إضاءات منهجية سياسية في التعامل مع التجربة الواعدة في سورية
الاستقامة والرشد والمسؤولية تستدعي زوايا نظر ثلاثية!
لن تفلح المعالجات الجزئية والأحادية في إنقاذ التجربة الإسلامية الواعدة في سورية، الأمر الذي يوجب على أهل الشام الكرام الاستفادة من أشكال الإخفاقات في التجارب الفلسطينية والمصرية والعراقية، كما يحمل العلماء والدعاة والقادة مسؤولية أكبر بعد كل ما حصل من حالات جزر في التجارب العربية والإسلامية في العقود الأخيرة.
إن نوعية وحجم التحديات التي يواجهها الشعب السوري ودولته الجديدة من جهة، ومن جهة أخرى حجم ونوعية المخاطر القادمة بشكل راجح إلى أرض الشام -وفي ظل الفشل الموجع في المسألة الفلسطينية وضياع وتفكك العراق والمخاطر المرعبة التي تنتظرها مصر بعدما تم إجهاضها كخطوة إبتدائية تسبق إتلافها وتفكيكها- تشير إلى أنه لن ينقذ التجربة الإسلامية في أرض الشام مجرد المعالجات الجزئية مهما امتلكت من صواب وسوية، لاسيما وكثير من التجارب المحيطة بسورية امتلكت حقا وصوابا ثم انتهت إلى فشل وخسران مبين!
وسؤال الوقت السوري العربي والإسلامي يقول:
ما هي الزوايا الثلاث التي تتكامل لتحقق شرط النجاة من خلال الجمع بين الإيمان بحقائق عالم الغيب والتعامل القويم مع حقائق عالم الشهادة؟
من المؤكد لدي ومن خلال كل تجاربي الميدانية في الحقل الإسلامي ومجموع إطلاعي وقراءاتي أستطيع القول أن معظم التجارب الإسلامية تفشل -رغم امتلاكها حقا وصوابا ومشروعية- بسبب توقفها عند النظر العميق، وعدم ترافقه مع النظر الواسع -أو العكس- الأمر الذي يبنى عليه تناول وتعامل وسلوك مختل أو قاصر يوجب الهزيمة، كهزيمة الصحابة في أحد والذين خالفوا أمر النبي المبلغ عن ربه من جهة، كما خالفوا أمر النبي القائد المدرك لتضاريس المعركة من جهة أخرى.
شرط التناول لقضايا الشأن العام ثلاثة:
1/ امتلاك نظر عميق وصحيح حول القضية.
2/ امتلاك نظر واسع يحيط بكل ما يتصل بالقضية وطبيعة المشاريع المعادية والمتداخلة.
3/ التعامل الراشد والمسؤول مع القضية بناء على الجمع بين النظرة العميقة والواسعة، واعتبار التجارب المحيطة والسابقة، الأمر الذي يمكن العلماء والقادة من قراءة راجحة لمآلات كل خيار من الخيارات المطروحة، والإبتعاد عن منهج المغامرة والمقامرة.
إن المسلم المنتمي العاقل الراشد والمسؤول بقدر ما يمتلك فهما عميقا بقدر ما يحدد أهدافه المرحلية والنهائية.
وبقدر ما يمتلك فهما واسعا بقدر ما يحقق جدارا وقائيا يحول دون نفاذ مشاريع شياطين الإنس والخصوم المتربصين.
وبقدر ما يتعامل مع قضاياه بناء على فهمه العميق والواسع بقدر ما يفشل خطط الخصوم في البناء على ثغرات وفجوات وتصدعات الكيان والمنظومة الاسلامية.
فإذا نظرنا مثلا للتجربة الفلسطينية فإننا نعاين عطبا في النظر العميق للقضية الفلسطينية لدى قادتها وروادها الإسلاميين المضحين كما الوطنيين الفدائيين!
وإذا نظرنا للتجربة العراقية نستطيع معاينة عطب في النظر الواسع لدى روادها الشجعان والنافذين!
وأما إذا نظرنا للتجربة المصرية فإننا نعاين تعاملا غير راشد ولا مسؤول من قبل رواد التجربة الإسلامية العريقة في الدعوة والإصلاح!
إن فشل التجارب الثلاث وانقلاب حلوها لمرارة وفتحها لعذابات لم يكن نتيجة سوء نية ولا غياب مشروعية، بل عطب في غياب اللقاء بين النظر العميق والنظر الواسع، حيث لم يسعف من آمن بالغيب وأصاب الحقيقة غياب إدراكه لحقائق الواقع ورشد مسؤوليته في التعامل مع مسائل الواقع المرتبطة بحقائق عالم الشهادة وغير القادرة على تجاوز سنن التغيير.
مسائل الإختلاف لا توجب التفرق والخلاف بل تستدعي مقاربة دائمة منضبطة السلوك!
قدر الله لحكمة أن يكون الإختلاف والخلاف جزء من مسيرة وحياة الأمة، وهو ما يتطلب تقوى وصدقا وعلما وانحيازا وإشفاقا في التعامل معها، وفي ذلك أجر عظيم ومكانة لا يبلغها إلا المصلحون المتجردون الواعون ولأمتهم منحازون.
ومن قضايا الخلاف الدائمة في الأمة هي الاختلافات المذهبية الفقهية والعقدية التي تتصل بالفروع، وهو ما تجسد أحد أشكاله حالة الإختلاف في مسائل فروع العقيدة بين مدرسة أهل الحديث ومدرسة أبي الحسن الأشعري رضي الله عنهما -وهما جناحا أهل السنة والجماعة- وبقدر ما تنحصر قضايا الخلاف بين المدرستين في العلماء العالمين بعلوم الشريعة بقدر ما ينضبط إيقاع شعوب الأمة وتتقدم مسيرة النهضة، والعكس بالعكس حيث ينفذ الخصوم عندما تتوسع فجوة الإختلاف وتصبح خلافا مجتمعيا يشق صفوف المصلين في المساجد ثم ينتقل لكل الميادين بين العوام، حيث يصبح كل مغرض وصاحب شهوة أو طالب مجد وساع لنجومية أو حاقد على أخيه أو ساع للنيل من جاره، متمسكا بتشدد بحالة مذهبية بعقلية القطيع الفئوي دون هداية ولا خشوع!
إن تثوير الشعب السوري وتذعير الدعاة والعلماء حول الإختلاف في مسائل فروع العقيدة بين المدرسة الأشعرية السائدة والمدرسة السلفية الأصيلة -مدرسة أهل الحديث- أمر غير طبيعي بل هو مفتعل تؤججه مشاريع مغرضة وتتفاعل معه العقول الأحادية والحدية التي لا تملك قدرة على التناول السليم المستوعب لمجموع الزوايا، وهو مدخل فاعل لتدمير سورية.
والسؤال يقول:
هل الأولوية وحقيقة المشكلة تدور في الساحة الشامية حول الخلافات العقدية؟
دون أدنى شك فإن الإشكال الحقيقي الذي عطب السوريين وأخرج سورية عن سكة العمران خلال قرن، لم يكن خلافا مذهبيا حول فروع العقيدة، فمن الناحية الواقعية والموضوعية يمكن توصيف الأزمة الكبرى في تاريخ سورية المعاصر بأنها أزمة سياسية استفادت من ثغرات مجتمعية ووظفتها في سياق التدمير الممنهج للشخصية السورية المتصلة بثقافة الأمة والمبنية على دينها ولغتها وتاريخها.
توهم الخلاف العقدي مطلب كاهن معادي!
إن تاريخ سورية وعموم الشام يشهد بحيوية سياسية كبيرة ومتفوقة، الأمر الذي دفع الغرب الصليبي لتنصيب وحش كاسر على السوريين حتى يختطف أرواحهم ويخرس ألسنتهم ويقصيهم عن الفعل السياسي المؤثر في حركة عموم الأمة العربية والإسلامية، لاسيما وأرض الشام تمتلك من مؤهلات الريادة الحضارية عناصر كثيرة، وهي في ذلك مكافئة لمصر والعراق، الأمر الذي يمكن رصده دون عناء في دور تلك الأقاليم الثلاثة في ريادة الحضارة العربية والإسلامية منذ بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الغرب الصليبي الأوروبي الكاثوليكي والأمريكي البريطاني البروتستانتي، وكذلك الروسي الأرثوذكسي، يدرك خطورة امتلاك الإرادة السياسية المستقلة لأهل الشام ومصر والعراق، الأمر الذي يحول دونه بكافة الوسائل والأشكال، ابتداءً من تفقير وتجهيل وتجويع الشعوب، وانتهاء بالمعارك والقتل والهدم، ومرورا بإخضاع النظم السياسية القائمة فيها -وهو الحاصل الآن-.
إن محاولة تأجيج الصراع المذهبي العقدي في سورية خطة ووسيلة مجربة وقديمة، حيث تكمن فاعليتها بتصديع المجتمع -خامة البناء والنصر الحقيقية- ومنعه من بناء قوامه المتماسك كشرط لازم للعمران والتغيير والنصر والتمكين، الأمر الذي يجعل تثوير وايقاظ الفتنة المذهبية في سورية مطلبا معاديا تحتاجه جميع مشاريع الخصوم وتجمع على ضرورته للتمكن من بناء فجوات تتسع وتتبلور بين الكتلة الأكبر وأبناء المكون السني الثقافي الواحد والمؤهل لإحداث التغيير والتصدي لمشاريع التدمير.
إن كل ما يقوم به الذراع الغربي المسمى إسرائيل من استفزازات وسرقة شبر وشبرين من الأراضي السورية لا قيمة حقيقية له عند الغرب، بل القيمة الحقيقية هي بانتزاع الوحدة من عقول وقلوب السوريين، وحينها يمكن أن تمنح أمريكا للسوريين مزيدا من الأرض والاستقلالية الفئوية التي تضمن ضياع مستقبل السوريين وتلف سورية.
وبكلمة يمكن القول إن الأزمة الحقيقية في سورية هي أزمة سياسية بامتياز، وهي المسؤولة عن إتلاف حياة السوريين وهدر طاقات سورية طيلة قرن، وإن كل خطاب أو سلوك ينحو لتصوير الأزمة في سورية على أنها مذهبية هو خطاب مشبوه وعقل ملوث وفعل مجرم سيطعن سورية الجديدة في الوجه والظهر.
ومن المهم إدراك فاعلية الثورة السورية المباركة في هدم وتفكيك المنظومة الأمنية والسياسية الأسدية التي رعاها كيسنجر، وقد خضعت أمريكا وعموم الغرب وروسيا لحقيقة الإرادة الثورية بعد صلابة الثوار الأحرار فكان لابد أن تتعامل مع تلك الحقيقة وتحاول تفكيكها من مدخل مذهبي عقدي يضرب الكتلة العربية والإسلامية الأكبر في صناعة واقع أرض الشام، فلم تجد أقرب للتفتيت من أسطورة الصراع العميق بين السلفيين والأشاعرة!
السباق المطلوب في تقويم المسار السياسي وليس الإصطراع حول الأسماء والصفات!
لقد توحدت الحالة السلفية والأشعرية خلف الرئيس أحمد الشرع وحكومته، ورغم كل الملاحظات والفجوات والسقطات حول شخص الرئيس وحكومته إلا أن سلوك التغافل والتعامي -بل والتبرير- جاء انطلاقاً من إدراك متقدم جمع بين النظر العميق والواسع والتعامل مع الأمر بمسؤولية واعية بالواقع الموضوعي ومخاطر المشاريع المعادية.
لم يتحدث أحمد الشرع عن الصفات الخبرية ولا عن نزول الله سبحانه إلى السماء الدنيا، ولكنه ذهب للتفاهم مع أكبر كاهن ومجرم الرئيس الأمريكي ترامب، ثم جالس وحضن وأثنى على بن سلمان وهو يعلم أنه سجن مئات من العلماء المصلحين وأضعف دور الدين في حياة السعوديين وأطلق العنان للشهوات المجاهرة، وكذلك فقد صمت الرئيس وحكومته عمليا تجاه كل اعتداءات إسرائيل وذراعها الدرزي في سورية!
ورغم كل ما سبق من تحديات سياسية انصرف بعض السوريين لتهييج الشعب حول خلافات مذهبية عقدية موهومة .. وهو ما يريده الكاهن المتربص بسورية وأهل الشام الكرام.
مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين 1/11/2025
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق