الخميس، 13 نوفمبر 2025

من عبادة الأوثان إلى منابر الإسلام.. كيف حمل الأتراك راية الجهاد في آسيا وأوروبا؟

من عبادة الأوثان إلى منابر الإسلام.. كيف حمل الأتراك راية الجهاد في آسيا وأوروبا؟
 


الجذور

1- تاريخيًا، لم يكن هناك كيان بـ اسم “تركيا” قبل القرن العشرين، فالأناضول كانت مأهولة بشعوب وحضارات متعددة مثل الحيثيين والفريجيين واليونانيين والرومان والبيزنطيين.

2- جذور الأتراك الأصليين تعود إلى آسيا الوسطى، في المناطق الواقعة بين منغوليا وتركستان الشرقية (الصين الحالية)، ثم غربًا عبر سهول كازاخستان، وأوزبكستان وتركمانستان.

3- هم شعب من الشعوب التركمانية التي تتحدث لغات تركية، وكانت حياتهم بدوية ورعوية قبل الهجرات الكبرى إلى غرب آسيا.

4- مع مرور القرون، انتقلوا تدريجيًا إلى الأناضول بدءًا من القرن الحادي عشر، خاصة بعد معركة ملاذكرد 1071م، التي فتحت الطريق لدخول السلاجقة والأتراك إلى ما يعرف الآن بتركيا.

5- بعدها تأسست الإمبراطوريات التركية مثل السلاجقة والعثمانيون، الذين وحّدوا أجزاء واسعة من الأناضول وأوروبا وآسيا وأفريقيا.

القسطنطينية

1- تأسست “القسطنطينية” عام 658 قبل الميلاد، وكانت من قبل قرية للصيادين، وتُعرف بـ اسم “بيزنطة”، وفي عام 335م، جعلها الإمبراطور “قسطنطين” عاصمة للإمبراطورية الرومانية الشرقية (الإمبراطورية البيزنطية) وأصبح يُطلق عليها: “القسطنطينية” نسبة للإمبراطور قسطنطين، مؤسس الإمبراطورية،

2- بعد فتح القسطنطينية، أطلق عليها الإمام المجاهد “محمد الفاتح”: إسلامبول (دار الإسلام) وبدخوله أصبحت المدينة عاصمة السلطنة العثمانية.

3- غيّرَ  كمال أتاتورك اسمها في عام 1930م، إلى إسطنبول.

4- ظلَّت الإمبراطورية البيزنطية هي العدو الأول للإسلام والمسلمين، وكان هدفها الرئيس هو القضاء على المسلمين، والسيطرة على أراضيهم، ومَحو دينهم، وقاموا بحملاتهم المتتالية من بداية ظهور الإسلام للقضاء عليه

5- كانت أول محاولة للقضاء على الإمبراطورية البيزنطية، في عهد معاوية بن أبي سفيان (رضي الله عنه)، سنة 49هـ/666م، ثم أرسل معاوية حملة أخرى في 54هـ/673م، وقامت (حَمْلَتا معاوية) بعمليات حربية ضد أساطيل الروم في مياه القسطنطينية، لكن تلك الحملات لم تتمكن من فتح المدينة العتيدة.

6- أرسل الخليفة “سليمان بن عبد الملك” حملة جديدة سنة (99هـ/719م)، كانت تضم أقوى فرسان الدولة الأموية، وأشدّ الأسلحة فتكا، ولكنها فشلت أيضا في فتح المدينة العريقة.

7- تجدد أمل فتح القسطنطينة مع ظهور الدولة العثمانية، فقد كانوا من أشدّ الناس حماسا للإسلام، بالإضافة إلى قوة أجسامهم الخارقة، وقُربهم من أرض القسطنطينية، وبدأت المحاولات من السلطان “بايزيد الأول”، ثم “مراد الثاني”، ولكن جهودهما لم تكلل بالنجاح

8- ومن تلك المدينة حكَمَت الدولة العثمانية ثلثي العالم (3 قارات) 1299م –  1924م، ونشرت الإسلام في آسيا وأوروبا، ولكنها مثل كل مخلوقات الله، بدأت قوية، مجاهدة، ترفع كتاب الله، وتأتيها الجزية من كبار أوروبا وآسيا، وأفريقيا، وانتهت ضعيفة هزيلة علمانية، وأضحَت رجل أوروبا المريض.

9- ظلت تتقوقع تدريجيا، وحُوصِرَت وتحَوصَلت في مساحتها الحالية، تتوسّل وتستجدي الاتحاد الأوروبي الذي كانت معظم بلدانه تدفع لها الجزية حتى 1917م؛ ليقبل عضويتها..

فسبحان من له الدوام والخلود

– أما بالنسبة لأجناس الدولة التركية اليوم، فهي خليط من عدة مكونات:

أ- الأتراك الأناضوليون، وهم الأغلبية، ويرجعون أساسًا إلى الأتراك القادمين من آسيا الوسطى مع دمج سكان الأناضول الأصليين (اليونانيون، الأرمن، السريان، الكرد).

ب- الأكراد، يشكلون نسبة كبيرة في شرق وجنوب شرق تركيا.

ج- الأرمن والسريان واليونانيون وبعض الأقليات المسيحية الأخرى، رغم أن معظمهم تقلص عددهم بعد القرن العشرين.

د- الأقليات الأخرى مثل اللاز، الشركس، والقباج، والأفارقة الذين استقروا تاريخيًا في أجزاء معينة من الإمبراطورية العثمانية.

الدولة العثمانية والإسلام

– مع تأسيس الدولة العثمانية في القرن الرابع عشر، أصبح الأتراك القوة المسيطرة على الأناضول ومناطق واسعة من أوروبا وآسيا وأفريقيا، لكن المنطقة لم تُعرف بـ اسم “تركيا”.

– بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية إثر الحرب العالمية الأولى، أسس مصطفى كمال أتاتورك جمهورية تركيا عام 1923م، لتصبح “تركيا” اسمًا سياسيًا وجغرافيًا حديثًا للدولة التي نعرفها اليوم، بينما تاريخ الأناضول وحضاراتها يعود إلى آلاف السنين قبل وصول الأتراك.

قبائل التُّرك

1- من قلب السهوب الآسيوية، بين الصين وآسيا الوسطى، خرجت قبائل التُّرك تحمل سيوفها وخيولها، لا تعرف إلّا الترحال والحرب وعبادة النار والأوثان.

2- مع القرن الثامن الميلادي، بدأت أنوار الإسلام تشق طريقها إليهم عبر الدعاة والتجار المسلمين، في زمن الدولة الأموية ثم العباسية.

3- تأثّر الأتراك بما رأوه من عدل المسلمين وسماحة الدين، فدخلوا في الإسلام أفواجًا، وامتزجت شجاعتهم الفطرية بروح العقيدة الجديدة، فكانوا منذ ذلك اليوم جنود الإسلام الأوفياء في الشرق والغرب.

4- ما إن استقر الإسلام في قلوبهم حتى صار الأتراك من أعظم من خدموا الدين ونشروه.

فقد أقام السلاجقة دولة قوية صدّت الزحف الصليبي وحمت العالم الإسلامي، ثم ورثهم العثمانيون الذين حملوا راية الإسلام لقرون طويلة، فامتدت دولتهم من الأناضول إلى أوروبا الشرقية، ومن الشام ومصر إلى شمال أفريقيا.

5- بلغت الدولة العثمانية ذروتها في عهد السلطان سليمان القانوني، حين خضعت لها ثلاث قارات، ولم تكن الفتوحات مجرد توسّعٍ جغرافي، بل نشرًا لرسالة الإسلام وعدله…

دخلت شعوب البلقان والقوقاز وأوروبا الشرقية في الإسلام طَوعًا، حين رأوا عدالة الولاة، وسماحة الشريعة، ورعاية الدولة للجميع..

6- كانت الدولة العثمانية آخر مظلة جامعة للمسلمين، حملت راية الخلافة بعد ضعف المماليك، وجعلت من إسطنبول عاصمةً للعالم الإسلامي.

7- حين تفرّقت الأمة وتنازعت القوى الأوروبية، ظلت الدولة العثمانية حامية الحرمين الشريفين، وحصن الإسلام في وجه المدّ الصليبي والاستعماري، لكن المؤامرات الأوروبية لم تتوقف، إذ أدركت أن بقاء الخلافة يعني بقاء روح الوحدة الإسلامية، فعملت على تقويضها من الداخل عبر زرع النزعات القومية والولاءات القُطرية، حتى جاء عام 1924م، ليسجّل سقوط الخلافة رسميًا وسقوط آخر حصنٍ جامع للمسلمين.

8- برز مصطفى كمال أتاتورك بعد الحرب العالمية الأولى كبطل قومي في الظاهر، لكنه كان في الحقيقة أداةً لاستكمال المشروع الغربي في إسقاط الخلافة الإسلامية..

فما إن استتب له الحُكم حتى ألغى المحاكم الشرعية، وأغلق الكتاتيب والمدارس الدينية، وفرض الحروف اللاتينية بدل العربية، ومنع الأذان بالعربية، واستبدل الزّي الإسلامي بالزّي الأوروبي، وجعل من العلمانية دينًا للدولة.

9- تحوّلت تركيا من منارةٍ للخلافة إلى جمهورية علمانية تحارب الدين وتقصي العلماء، لتبدأ مرحلة مُظلمة في تاريخها الحديث، طُمست فيها الهويّة، وغُيّبَ فيها الإسلام عن الحياة العامة والسياسة والتعليم.

10- منذ إعلان الجمهورية، تولّى الجيش التركي دور “الوصيّ على مبادئ أتاتورك”، فتدخّل أربع مرات بانقلابات عسكرية كبرى، أعوام 1960م، و1971م، و1980م، و1997م، لإسقاط الحكومات المنتخبة ذات التوجه الإسلامي أو الوطني.

كان ذنب تلك الحكومات أنها حاولت إعادة الاعتبار للإسلام في المجتمع والدولة، وإحياء اللغة العربية والهوية العثمانية.

11- رغم القمع، ظلّ التيار الإسلامي حيًّا في القلوب، حتى بدأت بوادر الصحوة الحديثة في التسعينيات، ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، عادت تركيا لتستعيد جزءًا من إرثها الحضاري والإسلامي، في مواجهة إرث أتاتورك والعسكر.

12- شهدت تركيا في 15 يوليو 2016م، محاولة انقلاب عسكري، حاولت خلالها جماعات عسكرية الانقضاض على الحُكم وإسقاط مؤسسات الدولة.

لكن القيادة التركية، بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، نجحت في إحباط هذه المحاولة، فتم تأمين الدولة والحفاظ على مؤسساتها، وهُزِمَ الانقلابيون العسكريون، وهو ما عكس قوة الدولة التركية المدنية المعاصرة التي نجحت في كسر مخالب العسكر، وتقزيمهم،،

13- زاد اهتمام أردوغان بمؤسسة الشرطة التابعة له تماما، وسمحَ لها بامتلاك أحدث أنواع الأسلحة، فأصبحت قوة كبيرة تعادل الجيش..

14- اليوم، تتجاذب تركيا قوتان: إحداهما تريد استمرار العلمانية الكمالية، وأخرى تسعى لإحياء روح الأمة الإسلامية التي حملت راية الخلافة أربعة قرون..

تنتشر المساجد من جديد، ويعلو الأذان بالعربية، وتعود روح الانتماء الإسلامي بين الشباب، رغم ما تواجهه البلاد من ضغوطٍ داخلية وخارجية.

15- ربما تكون الجغرافيا قد تغيّرت، لكن الروح التي جعلت الأتراك يومًا حماة الإسلام في آسيا وأوروبا ما زالت حية، تنتظر من يحييها في وجه التغريب والاستعمار الجديد.


المصادر والمراجع العربية والتركية

1- محمد حرب – العثمانيون في التاريخ والحضارة الإسلامية، دار القلم، دمشق.

2- أكمل الدين إحسان أوغلو – تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحلال، مركز الدراسات العثمانية، إسطنبول.

3- علي الصلابي – الدولة العثمانية: عوامل النهوض وأسباب السقوط، دار المعرفة، بيروت.

4- شوقي أبو خليل – تاريخ الدولة العثمانية المجهول، دار الفكر، دمشق.

5- إلهامي عبد الرازق – تركيا الحديثة بين العلمانية والإسلام السياسي، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

6- خليل إينالجك – التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للإمبراطورية العثمانية، مترجم للعربية عن دار تركيا الثقافية.

7- أورخان محمد علي – أتاتورك والعلمانية التركية: قراءة نقدية من الداخل، منشورات وقف الدراسات الحضارية، أنقرة.

8- القراخانيون: دراسة في أصولهم التاريخية وعلاقاتهم السياسية ودورهم في الحياة العلمية

د. سعاد هادي حسن إرحيم الطائي – جامعة بغداد، 2016م.

9- تاريخ الأتراك العثمانيين

تأليف: إدوارد شيفرد كريسي – ترجمة: د. أحمد سالم سالم – الهيئة المصرية العامة للكتاب.

10- تاريخ العثمانيين: من قيام الدولة إلى الانقلاب على الخلافة

د. محمد سهيل طقوش – دار النفائس، بيروت، الطبعة السادسة 2015م.

11- موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية

د. أحمد شلبي – دار النهضة المصرية، القاهرة، 1988م.

12- الأتراك في التاريخ والحضارة الإسلامية

د. علي حسون – دار ابن كثير، دمشق، 2010م.

————-

يسري الخطيب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق