‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أحمد فال بن الدين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أحمد فال بن الدين. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 23 يناير 2022

إقليم عفر الإثيوبي.. الجمال هامشا

 إقليم عفر الإثيوبي.. الجمال هامشا

مملكة الجن" كما تسميه قبائل العفر القاطنة بهذا الإقليم المعروف باسمها


أحمد فال بن الدين

تتقدم السيارة شبرا شبرا وسط الحجارة الصلدة. أتلفت فلا أرى غير الجبال السوداء الجرداء والمناظر الطبيعية الفاتنة غير المُروّضة. أخاديد حادة يحكي كل منها عصرا من عصور الأرض، وقطعان من الأنعام سائمة بين الأودية والوهاد. كنت في طريقي إلى بركان "عِرتْ علي"، أو "مملكة الجن" كما تسميه قبائل العفر القاطنة بهذا الإقليم المعروف باسمها. قلّبت ناظري في البيئة الأخاذة الوعرة التي تحكي صمود القبائل العفرية، وتفسر جانبا من تاريخها الصامد.

لقد جررتُ حقائبي في أماكن فقيرة كثيرة على ظهر الأرض، لكني لم أر أفقر من هذه القرى وهذا الإقليم ذي المليوني نسمة. كنت أقلب طرفي في الشبان ذوي الشعر الطويل، والرجال الجالسين الذين يمضغون القات ولا يقطعونه إلا للصلاة.

لاحظت نُصبا من الحجارة متناثرة على الطريق. سألت دليلي عنها فضحك "هذه وَيْدَل. هذه أهرامات نبنيها على قبور شهدائنا في الحروب مع الغزاة. انظر هناك، إذا كان النصب مغطى فهذا يعني أن القتيل أُخذ ثأره ويستطيع النوم هنيئا. أما إذا كان النصب مفتوح الباب إلى السماء فذاك يعني أن دم القتيل مَطْلول.. لم يؤخذ بثأره بعد".

طلبتُ من السائق التوقف وترجلنا لرؤية "الويدل". بناء حجري دائري مرتع نحو متر. تأملته منصتا لمحمد، شارحا فلسفة الويدل عند قبائل العفر ذات الأصول العربية. قال إن هذه النُصب هنا منذ مئات السنين حتى لا يغفل أحفاد القتيل أو أبناء عمه عن ثأره. فالحجارة وحدها تكافح عوادي الزمان وغوائل النسيان. ثم عضّ شفتيه وقال بحرقة "هذه الويدلات غالبا من حروبنا مع الإيطاليين أو التيغراي".

يحرم في ثقافة العفر الاقتراب من الويدل. فهو مكان لا يقترب منه إلا من سيغير غطاءه إذا أُخذ بثأر صاحبه، أما في غير ذلك فللقبور حرمتها وقداستها. وعندما انتبه الإيطاليون لهذه الثقافة كانوا يقومون بتخزين أسلحتهم فيها يقينا منهم أن العفر لن يفتشوها أو يقتربوا منها.

عدنا وعادت السيارة تعرج على الطريق المتمنّع. تمر ساعات من دون رؤية إنسان، ثم يبدو راع على الطريق يؤشر بقربة طالبا ماءا، أو سرب ظباء راتعا، أو نعامة تتهادى غير بعيد. وبعد الفنية وأختها تظهر قرية نائمة في حضن جبل شاهق، أو على حافة واد سحيق. قرى في غاية الفقر.

لقد جررتُ حقائبي في أماكن فقيرة كثيرة على ظهر الأرض، لكني لم أر أفقر من هذه القرى وهذا الإقليم ذي المليوني نسمة. كنت أقلب طرفي في الشبان ذوي الشعر الطويل، والرجال الجالسين الذين يمضغون القات ولا يقطعونه إلا للصلاة. فتذكرت ما قاله الرحالة العدوي عن هذا الفضاء قبل 6 قرون "وعند أهلها محافظة على الدين، ولا تُعرف عندهم مدرسة، ولا خانقاه، ولا رباط ولا زاوية"، وهو وصف دقيق لغياب المعالم المدنية والاستقرار هنا.

سألت رفيقي محمد -وهو شاب عفري، خريج جامعي ويتحدث لغات- عن سبب هذا الفقر الشديد فقال "لقد حوصر هذا الإقليم على أيدي الحكومات المتعاقبة. عاقبونا لاعتدادنا بأنفسنا وشراستنا في الحروب. كان إقليمنا مستثنى من التنمية خاصة في ظل حكومة التيغراي طيلة العقود الثلاثة الماضية".

تحدث محمد مندفعا بلهجته اليمنية عن هذا الإقليم الرابع في إثيوبيا من حيث المساحة. إذ يمتد على مساحة تزيد على 27 ألف كيلومتر مربع. لكن ذهني كان قد انصرف ملاحظا ظهور جبل "عرت علي" في الأفق. بدا الجبل -المرتفع عن سطح البحر بألفي قدم- مُظلَّلا بخيوط الأصيل الذهبية، ومجللا بالمهابة السرمدية. أدرت ظهري للشمس الهاربة ورفعت رجلي آخذا خطوتي الأولى جهة قمة البركان.

تعني كلمة "عِرِت علي" في لغة العفر "جبل الدخان"؛ وذلك بسبب الدخان المتصاعد دائما من فوهته ومن بحيراته الحممية الرديفة. فهو واحد من البراكين النادرة في العالم، النشطة على مدار العام. ويتميز ببحيراته الحممية الداعمة، مما يجعل الدخان يصَّاعد من الجبال المتاخمة له دوما.

شققتُ الحجارة السود المتفحمة في طريقي. صخور غريبة الشكل هشة تتفتت بالركل. يشبه شكلها الأمواج، مما يذكر بكونها كانت أمواجا حممية يوما ثم جففها تعاقب الليل النهار. وقفتُ متقطع الأنفاس على حافة البركان. فوهة دائرية مفتوحة كالجرح الدامي، مملوءة حمما تفور فورانا أبديا. هجمتْ علي كحة قوية بسبب الغازات المتصاعدة فغيرتُ مكاني متقيا جهة هبوب الرياح. جلسنا على حافة الفوهة نتأملها بعيد الغروب. كانت لحظات يشعر فيها الفرد بضآلته ومحدودية جِرمه وعالمه واهتماماته. تتمايز الحمم هنا وتتدافع سرمدا. تثور وتهدأ، والبشر يذهبون ويأتون ويتصارعون، والدول تقوم وتسقط، والإمبراطوريات المتغطرسة تظهر وتتلاشى، وهذه الفوهة فاغرة فاها أثناء كل ذلك لا تزداد إلا تصميما وفورانا.

إقليم عفر يمتد على مساحة تزيد على 27 ألف كيلومتر مربع

جلسنا على طرفها فقال محمد "سكان المنطقة مجمعون على أن من أتى ليلا هنا يسمع كل الأصوات الدارجة على الأرض. يسمع خوار البقر وحنين الإبل وثغاء الشاء وأحاديث البشر. ويعتقدون أنه إذا ابتعد الآن أي منا عن رفاقه سيسمع من يناديه باسمه واسم أبيه، وإذ أجاب اختطفته الجن حالا. ولذلك يرى سكان المنطقة أن كل السواح الذين فُقدوا هنا إنما اختطفهم الجن".

أعدت بصري للفوهة الحمراء المعتملة الهادرة. لقد استطاع الإنسان التعاطي مع الظواهر البيئية وتسخيرها لمطامعه ومطامحه. فحوّل مجاري الأنهار الجامحة، وشق الجبال الشاهقة المتعالية كما يشق الزبدة الرطبة. وأطار الحديد الثقيل في الهواء، وسار داخل أحشاء البحار وفوقها، لكنه وقف راكعا أمام البراكين. تركها تثور وتهدأ، وهو عاجز أمام سلطانها القاهر.

وقف الإنسان راكعا أمام البراكين تركها تثور وتهدأ، وهو عاجز أمام سلطانها القاهر

مد محمد سبابته إلى البركان "هذه البيئة تشبهنا. حارة وصعبة على التطويع والانقياد. لم يحاول غازٍ الدخول إلى إثيوبيا إلا كنا نحن من يرده كالبرتغال والطليان، وها نحن اليوم ننقذ إثيوبيا من التيغراي".

يشير محمد إلى الحرب الأخيرة التي حاولت فيها جبهة تحرير التيغراي إسقاط حكومة أديس أبابا، لكنها انكسرت على أرض العفر. فالعفر لا يفخرون بشيء فخرهم بالفروسية المتوارثة. ولذا من عاداتهم الباقية أن الشاب إذا بلغ الـ16 من العمر يُشترى له سلاح. حتى إن الأسرة الفقيرة تضطر لبيع أثمن ما تملك لتشري بندقية لابنها حتى تكتمل رجولته.

يتميز إقليم عفر -الموجود في  شمال شرق إثيوبيا- بمكانه الإستراتيجي المتاخم لكل أطراف الصراع الإثيوبي. فيحده الأمهرة والأورومو والتيغراي والصوماليون وإريتريا. كما يزخر بموارد معدنية كالملح والذهب والبوتاسيوم، وأماكن نادرة ومناطق سياحية فاتنة. فعلى بعد كيلومترات من بركان "عرت علي" تمتد صحراء الملح، والجبل الملحي الأحمر. وهي صحراء تنتج كل الملح المستخدم في إثيوبيا، مع ثرائها بالماء والأنهار والبحيرات الغازية.

لكن كل هذه الموارد لا يوجد لها أي أثر على حياة سكان الإقليم. فكل القرى التي مررتُ بها قرى صفيح شديدة الفقر. فلا يكاد يُرى بيت من الإسمنت؛ فالبيوت صفيحية أو أخصاص من الشجر. وما زال 90% من سكانه يعيشون على الرعي. ومن طرائف علاقتهم بالرعي قصة علاقتهم الخاصة بالإبل. حتى إن الرجل إذا قتل ناقة أو جملا عمدا يمكن أن يُقتل قصاصا. فقبل عقود قام بعض سائقي الجيش الإثيوبي بقتل إبل عفرية خطأ؛ فما كان منهم إلا أن قاموا بقتل سائقي الجيش انتقاما لإبلهم حتى تدخلت السلطات وأُنهي الأمر صلحا.

يتمتع الإقليم -دستوريا كبقية أقاليم إثيوبيا- باستقلال ذاتي؛ فله رئيسه وبرلمانه وجيشه وشرطته. ويقتصر حضور الدولة الفدرالية فيه على المطارات فحسب. ويحلم ساكنوه الآن بمستقبل برّاق أثناء الحوار الوطني الجاري بعد بلائهم في الحرب الأخيرة. فقد تمكنوا من زيادة جيشهم للمرة الأولى، وقدّرت لهم حكومة أديس أبابا بلاءهم في الحرب.

تركتُ البركان وعدت نازلا مع الجبل. لكن المنطقة خالية من أي فندق يمكن للمرء أن يأوي إليه. وصلنا طرف الجبل وتمددنا على الصخور حتى الصباح. فالحركة على الطرق غير المعبدة ليلا أمر مستحيل هنا.

نزلت مع الجبل صباحا متأملا الجمال المنحوت في الطبيعة البكر متسائلا؛ أيُّ جمال مهمش هذا؟!

 أحمد فال بن الدين

كاتب ومؤلف.



الاثنين، 27 يناير 2020

القرامطة الجدد.. والثأر الروحي

القرامطة الجدد.. والثأر الروحي



أحمد فال الدين

قبل مائة عام، أَسر أميرٌ أوزبكيٌ ضابطًا بريطانيًا يدعى آرثر كونولي. كان الضابط الشاب يعمل لمنع التمدد الروسي بمنطقة آسيا الصغرى لصالح بريطانيا. كان طموحًا مؤمنًا بأنه يستطيع اللعب بمصائر الأمم دون وصول النيران إلى أصابعه.
اعتقله الأمير الأفغاني – أثناء مغامراته تلك- ورماه في بئر مليءٍ بالقوارض شهريْن، ثم أخرج ما تبقى من جثته وضرب عنقَه. فُتّشت مذكرات المغامر الأوروبي فوجدوه سكَّ مصطلحَ “اللعبة الكبرى” (The Great Game) إشارةً إلى الصراع على بلاد المسلمين بين القوى الكبرى مطلعَ القرن العشرين. وكان من ملامح تلك اللعبة الكبرى أمران: الاستهتار الأخلاقي للاعبين بتحويل الحروب والإبادات إلى ألعاب مسلية، وتوظيفُ الدين للسيطرة على تلك الشعوب. وهذان الملمحان بارزان الآن في سلوك أصحاب اللعبة الكبرى ووكلائهم الجدد.
كتب المندوب الإنكليزي إلى الهند يومها جورج كورزون في كتابه “فارس والمسألة الفارسية”، قائلًا: “إن تركمنستان، وأفغانستان، وما وراء بحر قزوين وبلاد فارس -وهذه أسماء لا توحي لكثيرين إلا بالبعد المطلق والرومانسيات المحتضرة- أعترف أنها بالنسبة لي بيادق على رقعة شطرنج، واللعبةُ التي تدور على هذه الرقعة هي لعبة السيطرة على العالم”.1
يعترف المغامر البريطاني الآخر في هذا النص أن ملايين الشعوب في هذه المنطقة لا تعني له غير ما تعنيه الدمى الخشبية؛ فموتُها موت افتراضي وحياتها حياة افتراضية، وما هي إلا ساحة للإمتاع والمؤانسة وإثارة مشاعر الأوروبي الطامح لتحقيق ذاته في ريعان شبابه.
يروي الثقاةُ -أيامَ الناس هذه- أن بعض الأمراء والملوك الخليجيين المهووسين بوأْد ثورات الحرية والشورى، يفتخرون في مجالسهم الخاصة باللعب بمصائر العرب. بل يصرحون بالاستمتاع بما قاموا به من مذابح وما أشعلوا من حرائق في دول ربيع العرب. وهم بهذا خلفٌ لذلك السلف؛ سعداء بتكدّس عشرات آلاف الأحرار في سجون السيسي، وانفراط عقد اليمن، وفشل الثورة الليبية وتحويلها إلى مجال نفوذ لهم بواسطة أمير الحرب خليفة حفتر.
لقد استدار الزمان كهيئته قبل مائة عام، وها هي “اللعبة الكبرى” تُستأنف من لاعبين تختلف ملامحهم هذه المرة، وإنْ اتفقوا في محاولة السيطرة على هذه البلاد باعتبارها منطقة مركزية في المسيرة المادية والروحية للبشرية، حتى في لحظات تعاستها.
لقد كانت المنطقة يومئذٍ مكشوفة استيراتيجيًا بسبب تضعضع الدولة العثمانية، وكان لُعاب الدول الكبرى يسيل للسيطرة على منابع النفط ومراقدِ الإشعاع الروحي. وكان الشبان الأوروبيون العطشى للنفوذ يلعبون مستمتعين أشد استمتاع، ولا يكادون يفكرون في أن عبثهم ينعكس على أرواح بريئة، وبشر من لحم ودم. والجديد بمنطقتنا اليوم هو بروز ساسة محليين يحاولون تولي تلك الأوهام الإمبراطورية نيابة عن اللاعبين الكبار، بعد عصر اندحار الاستعمار المباشر.
إخضاع الدين بترويض النخبة
تنطلق الفكرة التي يتبنى الأغنياء الأغبياء وظهيرهم الغربي من كون الإسلام أهمّ عنصر من عناصر القوة والممانعة داخل أحشاء المجتمع المسلم، وأنَّ من يتحكم في “رجال الدين” يتحكم في البلاد الإسلامية بشرًا وحجرًا.
ولذا لا جَرَمَ أنْ جزمَ المؤرخ الأميركي دافيد فرومكين أن مناديب الاستعمار “اعتقدوا اعتقادًا خاطئًا أنّ من يسيطر على النخبة أو القادة يسيطر على روح الإسلام، وقاسوا قصة استطاعة “كورتز السيطرة على المكسيك عن طريق القبض على إمبراطور الآزتك (….) واستمالتهم الفكرة القائلة إن من يسيطر على رأس الخليفة يسيطر على الإسلام.”2
وهكذا تتأسس “اللعبة الكبرى” الجديدة على إخضاع النخبة الدينية في العالم العربي لكون ذلك كفيل بإخضاع بقية الناس. وهي نفس الفكرة التي تبناها اللورد كيتشنر قبل مائة عام. لقد كان كيتشنر –المندوب البريطاني بالمنطقة- يؤمن بأن الإسلام نسخة من الكاثوليكية، وتمكن السيطرة عليه من خلال إخضاع البابا –أي الخليفة. فإذا ما تسنى لبريطانيا أن تصنع خليفة تابعًا لها – الشريف حسين- ستسيطر آليًا على عقول المسلمين في أرجاء الأرض. غير أن وقائع الأيام وشهادات المؤرخين جاءت لتسخر من الفكرة لاحقًا. فالإسلام فكرةٌ صلبة لها وجود ذاتي، وإيمان بين جوانح المؤمنين، لا رجل معمم يَخضعُ فيخضعَ المسلمون.
ولذا لا جَرَمَ أنْ جزمَ المؤرخ الأميركي دافيد فرومكين أن مناديب الاستعمار “اعتقدوا اعتقادًا خاطئًا أنّ من يسيطر على النخبة أو القادة يسيطر على روح الإسلام، وقاسوا قصة استطاعة “كورتز السيطرة على المكسيك عن طريق القبض على إمبراطور الآزتك (….) واستمالتهم الفكرة القائلة إن من يسيطر على رأس الخليفة يسيطر على الإسلام.”2
وهكذا تتأسس “اللعبة الكبرى” الجديدة على إخضاع النخبة الدينية في العالم العربي لكون ذلك كفيل بإخضاع بقية الناس. وهي نفس الفكرة التي تبناها اللورد كيتشنر قبل مائة عام. لقد كان كيتشنر –المندوب البريطاني بالمنطقة- يؤمن بأن الإسلام نسخة من الكاثوليكية، وتمكن السيطرة عليه من خلال إخضاع البابا –أي الخليفة. فإذا ما تسنى لبريطانيا أن تصنع خليفة تابعًا لها – الشريف حسين- ستسيطر آليًا على عقول المسلمين في أرجاء الأرض. غير أن وقائع الأيام وشهادات المؤرخين جاءت لتسخر من الفكرة لاحقًا. فالإسلام فكرةٌ صلبة لها وجود ذاتي، وإيمان بين جوانح المؤمنين، لا رجل معمم يَخضعُ فيخضعَ المسلمون.
  1. جوروج كورزون، المسألة الفارسية، ص 3-4، باللغة الإنكليزية
  2. دافيد فرومكين، سلام ما بعده سلام ، ص 107-108
  3. دافيد فرومكين، سلام ما بعده سلام ، ص 107
  4. مقدمة ابن خلدون، ص 189
  5. فريدريك نيتشه، جينالوجيا الأخلاق، ص 55

الجمعة، 30 أغسطس 2019

الحداثوي العربي الحزين! أ

الحداثوي العربي الحزين!

أحمد فال الدين
وقتما يكون جهدُك منصبا على نقد منافسك، والتفكير فيه، والتحذير منه فاعلم أنك فقدتَ زمام الفعل الواعي. فذاك يعني أن مَنقُودَك يكتب وأنت تُهمّش. أنت غبارٌ مُثار، وصاحبك يركض ممتطيا صهوةَ التاريخ الوثيرة.
لعل من أطرف الظواهر السياسية في ديار العرب هذه الأيام موجة الحرب المسعورة على الإسلاميين. وتأخذ هذه الحرب وجهيْن، وجهًا حسيًا بالقتل والنفي -وهو ما يقوم به الملوك والجنرالات- ووجهًا إعلاميًا يتولاه تحالف عريض من فلول القومية البائدة، والعلمانية الفاشية، واليسارية المسكونة بهموم الحرية الاجتماعية المنفصلة عن أختها السياسية.
شادي حميد الباحث الأمريكي بمعهد بروكنغز
ولا جَرَمَ أنْ لا رابط بين هذه الأطراف غير عُصَابِ الخوف من الإسلاميين، حتى لا نقول من الإسلام. ولا عجب أن لاحظ الباحث الأميركي بمعهد بروكنغز شادي حميد أن المشروع الوحيد الذي يبشر به هؤلاء هو “عداء الإسلاميين” فحسب. فتلك هي البنية الثابتة في ما يقدمون من خطاب.
لقد اتحدت هذه الفئات للحرب على الإسلاميين دون أن تجمعها رحِمٌ فلسفية أو خميرة اجتماعية. فهم أوجهٌ سياسية متشاكسة، وسُحَنٌ ثقافية متنافرة، تنادي بالويل والثبور والتحذير من الإسلاميين دون أن تبسط لمجتمعها مشروعًا منافسًا، أو تقدم ضريبة سياسية للبرهنة على استعداداها لخدمة هذا المجتمع.
 اللائكي الحزين
يلاحظ المتابع لكتابات ومواقف الحداثويين سمةً نفسية ملازمة لمعظمهم مهما اختلفت خلفياتهم وتناءت بلدانهم: سمة الاكتئاب. فلا تكاد تقرأ لأحدهم حرفًا إلا يقطر كآبة، ولا تستمع لعلَمٍ من أعلامهم إلا خيل إليك أنه واقف على حافة ثقب أسود، ينادي على البشرية بالخراب.
تأخذ هذه الحرب وجهيْن، وجهًا حسيًا بالقتل والنفي -وهو ما يقوم به الملوك والجنرالات- ووجهًا إعلاميًا يتولاه تحالف عريض من فلول القومية البائدة، والعلمانية الفاشية، واليسارية المسكونة بهموم الحرية الاجتماعية المنفصلة عن أختها السياسية.
 وإذا عايشتَ أحدًا منهم معايشة قريبة وجدتَه لا ينفكّ مقطب الجبين سيء الظن بنفسه، والناس والأيام. ولست هنا بمعرض القول الفلسفي الممجوج عن منزع التشاؤم باعتباره سمة من سمات عصر الآلة، أو نتيجة من نتائج الحداثة وما بعدها. بل أتحدث عن الحداثوي العربي الحزين ذاتًا مخصوصةً، تعيش بيننا تأكل الطعام وتمشي في الأسواق. وهي ذات فريدة (مُحنّطة وخارج تاريخ هيغل) لا تنتمي للقوالب الدارجة فلسفيًا أو فكريًا شرقًا أو غربًا.
ولعل أهم أسباب هذا الحزن الدائم تتلخص في النقاط التالية.
الخوف من المجتمع
يخاف الحداثوي العربي خوفًا مرضيًا من مجتمعه. فقد تعود على أن المجتمع لا يثق فيه ولا يعترف به فاعلًا مؤهلًا للقيادة. فلا ينتخبه ولا يقدمه في لحظات الاختيار الحر غالبا. لذا لا يجد نفسه في السلطة إلا على ظهر دبابة أو متحالفًا مع مستبد. وهو مع ذلك جزء من هذا المجتمع مضطر للتعاطي معه. فهو لا يستطيع ترشيح نفسه لقيادة المجتمع الدانماركي أو الموزمبيقي مثلا. في هذا الجو الطارد، يجلس كظيم القلب، متواصل الأحزان، متقطع الأنفاس يتلمّظ حنقا… ليمارس السياسة أو الكتابة.
في لحظات تحرر الشعوب يضج الفضاء العام بالإسلاميين والآراء المتنوعة والسُّحَن الفكرية المختلفة، وفي لحظات البطش والسجون يضج الفضاء العام بالحداثويين العرب والعساكر والمهرجين والفاسدين والضريحيين. تلك قاعدة لا تكاد تنخرم.
والحداثوي خائف لمناقضة مرجعيته الفكرية لمرجعية مجتمعه. فالعرب عمومًا (والانتخابات في أجواء الحرية هي الطريق الوحيد لكشف آراء المجتمعات) يبحثون عن حل يزاوج بين القيم السياسية الإسلامية (انتخاب الحاكم، القسط بين الناس، ومنح المجتمع حرية التدين أو عدمه مع احترام الهوية الحضارية الجامعة، إلخ..) وبين الإجراءات العالمية الدارجة لتنفيذ تلك المبادئ. أما الحداثوي العربي فلا يريد هذا، ويعيش انفصامًا مريعًا ينعكس على مزاجه حزنًا.
فهو يدعو إلى قيم الحرية والعدالة بلسانه، لكنه يعاديها واقعًا بسبب صفعات صناديق الاقتراع التي لا تفتأ تُدمي خدّيْه. وهو -لأنانيته السياسية- لا يريد ديمقراطية لا تأتي به وحده، وهي لن تأتي به بسبب حَوَلَه الحضاري النزّاع للقيم المصادمةِ لقيم المجتمع المنتخِب. ولذا كان الحداثويون العرب -غالبًا- وقودًا للثورة المضادة في دول الربيع العربي؛ بدءا بالبرادعي وحمدين صباحي في مصر، وانتهاء بحداثويي تونس وليبيا… الحَزانى.
لقد أفاق الحداثوي الحزينُ على حقيقة مريعة هي أن الانفتاح والديمقراطية يعنيان تحييده عن أماكن النفوذ ودفعه إلى الهامش بالحسنى، وأن مزيدًا من الديمقراطية يعني مزيدًا من نفوذ الإسلاميين (حسب العبارة السيارة للمختص الأميركي نوح فريدمان). ففي لحظات تحرر الشعوب يضج الفضاء العام بالإسلاميين والآراء المتنوعة والسُّحَن الفكرية المختلفة، وفي لحظات البطش والسجون يضج الفضاء العام بالحداثويين العرب والعساكر والمهرجين والفاسدين والضريحيين. تلك قاعدة لا تكاد تنخرم.
في هذا الجو وجد الحداثوي نفسَه مضطرا للعيش بشخصية انفصامية: الدعوة للديمقراطية علناً بالأقوال (فلا مسوغ سياسي لوجوده دون ذلك) ومحاربتها واقعًا بالأفعال، وهو ما تفضحه تصرفاته السياسية والثقافية اليومية. والعيش بهذا الانفصام يُخلّف شرخا عميقا في النفس البشرية يُترجم حزنا وخوفا من المجتمع وتوترًا أبديًا.
عقدة اللص
ثمة سبب تاريخي آخر لحزن الحداثوي العربي وخوفه من مجتمعه، وهو عقدته من الجرائم الإنسانية التي ارتكبها أثناء حكمه لكثير من الدول العربية. فاللص حزينٌ تعس وخائف دومًا من ضحاياه.
فجمهوريات الضباط التي حكمت العالم العربي بالنار، وجعلتْ العربياتِ أغزرَ نساء العالمين دموعًا بسبب السجون والمعتقلات؛ كانت حاكمة باسم اليسارية والعلمانية والتحديث. والنماذجُ ماثلة في الأذهان؛ بدءًا من عبد الناصر، مرورًا بالقذافي وبورقيبة، وانتهاءًا بالعائلة الباطنية: بشارًا وأباه. ولم تقدم هذه الأنظمة الحداثوية خلال تلك العقود للعرب غير السجون المعتمة، واللجان الشعبية، والبلطجية، والشبيحة، وسجون تدمر، وأبي زعبل، وبو سليم، وجماعات الهجرة والتكفير، ثم القاعدة وداعش. بالإضافة إلى حزمة طيبة من الهزائم في ميدان المعارك ما زالت قاعات الدرس في الكليات العسكرية الدولية تتلوها آياتٍ بيناتٍ في الهزائم الاستثنائية.
الحبيب بورقيبة و جمال عبدالناصر
الحداثوي الضريحي
هذه الحالة القلقة تجعل الحداثوي العربي جالسًا على كرسي زئبقيٍ أبدًا. وهو أمر يدفعه إلى تصرفات تبدو في غاية الطرافة والغرابة، وتفضحه يوميًا أمام مجتمعه مما يزيد عزلته ويفاقم عُقَدَه. فمع أنه حداثوي يعلن ضيقه بدخول الدين في المجال العام، فإنه يتحالف مع التدين الضريحي في المجال العام، ويهشُّ ويبشّ للتيارات الجامية (حالة ليبيا والسعودية، والإمارات، ومشايخ التصوف السلطاني في عدة بلدان). وكان من الطبيعي –لولا الانفصام النفسي الحاد- أن يكون الحداثوي خصيمًا للتدين الضريحي والجامي، وأقربَ للتيارات الإسلامية الحركية حاملة لواء الدفاع عن قيم الحرية والمساواة. لكن الحداثوي العربي لا يكتفي بالسكوت عن التدين الضريحي الخزعبلاتي، ولا الجامي العابدِ للقوة، بل يدافع عنهما فلسفيًا ويحالفهما سياسيًا. وإلا، فما الذي يجمع بين يساري مادي ساع للثورة، وجامي تتمحور دعوته حول تحويل الإسلام إلى إيديولوجيا لعبادة القوة؟
عقدة الوجود الافتراضي
من أسباب حزن الحداثوي العربي المفازةُ الواسعة التي يلمسها بين وجوده الافتراضي والميداني. فهو يدخل المجال الافتراضي فيجد لنفسه كينونة وهوية. يطرح أفكارًا فيناقشه مدنون حقيقيون أو وهميون، ويحس لنفسه وجودا ماديًا ما دامت لوحات المفاتيح تتحرك متفاعلةً معه، واللايكاتُ تلمع في زاوية حاسوبه. فيُخيل إليه أنه غدا شيئا مذكورًا في مجتمعه.
لكنه ما إنْ يطفئ وسيلة التواصل الاجتماعي وينزل من عالم النت كاراً إلى منزله أو جامعته أو سوقه حتى ينكر ذاته. فلا وجود حقيقي له على الأرض…. ذات الطول والعرض. 
وذلك لأن انتزاع المكانة الاجتماعية والسياسية في أي مجتمع يحتاج إلى مخالطة الناس واحترامهم، ومعرفة همومهم. لابد أن يُعرف الرمز السياسي في معمله وحيه ووسط مجاله. فيكتسب بذلك وجودًا ماديًا واعترافًا أدبيًا. أما مجرد الوجود الافتراضي فوجود افتراضي فحسب. فالمجتمع لا يمنح ثقته لكائنات غرف الدردشة الافتراضية.  
ما الذي يجمع بين يساري مادي ساع للثورة، وجامي تتمحور دعوته حول تحويل الإسلام إلى إيديولوجيًا لعبادة القوة؟
يشتد حزن الحداثوي عندما ينزل للميدان فيجد الثقة المجتمعية ممنوحة للإسلاميين بما كسبتْ أيديهم من خدمة للمجتمع وتقلّب في مصالحه، وتصالح مع هوياته. فالإسلامي هو الذي يذهب للأدغال ليلّعم الأميين كيف يقرؤون، ويبني المؤسسات التي تساهم في نزع فتيل الصراع في المجتمع، ويقدم النماذج الحية من خلال رموزه لتغيير الأنماط العنصرية البائدة (حالة موريتانيا).
والإسلامي معروف العنوان، يعرفه الناس في مسجد الحي، وعند منعرج السوق، وفي البوادي والجامعة. أما الحداثوي فمنعزلٌ في زاوية يشتم المجتمع ويعيش –بعضهم- حياةً مزْدكيةً على ضفافه.
الحداثوي مسمار المستبد؟
من خصائص الحداثوي العربي أنه كثيرًا ما يكون سلطانيًا وإنْ عارض، ومسمارًا خادما في سفينة المستبد وإن صرخ بضد ذلك. فجهده ووقته منصرفان لقدح الإٍسلاميين لا لثلب المستبدين. وكتاباتُه اليومية مُسخّرة لنقد إسلاميين وراء القضبان، لا لفضح مستبد يتسنم مقاليد الحكم. ولكثرة نقد الحداثويين للإسلاميين يخالُ المتابع أن الإسلاميين يحكمون البلاد، ويتسنَّمُون ذِروةَ السلطة بلا منازع.
غير أن ذلك دليلا آخر على الحقيقة التي يجمع عليها عقلاء الدارسين. وهي أنه لا وجود حقيقي في العالم العربي –غالبا- إلا لطرفين: سلطة مستبدة غالبة، وإسلاميين إصلاحيين يقارعونها.
ولذا، على عقلاء الحداثويين أن يعرفوا أن الإسلاميين وقود التغيير الجاد، وعلى الصادقين منهم أن يتكاتفوا معهم ليكونوا يدا واحدة لتحرير المجتمع سياسيًا وثقافيًا. ولعل نموذج أيمن نور ومنصف المرزوقي نموذج صحي وملهمٌ في هذا الباب. فقد عجزت نساء العلمانيين أن يلدن ديمقراطيين غيرهما.
منصف المرزوقي وأيمن نور
 أما الإسلاميون فهم الذين قاموا بمراجعات فكرية وسياسية –كما يقول الدكتور عزمي بشارة-  كما مدوا أيديهم مرارا للتحالف مع الجميع. ولعل الأشهر السابقة للانقلاب في مصر أكبر دليل على ذلك. يوم رفض البرادعي وصباحي الدخول في حكومة مرسي من أجل إفشال أول ديمقراطية في تاريخ مصر… ليأتوا بالسيسي.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.


الاثنين، 18 سبتمبر 2017

السديس.. الناسكُ الفاتك!



السديس.. الناسكُ الفاتك!

أحمد فال بن الدين
استيقظتُ اليوم على تصريحات إمام الحرم المكي عبد الرحمن السديس، التي يدعو فيها لأمريكا والسعودية بالتوفيق، وتسديد الخُطا، فذكرتني بموقف عشتُه قبل أربعة عشر عاما. ففي عام 2003، كنت أتحدث ومجموعةً من الناس بمسجد في الولايات المتحدة. وكان موضوع الحديث عن قرع طبول الحرب لغزو العراق. تحدثتُ بحرقة ناقدا وزير الدفاع الأميركي آنئذٍ رامسفيلد، فرفع أحد الحضور رأسه-وما زالتْ لحيته الصهباء في عيني-  قائلا: "دعه، وما يُدريك ما في قلبه؟!". وانتهى الحديث بأنني معنيٌّ بما تقترف يداه في حق أبرياء المسلمين، لا بما تنطوي عليه ضلوعُه. وعلمتُ بعد أيام أن الرجل أحد تلامذة الشيخ عبد الرحمن السديس.

أخذ مني العجب كل مأخذ، إذ كيف لرجل عاقل تأخذه رجلاه إلى السوق، ويُميز إشارات المرور أن يكون بهذا الحمق في أمور الدين - أي دين كان - فكيف بدين محمد صلى الله عليه وسلم، المبعوث بالعدل والقسط والصراط المستقيم.

إن "استرقاق الفطرة" هو التفسير لما نراه اليوم من آراء وتصرفات لرجال ينتسبون للدعوة إلى الدين والعلمِ به، من أمثال إمام الحرم المكي عبد الرحمن السديس، وعمرو خالد، وعلي جمعة، وآخرين
مواقع التواصل
لقد لاحظ الجاحظ "أن الناس يخصون الدينَ من فاحش الخطأ وقبيحِ المقال بما لا يَخُصُّون به سواه من جميع العلوم والآراء والآداب والصناعات". وعزز الجاحظ فكرته بأنك لو تأملتَ اليونان لوجدتهم أهل فكر ودقة نظر، لكنهم مع ذلك يعبدون البروج والكواكب. ولو نظرت إلى عرب الجاهلية لوجدتهم أهل أحلام ونُهى في شؤون الحياة، لكنهم يعبدون الحجر الصلد والصنم الأصم. ومع العقول الراجحة لهؤلاء وأولئك فإنك "متى نقلْتَهم من علم الدنيا إلى علم الدين وجدتَ عقولَهم مُحتبلة وفِطرَهم مُسْتَرقَّةً".

إن "استرقاق الفطرة" هو التفسير لما نراه اليوم من آراء وتصرفات لرجال ينتسبون للدعوة إلى الدين والعلمِ به، من أمثال إمام الحرم المكي عبد الرحمن السديس، وعمرو خالد، وعلي جمعة، وآخرين.

لقد عرف العالم الإسلامي السديس من خلال صوته الندي وهو يقرأ في الحرم المكي، فأحبه الناس وأحسنوا به الظن قارئا ربانيا. غير أن الأيام كشفت لهم أن السديس ممن يقيم حروف الكتاب، لا ممن يقف عند حدوده الداعية إلى الحق والعدل والنصفة.

اشتهر السديس بدفاعه عن فكرة الطاعة العمياء للقوة، مهما انفصلت عن الحق، رافعا شعار طاعة ولي الأمر ولو أخذ مالك وجلد ظهرك. غير أن الرجل انكشف أكثر عندما خرج شباب مدعومون من الجيش المصري للمطالبة بإقالة ولي الأمر -محمد مرسي- فوقف السديس مساندا لهم، ناقضا الفكرة المركزية عنده.

لا تنفك الإمامة في الدين عن مغانم ومغارم. فلم ينل الأئمةُ الأربعة صفة التصدر إلا لأنهم سُجنوا وامتحنوا كلهم دفاعا عما يرونه قسطا وإنصافا
ولما انقلب العسكر على أول رئيس منتخب في تاريخ مصر وقف السديس مع تمويل السعودية للانقلاب واصفا إياه بأنه "أمنٌ واستقرارٌ ورفعة وعزة واجتماع كلمة". ثم وصف قرار ملك السعودية بالتدخل لصالح العسكر المنقلبين على ولي الأمر بأنه "نبراسٌ يرسم الطريق لسالكيه، وموقف تاريخي يبين الحق لطالبيه، وبلسمٌ ناجع يضمد الجراح ويواسي أهل الأتراح ويجدد الآمال والتفاؤل والأفراح".

إن وصف إمام الحرم المكي -وهو المؤتمنُ المسؤول أمام الله لتبيين الحق للناس- لانقلاب السيسي بأنه "بلسمٌ ناجع يضمد الجراح" تذكير لنا بـ "استرقاق الفطرة" وعمق الهوة الأخلاقية التي يتردى فيها بعض المنتسبين للدين. فمسؤولية الداعية -أو العالم المسلم- مضاعفة، لكونه يتحدث من خلفية تستبطن موقفا أخلاقيا متكئا على تراث الأنبياء القائم على العدل والقسط والتضحيات والشهادة بالحق: "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط". وإذا انحرف الدعاة أو العلماء وشوهوا حقائق الإسلام من خلال ربطه بمواقف تأباها الفطر السليمةُ -كتأييد محرقة رابعة، وحصار أهل قطر في رمضان- يصبحون -على رأي الإمام الرازي- شرا "من السراق، لأنهم سرقوا من كتاب الله، (..) وشرا من قطاع الطريق، لأنهم قطعوا طريق الحق على الخلق".

مغانم الإمامة دون مغارمها
لا تنفك الإمامة في الدين عن مغانم ومغارم. فلم ينل الأئمةُ الأربعة صفة التصدر إلا لأنهم سُجنوا وامتحنوا كلهم دفاعا عما يرونه قسطا وإنصافا. فالإمام مالك خُلعت أكتافه لمخالفته السلطان، والإمام أحمد سجن وجلد لمراغمته للمأمون والمعتصم. كما قتل الإمام أبو حنيفة شهيدا، وامتحن الشافعي كذلك. وكان علماء الأمة واعين بخطر التطبيل المفتوح للملوك حتى كان الإمام الثوري يتاجر بالزيت، ويشير إلى بضاعته قائلا: "لولا هذا لتَمَنْدلَ بنا الملوك!".

أما الإمام السديس فينتمي لطبقة لا تعرف من الدين إلا مغانمه. فضيعات الرجل معروفة مشهورة، ومتاجرته في العقارات -الممنوحة من الملوك- مشهورة. وإذا ادلهمَّ الخطبُ وحانت لحظة دفع ضريبة الإمامة في الدين كعَّ، وخذل أمانة تبيين الموقف الشرعي للناس دون مواربة أو خداع: "وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون". قال الرازي: "هذه الآية تدل على أن ما يتصل بالدين ويحتاج إليه المكلف لا يجوز أن يُكتم، ومن كتمه فقد عظمت خطيئته".

إن طبقة "الجنادبة" -الحائسين الحيسَ فقط- طبقةٌ تُبَغّضُ الناسَ في الدين، وتفتنهم وتدفعهم إلى التساؤل عن حقانية دين يقف مع الظالم ضد المظلوم، ويتحول سدنته إلى صدى للحاكم مهما جانب الأخلاق وتنكّبَ الفطر السليمة
شتان بين السديس، وبين رجال نقدهم بلسان حديد. رجال خالفوا السلطان ونابذوه -لإرضاء ضمائرهم والدفاع عن أمتهم- وهاهم اليوم ما بين سجين محكوم بالإعدام في زنزانة، ومشرد تتقاذفه بوابات المطارات بحثا عن ملجأ. شتان بين من يحضر لحظة الدفاع عن مبادئ الحق والعدل، وبين من لا يحضر إلا لأخذ المغنم:

وإذا تكونُ كريهةٌ أُدعى لها * وإذا يُحاسُ الحَيْسُ يُدعى جُندُبُ!

تزهيد الناس في الدين
إن طبقة "الجنادبة" -الحائسين الحيسَ فقط- طبقةٌ تُبَغّضُ الناسَ في الدين، وتفتنهم وتدفعهم إلى التساؤل عن حقانية دين يقف مع الظالم ضد المظلوم، ويتحول سدنته إلى صدى للحاكم مهما جانب الأخلاق وتنكّبَ الفطر السليمة. فالناس قد يرون غير المسلم وغير المتدين يُضحي بحياته من أجل العدل -كالفتاة ريشل كوري التي قُتلت وهي تحاول منع دبابة إسرائيلية من هدم منزل فلسطيني- ويرون دعاةً وأئمة لا ينكرون منكرا ولا ينبسون بكلمة مخالفة لمن يملك القوة. بل تدور مواقفهم من القدس والاستيطان وإسرائيل مع خطرات الحاكم. هذه المفارقة تؤدي ببعض الناس إلى إساءة الظن بالدين، فيكون هؤلاء سببا لإخراج الناس من الدين.  

ولعل الحكيم وضع يده على الداء، كأنه يصف هذه الطبقة من الشيوخ حين قال:

أما النبيذُ فلا يذْعَرْكَ شاربُه ...
 واحفظْ ثيابَك ممن يشربُ الماء

قومٌ يُوارون عمّا في صدورهمُ ... 
حتى إذا استمكنوا كانوا همُ الداء

مشمِّرين إلى أنصاف سوقِهم ... 
هم اللصوصُ، وهمْ يُدْعوْنَ قُرّاء!