كنوزك العشر .. في أيام العشر
الدرة (( إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ، إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ )) الامام الشافعي
الأحد، 17 مايو 2026
كنوزك العشر .. في أيام العشر
الاثنين، 11 مايو 2026
مع آيات التوحيد في سورة الأنعام
هذه المقال يعين المسلم على تدبّر كتاب الله تعالى، لأنّ التوحيد هو المقصد الأول في كتاب الله سبحانه، وسيجد المسلم معانيه مبثوثة من أوله إلى آخره، وحريّ بالمسلم أن يفهم حقيقة هذا التوحيد ودلالاته وآفاقه في الواقع الذي يعيشه، وقد جمع الله لنا في سورة الأنعام معالم هذا التوحيد بوضوح شديد، أوردها بترتيب ظهورها في السورة.
اتخاذ الله وليّا وموالاة المؤمنين
{قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام: ١٤).
توضح هذه الآية أنّ اتّخاذُ غير الله “وليّا” يُحَبُّ ويُستنصَر، سواء كان وثنًا أو غير ذلك، هو “شرك” منافٍ للإسلام. وهذا المعنى للولاء ينتظم سلوك المسلم في الحياة.
فكما أنّه يتّخذ اللهَ سبحانه وليًّا ويصبح من “أولياء” الله: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} (يونس: ٦٢-٦٣)، فإنّ الله سبحانه يكون “وليّه” من أجْلِ ما حمله من الإيمان: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} (البقرة: ٢٥٧)، فإذا والى الله ونصر دينه تولّى الله نُصرتَه وهدايته.
ويمتدّ هذا المعنى للولاء المملوء بالمحبّة والنصرة والإعانة إلى العلاقة مع البشر، فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض في الدنيا: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة: ٧٣).
والمؤمن لا يتّخذ من دونهم وليّا يحبّه ويناصره ويعينه: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} (آل عمران: ٢٨). وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (المائدة: ٥١).
فهذا فعل المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النّار: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} (النساء: ١٣٨-١٣٩).
وحين يتلو المسلم هذه الآيات المتعلّقة بالولاء وأمثالها في كتاب الله، ينشأ في صدره موقف عظيم أساسه محبّة الله وولايته ونصرته ونصرة دينه، ويمتدّ هذا الموقف إلى موالاة المسلمين ونصرتهم وإعانتهم. وهذا الموقف ليس موقفًا قلبيّا سكونيًّا، بل ينسحب على الواقع لتتشكّل “أمّة” ينتمي إليها ويحمل معها رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الدين عمومًا كما دلّت آية سورة التوبة أعلاه.
إنّ التوحيد في هذا المجال يحمل غاية تبدأ بما خفق في القلب من محبّة لله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، وتنساب في آفاق الدنيا محبّةً للمؤمنين ونصرةً لهم وتعاونًا معهم على البرّ والتقوى وعلى حمل رسالة هذا الدين. فلا يتآمرُ المسلم مع غير المسلمين على المسلمين، ولا يناصر أعداءهم عليهم، ولا يوالي ويعادي على أُسس وطنية أو قومية، فالإسلام هو محور ولائه، والأمة الإسلامية هي الأمة التي ينتمي إليها بعظمه ولحمه، لا يفرّق بين أبنائها على أساس الانتماءات القُطرية أو القومية، بل يصل الناسَ بالحبّ والولاء والنصرة بقدْر ما فيهم من إيمان وإسلام.
قبول شرع الله ورفض ما سواه
يقول الله تعالى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا} (الأنعام: ١١٤)، وفي هذه الآية تتجلّى حاكمية الله العليا التي تتحقّق بانقياد المسلم لشريعة الله تعالى التي أنزلها في كتابه وعلى لسان رسوله صلّى الله عليه وسلّم.
وفي القرآن آيات عديدة تؤكّد هذا المعنى وتربطه بالتوحيد، فمن ذلك قوله تعالى على لسان يوسف عليه السلام: {إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (يوسف: ٤٠). ولئن كانت القضية في هذه الآية هي عبادة الأوثان، فإنّ المدخَل الذي دخل منه يوسف عليه السلام لنفي هذه العبادة هو مدخل اتّباع أمر الله وقبوله، فإذا كان الله قد أمر ألّا نعبدَ إلّا إيّاه، فإنّ علينا ألّا نخضع لشيء سواه، سواء كان هذه الأوثان أو القائمين عليها ممن يقدّسونها ويروّجون لها في أعين النّاس ويأمرون وينهون، فيضعون الشعائر والشرائع التي تُتَّبَع من دون الله.
ارتباط الانقياد للشريعة بالإيمان والتوحيد
ومع أنّ لفظ “العبادة” وحده يدلّ بوضوح على تضمُّنها للطاعة والانقياد والخضوع لشريعة الله كما أجمع أهل التفسير، فإنّ كتاب الله مليء بالآيات التي تؤكّد ارتباط الانقياد للشريعة بالإيمان والتوحيد:
– كما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا * وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء: ٦٠-٦٥).
– وفي قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا} (الأحزاب: ٣٦).
– وفي قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (المائدة: ٥٠).
– وفي قوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} (آل عمران: ٣٢).
– وفي قوله تعالى عن المشركين: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (الشورى: ٢١). فالتحليل والتحريم من دون الله هو من أفعال المشركين التي أخرجتْهم من عبادة الله وحده، فعبادته وحده تقتضي أن يُحلّوا ما أحلّ ويُحرّموا ما حرّم سبحانه.
– وقال تعالى عن أهل الكتاب: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران: ٦٤). قال الإمام فخر الدين الرازي (نحو ٥٤٤-٦٠٦ هـ) خلال تفسيرها: “إذا كان الخالق والمنعم بجميع النِّعَم هو الله، وجبَ أن لا يُرجع في التحليل والتحريم والانقياد والطاعة إلّا إليه، دون الأحبار والرهبان”.
– وقال تعالى مخاطبًا نبيّه صلّى الله عليه وسلّم: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} (الجاثية: ١٨-١٩).
– وقال له صلّى الله عليه وسلّم في موضع آخر واصفًا كتاب الله بالحُكم العربيّ: {وَكَذَلِكَ أَنزلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ} (الرعد: ٣٧).
– وقال مخاطبًا الأمّة جميعًا: {اتَّبِعُوا مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ} (الأعراف: ٣).
حقيقة العبادة ولُبابها
وهكذا، تؤكّد هذه الآيات وغيرها حقيقة العبادة ولُبابها، فهي انقياد وخضوع لأمر الله تعالى، أي لشريعته التي أنزلها في كتابه وعلى لسان رسوله صلّى الله عليه وسلّم. ومن ثم يتحدّد المنهج الذي ينبغي للمسلم اتّباعُه كي يُحقّق غاية وجوده في هذه الحياة.
كما أنّها تؤكّد نفيَ الشرك في الطاعة والاتباع والانقياد، فالمسلم لا ينقاد لهواه ولا يتّخذه إلهًا من دون الله: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} (الجاثية: ٢٣). قال الطبري ناقلا أحد الأقوال في تفسيرها: “معنى ذلك: أفرأيت من اتخذ دينه بهواه، فلا يهوى شيئا إلا ركبه، لأنه لا يؤمن بالله، ولا يُحرِّم ما حَرَّمَ، ولا يُحلل ما حَلّلَ، إنما دينه ما هَوِيَتْه نفسُه يعمل به”.
وليست لدى المسلم معايير “حقوقية” أو “أخلاقية” وضعها البشر بأهوائهم يتلقّى منها الأحكام والقيم والأخلاق الصالحة سوى الشريعة وما حُمّل عليها، كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقية “سيداو” المتعلقة بالمرأة، ومعايير الصوابية السياسية (Political correctness) المستندة إلى المبادئ الليبرالية وغيرها مما يضعه البشر بأهوائهم بمعزل عن شريعة الله.
وهو لا يوزّع قلبَه على “شركاء متشاكسين” يتنازعون سُلطة القيَم في حسّه؛ فتارةً يأخذ قِيمَه من مصادر بشرية، وتارة يأخذها من الوحي! ولا يرضى عن التشريعات الوضعية التي تخالف ما أحلّ الله وحرّم، بل يسعى متعاونًا مع أمّته إلى تغييرها وإعادة باب التشريع والقوانين والأعراف العامة إلى الانضباط بما أنزل الله سبحانه، ولا يتغافل عن هذه القضية فقد ذمّ الله أقوامًا من أهل الكتاب فرّطوا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر فوصفهم سبحانه قائلًا: {كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (المائدة: ٧٩).
وإنّ آفاق الشريعة كما تبدو في الكتاب والسنّة لَتتّسع لتشمل الحياة بأسرِها، من أحكام الوضوء والصلاة والزكاة والصيام والحجّ وسائر الشعائر، وأحكام العلاقات الزوجية والأسرية والاجتماعية، وأحكام الأموال بمختلف أنواعها، وأحكام السياسة والعلاقة مع الدول والمجتمعات الأخرى، والأخلاق والقيم، ومجالات الثقافة والتعليم والمعرفة وغيرها.
شعائر التعبُّد وأعمال القلوب
قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} (الأنعام: ١٦٢-١٦٤).
يقول الإمام الطبري في تفسير الآية الثالثة هنا: “يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صلّى الله عليه وسلّم: {قُل} يا محمد لهؤلاء العادلين بربّهم الأوثان، الداعيكَ إلى عبادة الأصنام واتّباع خطوات الشيطان: {أغير الله أبغي ربًّا} يقول: أَسِوى الله أَطلُبُ سيّدًا يَسودني؟ {وهو رَبُّ كلّ شيء} يقول: وهو سيّدُ كلّ شيءٍ دونَه ومدبّرُه ومُصلحُه”.
وقد ذكرت الآية الأولى هنا “الصلاة”، وهي أبرز الشعائر التعبّدية في الإسلام. وذكرت “النُّسُك”، وهو الذبح، والمقصود الذبحُ لله وحده، لا للأصنام أو الموتى أو الجنّ مما كان يذبح له المشركون.
والصلاة والنُّسُك شعيرتان من شعائر الله، وما ينطبق عليهما فيما يتعلّق بالتوحيد ينطبق على سائر الشعائر التعبّدية التي تحمل معنى التقرّب إلى الله أو دعائه وطلبه بوجهٍ غيبيٍّ غير معقول المعنى، أي بما لا نفهمه في إطار معاملاتنا الدنيوية مع البشر وأشياء هذا العالم المحسوسة، وتشتمل على أعمال القلوب كالدعاء والاستعانة والاستعاذة والنَّذر والذبح والسجود والتوكّل والرغبة والرهبة والخوف والرجاء والخشية وما إلى ذلك، فصَرْفُ أيٍّ من هذه العبادات إلى غير الله قادح بالتوحيد، سواء كان شركًا مخرجًا من الإسلام أو “شركًا أصغر” يتجنّبه المؤمن ويَحذر من الوقوع فيه؛ لأنّه يخدش التوحيد ويُشتّت قلبَه ويُضعف إيمانه.
لقد صنع منهاج العبادة في القرآن القلبَ القويّ الذي تنبع قوّته من تعلّقه بالله وحده ودعائه وحده وتوكّله عليه وحده وخشيته منه وحده. وهذه المعاني القلبية وغيرها وإنْ كانت من عبادة الله وحده بلا شريك، فإنّها تُعين الإنسان أيضًا على احتمال هذه الرحلة الأرضية الشاقّة قبل بلوغه الجنّة، ففي هذه الدنيا صوارف ومنغّصات هي من صلب الابتلاء، من شهواتٍ وأهواءٍ وشياطين، ولا بدّ له من ركن مكين يلجأ إليه ويسند به قلبَه إلى أن يبلغ برّ النجاة.
والآيات التي تتناول باب الشعائر من صلاة وسجود ودعاء وما يتبعها من أعمال القلوب كثيرة جدًّا، نظرًا إلى أنّها كانت مشكلة المشكلات في المجتمعات الوثنية التي نزلت عليها الرسالة، وفي المجتمعات الوثنية السابقة التي حكى القرآن قصصها مع رُسُلها وأنبيائها عليهم السلام.
فقد كان المشركون يسجدون لغير الله تعالى فقال لهم: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (فصلت: ٣٧).
وكانوا يدعون غير الله من الأرباب المزعومة: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} (الإسراء: ٥٦-٥٧). فأرشدهم – بعد بيانه فسادَ دعاء غير الله – إلى عبادة التوسّل والرجاء والخوف التي كان يقوم بها مَن جعلوا منهم أربابًا وهم أهل إيمان بالله تعالى.
وقال عزّ وجلّ ناهيًا عن دعاء غيره: {وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (القصص: ٨٨). وقال سبحانه: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} (الجن: ١٨). قال الإمام الطبري في تفسيرها: “ولا تُشركوا به فيها شيئا، ولكنْ أَفرِدوا له التوحيد، وأَخلِصوا له العبادة”.
وقال تعالى في مواجهة عبادة المشركين لأربابهم من أوثان وغير ذلك مما يعبدونه من دون الله: {تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (الزمر: ١-٣).
وقال سبحانه داعيًا عباده إلى دعائه وحده: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (غافر: ٦٠). وقال مرغّبًا: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (البقرة: ١٨٦).
وقال عن الاستعانة: {إيَّاكَ نعبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: ٥). وممّا ذكره الإمام أبو المظفّر السمعاني في سبب تقديم {إيَّاكَ نعبُدُ} على {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قوله: “لأنّ الاستعانة نوعُ تعبُّد، فكأنه ذكر جملة العبادة، ثم ذكر ما هو من تفاصيلها”.
وقال عن الاستعاذة: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} {الفلق: ١}، وقال: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} (الناس: ١).
وقال عن الخشية: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} (المائدة: ٣).
وقال عن التوكّل والصبر: {وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} (إبراهيم: ١٢). وقال عزّ وجلّ: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (المائدة: ٢٣).
وقال عن الخوف: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (آل عمران: ١٧٥).
وقال عن الرغبة والرهبة والخشوع في وصف زكريا وزوجه ويحيى عليهم السلام: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} (الأنبياء: ٩٠).
قيمة الإنسان تتحدّد بإيمانه وعبادته لله سبحانه
ومن أجمل ما علّمنا ربُّنا جلّ جلاله في كتابه قوله تعالى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ} (الفرقان: ٧٧).
يُعْلِمنا أنّ قيمة الإنسان تتحدّد بإنجازه الأهم، وهو إيمانه وعبادته لله سبحانه، فلا قيمة للإنسان حين يتجرّد عن رسالته وغاية وجوده في هذه الدنيا.
وإذا كان الإنسانُ يجزع من ألّا يعبأ به أحدٌ من الخَلْق الهالكين، فكيف وقد سقط من بال ربّ العالمين؟!
وكم غفلَ الناس اليوم عن هذا المعنى الذي تُقرّره الآية، وهو أنّ أول من ينبغي أن تسعى إلى رضاه وذكره (و”اهتمامه” و”تقديره” بلسان أهل هذا العصر) هو الخالق سبحانه الذي امتنّ عليك بفرحة وجودك بعد أن كنت في العدم، وببُشرى أبديّة النعيم في جنان الخُلد لو اجتزتَ هذا الابتلاء الدنيويّ منغمسًا بسعادة التوحيد.
ولكنّ الإنسان ينسى، فيطلب بالَ الناس واهتمامهم وتقديرهم، وتنفرج أساريره بآرائهم وتصفيقهم، ثمّ يغترّ بخالقه الكريم!
فاللهمّ أَخرجنا من عتمة بال الخَلْق إلى ضياء بالك، ومن “قلق السعي إلى المكانة” بين ظَهرانيهم إلى شرف السعي في مرضاتك ودفء التلفّع بذكرك.
المصدر
صفحة شريف محمد جابر
اقرأ أيضا
سورة الأنعام وأضواء على ركن من أركان التوحيد
سورة الأنعام .. البدء بالعقيدة وأثره العملي
حدود الولاء المكفر .. حفظا للأمة ومنعا للغلو
السبت، 9 مايو 2026
علماء أهل السنة والسلطة
علماء أهل السنة والسلطة
منذ العصر الأموي، أدرك علماء أهل السنة عامة في قلب العالم الإسلامي مغبة الارتباط بالسُّلطات القائمة، فإن لم يخرجوا عليها، كانوا منها في نفور واستعلاء، وصارت قربة الحاكم وصمة العالم، والآثار في ذلك تملأ المجلدات عن هذه الخصومة والاحتقار المكين في نفوسهم، لا للحكام مهما أحسنوا، بل لمن يداخلهم ويجالسهم، وحتى قرب الغزالي من السلاجقة، لم يمنعه أن يجعل فصل العلم في الإحياء مزدحما بألف قصة سوء عن علماء القرب من السلطة مطلقا، الذين أوسعهم سبا وإهانة ونقلا لمرويات أئمة الفقه والدين في تحقيرهم وإنذارهم.
نعم، خفت هذه الشدة لاحقا مع تقادم المظالم، وشيوع العلماء الفسدة الطماعين، لكن بقي جوهر العداء والاستعلاء راسخا لا يزول، ومازال كل عالم يتبع السلطان متهما في ديانته إلى أن يثبت العكس، ويوشك ألا ينجو أحد، خاصة مع الرقابة، وفشو العدوان والبغي، وانتشار تبديل الدين!
وقد طُعِن حتى في علم عظيم كبير كابن حجر رحمه الله، وهو من هو، لحرصه على تولي القضاء، في دولة مملوكية تجاهد باستمرار لإعلاء دين الله، فما بالكم بمن هو أدنى في دول تجاهد باستمرار دين الله!
أولئك الذين يفرحون بمكانة الأزهر في مصر المعاصرة، ويقاتلون لجعله منارة أشعرية صوفية محضة، مع ربط العمة الأزهرية بالكرسي = هم قوم أغبياء، ينظرون تحت أقدامهم، ولا يفقهون تاريخ الأمم والمذاهب، ولا يعلمون علة تطليق الوسط العلمي الشرعي نفسه من الحكام مبكرا، وكيف أن مقتلة أي مذهب تكون غالبا في ارتباطه بكرسي ثقيل الوطأة على الناس، فيستقر في وعي الأمة أن تلك العمة أخت ذلك السيف، وذلك المذهب ربيب تبديل الدين وفتاوى السوء والإفساد!
إن الأشعرية الصوفية عالية حاليا، وقد تستمر في العلو نصف قرن آخر، لكن مثلها مثل المدخلية الوهابية في السعودية، ربط نفسها بالحكام هو وبال مستقبلي لا محالة، بصرف النظر عن صحة المذهب من خطئه.
وفي سوريا مثال حي، حينما ربطت النخب الأشعرية نفسها بالسلطة، فكان بداخل الثورة جانب خفي غير منكور، فيه اختار عموم المقاومين السلفية مذهبا، لا لجمالها أو لفهمهم الصفات والخلافات، إنما كفعل مقاوم، وكم من شخص أطلق لحيته في مطلع الثورة السورية، متأففا من العمامة الرسمية للمشايخ، وكان يُسأل عن ذلك فيقول: كانت اللحية جريمة في عصر الأسد!
لقد ترجم العمة كموالاة واللحية السلفية الكثة كمقاومة!
وكل ذلك صلبه مأسسة الدين، تلك البدعة الرافضية الفاطمية المستعيدة لسياسات الفراعنة والأكاسرة والروم، وما في ذلك من طوام تفوق المزايا المغرية، لكن هذا نقاش آخر!
الخميس، 16 أبريل 2026
(الميثاق العام للمشروع الإسلاميّ)
(الميثاق العام للمشروع الإسلاميّ)
د. عطية عدلان
باحث ومفكر إسلامي متخصص في العلوم الشرعية مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي
بسم الله الرحمن الرحيم .. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد، فهذا ميثاق عام للمشروع الإسلاميّ، يشتمل على مواد مركزة موجزة، تتحدث عن هذا المشروع، عن طبيعته وأهدافه ومراحله ومنطلقاته وقيمه ومفاهيمه، وغير ذلك، ونحن هنا ندعو كل مسلم إلى فهمها واستظهارها، والالتزام بمضمونها كعقد بين العاملين للإسلام.
مواد تمهيدية
1. مصدر هذا المشروع الكتاب، والسنة، والإجماع، وسنة الخلفاء الراشدين، ثم الاجتهاد الجماعيّ.
2. المشروع الذي يمثل الأمَّة الإسلامية هو الذي تلتقي عليه كلمة علمائها وأهل الحل والعقد منها.
3. المشروع الإسلاميّ واجب الوقت، والاجتماع عليه يمثل منصة الانطلاق الكبرى للأمة الإسلامية.
4. المشروع الإسلاميّ هو: الخطط والاستراتيجيات والمنهجيات، التي ترسم بوضوح طريقَ التمكين للدين الإسلاميّ، وتُبَيِّنُ بجلاء سبيلَ الخروجِ بالأمة الإسلامية من نفق الاستضعاف والوصولِ بها إلى مستوى التمكين الحضاري الشامل القائم على منهج الله تعالى.
5. جميع ما هو من قبيل الأدوات والأمور الفنية لا يشترط أن يكون قد ورد به شرع، إنّما يشترط فقط ألا يصادم الشرع وأن يكون محققًا للمصلحة.
أهداف المشروع الإسلاميّ
6. للمشروع الإسلاميّ جملة من الأهداف الاستراتيجية؛ يجب استحضارها في جميع المراحل.
7. يهدف المشروع الإسلامي إلى تمكين الأمة الإسلامية تمكينًا حضاريًّا شاملًا في كافّة الميادين، وإقامة دولة إسلامية مستقلة قوية تقيم منهج الله وتحمي بيضة الإسلام، وتحقق الاستخلاف.
8. يهدف المشروع الإسلامي إلى تعبيد الناس لله رب العالمين اعتقادًا وعملًا ومنهجًا وسلوكًا.
9. يهدف المشروع الإسلامي إلى إحياء مفهوم الأمة، وإبراز وترسيخ هويتها، واستعادة التموضع الصحيح لأهل السنة في قلب الأمة، وللطائفة المنصورة في قلب أهل السنة.
10. يهدف المشروع الإسلامي إلى إعداد الأمة إعدادا شاملا: وعيًا وفهمًا، وعلمًا وعملًا، وعبادة وسلوكًا، وإخلاصًا واتباعًا، ودعوة وجهادًا، وولاءً لأهل الإيمان وبراءً من أهل الكفران.
11. يهدف المشروع الإسلامي إلى استعادة دور الأمة الإسلامية؛ كأمَّة صاحبة رسالة عالمية، وصاحبة منهج ربانيّ، وإحياء الروح الجماعية لهذه الأمَّة، وبعثها لتقوم برسالتها العالمية.
12. يهدف المشروع الإسلامي إلى استعادة وإحياء دور أهل الحل والعقد في الأمة.
13. يهدف المشروع الإسلامي إلى مواجهة المشاريع المحاددة للمشروع الإسلامي.
مراحل المشروع الإسلاميّ
14. يمر المشروع الإسلاميّ بمراحل ثلاثة: مرحلة الإعداد، ومرحلة التغيير، ومرحلة البناء.
15. الإعداد هو بناء القاعدة الصلبة، وإعداد القوة، وتهيئة الأمة، وإحياء دور أهل الحل والعقد.
16. التغيير يكون بأدواته التي تناسب المكان والزمان، وإن كان أغلبه يستدعي المواجهة.
17. البناء بناء مؤسسات المجتمع ومؤسسات الدولة وإقامة نظام الحكم الإسلاميّ.
18. كل مرحلة من مراحل المشروع الإسلاميّ بها فرص وروافع، وبها عقبات وتحديات، فينبغي في سياق تنضيج المشروع الكشف عن ذلك كله واقتراح البرامج التي تصلح له.
19. كل مرحلة من المراحل الثلاثة الرئيسية تنقسم إلى مراحل جزئية، بحسب الحال والزمان والمكان، وبيان المراحل عمومًا ليس على درجة واحدة؛ فأمّا البدايات والنهايات فيجب التفصيل في بيانهما، وأمّا ما بين البدايات والنهايات فيكتفى ببيان الخطوط العريضة الكلية.
20. المشروع الإسلاميّ في مراحله الثلاثة يمتد ليشمل - وإنْ بنسب متفاوتة - جميع المجالات والميادين التربوية والدعوية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والحضارية وغير ذلك.
ركائز المشروع الإسلاميّ
21. يعتمد المشروع الإسلاميّ على جملة من الركائز الأساسية، المستمرة في جميع المراحل، والمتغلغلة في كافّة الميادين، وهي:
22. لا يتأبّى المشروع الإسلاميّ على الاستفادة مرحليًّا من بعض الركائز غير الرئيسية، بشروط شرعية صارمة، كالتحالف، والاستناد إلى ظهير متاح، والاستثمار لتدافعات سياسية وعسكرية.
منطلقات المشروع الإسلامي
23. هناك جملة من المنطلقات التي تعدّ منصات للانطلاق، منصات شرعية وعقدية وواقعية وفكرية، كالهوية والمرجعية والمنهجية والوحدة والأخوة وعالمية الإسلام، وغير ذلك.
24. الهوية منطلق كبير فلا حيدة عن الهوية الإسلامية الجامعة؛ (هو سمّاكم المسلمين من قبل)
25. المرجعية منطلق عاصم؛ فالوحيان (الكتاب والسنة) هما دستور الأمة الدائم.
26. المنهجية منطلق رشيد، وتعني الاعتصام بمنهج أهل السنة في التلقي والاعتقاد والجهاد.
27. الوحدة منطلق أكيد؛ فالوحدة فريضة، ولا يلزم لتحققها انصهار الجميع في كيان واحد.
28. الأخوة منطلق رقيق، فالأخوة الإيمانية معتصم لا تنفصم عراه.
29. عالمية الإسلام وعموم الرسالة أصل ثابت لا يتغير.
30. التفريق في التعامل مع الوافد بين ما كان من المبادئ وما كان من الأدوات منهج سديد.
31. المفاصلة التامّة مع الفكر الحداثيّ العلمانيّ من صلب المنهج الإسلاميّ.
32. المصطلحات الوافدة فخ يجب الحذر والاحتياط منه.
33. قيام الحياة على أساس من رفض سلطان الله وسيادة شريعته هو جوهر الجاهلية.
34. العهد النبوي مع الخلافة الراشدة يمثلان المرجعية العملية للمشروع الحضاري الإسلامي.
35. السنن الإلهية قوانين ونواميس تحكم الحياة ينبغي مراعاتها.
36. الأحكام والمقاصد صنوان متعانقان لا يفترقان ولا يتعارضان.
37. المرحلية والتدرج ضرورة حركية بشرط ألا تفضي للتسويف.
38. حتمية المواجهة على وجه العموم مع عدم انتفاء الحلول السلمية.
39. استبانة سبيل المجرمين وفهم واقع الصراع ركيزة أساسية للعمل الإسلاميّ.
40. بناء التصورات على الجمع بين فقه الشرع وفهم الواقع هو المنهج الرشيد.
41. العلم والعبادة والحركة خطوط متوازية من المبدأ إلى المنتهى.
42. العمل الجماعي المنظم ضرورة حركية لا تلغي المنصات الفردية وأهميتها.
43. الشعوب ورقة لا يصح إهمالها كما لا يصح التعويل عليها تعويلا كاملًا.
44. التعددية مقبولة ونافعة إذا لم تهدد الوحدة والاجتماع ولم تخرق المنهج والاتباع.
45. التحالفات إذا احتيج لها، وصَحَّ المتحالف عليه، ولم يكن فيها ضرر؛ فهي مشروعة ونافعة.
46. توسيع المشتركات والاستفادة منها في تقوية التحالفات صالح مالم يكن على حساب الحق.
47. بلورة المحكمات واتخاذها ميثاقا عامًّا مع فن إدارة الاختلاف يحققان الحد الأدنى للوحدة.
48. إذا تعذر الجهاد لأي سبب معتبر شرعًا بقي واجب الإعداد.
49. الإعداد عملية تراكمية تبدأ من الدعوة والتربية وتنتهي بامتلاك القوة بكافّة أنواعها.
50. أهل الحل والعقد في الأمة هم أولو الأمر على الحقيقة والحكام نوابهم على الحكم.
51. النظام العربيّ الحالي نظام منعدم الشرعية قائم على مضادة الشريعة وموالاة أعداء الإسلام.
52. وسائل التغيير اجتهادية لا توقيفية، لا يشترط لها أن يأتي بها الشرع، ويشترط الا تصادمه.
53. استيعاب المشروع الإسلاميّ لجميع أطياف أهل السنة دون غيرهم من المبتدعة كالرافضة.
54. شمول وعموم المشروع الحضاري ينطلق من شمول وعموم الإسلام وشريعته.
55. التجارب السابقة سواء كانت إصلاحية أو جهادية يستفاد منها، لكنّها ليست معصومة.
56. النازلة الكبرى للأمة تتمثل في ضعفها وهوانها واستيلاء الأعداء عليها وتحكمهم في مصيرها، ومن هذه النازلة العامة تتفرع النوازل المتعددة كنازلة فلسطين والأقصى، ونازلة سوريا، وهكذا.
القيم الحاكمة للمشروع الإسلاميّ
57. يحكم المشروع الإسلاميّ جملة من القيم العليا الحاكمة، وجملة أخرى من القيم العامّة، وجملة من القيم المركزية الخاصة بكل ميدان.
58. التوحيد قيمة إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، وكلمة الإخلاص (لا إله إلا الله) تخط طريق الحرية الحقيقية، وتخط بذلك طريق الحضارة الراشدة؛ لأنَّها - عمليًّا - تحطم أكبر معوقات التقدم الإنسانيّ، وهو الطاغوت، كما أنّها تردّ الحكم والتشريع لله وحده.
59. الإيمان بالغيب قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، لها أثر بالغ في البِنْية الفكرية الحضارية التي تُنْبِت النظمَ كافّة، تماما كأثر الحداثة المنكرة للغيب في بِنْية الفكر الغربيّ المعاصر وفيما صدر عنها من نظم سياسية واقتصادية واجتماعية وتربوية وتعليمية وغيرها.
60. جوهر الإسلام هو الاستسلام والخضوع والانقياد والدينونة والتسليم والطاعة؛ وهو بهذا المعنى قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، تنبثق عنها جملة عظيمة من المبادئ والأسس والأحكام، قيمة محورية تؤسس لمنظومة من النظم الرشيدة.
61. الإحسان قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، وبناء المؤسسات وتفعيلها وتطويرها ومأسسة أدائها من الإحسان، وانتهاج المؤسسية في عمل الدولة من الإحسان.
62. الاتباع قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، وهو اتباع المنهج الربانيّ، وسَنَنِ الأنبياء والحنفاء، وهو يؤسس لمنهجية لا تدع العقل وحده يستقل بتحديد الوجهة.
63. الاستخلاف قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، قيمة تؤسس لنظم إنسانية تحقق الغاية من خلق الإنسان، وتحقق الانسجام بين الإنسان وبين ما حوله قيمة لها دور كبير في حسم الكثير من القضايا الكبرى التي حيرت الفلاسفة والمفكرين ولم يهتدوا إلى شيء.
64. الأمانة قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، والمقصود بها إحياء "الناموس الشرعيِّ" ويتعدى أثر الأمانة إلى أمانة الحفاظ على الطبيعة التي يحيا فيها الإنسان، كما يتعدى أثرها إلى الحفاظ على مصادر الأرزاق ومعاقد الأقوات، وإلى الحفاظ على المنظومة الأخلاقية الطبيعية الفطرية للإنسان، وهذا ما فعله الإسلام، وهذا ما فعل الغرب عكسه على الدوام.
65. المسئولية قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، وتتشعب من المسئولية الجذرية كلّ المسئوليات الكبار، مسئوليات الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والأمّة.
66. الإنسانية قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، ونعني بها ما عناه القرآن بذكره للإنسان وعنايته به وجعله هو موضوع هذا القرآن، ومن هنا وجدنا القرآن الكريم يُحَمِّلُ الأمةَ الإسلامية واجبَ إخراجِ البشرية من ظلمات المنكر إلى نور المعروف؛ لتكون خير أمّة.
67. تقوم القيم العامّة، وكذلك القيم المركزية الخاصة، إلى جانب القيم المعيارية العليا الحاكمة؛ لتكون جميعُها منظومة قيمية متماسكة، تنشعب عنها مبادئ وأحكام وسلوكيات وممارسات.
68. تُعَدُّ القيم العامة قيمًا معيارية بالنسبة لما يندرج تحتها من قيم مركزية، وما يدور في فلكها من مبادئ وأسس وأحكام وقواعد، لكنّها بالنسبة للقيم العليا الحاكمة محكومة لا حاكمة.
69. القيم العامّة كثيرة وهامّة، أهمها: (قيمة العدل - قيمة المساواة فيما تصح المساواة فيه - قيمة الحرية المنضبطة بالشرع - قيمة الصدق - قيمة الوفاء - قيمة التسامح - قيمة الرحمة)، وجميع هذه القيم تُعَدُّ أخلاقًا فطريّةً يُسَلِّمُ بها الخلق، لكنّ الذي يميزها عن سائر الأخلاق أنّها تُعَدُّ قيمًا عامّةً تتسم بالمعيارية، يمكن في ضوئها تحديد الموقف من كثير من الأمور المتعلقة بالإنسان.
70. أهم ما يميز قيمة العدل في الإسلام العموم والإطلاق؛ إذْ إنّ العدل في الشريعة الإسلامية مطلق ليس مقيدًا ولا نسبيًّا، لا يحابي أحدًا، ومما يميزه أيضًا الشمول؛ والعمق التشريعيّ.
71. الإسلام في جوهره تحرير للإنسان، وكلمة الإخلاص التي هي رأس الدين هي الحريّة في أسمى مراتبها؛ لأنّها إعلان عام لتحرير الإنسان من الخضوع والدينونة والعبودية لغير الله تعالى.
72. الشريعة الإسلامية عندما تقرر حريات الناس وتضع القيود والضوابط التي تنظمها لا تنطلق من المنطلقات التي ينطلق منها الفكر الغربيّ، ولا تبني على أصول مستعارة من الإغريق أو الرومان، وإنّما تنطلق من منطلقات قرآنية ربانية.
73. القيم الركزية الخاصة بكل ميدان من ميادين النشاط البشريّ لها دور كبير في استقامة الحياة، ففي ميدان السياسة توجد قيم مركزية مثل: مبدأ "السيادة للشرع" ومبدأ: "السلطان للأمة"، ومبدأ "الشورى منهج الحكم" وفي عالم الاقتصاد تسود جملة من القيم المركزية، مثل مبدأ "الاستخلاف" ومبدأ "الوفرة والكفاية"، ومبدأ "القصد والاعتدال"، وهكذا في سائر الميادين.
المفاهيم العامة الكلية للمشروع الإسلاميّ
74. في الإسلام جملة من المفاهيم العامّة الكلية ينبغي أن تُضبَط؛ لئلا تضطرب الخطى على الطريق، بعضها يتعلق بالعقيدة وبعضها يتعلق بالشريعة وبعضها يتعلق بالاجتهاد في فهم الواقع.
75. يدخل الكافر في الإسلام بنطقه بالشهادتين، ولا يخرج المسلم من الإسلام إلا بجحود الشهادتين أو بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام.
76. لا يجوز تكفير المسلم ولا الشهادة بالإسلام لكافر، فمن كان مسلمًا وأتى ناقضًا من نواقض الإسلام كمظاهرة الكافرين على المسلمين، والحكم بغير ما أنزل الله، ومدح عقائد الكافرين، واستحلال ما حرمه الله، وإنكار معلوم من الدين بالضرورة؛ فقد خرج من الإسلام وصار مرتدًا، ومن شهد بالإسلام لكافر أصليّ نص القرآن على كفره كأحد من اليهود أو النصارى أو المجوس أو المشركين أو الملحدين أو غيرهم، كفر بذلك، ويلزم لتكفير المعين توافر الشروط وانتفاء الموانع.
77. المعلوم من الدين بالضرورة هو بنود العقيدة والشريعة التي أجمعت الأمة عليها ونُقلت بالتواتر واستوى في العلم بها الخاصة والعامة، فكل ما توافرت فيه هذه الشروط الثلاثة - سواء كان خبرًا أو أمرا لا يعذر فيه بالجهل في ديار الإسلام؛ لكونه من المعلوم بالضرورة.
78. ثنائية العقل والنقل أزمة مفتعلة لا رصيد لها في الواقع، فالأصل هو موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، فإن وقع تعارض؛ فإمّا أن يكون المنقول غير صحيح أو يكون المعقول غير صريح.
79. الأصل أنّ الرسول أسوة في كل تصرفاته، وأنّ تقسيم السنة إلى سنة تشريعية وغير تشريعية قول محدث، وإذا كان العلماء قد أخرجوا بعض تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم من دائرة التشريع لكونها من الأفعال الجبلية أو من الأمور الدنيوية، فإنّ هذا لا يعني أنّ تلك الأفعال أصل بذاتها.
80. ليس من العقل والرشد أن نبحث بعقولنا في غيبيات ضنّ الوحي بها علينا، ولا عن تكييف غيبيات أخرى أخبرنا بها الوحي على سبيل الإجمال، وإنّما العقل أن نقف في ذلك على الوحي.
81. في القرآن الكريم آيات محكمات وأُخَرُ متشابهات، والواجب تجاه ذلك ردّ المتشابه إلى المحكم، أمّا اتباع المتشابه بدون ردّه للمحكم فهو الزيغ والضلال.
82. المسلمون متَعَبَّدون بالأحكام لا بالمقاصد، فلا يصح الاستغناء بالمقاصد عن الأحكام، والأحكام والمقاصد لحمة واحدة كالشمس وفلكها الذي تدور فيه.
83. ولا تضييق على الناس فيما يصطلحون عليه من أسماء وعناوين وغير ذلك، بشرط أن يكون المصطلح منتزعًا من لغتنا وثقافتنا، أمّا إذا كان مصطلحًا وافدًا دخيلًا فإنّه ينبغي الحذر منه.
84. شرع الجهاد لغاية تعدُّ هي المقصد الجامع للجهاد، وهي إزالة الفتنة وإحلال سيادة الشريعة: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)؛ ومن الفتنة سيادة مناهج الجاهلية.
85. الأنظمة الجاهلية التي تقيم الحياة على أساس من رفض حاكمية الشريعة وسيادتها يجب قتالها، لأنّنا أمرنا أن نقاتل الناس حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله.
86. الكفّ المرحليّ عن نظام لا يقيم منهج الله ولا يقود الأمة بكتاب الله لا يعطيه شرعية، فإذا قامت الأمة عليه في أيّ وقت لا تكون خارجة على حاكم له شرعية.
87. يحرم الخروج على الحاكم المسلم العادل الذي يقود الأمة بكتاب الله، أمّا الخروج على الحاكم الكافر أو الذي ظهر في حكمه الكفر البواح أو الذي يقود الأمة بغير كتاب الله أو الذي يسعى لتعطيل فرائض الله وحدوده فهو واجب عند القدرة على ذلك، وعند العجز يعلق واجب الجهاد ويبقى واجب الإعداد، أمّا الحاكم الفاسق الجائر فإنْ تعدى فسقه وجوره حتى صبغ المجتمع بالفسق وهدد هويته الإسلامية فالخروج عليه مشروع، وإلا فالكفّ مع النصح هو المشروع.
88. يشترط لشرعية المتغلب أن يقود الأمة بكتاب الله وألا يظهر في حكمه الكفر البواح، كما يشترط ألا يأتي تغلبه في سياق الخروج على حاكم له بيعة وله شرعية مستمدة من الأمة، فإن توافرت الشروط وجب على الأمة أن تسمع له وتطيع في المعروف، وإلا فليس عليها تجاهه حق السمع والطاعة، وإنّما يجب خلعه عند القدرة، وعند عدم القدرة يشرع الكفّ عنه مرحليًّا.
89. الإمامة رئاسة تامّة وعامّة للأمّة الإسلامية؛ فإذا استطاعت جماعة من الناس أن تقيم النظام السياسي الإسلاميّ في أي صقع من الأصقاع - متوسطًا كان أو متطرفًا - فإنّ حكمهم ليس من قبيل الإمامة والخلافة العامة للمسلمين، فإذا تعددت الإمارات حرم عليها التقاتل طلبًا لمنصب الإمامة العامّة، ووجب على الجميع الدخول في الوحدة عبر الشورى التي يديرها أهل الحل والعقد.
90. تعتمد النهضة الاقتصادية في الإسلام على مقومات ثلاثة، هي: تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية، وحسن إدارة الموارد البشرية، عدم إضاعة الوقت.
91. القوة السياسية تقوم على استدامة ثلاثة مقومات، هي: تحكيم الشريعة، وتقديم النصيحة، وحفظ الوحدة.
92. يقوم الاقتصاد الإسلاميّ على أسس عقدية، أهمها مبدأ الاستخلاف، مبدأ الكفاية، وأسس شرعية، أهمها: العدالة في توزيع الثروة، وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، ومنع الربا وكل صور أكل أموال النماس بالباطل، وأسس أخلاقية، كالرحمة، والكفالة، والكرم.
93. عمد الإسلام إلى الحفاظ على الأبنية الثلاثة: الأسرة والمجتمع والدولة، وتحقيق التوازن بينها.
94. الولاء والبراء في الإسلام يرسم خطًا فاصلًا بين المسلمين والكفار، من اقتحمه وتعاون مع الكفار على من يختلف معهم من المسلمين فقد تردى في الهلكة.
95. الولاء والبراء والمفاصلة مع الكافرين وجهاد القوى الكافرة، كلّ هذا لا يمنع من القسط معهم والبر بمن لا يقع في الحرابة للإسلام وأهله.
96. يجب أن نفرق في موقفنا من الأمم الكافرة بين الأنظمة الحاكمة وجيوشها وسدنتها وكهنتها وقوى الشرّ فيها وبين الشعوب المستسرلة، فالأولى نبتدئها بالسيف والسنان بعد الدعوة والبيان، أمّا الثانية فنحررها ثم نخيرها بين الإسلام وبين دفع الجزية والتزام الصغار (القانون العام للإسلام).
97. تهدف التربية الإسلامية إلى صياغة الشخصية صياغة كاملة، من جميع الجوانب العقدية والعاطفية والسلوكية والشعورية والمنهجية والعلمية، وتعتمد على وسائل، أهمها: القدوة والتربية بالحدث، والمعايشة الهادفة، والممارسة العملية للشعائر والشرائع، والتلقين بكل صنوفه.
98. مصادر المعرفة في الإسلام تقوم على مصدرين رئيسيين، الوحي للعلوم الشرعية، والكون للعلوم الطبيعية، ومناهج التفكير والنظر في الإسلام ليست محصورة في قالب من القوالب التي فرضتها الفلاسفة، فالاستدلال والاستقراء والتجريب وتوثيق الأخبار وغير ذلك كلها مناهج معتمدة في الإسلام، بشرط أن تسلم من تحكمات الفلاسفة والمناطقة.
99. مصدر سلامة النفس الإنسانية (السيكولوجيا) والمجتمعات الإنسانية (السيسيولوجيا) والوضع الإنسانيّ بالنسبة لما حوله (الإنثروبيولوجيا) هو العبودية الحقيقية للرحمن، وترك العبودية للشيطان، وتدبر القرآن، وهذا لا يمنع من الاستفادة بما أنتجته العلوم الإنسانية مما لا يخالف مقاصد الكتاب العزيز، ولا أحكام الشريعة الغراء.
100. لا يقع التمكين الصحيح للأمة الإسلامية إلا باجتماع القدوة والقوة.
الجمعة، 27 مارس 2026
مشاريعنا بين التَّجْرِبة والجَلَّاد
بسم الله الرحمن الرحيم
مشاريعنا بين التَّجْرِبة والجَلَّاد
د.عطية عدلان
أستاذ الفقه والساسة الشرعية
الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..
"أَوَكُلَّما فشلنا في تجربة من التجارب تجاهلنا أسباب الفشل ولَعَنَّا التجربة بِرُمَّتها ؟!"
هذه هي صرخة الضمير المسلم الحائر بين الجلادين الذين يشنقون التجارب على أعواد المراجعات، ويجلدون الماضي بسياط الندم الهوجاء الطائشة.
ما أكثر التراجعات التي أخذت في تاريخنا المعاصر اسم المراجعات، وما أكثر التجارب التي أضحت في حياتنا عوراتٍ نزفف عليها ونجتهد في إخفائها أو إعلان التوبة منها، فلم يبق أمامنا - لكثرة ما تنكرنا له وتبرأنا منه - إلا أن نبحث لنا عن صوامع نلوذ بها ونتحنث فيها بعيداً عن فتنة العمل ومزالق الجهاد، على خوف أن ينالنا منها مانال "برصيصا" العابد المفتون.
لقد أخطأنا يوم أن رشحنا رجلاً مِنَّا لرئاسة الدولة؛ ما لنا وللدولة؛ إنَّها ليست سوى حقل ألغام كبير لا ينجو منه إلا من نأى عنه، كان من الواجب علينا أن نتركها لأي كلب ضال مُشَرِّقٍ في مذهبه أو مُغَرِّب، ها نحن قد أوقعنا عدونا في الفخ، كالفأر الأحمق الذي صار حبيس المصيدة الموصدة.
ومن قبل ضيعنا أنفسنا وضيعنا الإسلام معنا عندما واجهنا السَّفَّاح بالسلاح، ثم اكتشفنا - بعد فوات الأوان - أنّنا لم نكن سوى فئة باغية خارجة على الإمام، وأنّ الشهيد المظلوم راح ضحية فتنة عمياء، فلنعلن توبتنا، ولنظهر أوبتنا، ولنلعن الإرهاب لعن الغادين المصبحين للضباب.
هكذا صنعنا، ولو صنع الصحابة صنيعنا عقب هزيمتهم في أحد لكان المجتهد منَّا في التحنث يحمل اليوم على صدره صليباً أثقل من جبل أحد، لو صنعوا مثل صنيعنا اليوم لجلسوا على سفح أحد بعد الهزيمة حول نبيهم؛ ولتذاكروا خطأهم الأكبر، إذ تعجلوا إقامة الدولة وسط محيط من العداوات وفي أدغال من الجاهلية تعوي فيها الكلاب والذئاب، ولقال قائل من المهاجرين: ألم يكن جديرا بنا أن نلحق بإخواننا الآمنين في الحبشة فنعبد الله معهم هناك إلى أن يجعل الله لنا فرجا ومخرجاً، ولصاح آخر من الأنصار: لقد ضيعنا سعد بن معاذ، ألم نبايع رسول الله على الدفاع عنه ومنعه ممن يبغي عليه؛ فمالنا وقتال الناس خارج المدينة، وليس بعيداً أن يقول قائل: نحن الذين أخطأنا بعدواننا على قافلتهم التجارية، أقطاع طريق في الإسلام؟ ..
ولك أن تتخيل حجم الهرج والمرج الذي كان يمكن أن يحدث في جو تلك المراجعات !!
ولك الحق أن تجزم بأنّه لو كان ذلك وقع لكانت القاصمة التي تحرم البشرية كلها من نور الله.
والحمد لله أنَّ المصاب وقع على حياة رسول الله، وأنّه وقع أول ما وقع في عهد ذلك الجيل الفذُّ الذي تربي على يدي رسول الله، وأنَّ الصدمة الأولى حلت والوحي ينزل؛ لتتعلم الأمَّة إلى يوم الدين كيف تعالج مثل هذه التجارب؟ وكيف تتخذ من المصائب منصات للانطلاق والوثوب لا محطات للتراجع والرسوب.
وارجعوا إلى سورة آل عمران لتتأكدوا أنّ المعالجات القرآنية كانت في اتجاه انهاض الأمة من كبوتها، وتثبيت خطاها على ذات الطريق الذي سالت على جوانبه دماؤهم في أحد، فتبدأ الجولة بالتربيت على قلوبهم وإعادة الثقة إليهم: "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين" ثم بالتخفيف من آلامهم: "إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله" ثم يطرق السياق على مواقع الخطأ طرقاً خفيفاً: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً "، ثم يقرع عليها قرعاً مدوياً لكنه في ذات الوقت ستير غير فاضح: "منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة" "وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية"، ويتولج السياق جمل هامة ترسي أعمدة ثابتة، فهذا تنبيه على مكانة القيادة التي لا يمكن أن تهزها الوقائع: " لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين"، وهذا تنبيه على حق الجند وشرفهم مهما كانت أخطاؤهم: " فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر".
والعجيب أنّ الآيات التي أسهبت في علاج الأخطاء المنهجية والخلقية لم تتطرق قط للخطأ الاجتهاديّ الكبير الذي تمثل في الخروج للقاء العدو خارج المدينة، بل إنّه قد ورد في السياق ما ينفي عنه وصف الخطأ لأنّه كان عن مشورة واجتهاد؛ إذ احتفظت الآية الكريمة لهؤلاء الذين أخطأوا بحقهم في المشورة: "وشاورهم في الأمر".
وهكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث لقن الصحابة أن يجيبوا على استعلاء الكفار بلغة ملؤها الاستعلاء بالإيمان: " الله أعلى وأجل" "لسنا سواء؛ قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار" ثم أمر فرقة منهم أن تخرج للقاء الكفار مرة أخرى عندما علموا أنهم جمعوا لهم لينقلبوا عليهم في المدينة، وفيهم أنزل الله قوله: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا".
فيا أيها الإسلاميون، كفُّوا عن جلد الذات ولعن الماضي وشنق التجارب على أعواد المراجعات، فما أخطأتم يوم أن قدمتم رجلاً منكم لتولي مسئولية الحكم، بل فعلتم ما يمليه عليكم الواجب؛ إذ لا يليق بمثلكم أن يترك البلاد وقد أثقلتها الديون وأنهكتها الخطوب نهبة لكل طامع، كما لا يليق بكم أن تعرضوا عن فرصة مهيأة تنطلقون منها إلى التمكين لشريعة الله في الأرض.
إنما كان الخطأ في أنكم لم تأخذوا الأمر على الوجه الذي ينبغي، ولم تستكملوا له عدته التي تليق به، ولم تتعاملوا مع المواقف بما تتطلب، فركنتم إلى الذين ظلموا، واتخذتم ممن لا يألونكم خبالاً بطانة من دون المؤمنين المخلصين، ووليتم وجوهكم شطر العسكر المجرمين وظهوركم للشباب المناضلين؛ فظفر بولاء قطاع كبير من الشباب مَنْ لا يرقبون فيكم ولا فيهم إلَّاً ولا ذمة، ثم بعد ذلك أعرضتم عن قول الله تعالى: " وإعدوا " إعراض العرب عن قول رسول الله: "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا".
وما أخطأ سلفكم عندما كان لهم جهاز سريّ، ولا كان الإمام على ضلالة عندما شكله وهيكله على عينه، أم إنكم تؤمنون ببعض ما رباكم عليه وتكفرون ببعض؟! كذلك ما أخطأ إخوانكم الذين جاءوا من بعدكم فتوسعوا في هذا الأمر وأحيوا فريضة كادت أن تموت في الأمّة، وشرقوا بها وغربوا وصالوا في أرض الله وجالوا؛ فكان لهم أثر بلغ من قوته أنه دق ألف مسمار في نعش امبراطورية قامت على الإلحاد، وضرب شبابهم في سجون الطواغيت أروع الأمثلة في الصبر الأسطوريّ.
ما أخطأوا؛ وإلا لوجب أن نتهم الإسلام بأنَّه دين إرهاب وسفك للدماء؛ فنشهد لأعداء الله في طعنهم على دين الله، وإنما كان الخطأ فاشياً في نواح أخرى، بعضها يقفون هم فيها، وأكثرها يقف فيها غيرهم من الإسلاميين وغير الإسلاميين، فاستعجال المواجهة استجابة لاستفزاز العدو المتربص خطأ، واتهام الآخرين لهم بالإرهاب والتطرف خطأ، وإعراض العلماء عن البيان الذي يكشف حقيقة العدو فيخفف من الغلواء ويقلل من سفك الدماء خطأ، وانقسام الإسلاميين في كل بلد إلى فريقين أحدهما يجاهد الطواغيت والآخر يباركهم خطأ.
وليس صحيحاً أنَّ موجات الربيع العربيِّ نسخت بمنهج التظاهر السلمي آيات السيف، ومن الظلم والجور الزعم بأنّ تحول الثورة في بعض البلدان إلى ثورة مسلحة هو الذي قضى عليها وأطفأ جذوتها؛ أو هو الذي جرَّ على البلاد الويلات والخراب، فهذا - على ما فيه من ظلم وجور - يعمي أبصارنا عن مواضع الخطأ والتقصير، فالخطأ يكمن في إعراض الكبار عن دورهم في قيادة الشباب والترتيب لهم؛ مما ترتب عليه أن يأتي الأمر على النحو الذي يريده العدو لا على النحو الذي يقتضيه مشروع الأمّة الواضح الذي يتبناه الكبار ويعلمونه للشباب.
ولسنا نجهل ولا نغفل عن السبب الأكبر في كل هذه المصائب أننا لم نفلح يوماً في تحقيق الواجب الأكبر - واجب الوحدة الإسلامية - ولو في حدها الأدنى بحسن إدارة الاختلاف، فكثرت إخفاقاتنا، وضاعت إنجازاتنا، وتكسرت على صخور الأهواء والنزاعات آمالنا آمال أمتنا.
إننا نمارس الهروب من تحمل المسئولية، ونخلق بهذا الهروب ألف (داعش) تقوم حيث نتخلف وتتقدم حيث نتأخر؛ لتلتهم الساحة وتحقق مقصود العدو في حرق المشروع الإسلاميّ كله لصالح المشاريع الكبرى: الصليبي والصهيوني والصفوي.
ولست بهذا متقدماً على علمائنا ولا مفتاتاً عليهم، فهذا قولي؛ فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء.



