إضاءات منهجية سننية في مسار التغيير
تكرم الله بفضله ولطفه على أهل الشام بنعمة التحرير العظيمة، بعد أن بذل علماؤها الأبرار ومجاهدوها الأحرار وشعبها الكريم جهودا وجهادا وتضحيات جليلة لم يشهد القرن مثيلها من حيث النوع إلا في فلسطين ومن حيث الكمّ إلا بما يوازي تضحيات مجموع الأمة وشعوبها في القرن الأخير.
وبعد أن قطع مسلمو الشام ثلث الطريق وذاقوا حلاوة النصر -بمعنى التحرير لا التمكين-، فإن أمامهم تحديات حقيقية من نوع مختلف سيفرضها كاهن الغرب الصهيوصليبي -الذي هندس سورية الأولى ويسعى لهندسة الثانية ليمنع أهلها من سورية الجديدة- ستحتل الثلث الثاني من الطريق، ليبقى الثلث الأخير والذي يتشكل مضمونه من خطوات تمكين الدين، لتكون كلمة الله هي العليا بعد أن يعلو سلطان الشريعة وتصطبغ شعب الحياة بأحكام رسالة الإسلام ويكون أهلها بها راضين وبالعروة الوثقى مستمسكين.
سنن الله لن تجامل السوريين وإن كانوا مجاهدين
ما من شك بأن أهل الشام الكرام وعلماءها الأبرار ومجاهديها الأحرار وحكامها المؤقتون والدائمون، وأعضاء مجلسها ومن فيها من أهل الحل والعقد المنتخبون سيخضعون جميعا لسنن الله التي لا مبدل لها، وسيمرّون بصورة الابتلاء والاختبار الكبير الذي خضع له المجاهدون المؤمنون المتقون وهم في طريق الجهاد والتضحية والبذل لقتال الطاغوت جالوت خلف طالوت عليه السلام، فهي مرحلة يخضع لها المؤمنون في كل مكان وزمان، وهي من سنن الله التي لا مبدل لها وكما خضع لها أتباع طالوت من المجاهدين المضحين خلف طالوت والذين كانوا في طريق الجهاد ماضين، سيخضع لها أهل الشام الكرام بعد أن منَّ الله عليهم بنعمة التحرير، ليختبرهم إن كانوا لها مستحقين، فتفارقهم وترحل عنهم -لا قدر الله- أو تثمر فيهم بإذن الله.
لقد بدأت معركة عموم أمة العرب والمسلمين وخصوص السوريين الكبرى الصعبة والمعقدة على أرض الملاحم في الشام المبارك، والتي لا يقوى عليها إلا من هدى الله عقله وثبت قلبه فاستمسك بالعروة الوثقى وآمن حقا بأن النصر من عند الله وأن الأسباب في الكون جميعها بين يدي الله يحركها كيفما يشاء.
الاستقامة والثبات الوعي والوحدة سر النصر
إن من أكبر مداخل شياطين الإنس من المنافقين والأعداء في اضلالهم وفتنتهم للمؤمنين هو:
1/ خلخلة الإيمان عبر تضخيم الأسباب الأرضية على حساب الحقائق الغيبية ومفردات الإيمان.
2/ تسويغ تجاوز أحكام شريعة الإسلام من خلال طروحات ضلالية ليس لها تأصيل وليس فيها وجاهة شرعية.
3/ زعزعة اليقين عبر إشاعة أنواع وألوان الخوف بين المؤمنين، وهو تماما ما يفعله شياطين الجن، يقول سبحانه ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ البقرة:268
بيان الحق وتوصيف الباطل أمارة الهدى أو الزيغ
إن من شروط الاستقامة والثبات في مسار التمكين هو بيان الحق والابتعاد عن إضعاف صورته وحقائقه وأحكامه، لاسيما وأصل الهدف من الخليقة هو عبادة الله، وأصل الهدف من بعثة الرسل والأنبياء هو بيان الحق للناس في ظل شيوع فلسفات الكفر وفي ظل هيمنة مشاريع الباطل وسيادة الطواغيت في الأرض.
وإذا كان بيان الحق شرط الاستقامة الأول فإن الثبات لا يكتمل إلا بتحقق الشرط الثاني وهو توصيف الباطل على حقيقته دون التجميل والمخادعة الذي وقع فيه بنو إسرائيل فاستحقوا اللعنة من الله فأضلهم وأعمى أبصارهم حتى دخلوا في التيه والشقاء.
إن إثبات الألوهية لله وحده لا يكتمل دون شرط نفيه عمن سواه، ولذلك فقد ابتدأت الشهادتين بكلمة لا إله قبل أن تثبت الوحدانية بكلمة إلا الله، الأمر الذي يجعل من كمال وسوية واستقامة التجربة الإسلامية الواعدة في الشام توصيف المشاريع المعادية والحكم على الفلسفات والمقولات الكفرية بالتوازي مع وجوب بيان الحق والإشارة للصواب الذي يرضي الله سبحانه وتعالى والذي يحقق مصالح الناس بعمارة الأرض كما أوجبه الله على المؤمنين.
المشاريع الثلاثة في مواجهة النهضة الإسلامية في الشام
ثلاثة مشاريع متوحشة تتسابق في منع النهضة الإسلامية الواعدة في الشام المباركة، وهو سر التلاقي والتعاون والتخادم فيما بينها حيث تدرك جميعها بأن نهضة الشام -بعد انعتاقها من الهيمنة الغربية وامتلاكها الإرادة السياسية المستقلة- لن تصطبغ جميع مناحيها إلا بحقيقة هوية أهلها الذين يرومون إقامة العدل في الأرض بعد عودة دين الله ممكَّنا كما كان.
فما هي المشاريع الثلاثة التي تهدد التجربة الإسلامية في الشام؟
1/ المشروع الأمريكي الصهيوني.
2/ المشروع العلماني السنّي.
3/ المشروع الطائفي العرقي.
إن أكبر أشكال التهديد التي تواجه تمكين الإسلام في الشام هو المشروع الأمريكي الصهيوني ثم المشروع العلماني السني ثم مشروع ملالي إيران الطائفي والعرقي.
مسيرة التحرير والتغيير والتمكين في الشام
من نعم الله العظيمة أن شفى صدور قوم مؤمنين في عموم أهل الشام الكرام بعد أن هدم الثوار المنظومة الأسدية الأمنية عبر أنهار من الدماء الزكية، ودك حصونها المجاهدون وكسروا رأس الطاغوت، وهو الجانب الابتدائي الحقيقي الذي تحقق في معادلة التحرير، غير أن معادلة التحرير لن تكتمل حتى تنعتق سوريا سياسيا من الهيمنة الغربية التي ترأسها وتديرها أمريكا الصهيونية، الأمر الذي يعني أن مسيرة الدعوة والبناء والجهاد قائمة ودائمة، حتى لو أخذت أشكالا جديدة ومغايرة لا سيما بعد أن استرد المسلمون في الشام دولتهم المختطفة، والتي لم تخرج من أيديهم عبر تاريخ الإسلام الممتد إلا بفعل المشروع الغربي الصهيوني الذي وضعها ردحا من الزمن في أيدي أوليائه الطائفيين والعصبة الأسدية المجرمة، والتي أفل حاضرها وانتهى مستقبلها بفضل من الله.
المشروعان الأمريكي والعلماني بين ضرورة التوصيف وحتمية التعامل!
لم يعد الحديث بمستواه العالي وكمِّه الكبير حول المشروع الإيراني الطائفي بنفس مستوى الضرورة الملحة السابقة لاسيما وقد انكشف عواره بفضل دماء المجاهدين في العراق ثم في الشام، كما سقطت أسطورة العلاقة بين النظام الإيراني وفلسطين بشكل فاضح وكبير بعد معركة 7 أكتوبر وسقوط إيران الأخلاقي المكشوف في غزة بعد الطوفان.
إن الذي يحدد مستوى وشكل وضرورة الحديث عن المشاريع هو حجم المخاطر التي تهدد الأمة وثقافتها وشعوبها وحاضرها ومستقبلها.
وإن الخطر الذي يهدد مسار النهضة الإسلامية في الشام ويمنع عودتها للريادة هو المشروع الأمريكي الصهيوني الذي استخدم ولا يزال المشروع الإيراني الطائفي في التدمير.
كما أن ما يمنع وسيمنع ويعوِّق تمكين الإسلام في أرض الشام هو المشروع العلماني والذي يمكن وصفه مجازا بالمشروع العلماني السنّي نتيجة التوصيف غير الموضوعي ولا العلمي السائد في سورية الجديدة والذي يصف أهلها بالأمويين! الأمر الذي يشكل هوية عصبوية مغشوشة وزائفة يستوي فيها المجاهدون السنة مع المهرجين والرقاصين السنة أيضا، حيث تجمعهم عناوين ضبابية خالية من المضمون الذي يعبر عن الهوية الحقيقية القائمة على التوحيد والتي تعتبر مرجعيتها الأساسية أحكام الدين.
وجوب توصيف المشاريع ومسؤولية التفريق بين التعامل والتعاون مع الأعداء.
بلا شك إن الحالة الإسلامية في سورية شائكة ومعقدة حيث يتداخل الصالح بالطالح في إطار الدولة الوطنية كما تتداخل المصالح العربية والإسلامية بالتوجهات الإقليمية والدولية في ظل فوارق مهولة في موازين القوة المادية الاقتصادية العسكرية والسياسية لصالح المشاريع المعادية والمؤثرة في المنطقة، الأمر الذي يجعل التداخل مع تلك المشاريع حتمي تلجئ إليه ظروف الواقع الموضوعي.
وفي ظل هذا التشابك بين المفردات المتناقضة كيف يمكن الاستقامة على الصراط المستقيم لاستكمال البناء التراكمي في الاتجاه الذي يحقق معنى التمكين ويسترد كرامة الأمة؟
لا شك بأن حجم الأصول المبثوثة في فقه السياسة الشرعية كفيلة بتقويم المسار وضبط مصالحه المرسلة والتمييز بين المصالح الراجحة والمرجوحة والمتوهمة، وهي ماده تشكل مرجعية لا يحيط بها إلا العلماء ولا يلتزم بها ويبحث عنها إلا من يروم وجه الله وتحقيق معنى العبودية لله في شؤون الحياة، وعدم حصرها في الطقوس الشكلية التعبدية، وهو جوهر المشروع الإسلامي في الأرض.
لقد تحدث القرآن بوضوح عن الخمر والميسر وأشار إلى منافعهما غير أنه قرر حكما مفصليا في أن شرورهما أكثر من منافعهما الأمر الذي استوجب تحريمهما رغم إثبات منافعهما المشهودة.
منهج التدرج القرآني
كما تدرج القرآن في تحريم الخمر ليصل الى تحقيق الحكم المطلوب واقعا عمليا ولكنه في كل مراحل التدرج لم يغير وصفه الذي يطابق جوهره، ومن هنا فإن توصيف المشاريع المعادية التي يضطر البعض للتعامل معها بحكم الواقع الموضوعي يجب أن يكون واضحا جليا ليس فيه تلبيس على المؤمنين ولا غش لهم، لا سيما وأصل رسالة الأنبياء هي تبيين الحق للناس وليس خداعهم وتزييف الحقائق أمامهم.
التعاون والتعامل
إن التعامل مع المشاريع المؤثرة في المنطقة غير التعاون معها، فالتعامل الذي يلجئنا إليه واقع الحال ورعاية مصالح العباد في المعاش لا يعني أبدا التعاون معها بالشكل الذي يطعن ويفسد المعاد.
فإذا كان الواقع يقر بضرورة التعامل مع المشروع الأمريكي المهيمن في المنطقة وذراعه التنفيذي الحقير المسمى الكيان الإسرائيلي والمشروع الإيراني المتخادم معهما والنظام العربي الرسمي المستخذي لأمريكا فإن الضرورة تقدر بقدرها في السياق الذي يحقق مصالح الناس ويرفع عنهم الحرج دون أن يطعن في ثوابت دينهم وهويتهم الثقافية ودون أن يمس كراماتهم، وهي العناصر التي دفعت الشعوب للثورة والجهاد والتضحية.
نواة الكتلة الحرجة.. هم العلماء
لا شك بأن حجم الضغوط التي تتعرض لها سورية اليوم ليست بأقل من الضغوط التي تعرضت لها فلسطين ومصر وتركيا، وإذا كان الفشل من نصيب مصر والإخفاق من نصيب فلسطين والاضطراب والضعف من نصيب تركيا فإن مجموع هذا محتمل في سورية اذا لم تبنى أسوار عديدة تحصن تجربة النهضة ومحاولة الانتعتاق في سورية الجديدة.
إن آفاق وقدرات الحكومة السورية الحالية محدودة ومقيدة بشكل مشهود موضوعي ومعقول، وذلك نتيجة توازنات مقروءة، الأمر الذي يشير إلى حقيقة مقلقة وهي إمكانية الانتكاسة -لا سمح الله- في تجربة إسلامية عظيمة قدمت تضحيات جليلة، وهو ما يدعو للاستعجال في بناء الكتلة الحرجة التي تحمل المشروع وتحميه.
والسؤال حول الكتلة الحرجة يذهب بالجادين للبحث عن نواتها ومحل اشعاعها وهم العلماء الربانيون والنخب المنتمية.
العلماء بين الاستقلالية والفاعلية
إن المقصود الأساس بالكتلة الحرجة هي الكتلة المجتمعية التي لا تقوى على مواجهتها المشاريع المعادية، بخلاف الحكومات التي يمكن إزالتها أو استبدالها أو استهدافها، كما قوة الجيوش التي يمكن تفكيكها أو سحقها في سياق موازين القوة المتباينة لصالح العدو، والذي أثبت قدرته على إفشال وهدم مشاريع عربية وإسلامية من خلال القوة المفرطة وفائض القوة الذي يمتلكه وهو ما حصل في فلسطين المباركة.
إن من دلائل الوعي والجدية والمسؤولية البحث عن بناء عناصر ومكونات قادرة على مواجهة المشاريع المعادية التي لن تتوقف ولن تكلّ ولن تملّ عن محاولة تفكيك البنى العربية والإسلامية وإفشال مشاريع النهضة الواعدة وتمزيق هوية الأمة وثقافتها الواحدة.
الشرائح المجتمعية هي المادة الخام للكتلة الحرجة
وإذا كانت الشرائح المجتمعية هي المادة الخام التي تتكون منها الكتلة الحرجة القادرة على حمل المشروع النهضوي وحمايته فإن العلماء الربانيين والنخب المنتمية هم نواة هذا المكون وروّاده وموجهوه، ومن هنا فإن نواة الكتلة الحرجة هم العلماء.
استقلالية العلماء دليل السوية وسرُّ الفاعلية
مهما قدمت الحكومات لشعوبها من خدمات فإنها ستظل في موقع الاتهام والمساءلة، لا سيما وأن دورها الأساس هو خدمة الشعب، الأمر الذي يصنع فجوة طبيعية بينهما، وبقدر ما تجسر الهوة بين الشعوب والحكومات بقدر ما تتحقق القوة والمنعة للدولة، وعلى العكس تماما فبقدر ما تتوسع الفجوة بين الشعوب والحكومات بقدر ما يحلُّ الضعف في الدولة وترتهن الحكومات للخارج بعد أن ينفذ الخصوم من تلك الفجوة.
إن دور العلماء أساسي في جسر الهوة بين الشعوب والحكومات السوية، الأمر الذي يحفظ الدولة ويعزز بقاءها من خلال وقوف الجميع خلفها، وهو أمر يشير إلى طبيعة العلاقة النزيهة التي تقوم بين الشرائح المجتمعية وبين النخب المنتمية والعلماء الربانيين، ومن هنا فإن شرط استقلالية العلماء عن الحكومات ومؤسساتهم الرسمية لازم لتحقيق الفاعلية العملية في قيادة وتحشيد الجماهير في الاتجاه الصواب.
كما أن قوامة العلماء وما ينتج عنهم من مواقف ومقاربات تزداد نزاهتها وسويتها من خلال امتلاكهم للإرادة الحرة في التفكير والتقرير، وهو ما لا يتحقق بالمطلق عندما يرتبط معاش العلماء وحياتهم ومصالحهم بالحكومات المرحلية.
إن تشكيل الإطار العلمائي النخبوي الواسع والجامع الذي يتصف بالاستقامة والفهم والموقف الشجاع لازم لصناعة صمام أمان في قيادة الشعوب ومنعها من الافتتان والغوغائية، كما أنه لازم لتعزيز الهوية الجامعة بعيدا عن قرارات الحكومات المتقلبة والمتحولة بحكم الضغوطات.
تكامل الأدوار بين العلماء والحكام سرُّ النجاح في الاختبار
إن التجربة الإسلامية الواعدة في أرض الشام المباركة اليوم تقف أمام نهر طالوت وأمام اختبار الاجتياز الصعب، وهو اجتياز ونجاح لن يتحقق إلا بتكامل بين دور العلماء الربانيين ودور الحكام المنتمين.
وإذا كان دور الحكام هو مقارعة السياسات والتعامل مع الخصوم والمشاريع المعادية بشكل يحتمه واقع الحال، فإن دور العلماء هو البيان والتوضيح للحق والباطل والتمييز بين خير الخيرين وأقل الشرين في معادلات صعبة ومعقده لا يمكن تجاوزها والقفز عنها بعد تولي الثوار لمهام السلطان.
وبقدر ما يجب على العلماء من بذل جهد في تعزيز الدولة ومؤسساتها والحفاظ عليها وتنميه قدراتها، بقدر ما يجب على الحكام أن يحرصوا على استقلالية العلماء ووضع الامكانيات والوسائل التي تعينهم على ذلك لتكون مقارباتهم نزيهة في التفكير وسوية في التقرير تبحث عن تحقيق مصالح الناس وتبتعد وتحذر من كل السياسات والمقاربات التي تتصادم مع أحكام الشريعة.
وأمام المنعرجات الخطيرة والتحديات القادمة فإنه تتحقق قوة ومنعة للحكومات إلا من خلال تحشيد العلماء للشرائح المجتمعية التي تتشكل وتتأطر في سياق ذاتي تراكمي سوي المنطلقات والأهداف.
مضر أبو الهيجاء، بلاد الشام المباركة 8/8/20026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق