‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحمد هلال. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحمد هلال. إظهار كافة الرسائل

السبت، 8 أغسطس 2026

حملة "120 مليون جندي مصري"

 حملة "120 مليون جندي مصري"

حين تصبح مصر كلها ثكنة عسكرية.. 120 مليون جندي وخطر اختزال الدولة بالجيش


 

 

أحمد هلال‎

"المواطن لا يظهر بوصفه مواطناً صاحب حق في الاختيار والاختلاف والمساءلة، وإنما بوصفه جندياً في جبهة، والجندي في الجبهة لا يناقش الأوامر"

ليست المشكلة في أن يحب المصري جيشه، أو يفتخر بجندي يقف على الحدود، أو يرى في القوات المسلحة رمزاً للدفاع عن الأرض والسيادة، فالجيش المصري جزء راسخ من الذاكرة الوطنية، وله مكانة خاصة في وجدان المصريين، خصوصاً بما تحمله حرب أكتوبر من معنى تاريخي. لكن الفارق شاسع بين احترام الجيش وبين اختزال مصر فيه، وبين أن تكون القوات المسلحة مؤسسة وطنية عزيزة على شعبها وبين أن تتحول إلى مرادف للدولة والوطن والشرعية السياسية. وهذه المسافة تحديداً هي التي ينبغي ألا يسمح المصريون بردمها، لأن ردمها لا يخدم الجيش بقدر ما يخدم سلطة سياسية تحاول الاحتماء برمزيته ومكانته.

من هنا تأتي دلالة حملة "120 مليون جندي مصري"، التي انتشرت فيها صور فنانين وفنانات ودعاة ومواطنين بملابس عسكرية، بعضها مولد بالذكاء الاصطناعي، مصحوبة بخطاب يدعو إلى الاصطفاف خلف الجيش والقيادة، ويحذر من التشتت والأعداء، ويربط أمن البلاد واستقرارها بالوقوف خلف القيادة السياسية. في ظاهرها تبدو الحملة تعبيراً عن وطنية تلقائية: مصر مهددة، والجيش درعها، والمصريون جميعاً يقفون خلفه. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: متى يتحول الجيش من مؤسسة تحمي الدولة إلى صورة تختصر الدولة كلها؟

نقل الشرعية المعنوية للجيش إلى النظام السياسي يجعل الدفاع عن السلطة يبدو دفاعاً عن الوطن، ويجعل انتقاد الحاكم قابلاً للتصوير باعتباره انتقاداً للجيش، ثم يصبح المعارض، بالتدريج، موضع شبهة وطنية


الدستور نفسه يقدم إجابة مختلفة، فالقوات المسلحة، وفق المادة 200، ملك للشعب، ومهمتها حماية البلاد وأمنها وسلامة أراضيها، والحفاظ على مدنية الدولة وحقوق المواطنين. أي أن الشعب هو صاحب الجيش، والجيش مؤسسة من مؤسسات الدولة وظيفتها حماية الشعب والدولة. فليست العلاقة أن الجيش هو الشعب، أو أن الجيش هو الدولة، أو أن القيادة السياسية هي الجيش، ثم يصبح الاعتراض على القيادة اعتراضاً على مصر. وهذه ليست مسألة لغوية، بل جوهر العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع والدولة؛ إذ إن نقل الشرعية المعنوية للجيش إلى النظام السياسي يجعل الدفاع عن السلطة يبدو دفاعاً عن الوطن، ويجعل انتقاد الحاكم قابلاً للتصوير باعتباره انتقاداً للجيش، ثم يصبح المعارض، بالتدريج، موضع شبهة وطنية.

وهذا هو أخطر ما يمكن أن ينتجه شعار 120 مليون جندي. فعندما يصبح كل مصري جندياً، وحين يرتدي الفنان والداعية والمواطن المدني الزي العسكري، تتحول الوطنية من انتماء إلى وطن ومجتمع ودولة ومؤسسات إلى هوية عسكرية. المواطن لا يظهر بوصفه مواطناً صاحب حق في الاختيار والاختلاف والمساءلة، وإنما بوصفه جندياً في جبهة، والجندي في الجبهة لا يناقش الأوامر ولا يختلف مع قائده أثناء المعركة، وهنا تتحول السياسة إلى ثكنة.

الأخطر أن بعض الخطاب المصاحب للحملة لا يقوم بتمجيد الجيش، بل يجعل الخلاف السياسي نفسه نوعاً من الخطر. فحين يقال إن هذا ليس وقت الاختلاف، وإن أي تشتت في الجبهة الداخلية سيستغله العدو، تنتقل الرسالة من التضامن الوطني إلى تحريم المعارضة. قد يبدو ذلك مفهوماً في حرب حقيقية ومحددة، لكنه يصبح بالغ الخطورة إذا تحول إلى قاعدة دائمة. متى ينتهي وقت عدم الاختلاف؟ إذا كان كل تهديد إقليمي وكل أزمة أمنية وكل توتر دولي يعني تعليق الخلاف السياسي، فإننا لا نعود أمام تعبئة وطنية مؤقتة، بل أمام حالة طوارئ نفسية دائمة. يصبح المعارض مشتتاً، والناقد مضعفاً للجبهة الداخلية، والمختلف خادماً للعدو، ومن يطالب بالمحاسبة كأنه يهدد الأمن القومي.

وهكذا تكتمل الدائرة: الخطر الخارجي يستخدم لإسكات الاختلاف الداخلي، ثم يستخدم الصمت الداخلي لإثبات أن الجميع يقف خلف القيادة. وهذه من أقدم آليات الحكم السلطوي: صناعة عدو دائم، خارجياً كان أم داخلياً، ثم تحويل السلطة إلى ضرورة أمنية لا يجوز مساءلتها. وفي الحالة المصرية تصبح المعادلة أكثر خطورة بسبب المكانة التاريخية للجيش؛ إذ لا تحتاج السلطة إلى القول صراحة أيِّدوا السيسي، يكفي أن تضع الرئيس في الصورة نفسها التي وضعت فيها الجيش والوطن والأمن والاستقرار، وتترك للمواطن استكمال المعادلة: من يحب الجيش يقف مع القيادة، ومن يعارض القيادة يضعف الجيش، ومن يضعف الجيش يضعف مصر.

لكن الجيش شيء، والحكومة شيء آخر، والوطن شيء، والرئيس شيء آخر، والدولة شيء، والنظام السياسي شيء آخر. وهذه الفواصل ليست ترفاً سياسياً، بل شروط لبقاء الدولة نفسها. فلا يمكن أن نستدعي الرصيد الوطني للجيش كلما احتجنا إلى شرعية سياسية، ثم نرفض إخضاع أداء الحكومة للمعايير التي يخضع لها أي نظام آخر. الجندي الذي يحمي الحدود ليس مسؤولاً عن سعر العملة، والضابط الذي يدافع عن الأرض ليس مسؤولاً وحده عن الدين العام، والقوة العسكرية لا تمنح صاحبها تلقائياً كفاءة في الاقتصاد أو التعليم أو الصحة أو الإدارة أو السياسة؛ نجاح المؤسسة العسكرية في مجالها لا يمكن أن يكون شهادة نجاح مفتوحة للحكومة في كل المجالات.

وهنا تظهر مفارقة السنوات الماضية؛ ليس دقيقاً اختزال القضية في القول إن الجيش فشل، فالجيش كمؤسسة عسكرية شيء، والنظام السياسي الذي تداخلت فيه المؤسسة العسكرية مع الحكم والاقتصاد والإدارة شيء آخر. لكن السؤال المشروع هو: لماذا يُطلب من المصري أن يمنح النظام السياسي شرعية مستمدة من مكانة الجيش، بينما لا يُسمح بتقييم حصيلة الحكم بمعايير الاقتصاد والمؤسسات والحريات والمساءلة؟ وإذا كانت البلاد تواجه مخاطر خارجية حقيقية، فالقوة المطلوبة ليست دبابات وسلاحاً فقط، بل اقتصاداً قادراً على الصمود، ومؤسسات مدنية قوية، ودبلوماسية فاعلة، وصناعة وطنية، ومعلومات دقيقة، ومجتمعاً متماسكاً لأنه مقتنع لا لأنه خائف.

تكشف صور المشاهير بالزي العسكري، ومنها صور فنانات في أزياء أسلحة محددة، عن وظيفة تتجاوز الترفيه. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يصنع في دقائق جيشاً افتراضياً من الفنانين والدعاة والمواطنين، وأن يحول كل وجه مدني إلى مقاتل. الصورة لا توثق واقعاً؛ إنها تصنع واقعاً مزيفا: كل المصريين جنود، وكل الجنود شعب، وكل الشعب جبهة، وكل الجبهة خلف القيادة. وهذه هي قوة الدعاية الحديثة؛ فهي لم تعد بحاجة إلى تصوير الواقع، بل تستطيع صناعة صورة بديلة له حتى تبدو الفكرة وكأنها حقيقة اجتماعية مكتملة.

ولا يعني ذلك، بالضرورة، أن كل من شارك في الحملة يقصد دعم استمرار الحكم أو يعي كل هذه الدلالات، لكن الحكم على الحملات السياسية لا يكون فقط بنوايا المشاركين فيها، بل بما ينتجه خطابها من معنى عام. وإذا كان الخطاب يربط الجيش بالقيادة والوطن، ويصور الاختلاف باعتباره تشتتاً، ويستدعي المخاطر الخارجية لتبرير الاصطفاف السياسي، فإنه يؤدي وظيفة سياسية واضحة، بصرف النظر عن الجهة التي أطلقت كل منشور أو صورة.

تحويل مئة وعشرين مليون مواطن إلى جنود في حملة رقمية، فقد لا يجعل مصر أقوى؛ ربما يجعلها فقط أكثر استعداداً لأن يُطلب من أبنائها صمت القطيع كلما قيل لهم إن المعركة بدأت


مصر ليست ثكنة، وليست دبابة، وليست زياً عسكرياً، وليست شخصاً واحداً مهما كانت مكانته؛ مصر هي الجندي والمهندس والطبيب والعامل والفلاح والمعلم والطالب والصحفي والقاضي والفنان، والمؤيد والمعارض؛ هي المواطن الذي يحب بلاده ويملك في الوقت نفسه حق مساءلة حكومتها. والجيش المصري مُلك للشعب، وهذه الجملة ينبغي أن تُقرأ في اتجاهها الصحيح: ليس الشعب ملكاً للجيش، ولا الوطن ملكاً للسلطة التي تستند إلى الجيش.

ومن يحب الجيش حقاً ينبغي أن يرفض استخدامه كغطاء سياسي، ومن يحترم الجندي ينبغي ألا يحمّله مسؤولية انتكاسات النظام، ومن يخاف على الأمن القومي ينبغي ألا يقبل تحويل الأمن القومي إلى حصانة دائمة من السؤال والمحاسبة، ومن يحب مصر ينبغي أن يرفض اختزالها في مؤسسة، مهما كانت عظيمة.

الخطر الحقيقي ليس أن يكون لمصر جيش قوي؛ بل أن يصبح الجيش معيار الوطنية، وأن تتحول صورته إلى مصدر شرعية سياسية، وأن يصبح الاعتراض على الحاكم اعتراضاً على الوطن، وأن يتحول كل تهديد خارجي إلى ذريعة لتأجيل الإصلاح، وكل أزمة إلى مبرر لمزيد من السلطة، وكل إخفاق إلى دعوة لمزيد من الصمت.

النظام الشرعي لا يحتاج إلى أن يقول للشعب باستمرار: أنا الجيش، وأنا الوطن، وأنا الاستقرار. الدولة القوية تعرف أن الجيش يحمي حدودها، وأن المؤسسات تحمي حقوق مواطنيها، وأن السلطة تخضع للمحاسبة، وأن الاختلاف ليس خيانة، وأن المعارضة ليست تشتتاً، وأن الوطن أكبر من الحاكم وأبقى من النظام. أما تحويل مئة وعشرين مليون مواطن إلى جنود في حملة رقمية، فقد لا يجعل مصر أقوى؛ ربما يجعلها فقط أكثر استعداداً لأن يُطلب من أبنائها صمت القطيع كلما قيل لهم إن المعركة بدأت.

ويبقى السؤال الذي ينبغي ألا يغيب وسط ضجيج الشعارات وصور الزي العسكري: هل ندافع عن الدولة، أم ندافع عن نظام يريد أن يصبح هو الدولة؟

بين السؤالين يقع الفارق كله بين الوطن والسلطة، وبين جيش يحمي مصر، ونظام يستخدم صورة الجيش كي يحتمي من المصريين. وهنا يتحدد واضحا معنى الوطنية بمفهومها الطبيعي بعيدا عن الابتزاز المعنوي عبر استخدام الزي العسكري في غير موضعه.


الجمعة، 12 يونيو 2026

من ملاعب العالم إلى حدود السياسة: هل بدأت النسخة الأمريكية من كأس العالم بأزمة قيم؟

 من ملاعب العالم إلى حدود السياسة: هل بدأت النسخة الأمريكية من كأس العالم بأزمة قيم؟

أحمد هلال

"البطولة التي تجمع شعوباً من عشرات الثقافات والأديان والأعراق يفترض أن تكون لحظة إنسانية نادرة يتراجع فيها منطق الجوازات والخرائط أمام منطق المشاركة الإنسانية"

لم تكن كرة القدم يوماً مجرد لعبة، فمنذ أن تحولت إلى اللغة المشتركة للبشرية، أصبحت الملاعب مرآة تعكس ما يجري خارجها من صراعات وأفكار وتوازنات قوة. وفي كل نسخة من كأس العالم لا تتنافس المنتخبات فقط على الكأس، بل تتنافس الدول أيضاً على تقديم صورة عن نفسها أمام مليارات البشر الذين يتابعون الحدث الأكبر في عالم الرياضة.

لهذا السبب تحديداً تبدو المقارنات بين كأس العالم 2022 في قطر وكأس العالم 2026 في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا أكثر من مجرد مقارنة تنظيمية أو رياضية؛ إنها مقارنة بين سرديتين حضاريتين مختلفتين، وبين رؤيتين لدور الرياضة في عالم مضطرب سياسياً وثقافياً.

منذ الأسابيع الأولى للبطولة الأمريكية، برزت أخبار تتعلق بصعوبات التأشيرات، ومنع دخول بعض الشخصيات الرياضية، والانتقادات الموجهة للإجراءات الأمنية المشددة بحق بعض الوفود القادمة من أفريقيا والشرق الأوسط. وبينما قد تكون بعض هذه الحالات مرتبطة بقوانين الهجرة والأمن القومي كما تقول السلطات الأمريكية، فإن الصورة التي تشكلت في الوعي العام كانت مختلفة تماماً: صورة بطولة عالمية تقف عند أبواب الحدود، وتخضع لمعايير السياسة قبل أن تفتح أبواب الرياضة. هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

تبدو المقارنات بين كأس العالم 2022 في قطر وكأس العالم 2026 في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا أكثر من مجرد مقارنة تنظيمية أو رياضية؛ إنها مقارنة بين سرديتين حضاريتين مختلفتين، وبين رؤيتين لدور الرياضة في عالم مضطرب سياسياً وثقافياً


فكرة كأس العالم تقوم أساساً على تجاوز الحدود لا على تعزيزها، والبطولة التي تجمع شعوباً من عشرات الثقافات والأديان والأعراق يفترض أن تكون لحظة إنسانية نادرة يتراجع فيها منطق الجوازات والخرائط أمام منطق المشاركة الإنسانية. لكن عندما يصبح الحديث عن التأشيرات أكثر حضوراً من الحديث عن المباريات، فإن شيئاً ما يكون قد اختل في الرسالة الأساسية للحدث.

لا يمكن الجزم بسهولة بأن ما جرى يعكس سياسة عنصرية أمريكية ممنهجة ضد القارة الأفريقية أو ضد شعوب بعينها، فالعنصرية مصطلح خطير يحتاج إلى أدلة واضحة ومستمرة تتجاوز الحوادث الفردية لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة أن كثيراً من الانتقادات جاءت من دول ومؤسسات وشخصيات شعرت بأن هناك تفاوتاً في المعاملة بين جنسيات مختلفة، وأن بعض الوفود القادمة من الجنوب العالمي واجهت عراقيل لم تواجهها وفود أخرى.

وفي السياسة الدولية، لا تهم الوقائع وحدها؛ بل تهم أيضاً الانطباعات التي تخلقها تلك الوقائع. لقد أمضت الولايات المتحدة عقوداً طويلة تقدم نفسها بوصفها نموذجاً للتعددية والانفتاح والهجرة والتنوع الثقافي، لكن السنوات الأخيرة شهدت تصاعداً واضحاً في الخطاب المرتبط بالحدود والهجرة والهوية الوطنية، وهو خطاب انعكس على صورة البلاد في نظر كثيرين حول العالم. وعندما تستضيف دولة تحمل هذا الجدل الداخلي بطولة بحجم كأس العالم، فإن كل حادثة مرتبطة بالدخول أو التفتيش أو التأشيرات تتحول تلقائياً إلى مادة للنقاش السياسي والإعلامي.

في المقابل، لا يزال كثيرون يستحضرون تجربة قطر 2022 باعتبارها نموذجاً مختلفاً. فبرغم الحملات السياسية والإعلامية التي سبقت البطولة، نجحت قطر في تقديم نسخة اتسمت بدرجة عالية من الانفتاح الاجتماعي والثقافي. وصل مشجعون من مختلف الأديان والقوميات والخلفيات الفكرية إلى الدوحة، وتجولوا في فضاء عربي وإسلامي كان بالنسبة لكثير منهم مجهولاً أو مشوهاً في الصورة النمطية الغربية. وهناك اكتشف ملايين الزوار والمتابعين أن التعايش لا يعني بالضرورة الذوبان الثقافي، وأن الانفتاح لا يقتضي التخلي عن الهوية.

كانت الرسالة القطرية تقوم على فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: يمكن للإنسان أن يحافظ على خصوصيته الحضارية وأن يفتح أبوابه للعالم في الوقت نفسه. ولهذا السبب لم تُقرأ بطولة قطر باعتبارها نجاحاً تنظيمياً فقط، بل باعتبارها لحظة ثقافية كسرت احتكار السردية الغربية حول مفهوم العالمية. فقد قدمت دولة عربية صغيرة نموذجاً يقول إن العالم لا يحتاج دائماً إلى المرور عبر العواصم الغربية كي يلتقي ويحتفل ويتعارف.

أما في النسخة الأمريكية، فإن الجدل الدائر اليوم لا يتعلق بالملاعب أو البنية التحتية أو القدرة التنظيمية، فهذه أمور لا يشكك فيها أحد، وإنما يتعلق بالسؤال الأعمق: هل تستطيع الرياضة أن تبقى مساحة محايدة عندما تستضيفها قوة عظمى غارقة في صراعاتها السياسية الداخلية والخارجية؟

ويتجلى هذا السؤال بوضوح في حالة المنتخب الإيراني. فوجود إيران في البطولة جاء في ظل أجواء إقليمية ودولية مشحونة، ومع تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب والمواجهة السياسية. ومن الطبيعي أن تتحول كل إشارة أو رمز أو موقف يصدر عن البعثة الإيرانية إلى مادة للتأويل والنقاش. وعندما حمل اللاعبون الرقم الذي قيل إنه يرمز إلى ضحايا مدنيين سقطوا في سياق الحرب، فإن الرسالة تجاوزت حدود الرياضة لتصبح صرخة سياسية وإنسانية في آن واحد.

هنا تكشف كرة القدم مرة أخرى عن حقيقتها القديمة: إنها ليست معزولة عن العالم، بل هي امتداد له. لكن المفارقة أن فيفا ظلت لعقود ترفع شعار الفصل بين الرياضة والسياسة، بينما تثبت الأحداث المتلاحقة أن هذا الفصل يكاد يكون مستحيلاً. فكيف يمكن فصل السياسة عن بطولة يتوقف فيها مصير المشاركين على قرارات التأشيرات؟ وكيف يمكن عزل الرياضة عن الجغرافيا بينما يعيش العالم على وقع الحروب والعقوبات والاستقطابات الدولية؟

أي صورة ستخرج بها البطولة إلى ذاكرة الشعوب؟ هل ستُذكر باعتبارها احتفالاً عالمياً جمع البشر تحت راية الرياضة، أم باعتبارها بطولة طغت عليها نقاشات الحدود والتأشيرات والاستقطاب السياسي؟


إن ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة تنظيمية أو خلاف إعلامي عابر، بل هو انعكاس لتحول أوسع في النظام الدولي نفسه. فالعالم الذي بدا بعد الحرب الباردة وكأنه يتجه نحو مزيد من الانفتاح والعولمة، يعود تدريجياً إلى لغة الحدود والهويات والصراعات الجيوسياسية. وكأس العالم، بوصفه الحدث الأكثر عالمية على وجه الأرض، أصبح مسرحاً مثالياً لظهور هذه التناقضات.

ولعل أهم ما تكشفه المقارنة بين قطر 2022 والنسخة الأمريكية الحالية هو أن القوة المادية وحدها لا تصنع صورة إيجابية للدول. فالملاعب العملاقة والتقنيات المتطورة والبنية التحتية الهائلة لا تكفي إذا شعر الناس بأن هناك تمييزاً أو إقصاء أو ازدواجية في المعايير.

القوة الحقيقية في عصرنا لم تعد مجرد قدرة على التنظيم، بل قدرة على الإقناع، لم تعد فقط القدرة على الاستضافة، بل القدرة على جعل الضيف يشعر بأنه مرحب به مهما كان دينه أو لونه أو جنسيته أو موقفه السياسي.

لهذا فإن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على تنظيم كأس عالم ناجح، فهي بلا شك قادرة على ذلك. السؤال الأهم هو: أي صورة ستخرج بها البطولة إلى ذاكرة الشعوب؟ هل ستُذكر باعتبارها احتفالاً عالمياً جمع البشر تحت راية الرياضة، أم باعتبارها بطولة طغت عليها نقاشات الحدود والتأشيرات والاستقطاب السياسي؟

الجواب النهائي ما زال مبكراً، لكن المؤكد أن بدايات البطولات الكبرى كثيراً ما تحدد طبيعة السردية التي ترافقها حتى النهاية. وإذا كانت قطر قد نجحت في أن تجعل من كأس العالم قصة عن التعايش والانفتاح الحضاري، فإن النسخة الأمريكية مطالبة اليوم بإثبات أن الرياضة ما زالت قادرة على الانتصار على السياسة، وأن أبواب الملاعب أوسع من أبواب الحدود.


الأربعاء، 10 يونيو 2026

بمواجهة التفكك الصامت: كيف تحوّل الزواج بمصر من سكن ورحمة لمشروع خوف وقلق؟

 بمواجهة التفكك الصامت: كيف تحوّل الزواج بمصر من سكن ورحمة لمشروع خوف وقلق؟

أحمد هلال

"يسأل الشاب اليوم: ماذا لو انتهى الزواج؟ ماذا سيكون مصيره مع أولاده؟"

تزداد أعداد المتخاصمين داخل أروقة محكمة الأسرة في مصر يوما بعد يوم، وتتفكك الأسرة المصرية التي حافظت على صلابتها وقوة روابطها وصلة الرحم والمودة والرحمة والسكينة، ليصبح الطرفان خصمين؛ بما لا يمكن معه القدرة على إرسال حكم من أهله وحكم من أهلها وإن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما.

لم تكن الأسرة المصرية يوما مجرد وحدة اجتماعية عابرة، بل كانت عبر التاريخ الحصن الأخير الذي احتمى به المجتمع المصري من الانهيار، والوعاء الذي حفظ هويته الدينية والأخلاقية والثقافية رغم كل ما مرّ به من أزمات وتحولات واضطرابات سياسية واقتصادية.

فالبيت المصري لم يُبنَ يوما على فلسفة الصراع، ولا على عقلية العقود الجافة والمصالح المؤقتة، وإنما قام على ذلك المعنى القرآني العميق الذي لخّص فلسفة الأسرة كلها في آية واحدة: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّة وَرَحْمَة". إنها ليست مجرد آية تُتلى في عقود الزواج أو تُكتب على جدران البيوت، بل هي إعلان إلهي عن طبيعة العلاقة التي يقوم عليها العمران الإنساني كله: السكن، والمودة، والرحمة.

تتعرض الأسرة المصرية لتحولات عميقة تهدد بتفكيك هذا التوازن الفطري، وتحويل العلاقة بين الرجل والمرأة من علاقة سكن ورحمة إلى علاقة خوف وتحسب وصراع قانوني مفتوح


فالسكن يعني الطمأنينة النفسية، والشعور بالأمان، والانتماء، والاحتواء. والمودة تعني استمرار الروابط الإنسانية رغم ضغوط الحياة وتقلباتها. أما الرحمة، فهي ذلك الخيط الخفي الذي يمنع البيوت من الانهيار عند أول خلاف أو أزمة. ولهذا لم يكن الزواج في التصور الإسلامي مجرد علاقة بين رجل وامرأة، بل مؤسسة لحماية المجتمع نفسه: حماية الأخلاق، وحماية الفطرة، وحماية النسب، وصناعة الإنسان المتوازن نفسيا وروحيا.

غير أن ما يشهده المجتمع المصري في السنوات الأخيرة يبعث على القلق الحقيقي؛ إذ تتعرض الأسرة المصرية لتحولات عميقة تهدد بتفكيك هذا التوازن الفطري، وتحويل العلاقة بين الرجل والمرأة من علاقة سكن ورحمة إلى علاقة خوف وتحسب وصراع قانوني مفتوح.

لقد أصبح قطاع واسع من الشباب ينظر إلى الزواج لا باعتباره بداية استقرار، بل باعتباره مخاطرة مجهولة النتائج. يسأل الشاب اليوم: ماذا لو انتهى الزواج؟ ماذا سيكون مصيره مع أولاده؟ هل سيفقد دوره الطبيعي كأب؟ هل يتحول البيت إلى ملفات ومحاكم ونفقات وصراعات ممتدة؟ هل يصبح الأب مجرد ممول مالي منزوع التأثير الإنساني والتربوي؟

هذه الأسئلة لم تعد هامشية أو فردية، بل أصبحت جزءا من الوعي الجمعي لجيل كامل يعيش حالة قلق متزايدة تجاه فكرة الزواج نفسها. وهنا تكمن الكارثة الصامتة، فحين يتحول الزواج الذي جعله الله سكنا ورحمة إلى مصدر خوف، تبدأ الأسرة في فقدان معناها الحضاري تدريجيا، ويبدأ المجتمع في الدخول إلى مرحلة خطيرة من التآكل البطيء.

إن أخطر ما يحدث اليوم ليس فقط ارتفاع معدلات الطلاق، بل انهيار الثقة بين الرجل والمرأة، وتحوّل العلاقة الأسرية إلى معادلة قانونية باردة يشعر فيها كل طرف بأنه مطالب بحماية نفسه من الآخر.

وفي خضم هذا المناخ المتوتر، يشعر كثير من الرجال بأن بعض الاتجاهات القانونية والاجتماعية الحديثة تتعامل مع الأب باعتباره طرفا ثانويا بعد الطلاق، رغم أنه يبقى مسؤولا نفسيا وماليا وأخلاقيا عن أبنائه. ويشعر كثير من الآباء بأن الأبوة نفسها تتعرض للتجريف التدريجي: رؤية محدودة، وصعوبات في المشاركة التربوية، وأعباء مالية متزايدة، وصراعات قضائية طويلة قد تستنزف الإنسان نفسيا وماديا. والأخطر من ذلك أن وجود الأبناء الذي ينبغي أن يكون بابا للبركة والاستقرار؛ بدأ يتحول في نظر بعض الشباب إلى مصدر خوف من التورط في التزامات قد تنتهي بحرمانه من أبسط حقوقه الإنسانية كأب.

إن المجتمع الذي يبدأ شبابه بالخوف من الزواج، لا يواجه أزمة اقتصادية فقط، بل يواجه أزمة حضارية وأخلاقية عميقة. فالفطرة الإنسانية لا تتوقف، وحاجة الإنسان إلى الارتباط والاستقرار لا تختفي، لكن حين يصبح الطريق المشروع معقدا ومرهقا ومهددا، فإن البدائل المشوهة تجد طريقها إلى الانتشار: علاقات هشة بلا مسؤولية، وعزوف عن الإنجاب، وتفكك اجتماعي، وفردانية قاسية، وتراجع قيمة الأسرة نفسها.

وهنا تبدأ التشوهات البنيوية التي تصيب المجتمعات من الداخل دون ضجيج. إن الأمم لا تنهار فقط بالحروب، بل تنهار حين تفقد الأسرة قدرتها على إنتاج إنسان سويّ ومتوازن نفسيا وأخلاقيا. وحين يتحول البيت من مساحة رحمة إلى ساحة نزاع، يدفع المجتمع كله الثمن: في التربية، وفي السلوك، وفي الاستقرار، وفي الصحة النفسية للأجيال القادمة.

ضرورة مناقشة هذا القانون في الأزهر الشريف باعتباره المرجعية الشرعية الأصيلة وموافقته واعتماد أي تشريع خاص بالأسرة ، وكذلك لا ينبغي التعامل مع الأسرة بمنطق هندسة اجتماعية باردة منفصلة عن طبيعة المجتمع وتكوينه النفسي والديني


ولهذا، فإن أي حديث عن تطوير قوانين الأسرة يجب أن ينطلق من فهم عميق لطبيعة المجتمع المصري وهويته الحضارية والدينية، لا من استيراد نماذج قانونية نشأت في بيئات مختلفة تماما في فلسفتها الاجتماعية والثقافية. فالأسرة المصرية ليست نسخة مستوردة من النموذج الغربي الحديث الذي يعاني أصلا من تفكك واسع وتراجع حاد في معدلات الزواج والإنجاب والاستقرار الأسري.

ومن هنا تتضاعف خطورة تهميش المرجعية الشرعية والثقافية في ملف الأحوال الشخصية، والتي تتمثل في ضرورة مناقشة هذا القانون في الأزهر الشريف باعتباره المرجعية الشرعية الأصيلة وموافقته واعتماد أي تشريع خاص بالأسرة ، وكذلك لا ينبغي التعامل مع الأسرة بمنطق هندسة اجتماعية باردة منفصلة عن طبيعة المجتمع وتكوينه النفسي والديني.

إن الحفاظ على الأسرة لا يعني ظلم المرأة، كما أن حماية المرأة لا ينبغي أن تتحول إلى تهميش للأب أو تفكيك لدوره الطبيعي داخل الأسرة. فالأسرة ليست معركة انتصار بين الرجل والمرأة، بل شراكة تكاملية لا تستقيم الحياة بدون توازنها.

والمجتمع المصري اليوم بحاجة إلى رؤية تعيد الاعتبار لمعنى السكن والمودة والرحمة، وتعيد بناء الثقة في مؤسسة الزواج، بدل تحويلها إلى مشروع قلق دائم؛ لأن الأمة التي يخاف شبابها من الزواج، وتتراجع فيها قيمة الأبوة، ويضعف فيها الاستقرار الأسري، تكون قد دخلت بالفعل مرحلة خطيرة من التفكك البطيء مهما بدا ظاهرها متماسكا. ولهذا فإن الدفاع عن الأسرة ليس موقفا عاطفيا أو محافظا فحسب، بل دفاع عن بقاء المجتمع نفسه، وعن آخر حصونه النفسية والأخلاقية والحضارية.




قانون الأسرة الجديد في مصر.. وهدم بنيان الأسرة

التوظيف السياسي للأحوال الشخصية في مصر.. أين الأزهر؟


السبت، 2 مايو 2026

من الولاء المطلق إلى العداء المطلق كيف ينقلب بعض أبناء الصف؟

 من الولاء المطلق إلى العداء المطلق

كيف ينقلب بعض أبناء الصف؟
 

من أكثر المشاهد إيلامًا وحيرةً أن ترى رجلًا أفنى سنوات عمره ذائبًا في صفٍ من الصفوف، شديد الحماسة له، مستميتًا في الدفاع عنه، محاربًا لكل من يقترب من نقده أو ينافسه في مساحته، ثم لا تلبث الأيام أن تراه على الضفة الأخرى تمامًا؛ لا مجرد مختلفٍ أو ناقد، بل خصمًا لَدودًا، وعدوًا شرسًا، يوظف طاقته كلها في الهجوم على ما كان بالأمس القريب يراه طريق النجاة ومحل الولاء.

هذا التحول الصادم ليس مجرد حكاية أفراد، بل هو نافذة كاشفة على فهم النفس البشرية حين تختلط فيها معاني الدعوة بأمراض الأنا، وحين يختلط العمل للإسلام بالتعلق المرضي بالموقع، وحين يتحول التنظيم من وسيلة إلى مركز شعوري يعلّق الإنسان عليه معنى ذاته واعتباره.

فالناس كثيرًا ما يظنون أن الولاء الصاخب علامة ثبات، وأن الحماسة الزائدة دليل رسوخ، وأن أكثر الناس ضجيجًا في الدفاع هم أصدقهم انتماءً، بينما تكشف التجارب أن بعض صور الولاء المبالغ فيه لا تكون ولاءً لله والحق بقدر ما تكون تعلقًا بالنفس داخل الجماعة، أو ذوبانًا في الأشخاص، أو شعورًا بالتفوق من خلال الانتماء، أو استمدادًا للقيمة الذاتية من القرب من دوائر التأثير والقرار.

وهذا النوع من الولاء يبدو في ظاهره قوة، لكنه في حقيقته بناء هش؛ لأنه لم يُبنَ على التجرد، بل على احتياجات نفسية خفية.

فالذي يجعل الجماعة ميزان إيمانه الوحيد، أو يجعل قربه من القيادات جزءًا من صورته أمام نفسه، أو يرى حضوره في الصف تعويضًا عن طموحاته الخاصة، يكون قد ربط قلبه بما هو بشري متغير، لا بما هو رباني ثابت.

فإذا جاءت لحظة اصطدام:

 قرار لم يرضه، أو موقع لم ينله، أو شخص قُدِّم عليه، أو جرح شعر أنه لم يلقَ إنصافًا فيه، اهتزت البنية كلها دفعة واحدة؛ لأنه لا يشعر أنه خسر رأيًا تنظيميًا فحسب، بل يشعر في أعماقه أنه خسر نفسه.

ومن هنا يبدأ الانقلاب.

لا يظهر أول الأمر على هيئة عداء معلن، بل يبدأ كسؤال مرّ: لماذا فُعل بي هذا؟ ثم يتحول إلى تذمر، ثم إلى مرارة، ثم إلى إعادة قراءة الماضي كله بعين الغضب.

 وفجأة لا يعود يرى السنوات التي بذلها سنوات فضل، بل سنوات استغلال، ولا يرى الصحبة القديمة صحبة دعوة، بل شبكة مصالح، ولا يرى القيادات اجتهادًا بشريًا يخطئ ويصيب، بل يتخيلها مصدرًا لكل ما ناله من خيبة.

 وعند هذه اللحظة لا يكون قد اختلف مع قرار، بل يكون قد دخل في معركة ثأر نفسي مع ذاكرته كلها.

وهنا يقع أخطر التحولات:

 يتحول الحب الأعمى إلى كراهية عمياء. لأن النفس التي لم تتعلم الاعتدال في الولاء لا تعرف الاعتدال في الخصومة. والذي لم يتربَّ على أن الجماعة وسيلة من وسائل نصرة الإسلام، لا الإسلام كله، يسهل عليه حين ينكسر أن يخلع عنها كل خير، وأن ينكر كل فضل، وأن يراها فجأة أصل البلاء كله.

ولهذا رأينا ونرى نماذج لا تخرج من الصف هادئة أو ناقدة، بل تغادره وهي تحمل رغبة محمومة في الهدم. 

لا يكفيها أن تقول: اختلفت، بل تريد أن تقول:

 كل ما كنت فيه كان باطلًا. ولا يكفيها أن تراجع التجربة، بل تسعى إلى تشويهها.ولا يكفيها أن تنصرف، بل تحتاج إلى أن تنتقم معنويًا من كل من بقي فيها، كأن بقاء الآخرين إدانة مستمرة لاختياراتها.

وهنا تتلقف الخصوم أصحاب الجراح.

فالسلطات المستبدة، والجهات المتربصة، والمنصات المعادية، تعرف جيدًا كيف تصطاد النفوس المثقلة بالمرارة، وتدرك أن الإنسان حين يشعر أن بيئته قد جفته أو لم تُنصفه يصبح أكثر قابلية لسماع صوت المواساة القادمة من الضفة الأخرى، ولو كانت مواساة مسمومة.

وهذا المعنى ليس جديدًا في طبائع البشر؛ فقد وقع ما يشبهه في زمن الصف الأول من هذه الأمة.

 حين تخلف كعب بن مالك رضي الله عنه عن غزوة تبوك، وضاقت عليه المدينة بما رحبت، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بمقاطعته، حتى صار يمشي بين الناس فلا يكاد يجد رد سلام، وفي ذروة هذا الانكسار النفسي جاءه كتاب من ملك غسان يقول فيه:

 قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك فالحق بنا نواسك. كانت محاولة ماكرة لانتزاع رجل مجروح من صفه وتحويل لحظة ضيقه إلى بوابة استدراج. لكن كعبًا أدرك بفطرته الإيمانية أن الجفاء الداخلي مهما كان مؤلمًا لا يبرر الارتماء في أحضان الخصوم، فقال: وهذا أيضًا من البلاء، ثم مضى فأحرق الرسالة.

ذلك أن النفوس الكبيرة تعرف أن الخطأ الداخلي لا يبرر الخيانة الخارجية، وأن من ضاق بإخوانه لا يحق له أن يفتح قلبه لمن يتربص بدينه وقضيته.

 وهنا يظهر الفارق بين من يحمل جرحًا فيصبر حتى يبرأ، ومن يحمل جرحًا فيبيعه لأول مشترٍ.

إن بعض المنقلبين لا يسقطون فقط لأن الجماعة أخطأت معهم، فالأخطاء واقعة في كل عمل بشري، ولكن لأن نفوسهم لم تكن قد تحررت أصلًا من عبودية الذات.

ولذلك حين وجدوا من يفتح لهم الأبواب، ويمنحهم الأضواء، ويصفق لغضبهم، شعروا أنهم وجدوا ساحة جديدة يثأرون فيها لأنفسهم، فتمادوا حتى لم يعودوا يميزون بين النقد والانتقام، ولا بين الشهادة والافتراء، ولا بين كشف الخطأ ومساندة الظلم.

ومع ذلك، فإن تحميل المسؤولية لهذا الفرد وحده ليس إنصافًا كاملًا؛ فبعض البيئات الحركية تسهم بوعي أو بغير وعي في صناعة هذه النهايات المؤلمة.

حين تُربي أبناءها على الولاء للأشخاص أكثر من الولاء للمبادئ، وحين تقدم المطيع الصامت على الناقد البصير، وحين تضيق بالنفس الطموحة دون أن تحسن تهذيبها واحتواءها، وحين تترك الجراح الصغيرة تتقيح في الصدور، فإنها تكون قد وضعت بذور الانفجار وإن تأخر موعده.

غير أن خطأ البيئة مهما عظم لا يرفع عن الإنسان مسؤوليته الأخلاقية. فالخلاف لا يبيح الكذب، والمرارة لا تبرر التحريض على المظلومين، والجراح الشخصية لا تمنح صاحبها رخصة أن ينسف ميزان العدل الذي أمر الله به.

إن الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه من هذه التحولات ليس مجرد الحذر من أشخاص بأعيانهم، بل الحذر من الفكرة التي تصنعهم:

 فكرة الولاء غير المنضبط، والتعلق المرضي بالموقع، وترك النفس بلا مجاهدة، وترك الصف بلا مراجعة. فالذي يتعلق بالجماعة تعلق عبادة يوشك أن ينقلب عليها انقلاب خصومة إذا خاب، والذي يعمل لنفسه من داخل الدعوة أكثر مما يعمل لله، قد يتحول عند أول انكسار إلى خصم لما كان يرفع شعاره.

ولهذا كان النجاة في أمرين لا ثالث لهما: 

أن يبقى الولاء لله والحق فوق كل تنظيم، وأن تبقى النفس تحت المراقبة والمحاسبة فلا تستحيل الطموحات فيها إلى ألغام مؤجلة.

فليس كل من بدا شديد الولاء ثابتًا، وليس كل صوت مرتفع في الدفاع صادق التجرد. وبعض من يصفق لهم الصف اليوم بوصفهم أكثر الناس حماسة قد يكونون إن لم تُصحَّح الموازين وتُهذَّب النفوس أكثر الناس قابلية للانقلاب غدًا. وكذلك الصامتون في زوايا الصف سواء بسواء.

والقلوب بين أصابع الرحمن، والثبات ليس ضجيج شعارات، بل توفيق من الله، وتجرد دائم، وصدق في أن نعمل للإسلام لا لأنفسنا من خلال الإسلام.

نسأل الله السلامة والعافية والثبات.

وللقصة بقية