في نفسه من أهل الإسلام، ولا تكون نفسٌ بهذا الشعور إلا نفساً منافِقة.

4- وقد جاء النهي واضحاً وصريحاً عن الشماتة بمصائب المسلمين بدليل ما أخرجه الترمذي من حديث واثلة بن الأسقع عن النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك»؛ وفي رواية للترمذي مرفوعا: [من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله]. قال الإمام أحمد في تفسير الذنب إنه الذنب الذي قد تاب منه.

5- لكن للشماتة وجهاً آخر تكون فيه مباحة بل ومأموراُ بها أيضاً كالشماتة بمصيبة الغادر والظالم والعدو المتجبّر؛ فإن الشماتة بهم تشفي صدور المظلومين والضحايا؛ وتعطي العبرة لمن يقع في أعراض الناس ويؤذي مشاعرهم بلا مبرر ؛ وقديماً قالوا: إن لكل عاثر راحماً إلا الغادر، فإن القلوب مجمعة على الشماتة بمصرعه ؛ ولذلك أَفْتَى سلطان العلماء العز العزّ ابن عبد السلام أنّه لا مَلام بالفرح بموت العدوّ ومن حيث انقطاعُ شرّه عنه وكفايةُ ضرره؛ بل تكون الشماتة مأموراً بها إذا لم يقدر المرء على إنكار المنكر الجليّ بيده أو لسانه المؤثر المسموع له ؛ وتكون واجبة أيضاً عند الدفاع عن أعراض المسلمين كما فعل حسان بن ثابت بالشماتة من قتلى قريش وساداتها يوم بدر في أشعاره الكاوية ؛ لما في ذلك من إغاظة الأعداء وإحراق نفوسهم ؛ ولهذا كله ذكر الله فرح المؤمنين بنصر الله رغم أن في إظهار هذا الفرح شماتة بالمهزوم المنكسر.

إن المصائبَ تنتهي أوقاتُها *** وشماتةُ الأعداءِ بالمرصادِ

6- وهذه الشماتة الواجبة أو المستحبّة ليست مفتوحة، بل هي مقدرة بقدرها لأن الشماتة هي تنفيس علاجيّ يرمم النفوس المقهورة، ويستعيد الشعور بجرحها فلا يتعاطى مع أسبابها، وهي ليست أداة ووسيلة للتغيير أو الإصلاح، لأنّ مركب المقت والحقد فيها ينطوي على تعديلات نفسية خطيرة تبيح للمرء أن يقهر ويظلم ويتجاوز ويستحلّ ويعم بالشر تحت تبرير نفسيّ قويّ؛ كما أن الانفتاح فيها قد يؤدي إلى خلل التوازن في تقدير الأشياء ووزنها لاسيما في الخطوب الكبيرة التي تختلط فيها الأشياء الصالحة والطالحة، وتتعقد فيها الخطوط القريبة والبعيدة، وتتداخل فيها المصالح والمفاسد.

7- ولهذا ننصح ذوي الرأي المعتبر في سلّم القيادة والتأثير دائماً أن يضبطوا ميزانهم على تقدير المصالح القريبة والمتوسطة والبعيدة، وليس على جموح النفس وغضبها والانسياق وراء ثورة الغضب المحبوس لدى الجمهور المظلوم واتجاهاته غير المحسوبة، ولا يعني هذا أن يغيّروا ما بأنفسهم من مشاعر غضب صادقة وحزن محفور في العمق، وهو أمر عسير حقّاً، لكن لا مناص من النصيحة به في الفتن خاصّة، وعند اختلاف الرأي بين الصالحين في تقدير حظ الشماتة وسهمها وتأثيرها على مصالح كل قوم أو قُطر أو ظرف، لاسيما إذا كان ثمة اشتراك بين الشماتة الواجبة بعدوّ ما يستفيد منها عدوّ آخر متربّص يستفيد منها في حربنا أجمعين، فندخل في مفهوم شماتة الأعداء التي تعوّذ رسولُ الله منها.

الأربعاء، 31 يوليو 2024

السعيد!

 السعيد!

د. أسامة الأشقر

د. أسامة الأشقر

مؤرخ وروائي فلسطيني

 الآن قُمْ، وامسح دمعتك بكُمّك، والبَس أحسن زِيّك، وارفع رأسَك، واضرب بقدمك، وأدّ التحيّة شامخاً ثابتاً، فنحن قومٌ إذا حزِنّا قُمنا، وإذا قُمنا لا نَقعُد!

وإننا من قوم لا نكاد نموت إلا تحت ظلال السيوف، وإن يَسعَد منّا أحدٌ باصطفاء الله له فإنّك ستجد مِن بعده خلَفاً أشدّ، فالتربة حيّة خَصيبة، وغيث الله لا ينقطع عنها.

نحسبك الآن سيّدي من السعداء، فقد حَسُنَتْ في المسارعة إلى السعادة نِيتُك، وعظُمت في سبيل الله تعالى حِسْبتُك، ونِلتَ ما كنت تتمنّى مِن أشرف الميتات وأجلّ الخواتيم.

وإننا نعلم أنّك كنتَ في مقام السعادة وأنتَ حيّ، وحِيزَت لك الكرامةُ قبل أن تقوم بك، وكنّا نعلم أن هذا المقام يليق بك، فكنتَ على مثال السعداء في غضبك وثورتك، وفي لينك ورحمتك، في إقبالك وإدبارك، وفي سرّك وعلانيتك، وفي عبادتك وساعتك، وفي قرارك ومراجعتك.

لقد كنتَ متوفّر الهمّة في اجتهادك، ظاهر الجدّ في جهادك، وكنتَ تأخذ بعنان فرسك في أي ميدان تسابق به، وتتعرّض للغارة في أي عزيمة تعزمها، وتدنو من الموت في كل ساعة تدخل عليك، وتحفر قبرك في أي موضع تكون فيه، وحسبُك أنّك لم تقض أجلَك إلا في محلّ تستدعي فيه الدعم والإسناد لعسكرك وجندك، وأدرككَ الأجلُ مهاجراً إلى الله في أقطاره، متاجراً معه في تصاريفه وأقداره.

وما زلنا نذكُر كيف حرّض الأوغاد على طردك من محلك الذي تقيم فيه، فقال لهم عارفٌ: لقد فقد هذا الرجلُ أكثر أبنائه وأهله فلم يهتزّ، فهل تظنونه سيتراجع أو يتأخّر إذا أخرجناه!

ندعو لكم أيها الكبار الماضون إلى رحاب الله بدعاء الفاروق عمر عندما بلغه نبأ ارتقاء ثلة من المؤمنين الفاتحين: لقد (أكرم الله بالشهادة فريقاً من المؤمنين، فهنيئاً لهم برضا ربّهم، وكرامته إيّاهم، ونسأله ألّا يحرمنا أجرهم، وألّا يفتننا بعدهم، فقد نصحوا لله، وقضوا ما عليهم، ولربهم كانوا يعملون، ولأنفسهم كانوا يهتدون).

الخميس، 25 يوليو 2024

إنّنا أقوى وأبصَر وأسمَع... وإنّنا لقادمون !

 إنّنا أقوى وأبصَر وأسمَع... وإنّنا لقادمون !



د. أسامة الأشقر
مؤرخ وروائي فلسطين

1. لقد تغيّرت ملامحنا، وذابت شحومنا، ونَحَلت أبدانُنا، وكتمَتْ وجوهُنا واصفرّت، وبزرت عظامنا وتحدّدت، وقد خاف أولادنا، ورُوِّعت نساؤنا، وضاق الخناق على رقابنا، ولا نجد طعاماً نقتاته، ولا شراب صالحٌ نقوم به، ولا دواءٌ يخفّف عنّا ما نعانيه، وقد تشرّدنا تحت السماء المكشوفة، وليس لنا منزل يؤوينا، ولا مكان نأمن فيه أو يسترنا.
2. إنّنا بشر ضِعافٌ: نظنّ، وننسى، وهذا اليأسُ يَضربنا حقّاً، والضغط الرهيبُ يمسّنا جميعاً بالجنون، ونَهِيم على وجوهنا كل ساعة، لا يردّنا إلى مسؤوليّاتنا إلا أفئدة ما تزال معجونة ببقايا الصبر المتصدِّع الذي لم يجِد محلّاً ينزله سوى قلوبنا المزدحمة بالأسى.
3. لقد تناهت هذه الشدّة، واستطالت هذه المدّة، وتقطّعت حبال الصبر، وإننا ما زلنا لا نرتاب في وعد الله، ولا نشكّ في قرب الإسعاف والنصر، ونعلم أن أقدار الله تجري على حكمته، وتتصرّف على مشيئته وتدبيره.
4. هناك روحٌ لم نكن نعرفها قد استوطنت فينا، لقد غيّرتنا، جعلتْنا أقوى مما كنّا نظنّه في قدراتنا وتحمُّلنا، أو أنّها جعلتنا مختلفين كشفت عن حقيقتنا التي كنّا نتدرّب على إعلانها وظهور علاماتها دون أن ندري.
5. ربّما أصبحنا أكثر عِناداً في وعينا ونظام تفكيرنا، فلهذا لم ننزح خارج أوطاننا، وظللنا قريبين من أنقاض بيوتنا، وتمسّكنا بحب أولئك الذين يسيحون في النضال والمدافعة، ويقاتلون بشرفٍ عنيدٍ.
6. هذه الروح جعلتنا نملك أنفسنا، وبدأنا نفهمها، بل نتحكّم فيها قليلاً، وبعضنا يتحكّم فيها كثيراً مع اشتداد الكرب، وتذكرتُ وصيّة أبي بكر لعمر الفاروق يوم استخلفه من بعده: "إن أول ما أحذّرك نفسك التي بين جنبيك"، لقد كان يرشده إلى روحه الطاهرة التي ينبغي أن يرشدها ويساعدها لتظهر وتنكشف أكثر وأكثر بكسر الألفة والعادة.
7. رأينا هذه الأرواح الجديدة ترى بغير العين التي كنّا نرى بها، وبغير الأذن التي كنّا بها نسمع، هي تعيش بهذه الكلمات النبويّة: (إنّ الفرَج مع الكرب، وإن مع العسر يُسراً)، وهي تدرك أكثر منّا هذه المعاني الصادرة من مشكاة النبوّة: (ضَحِك ربُّنا من قُنوط عباده وقُرْب غِيَره)، هذه الأرواح المُلهَمة ترى قرب الفرَج وتغيّر الحال بوضوح كاشفٍ بين ركام القنوط وزلازل اليأس وشدّة الإبلاس، وهي تعلم أن الله يضحك رحمةً بعباده الذي ينزّل اللطف عليهم في بلائهم، وهم لا يشعرون.
8. إنها الروح التي تدرك أنّ الله هو الذي ينزّل الغيث من بعد ما قنط عبادُه من احتباس القطر وأبلَسوا، وهو الذي ينشر رحمته عليهم، وسيضحك لهم وهم يستبشرون بغيثه الذي يصيب به مَن يشاء منهم.
9. هذه الروح نهَلت من فقه أُمّنا السيدة عائشة الصِّدّيقة في قوله تعالى: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}، تقول: واللَّهِ ما وعَد اللَّهُ رسولَه من شيء قَطُّ إلا عَلم أنه كائنٌ قبل أن يموت، ولكن لم يزل البلاء بالرسل، حتى خافوا أن يكون من معهم يكذّبونهم. رواه البخاريّ
10. لقد أضاءت لنا هذه الروح الظلمات التي كانت تلُفّ طرق عبورنا، وطرائق أعمالنا، وكشفت لنا مواضع الخطأ في مسارنا، وأغلقت علينا الكثير من دروب الوهم وخطط التأخير ومنازل الاستعراض والادّعاء، وعرّفتنا سُبلَنا، وجعلتنا أقوى وأبصَر وأسمَع، وإنّنا لَقادمون !
د. أسامة الأشقر