‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد سرميني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد سرميني. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 9 يناير 2025

شهر على التحرير: سوريا إلى أين؟

شهر على التحرير: سوريا إلى أين؟

قبل شهر واحد فقط، شهدت سوريا لحظة تاريخية تحررت فيها من قيود استمرت خمسين عامًا. لم تكن هذه اللحظة مجرد حدث سياسي، بل كانت انفجارًا إنسانيًا غير مسبوق. يعيش السوريون اليوم فرحة لم تعهدها البلاد منذ نصف قرن، إذ تنبض شوارع المدن بالحياة مجددًا، وتحولت الساحات العامة إلى مسارح احتفالية تُعبر عن حرية طال انتظارها. إنها لحظة تحمل في طياتها مزيجًا من الأمل والتحدي.

لم تكن العقود الخمسة الماضية مجرد سنوات استبداد سياسي، بل كانت سجنًا كبيرًا ضم كل فرد من الشعب السوري. فجأة، وجد السوريون أنفسهم خارج هذا السجن الكبير؛ أحرارًا في حركتهم، تعبيرهم، وحتى أحلامهم. هذه الحرية التي طال انتظارها كانت كفيلة بإحداث صدمة وجدانية، إذ يختلط الفرح بالذهول، وتتعاقب لحظات الحماس مع أسئلة القلق حول المستقبل.

مع التحرر، بدأت تتكشف حقائق موجعة عن المعاناة التي عاشها السوريون لعقود. قصص الاعتقال والتعذيب، الإخفاء القسري، فقدان الأحبة، ودمار المنازل والمدن باتت تروى بكل صدق.

إنها قصص تفوق الوصف، وتحمل معها دروسًا عميقة عن معاني الصمود الإنساني. هذا الألم الذي لم يُسجل التاريخ مثله من قبل يشكل اليوم تحديًا أمام السوريين في كيفية تجاوزه وتحويله إلى قوة دفع نحو البناء.

سوريا إلى أين؟

السؤال الذي يسيطر على أذهان الجميع اليوم هو: ماذا بعد التحرير؟ سوريا تقف أمام مفترق طرق تاريخي، حيث يتوجب اتخاذ قرارات مصيرية ستحدد مستقبلها لعقود قادمة. هل ستتمكن البلاد من إعادة بناء نفسها كدولة موحدة وقوية؟ كيف ستتعامل مع التحديات السياسية، الاقتصادية، والاجتماعية التي تراكمت على مدار نصف قرن؟

إحدى أكبر العقبات التي تواجه القيادة والشعب هي ترتيب الأولويات. البلد بحاجة إلى كل شيء: إعادة إعمار البنية التحتية المدمرة، بناء مؤسسات حكومية فعالة، تحقيق العدالة الانتقالية لمعالجة الماضي، وتعزيز اللحمة الوطنية بين مختلف أطياف المجتمع.

هذه الأولويات المتشابكة تجعل اتخاذ القرار مهمة معقدة، خاصة في ظل تعدد الرؤى ووجود مصالح داخلية وخارجية متباينة.

ما حدث في سوريا خلال هذا الشهر كان خارج كل التوقعات. لم يكن أحد يتخيل أن البلاد ستتحرر بهذه السرعة، وأن النظام الذي حكم بالقبضة الحديدية سيسقط بهذه الطريقة. هذه المفاجأة خلقت واقعًا جديدًا، يحمل في طياته فرصًا هائلة، لكنه يفرض أيضًا تحديات ضخمة. المسار القادم يحتاج إلى قيادة حكيمة قادرة على توجيه البلاد نحو مستقبل مستقر.

تحولات إقليمية

ولا شك أن موازين النزاع الإقليمي الجديد، وتحديدًا بعدما حصل في سوريا لا تصب في مصلحة إيران. فعلى سبيل المثال فإن الاقتصاد التركي أصبح أكبر بنحو ثلاث مرات من الاقتصاد الإيراني، وهو أكثر حداثة منه، ويحمل فرصًا واعدة، بعكس اقتصاد إيران الذي يواجه احتمالات تضييق إدارة ترامب عليه أكثر.

كذلك فإن واقع القوة العسكرية التركية أفضل من واقع الجيش الإيراني. أضف إلى ذلك أن حساسية الدول العربية، وخصوصًا الخليجية تجاه تركيا، أقل منها تجاه إيران. وهنا يجب عدم إغفال الرسالة الأميركية الصارمة تجاه طهران من خلال تسريب خبر حول نقاش يجريه الرئيس الأميركي جو بايدن يتعلق بضرب المنشآت النووية الإيرانية.

وانطلاقًا من هنا وبعد كل ما حدث في سوريا، يرى الجناح المناهض للحرس الثوري، وجوب التراجع عن سياسة الدفاع المتقدم المعمول بها منذ عقود، أو على الأقل إعادة النظر فيها.

ولكن المواقف الصادرة عن المرشد علي خامنئي تبدو أكثر ميلًا في اتجاه الفريق المتشدد، أي بوجوب عدم التسليم بالنتائج الميدانية التي تمخضت حتى الآن في سوريا، ولبنان، والعراق، وضرورة البحث عن طريقة لاستعادة بعض التوازن الإقليمي.

ويركز خامنئي على محورين: الأول توظيف دور الحوثيين في اليمن إلى الحد الأقصى الممكن، والثاني إعادة تزويد حزب الله بأكبر قدر ممكن من الدعم المالي والعسكري، وإعادته بقوة للمشهد السياسي اللبناني، إضافة للعودة للعب بأوراق أخرى في العراق.

أما على الضفة الأميركية، فإن الدوائر المعنية في الإدارة الأميركية الجديدة تبدو حذرة وأكثر تحفظًا، على رغم من اندفاع ترامب في إطلاق تحذيراته بنحو دائم. والبعض عزا هذا التحفظ إلى الواقعية، أما البعض الآخر فرأى فيه واقعًا طبيعيًا؛ بسبب ظروف المرحلة الانتقالية، والتي سرعان ما ستصبح أكثر وضوحًا بعد تسلّم ترامب صلاحياته، وذلك لاعتباره أن التبدلات التي حصلت تُعتبر فرصًا مؤاتية لا يمكن رميها جانبًا. والتي تشير إلى قرار البيت الأبيض ببيع إسرائيل أسلحة وذخائر بقيمة 8 مليارات من الدولارات، وهو ما يؤشر إلى مهمات عسكرية قد يتولاها الجيش الإسرائيلي قريبًا.

لذا فإن المعطى الإقليمي لا ينفصل عن المعطى السوري، مهما كثرت المحاولات لفصلهما، لأن سوريا اليوم تحولت لقِبلة العالم للتسارع للعب أدوار هناك والتسابق لاستقبال المسؤولين السوريين الجدد لفهم طبيعة الحكام الجدد.

بداية الطريق

تحرير سوريا ليس سوى الخطوة الأولى في مسيرة طويلة وشاقة نحو بناء دولة تعكس طموحات شعبها.

هذه اللحظة التاريخية تحمل معها فرصة لإعادة صياغة هوية الوطن، وتعزيز قيم العدالة، الحرية، والمساواة. لكن النجاح يعتمد على تكاتف السوريين، ووعيهم بأهمية المرحلة، وقدرتهم على تحويل الألم إلى قوة، والفرح إلى دافع للعمل والبناء.

سوريا اليوم على أبواب فصل جديد، فهل ستتمكن من كتابة هذا الفصل بأيديها؟

الجمعة، 16 أغسطس 2024

خريطة نفوذ جديدة في الشرق الأوسط بقدوم الانتخابات الأميركية

 

خريطة نفوذ جديدة في الشرق الأوسط بقدوم الانتخابات الأميركية


المدير العام لمركز جسور للدراسات

تعيش منطقة الشرق الأوسط حالة من الترقب لعدة أحداث مهمة، أبرزها انتظار مصير المفاوضات المتعلقة بالتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وذلك بعد البيان الثلاثي الصادر عن الولايات المتحدة، وقطر، ومصر. 

غير أن الترقب الأشد يكمن في انتظار الردّ الإيراني على اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، وكذلك ردّ حزب الله المحتمل على اغتيال فؤاد شُكر.

المعضلة الكبرى تتمثل في معرفة ردّ الفعل الإسرائيلي على هاتين الضربتين (في حال وقوعهما) والتداعيات التي قد تنجم عنهما على مستوى المنطقة. 

يأتي ذلك في ظل وصول البوارج الحربية والمدمّرات البحرية الأميركية والبريطانية إلى المنطقة، بعضها لأغراض ردعية دفاعًا عن إسرائيل، وبعضها الآخر يحمل مؤشرات على استعداد للهجوم، لكن مع التركيز على تلبية الحاجة إلى الردع ضد إيران وحزب الله.

خلال الأيام القليلة الماضية، ظهرت مؤشرات تدلّ على إمكانية حدوث ردود فعل محدودة، خاصّة مع قيام حزب الله بإخلاء جميع مقارّه المعروفة في الضاحية الجنوبية لبيروت، بما في ذلك المقرّات السياسية، من كافة محتوياتها من أجهزة ومعلومات. ويعدّ ذلك إشارة إلى احتمالية وقوع ضربة متوقّعة، وأن قيادة الحزب تستعد للأسوأ في حال جاء الرد الإسرائيلي على ردّهم.

أما على الصعيد الدولي، فتشير التحركات الأوروبية والأميركية، خصوصًا في الساحة اللبنانية، إلى احتمال حدوث سيناريوهات خطيرة. 

ومن بين هذه التحركات، التحضيرات الأميركية لإجلاء مواطنيها في حال اندلاع حرب، وهو ما يُعزى إلى حساسية المشهد الانتخابي الأميركي وانعكاساته على المرشحة كامالا هاريس، في حال تورطَ الأميركيون في لبنان وسط حرب دائرة، مما قد يزيد من فرص دونالد ترامب الانتخابية.

من الواضح أن التواصل المستمر بين بنيامين نتنياهو والمرشح ترامب يرتبط بحسابات إشعال المنطقة، خاصة أن الأنظار في العواصم العالمية، وخاصة العربية، مركزة على المعركة الانتخابية الأميركية، والتي قد تشكل منعطفًا في الخيارات الإقليمية.

ويجدر بالذكر أن بدء التصويت المبكر في الانتخابات الأميركية عبر البريد يفصلنا عنه بضعة أسابيع فقط، مما يعني أن العد التنازلي قد بدأ فعليًا، في فترة مليئة بالمخاطر والأهداف التي تتجاوز حدود المنطقة، خاصة مع مواجهة ترامب صعوبة كبيرة في التكيف مع الديناميكية الجديدة بعد استبدال جو بايدن بكامالا هاريس، ما أضر بحظوظه الانتخابية.

تشير التوقعات إلى أن التطورات المتلاحقة في الشرق الأوسط قد تسفر عن صياغة معادلة إقليمية جديدة تشكل خريطة نفوذ سياسي مغايرة في المنطقة. ويبدو أن هناك توافقًا على أن هذه المعادلة ستتبلور مع دخول الرئيس الجديد إلى البيت الأبيض، أيًا كانت هُويته. الانطباع السائد بين الأطراف الإقليمية هو أن الشرق الأوسط مقبل على تطورات لافتة، مما يزيد من احتمالات تصاعد المخاطر إلى الحد الأقصى قبيل التسويات الكبرى.

القلق السائد بين الديمقراطيين دفعهم إلى إرسال بعض المسؤولين إلى المنطقة، منهم وزير الخارجية أنتوني بلينكن، ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان، والمبعوث الخاص آموس هوكشتاين. السبب الرئيسي لذلك هو تخوّف الإدارة الديمقراطية من أن يقوم نتنياهو بضربة استباقية ضد إيران أو حزب الله، أو حتى باغتيال قيادات رفيعة أخرى إذا ما ثبت له أن الانتقام بات وشيكًا، مما قد يؤدي إلى نزاع أكثر خطورة.

يقول دبلوماسيون في الغرف المغلقة إن البيت الأبيض يعلم جيدًا أن إيران لا ترغب في الحرب، كما يظهر من تعاملاتها في الأشهر العشرة الماضية، بينما على العكس، يسعى نتنياهو بكل قوته نحو الحرب. ومع ذلك، إدارة بايدن لا تتبنى هذا المنطق.

في الوقت نفسه، الجيش الإسرائيلي يجد نفسه عالقًا بين حسابات نتنياهو من جهة، ووزير الدفاع يوآف غالانت من جهة أخرى، وهو يسعى لترميم قدرته الردعية ومكانته داخل المجتمع الإسرائيلي، بعد أن كشفت عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول عيوب مخابراته العسكرية وصورته الردعية.

نتنياهو، الذي اعتاد تجاوز الخطوط الحمراء التي ترسمها إدارة بايدن، كما حدث في مجزرة صلاة الفجر الأخيرة، لم يأبه بالالتزام بمطلب هاريس بعدم استخدام القنابل الأميركية دون مراجعة واشنطن أو على الأقل بعدم استهداف المدنيين.

إزاء ذلك، يخشى المراقبون من تدهور الأوضاع الأمنية في لبنان، ولو دون الذهاب لحرب واسعة. يعتقد البعض أن ردّ حزب الله الحتمي، حتى وإن اقتصر على أهداف عسكرية، سيواجه بردّ إسرائيلي على مواقع الحزب، هذا إذا لم يبادر نتنياهو بتنفيذ ضربة استباقية قد تكلفه الكثير، خاصة إذا كانت تتضمن اغتيالات لمسؤولين من الصفّ الأوّل في محور "الممانعة".

من هنا، يخشى البعض من انجرار المنطقة نحو حرب لا رؤية واضحة للخروج منها. لذا، تشير الأوساط الدبلوماسية الأميركيّة إلى أن انتشار المسؤولين الأميركيين في دول المنطقة، يهدف إلى تكريس الرؤية الأميركية القائمة على احترام الاستقرار الإقليمي، ومنع أي ضربة داخل إيران، بالتوازي مع تعديل توسع النفوذ الإيراني الإقليمي، على عكس طموحات طهران في الحفاظ على مكتسباتها في لبنان، وسوريا، والعراق.

يمكن قراءة التدخل الروسي المتزايد في هذا السياق، حيث تسعى موسكو لترسيخ نفوذها الكبير في سوريا، مما دفع إلى الحديث عن تباعد في العلاقة الإيرانية – الروسية في سوريا، والطلب من بشار الأسد الابتعاد عن أي انخراط في صراع محتمل.

روسيا تطمح إلى دور أكبر في سوريا وتأثير إيراني أقلّ، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال المصالحة بين دمشق وأنقرة بعيدًا عن السطوة الإيرانية. 

في الوقت ذاته، يبدو أن الحرب المستعرة بين الأميركيين والروس في أوكرانيا قد انحسرت إقليميًا عبر توافق ضمني بينهما في سوريا ولبنان لفرض الاستقرار، مما قد يضعف فرص ترامب الانتخابية.

بالنهاية، يسعى الفاعلون في المنطقة إلى حساب خطواتهم بدقة ضمن معادلة المكاسب والخسائر المتوقعة من نتائج الانتخابات الأميركية، وتعظيم أوراق التأثير التي يمتلكونها قبيل أي تغييرات قد تطرأ على المعادلات الإقليمية مع بداية العام المقبل.