‏إظهار الرسائل ذات التسميات ناصحون عبد الله بن فيصل الاهدل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ناصحون عبد الله بن فيصل الاهدل. إظهار كافة الرسائل

السبت، 7 يونيو 2025

ثوابت في أحداث فلسطين

ثوابت في أحداث فلسطين

لا يزال الفلسطينيون صامدين أمام الاعتداءات الغاشمة والمتكررة من اليهود الغاصبين للأرض. وما زالت المقاومة تلقنهم الدرس تلو الدرس.

عملية حراس الجدران

يتابع المسلمون -والعالم كله- في هذه الأيام المباركة الاعتداءات اليهودية البربرية على المصلين والمعتكفين في المسجد الأقصى، وعلى حي الشيخ جراح وعموم القدس المحتلة، ثم إعلان الجيش اليهودي عن إطلاق عملية عسكرية ضد غزة باسم: “حراس الجدران”، وأدى القصف الحاقد على أطفال ونساء ومدنيي غزة  إلى مقتل ٥٢ فلسطينيًّا من بينهم أطفال -حتى كتابة هذه الكلمات-…

وما زالت المواجهات مستمرة، وقد أدان كثير من المسلمين -وغيرهم- الحماقات اليهودية الغاشمة وفضحت انتهاكاتهم للمسجد الأقصى والقدس وغزة بالصوت والصورة…

ونقول وبالله التوفيق:

إنَّ المتأمل لأحداث فلسطين يتلمح ثوابت لا تتغير في أحداث المنطقة منذ أن وطئت أقدام اليهود تلك الأراضي الإسلامية المقدسة؛ نذكر من تلك الثوابت:

أهل فلسطين خط الدفاع الأول ضد اليهود

ما زال أهل فلسطين مرابطين أشداء وحماة للمسجد الأقصى وعموم فلسطين..

رغم كل ما يمر به أهل فلسطين حفظهم الله تعالى من حملات تغريب ممنهجة ما زالوا دومًا هم خط الدفاع الأكبر في وجه اليهود؛ رغم انعدام الأسلحة، ورغم سيطرة اليهود الغاشمة..

وهذا يذكرنا بقوله صـلى الله عليه وسلم: «لا يَزالُ مِن أُمَّتي أُمَّةٌ قائِمَةٌ بأَمْرِ اللَّهِ، لا يَضُرُّهُمْ مَن خَذَلَهُمْ، ولا مَن خالَفَهُمْ، حتّى يَأْتِيَهُمْ أمْرُ اللَّهِ وهُمْ على ذلكَ. » قَالَ عُمَيْرٌ فَقَالَ مَالِكُ بْنُ يَخَامِرَ قَالَ مُعَاذٌ وَهُمْ بِالشَّأْمِ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ هَذَا مَالِكٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذًا يَقُولُ وَهُمْ بِالشَّأْمِ١.


حراس الجدران تسمية دينية

الحرب في فلسطين حرب دينية بين المسلمين واليهود..

تتضح هذه الحقيقة يومًا بعد يوم رغم مكابرة العلمانيين والمنافقين أذناب اليهود؛ فها هم متطرفوا اليهود -حسب التعبير الشائع- هم من يؤججون الصراع في كل مواجهة ليحققوا نبوءات اليهود المزعومة في هيكل سليمان وأرض الميعاد وغير ذلك، وحتى تسمية العملية العسكرية ضد غزة باسم: “حراس الجدران” هي تسمية دينية… يقول الكاتب اليهودي أوهاد حمو خبير الشؤون الفلسطينية في القناة ١٢ اليهودية:

… إنَّ مقاطع الفيديو من الاشتباكات في الحرم القدسي تتدفق بسرعة عبر مواقع الإنترنت، وسرعان ما أصبحت هذه الصور تؤكد على الحرب الدينية بين الجانبين…

رفض الشعوب للتطبيع

القدس وعموم فلسطين ما زالت هي قضية المسلمين الأكثر تأثيرًا وشعبية..

فرغم التطبيع القذر المعلن الذي وقع فيه حكام بعض الدول الإسلامية؛ فما زالت الشعوب الإسلامية حية تنبذ أي تطبيع مع اليهود القتلة المغتصبين؛ يدل على ذلك زخم المتابعات الإيجابية المتزايد يومًا بعد يوم، وحرقة المسلمين ودعواتهم في التراويح وعموم الصلوات لإخوانهم المرابطين في المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح المحيط بالمسجد الأقصى وعموم فلسطين..

دعم أمريكا المطلق لليهود في توسعاتها

يصمم اليهود على التوسع في فلسطين بخطط مدروسة، وأنَّ القدس كاملة عاصمة إسرائيل الأبدية..

يقول نتنياهو:

أقول لأصدقائنا إنَّ القدس كاملة عاصمة إسرائيل الأبدية وسنواصل البناء فيها وفي كل أحيائها… اهـ

ولن يتراجع اليهود عن ذلك؛ لأنه من خططهم ومعتقداتهم القديمة التي هي سبب قيام دولة اليهود أصلًا..

أمريكا هي الداعم الأول لليهود مهما عربدوا ومهما انتهكوا..

هكذا كانت أمريكا منذ نشأتها حاقدة على المسلمين وداعمة لليهود وأعداء الإسلام، والشواهد على ذلك متواترة لا حصر لها؛ يقول المتحدث الإقليمي باسم الخارجية الأمريكية -بشأن الأحداث الأخيرة-:

ندعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها…

وتجاهل هذا البوق الأمريكي تمامًا انتهاكات اليهود لكافة القوانين وقرارات الأمم المتحدة منذ نشأة دولتهم، وتجاهل أيضًا تعدي اليهود الدائم على المقدسات الإسلامية وخاصة المسجد الأقصى، الذي كان تعديهم عليه الشرارة الأولى للأحداث الأخيرة..

خذلان الحكام العرب وإدانتهم على استحياء

حكام العرب والمسلمين ظواهر صوتية لا تعدو ذلك…

والمقصود هنا هم من صدرت عنهم إدانات لليهود،وليس الصامتين منهم،ولا من يظهرون الحكمة بإدانة الضحية والجلاد،ولا من يدين الضحية لعدم استسلامه لسكين الجلاد…

وها هي الرئاسة الفلسطينية قصارى جهدها أنها تطالب المجتمع الدولي بسرعة التحرك لوقف التصعيد الإسرائيلي في غزة والانتهاكات في القدس..

ويقول وزير الخارجية الأردني -بكل شجاعة-: إسرائيل تتحمل المسؤولية عن كل ما جرى وكل ما يجري… أكدت لنظيري الأمريكي أنَّ القدس خط أحمر وما حدث استفزاز لمشاعر نحو ملياري مسلم… ننسق مع أشقائنا بفلسطين وكل الأطراف لبلورة تحرك دولي قادر على وقف انتهاكات إسرائيل…

هذان مثالان لأصوات حكام العرب المتخصصين في مجرد الشجب والإدانة دون أي تحرك عملي..

المقاومة الفلسطينية أمل الأمة

ما زالت فصائل المقاومة الفلسطينية -وعلى رأسها حركة حماس- هي المدافع الأول عن المسجد الأقصى والقدس وعموم فلسطين..

تقول الغرفة المشتركة للمقاومة الفلسطينية:

… نحذر الاحتلال من التمادي في عدوانه، وآن الأوان له أن يدفع فاتورة الحساب… نطمئن أبناء شعبنا بأنَّ المقاومة التي راهنتم عليها لن تخذلكم وستبقى درعكم وسيفكم…

وتقول حركة حماس:

متمسكون بحقنا في الرد وصد العدوان وحماية مصالح شعبنا طالما استمر الاحتلال في تصعيده وعدوانه…

ويقول رئيس المكتب السياسي لحركة حماس:

القدس رسخت ميزان قوة جديد سياسيًّا وجماهيريًّا وميدانيًّا وإرادة شعبنا تنتصر… معادلة ربط غزة بالقدس ثابتة ولن تتغير؛ فعندما نادت القدس لبت غزة النداء… قررنا أن نستمر ما لم يوقف الاحتلال مظاهر العدوان والإرهاب في القدس والمسجد الأقصى…

وما زالوا حتى هذه اللحظات هم الخنجر الماضي في صدور اليهود…

أيَّدهم الله بنصره..

الجامعة العربية وخذلانها للقضية الفلسطينية

الجامعة العربية تؤكد دائمًا بأنها أحق باسم: الجامعة العبرية..

ها هو الأمين العام للجامعة العربية يقول -بكل وقاحة-:

إنَّ الغارات الجوية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة عشوائية وغير مسؤولة…

وكأنه بكلماته هذه يطالب اليهود بالدقة في إصابة واستهداف المجاهدين المدافعين عن شرف أمة الإسلام في فلسطين، وظاهر كلامه أنَّه يخشى على اليهود من العشوائية التي تضر بسمعتهم..

صمود الفلسطينيين في الدفاع عن قضيتهم

حاجز الخوف لدى الفلسطينيين من بطش يهود يضعف يومًا بعد يوم..

فها هم رجال وشباب فلسطين ونساؤها وأطفالها لا يخشون القتل ولا الإصابات ولا الاعتقالات، ويظهرون قوة بأس عجيبة أمام حقارة اليهود واستهدافهم وضربهم المتواصل للمصلين والعُزَّل…

وها هم أهل فلسطين يتوافدون من كل البقاع  إلى القدس الشريف -حتى التي تدار من قبل اليهود- مُتَحَدِّين بذلك قوات الجيش اليهودي المدجج بالسلاح والعتاد، وليظهروا وقوفهم صفًّا واحدًا أمام كل التحديات رغم كل محاولات التفريق والتمزيق.. ولم يعودوا يخشون الاقتراب من رجال الشرطة اليهودية المسلحين بأنواع الأسلحة الحديثة، ورغم وجود التهديد المخابراتي اللصيق..

القدس للمسلمين

لا يمكن تهويد القدس..

صرح نتنياهو -كما تقدم معنا- أنَّ القدس كاملة هي عاصمة إسرائيل الأبدية…

والظاهر أنَّ هذا الأحمق لا يتابع ما يدور حوله من أحداث؛ فعامة اليهود في رعب والكثير منهم في الملاجئ لا يمكنهم الخروج لممارسة حياتهم الطبيعية، بينما الشباب الفلسطيني -وبكل شجاعة وإقدام- يضع روحه -وكل ما يملك- فداء للمسجد الأقصى مسرى رسول الله صـلى الله عليه وسلم، وأول قبلة صلى إليها المسلمون، وغير ذلك من الفضائل التي لا -ولن- تغيب عن عقول وقلوب المسلمين في فلسطين وفي مشارق الأرض ومغاربها…

وستظل الدماء تسكب حول القدس حتى تتحرر من دنس يهود وحلفائهم؛ ذلك وعد من الله ورسوله صـلى الله عليه وسلم والواقع يشهد له.

نصر الله تعالى عباده المؤمنين في القدس وعامة فلسطين وفي كل مكان ومكَّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم..

الهوامش:

  1. رواه البخاري (٣٦٤١).

  اقرأ أيضاً:  

الجمعة، 28 فبراير 2025

عدد ركعات النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم والليلة

عدد ركعات النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم والليلة

الشيخ  الدكتورعبد الله بن فيصل الأهدل

٢٠٢٥-٠٢-٢٨


«الصلاة خير موضوع فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر»١.

وهي أشرف العبادات على الإطلاق، وقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود:١١٤-١١٥].

عدد ركعات النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم والليلة

هذا المقال يتحدث عن عدد ركعات النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في الليل والنهار من سُنَّته الفعلية؛ ليتأسى به من أراد الاستكثار من هذه العبادة الجليلة..

أولًا: عدد ركعات تطوع النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بالنهار

روى الإمام أحمد عن عاصم بن ضمرة، قال: سألنا عليًّا، عن تطوع النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بالنهار، فقال: إنكم لا تطيقونه. قال: قلنا: أخبرنا به نأخذ منه ما أطقنا. قال: “كان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم إذا صلى الفجر أمهل، حتى إذا كانت الشمس من هاهنا -يعني من قبل المشرق- مقدارها من صلاة العصر من هاهنا -من قبل المغرب- قام فصلى ركعتين، ثم يمهل حتى إذا كانت الشمس من هاهنا -يعني من قبل المشرق- مقدارها من صلاة الظهر من هاهنا -يعني من قبل المغرب- قام فصلى أربعًا، وأربعًا قبل الظهر إذا زالت الشمس، وركعتين بعدها، وأربعًا قبل العصر، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين، والنبيين ومن تبعهم من المؤمنين، والمسلمين” قال: قال علي: تلك ست عشرة ركعة، تطوع النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بالنهار، وقلَّ من يداوم عليها٢.

شرح الحديث:

قوله: “إنكم لا تطيقونه” أي: الدوام والمواظبة على ذلك؛ أخذًا من قوله في آخر الحديث: “وقلَّ من يداوم عليها”.

قوله: “كان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم إذا صلى الفجر أمهل، حتى إذا كانت الشمس من هاهنا -يعني من قبل المشرق- مقدارها من صلاة العصر من هاهنا -من قبل المغرب-، قام فصلى ركعتين” أي: أخَّر الصلاة حتى ترتفع الشمس من جانب الشرق مقدار ارتفاعها من جانب المغرب وقت صلاة العصر، صلى ركعتين، وهي صلاة الضحى. وقد سمَّى صاحب إنجاح الحاجة على سنن ابن ماجه هذه الصلاة: الضحوة الصغرى، والأربعة الآتية بعدها في الحديث: الضحوة الكبرى، حيث قال: وهذه هي الضحوة الصغرى وهو وقت الإشراق، وهذا الوقت هو أوسط وقت الإشراق وأعلاها، وأما دخول وقته فبعد طلوع الشمس وارتفاعها مقدار رمح أو رمحين حين تصير الشمس بازغة يزول وقت الكراهة، وكان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يصلي هذه الصلاة غالبًا ركعتين وأحيانًا أربعًا، وفي الحديث القدسي: «يا ابن آدم اركع لي أربع ركعات أول النهار أكفك آخره» وأما الصلاة الثانية فهي الضحوة الكبرى، فكان يصليها أحيانًا ويتركها أحيانًا٣. اهـ.

وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية أن المراد بالأربع ركعات أول النهار: ركعتي الفجر السنة والفرض؛ لأنها هي التي تقع أول النهار.

قوله: “ثم يمهل حتى إذا كانت الشمس من هاهنا -يعني من قبل المشرق- مقدارها من صلاة الظهر من هاهنا -يعني من قبل المغرب- قام فصلى أربعًا” أي: هي الصلاة الثانية التي أشار إليها صاحب إنجاح الحاجة وسماها بالضحوة الكبرى، وهي قبل الزوال بشيء يسير.

قال العراقي: وهي غير الأربع التي هي سنة الظهر قبلها.

قوله: “وأربعًا قبل الظهر إذا زالت الشمس” أي: التي بعد الزوال وهي سنة الظهر.

قوله: “يفصل بين كل ركعتين بالتسليم..” قال العراقي: حمل بعضهم هذا على أن المراد بالفصل بالتسليم التشهد؛ لأن فيه السلام على النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وعلى عباد الله الصالحين، قاله إسحاق بن إبراهيم، فإنه كان يرى صلاة النهار أربعًا، قال: وفيما أوَّله عليه بعدٌ. اهـ

وقال ابن حجر المكي: لفظ الحديث يأبى ذلك، وإنما المراد بالتسليم فيه للتحلل من الصلاة، فليسن للمسلم منها أن ينوي بقوله السلام عليكم من على يمينه وعلى يساره وخلفه من الملائكة ومؤمني الإنس والجن٤. اهـ

قال الألباني:

دل قوله: “يجعل التسليم في آخره”. على أن السنة في السنن الرباعية النهارية أن تصلى بتسليمة واحدة، ولا يسلم فيها بين الركعتين، وقد فهم بعضهم من قوله: “يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المؤمنين”، أنه يعني تسليم التحلل من الصلاة. ورده الشيخ علي القاري في “شرح الشمائل” بقوله: “ولا يخفى أن سلام التحليل إنما يكون مخصوصًا بمن حضر المصلى من الملائكة والمؤمنين. ولفظ الحديث أعم منه حيث ذكر الملائكة والمقربين والنبيين ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين إلى يوم الدين”.

ولهذا جزم المناوي في شرحه على “الشمائل” أن المراد به التشهد، قال: “لاشتماله على التسليم على الكل في قولنا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين”.

قلت -القائل الألباني-: ويؤيده حديث ابن مسعود المتفق عليه؛ قال: كنا إذا صلينا مع النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قلنا السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان، فلما انصرف النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أقبل علينا بوجهه فقال: «إن الله هو السلام، فإذا جلس أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله… السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه إذا قال ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض….».

قلت -القائل الألباني-: وهذه الزيادة التي في آخر الحديث، تقطع بذلك، فلا مجال للاختلاف بعدها فهي صريحة في الدلالة على ما ذكرنا من أن الرباعية النهارية من السنن لا يسلم في التشهد الأول منها. وعلى هذا فالحديث مخالف لظاهر قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى». وهو حديث صحيح كما بينته في “الحوض المورود في زوائد منتقى ابن الجارود” رقم (١٢٣) يسر الله لنا إتمامه، ولعل التوفيق بينهما بأن يحمل حديث الباب على الجواز، وحديث ابن عمر على الأفضلية كما هو الشأن في الرباعية الليلية أيضًا. والله أعلم٥.

ولفظ “النهار”: أعله بعض المحدثين، لكنه صحَّ موقوفًا.

ما هي مشروعية الركعتان بعد العصر

وهناك ركعتان كان يصليهما صلَّى الله عليه وسلَّم بعد العصر، -صلاهما لعارض ثم أثبتهما- فقد روى البخاري عن أبي إسحاق، قال: رأيت الأسود، ومسروقًا، شهدا على عائشة قالت: “ما كان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يأتيني في يوم بعد العصر، إلا صلى ركعتين”٦.

وقال البخاري: قال عبد العزيز: ورأيت عبد الله بن الزبير يصلي ركعتين بعد العصر، ويخبر أن عائشة رضي الله عنهـا حدثته: “أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لم يدخل بيتها إلا صلاهما”٧.

والجمع بين حديث صلاته بعد العصر وأحاديث النهي عن الصلاة بعد العصر أن النهي عن الركعتين بعد العصر لمن صلاها والشمس غير بيضاء نقية؛ فإن الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم نهى عن الصلاة بعد العصر إلا والشمس مرتفعة، ولذلك لما أجاب عليه الصلاة والسلام أم سلمة رضي الله عنهـا بيَّن لها سبب هاتين الركعتين، وأنهما الركعتان بعد الظهر.

وقد ثبت ما يدل على هذا؛ فإن ابن عباس قال في هذا الحديث: “كنت أضرب مع عمر بن الخطاب الناس عليها”؛ يعني: أنه كان ينهى الناس عن الصلاة بعد العصر مطلقًا، والظاهر أن عائشة بلغها هذا، فقالت: وهم عمر، إنما نهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها. وفي رواية عنها: قالت: “لم يدع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الركعتين بعد العصر”. قال: فقالت عائشة: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها فتصلوا عند ذلك»٨.

فدل هذا على النهي عن الصلاة عند غروب الشمس، ومفهومه أن الصلاة بعد العصر والشمس بيضاء نقية غير داخل في النهي، وهذا المفهوم جاء منطوقًا في حديث علي بن أبي طالب مرفوعًا: “نهى عن الصلاة بعد العصر؛ إلا والشمس مرتفعة”.٩ ، وفي رواية لأحمد: “لا تصلوا بعد العصر؛ إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة”١٠. وصححه الألباني في الصحيحة١١.

وروى الطحاوي عن البراء بن عازب قال: بعثني سلمان بن ربيعة بريدًا إلى عمر بن الخطاب في حاجة له، فقدمت عليه، فقال لي: “لا تصلوا بعد العصر؛ فإني أخاف عليكم أن تتركوها إلى غيرها”١٢.

قال الألباني: يعني إلى وقت الاصفرار المحرم، وإسناده صحيح١٣.

وروى مسلم في صحيحه عن أبي سلمة، أنه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يصليهما بعد العصر، فقالت: “كان يصليهما قبل العصر، ثم إنه شغل عنهما، أو نسيهما فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما، وكان إذا صلى صلاة أثبتها” قال يحيى بن أيوب: قال إسماعيل: تعني داوم عليها١٤.

وعن عائشة، قالت: “ركعتان لم يكن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يدعهما سرًّا ولا علانية: ركعتان قبل صلاة الصبح، وركعتان بعد العصر”١٥.

وأخرج أبو العباس السراج في مسنده عن المقدام بن شريح عن أبيه قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كيف كان يصلي؟ قالت: “كان يصلي الهجير ثم يصلي بعدها ركعتين، ثم يصلي العصر ثم يصلي بعدها ركعتين”. فقلت: فقد كان عمر يضرب عليهما وينهى عنهما؟ فقالت: “قد كان عمر يصليهما، وقد علم أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان يصليهما، ولكن قومك أهل الدين قوم صغار، يصلون الظهر، ثم يصلون ما بين الظهر والعصر، ويصلون العصر ثم يصلون ما بين العصر والمغرب، فضربهم عمر، وقد أحسن”١٦.

وعن عائشة، قالت: “والذي ذهب به، ما تركهما حتى لقي الله، وما لقي الله تعالى حتى ثقل عن الصلاة، وكان يصلي كثيرًا من صلاته قاعدًا -تعني الركعتين بعد العصر-، وكان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يصليهما، ولا يصليهما في المسجد، مخافة أن يثقل على أمته، وكان يحب ما يخفف عنهم”١٧.

فتلخص مما تقدم أن عدد ركعات تطوع النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في النهار ست عشرة ركعة كما في حديث علي، إضافة إلى ركعتي الفجر كما هو معلوم، فهذه ثمان عشرة ركعة.

وإذا أضفنا إليها الركعتين بعد العصر، فهذه عشرون ركعة.

ثانيًا: عدد ركعات تطوع النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في الليل

عن عائشة رضي الله عنهـا قالت: “كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين”١٨.

وعن كريب، مولى ابن عباس، أن ابن عباس أخبره، أنه بات ليلة عند ميمونة أم المؤمنين، وهي خالته، قال: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأهله في طولها، فنام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى انتصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل، استيقظ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شن معلقة، فتوضأ منها فأحسن وضوءه، ثم قام فصلى، قال ابن عباس: فقمت فصنعت مثل ما صنع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم ذهبت فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى يفتلها، فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاء المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح١٩.

وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: “صليت مع النبي صلَّى الله عليه وسلَّم سجدتين قبل الظهر، وسجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة، فأما المغرب والعشاء ففي بيته”٢٠.

والمراد بالسجدة هنا: الركعة.

مجموع ركعات النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بالليل والنهار فرضًا ونفلًا

فيتلخص مما تقدم أن قيامه بالليل ثلاث عشرة ركعة، وركعتان كان يصليهما بعد المغرب، فهذه خمس عشرة ركعة تطوع النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بالليل، وعليه؛ فإجمالي ركعات الليل والنهار ثلاث وثلاثون ركعة، وإذا أضفنا ركعات الفروض -وعددها سبع عشرة ركعة- فمجموع ركعات النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بالليل والنهار فرضًا ونفلًا خمسون ركعة فيها مائة سجدة، وإذا أضفنا الركعتين اللتين بعد العصر، فقد كان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يسجد لله في اليوم والليلة مائة وأربع سجدات. والله أعلم.

قال النووي: الإيتار بثلاث عشرة ركعة أكمل وفيه خلاف لأصحابنا، قال بعضهم أكثر الوتر ثلاث عشرة لظاهر هذا الحديث، وقال أكثرهم أكثره إحدى عشرة، وتأولوا حديث ابن عباس أنه صلَّى الله عليه وسلَّم صلَّى منها ركعتي سنة العشاء، وهو تأويل ضعيف مباعد للحديث٢١.

قلت: الأرجح أن أكثر الوتر إحدى عشرة ركعة، وما ورد في حديث ابن عباس من الزيادة فالظاهر أنها سنة العشاء؛ لما روى البخاري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه سأل عائشة رضي الله عنهـا: كيف كانت صلاة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في رمضان؟ قالت: “ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربع ركعات، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا..”٢٢. أو يكون المراد بالزيادة سنة الفجر، لا سيما مع ما رواه عبد الرزاق (٣٨٦٢) عن ابن عباس -نفسه- قال: “فتتامت صلاته ثلاث عشرة ركعة، منها ركعتا الفجر..”٢٣.

ومن كسل عن هذه الركعات فلا أقل من أن يحافظ على السنن الرواتب المؤكدة، وهي مع الفرض أربعون ركعة؛ ركعتان قبل الفجر، وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وإحدى عشرة أو ثلاث عشرة صلاة الليل، وركعات الفرض سبع عشرة ركعة.

رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء..

الهوامش

(١) [رواه الطبراني في الأوسط (٢٤٣) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٨٧٠)].

(٢) [رواه أحمد (٦٥٠) والترمذي (٥٩٨، ٥٩٩) وحسنه، وصححه ابن خزيمة، وقال الأرناؤوط: إسناده قوي. وأخرجه ابن ماجه (١١٦١) وحسنه الألباني].

(٣) [أنظر الفتح الرباني للساعاتي صـ(٥٩٦)].

(٤) [أنظر الفتح الرباني صـ(٥٩٦-٥٩٧)].

(٥) [أنظر السلسلة الصحيحة تحت الحديث رقم (٢٣٧)].

(٦) [رواه البخاري (٥٩٣)].

(٧) [رواه البخاري (١٦٣١)].

(٨) [رواه مسلم (٨٣٣)].

(٩) [أخرجه أبو داود (١٢٧٤) والنسائي (٢/٢٨٠)].

(١٠) [رواه أحمد (١/١٣٠)].

(١١) [انظر: بغية المتطوع في صلاة التطوع صـ(٣٤-٣٥)].

(١٢) [رواه الطحاوي (١/١٨٠)].

(١٣) [الصحيحة (٧/٥٢٦)].

(١٤) [رواه مسلم (٨٣٥)].

(١٥) [رواه البخاري (٥٩٢)].

(١٦) [مسند السراج (١٥٣٠) وقال الألباني: إسناده صحيح].

(١٧) [رواه البخاري (٥٩٠)].

(١٨) [أخرجه البخاري (١١٧٠)].

(١٩) [رواه مسلم (٧٦٣)].

(٢٠) [أخرجه البخاري (١١٧٢)].

(٢١) [شرح النووي على مسلم (٦/٤٧)].

(٢٢) [أخرجه البخاري (٣٥٦٩)].

(٢٣) [ورواه أحمد (٢٥٥٩) من طريقه، وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين].