الاثنين، 21 سبتمبر 2026

هل نقيس المنجز.. أم نربي الأفاعي؟

 هل نقيس المنجز.. أم نربي الأفاعي؟




حمد حسن التميمي


تُروى حكاية عن الإدارة البريطانية في الهند، تقول إنها خصصت مكافأة مقابل كل أفعى كوبرا مقتولة، أملاً في تقليل خطرها. لكن بعض الناس بحسب الحكاية، وجدوا في المكافأة سبباً لتربية الأفاعي؛ وحين أُلغيت المكافآت، أطلقوا ما لديهم منها، فازدادت المشكلة التي جاء القرار لحلها. 

هذه رواية شائعة في شرح «تأثير الكوبرا»، وتوثيقها التاريخي محل شك؛ أستحضرها هنا بوصفها مثلاً يوضح كيف قد تكافئ القرارات نقيض ما تريد تحقيقه.


تخيل التقرير الذي كان يمكن أن يُكتب في هذه الحكاية: 

أعداد الأفاعي المسلمة ترتفع، والمكافآت تُصرف، والمؤشر يتحسن. كل شيء يدعو إلى الاطمئنان، ما عدا الأفاعي التي تتكاثر خارج التقرير. فالعدد الذي عُد دليلاً على انحسار الخطر صار حافزاً لإنتاجه. ومن داخل المكتب قد يبدو البرنامج ناجحاً؛ لأن أحداً لم يسأل عن الفرق بين كثرة ما قُتل وقلة ما بقي.

وهذا يقربنا من قانون جودهارت، المنسوب إلى الاقتصادي البريطاني تشارلز جودهارت. 

ففي ورقة علمية عن تقييم الجامعات البريطانية، نشرتها عالمة الأنثروبولوجيا مارلين ستراثرن عام 1997 في مجلة «European Review»، وردت الصياغة الشهيرة للقانون، ومعناها: 

حين يصبح المقياس هدفاً، يتوقف عن كونه مقياساً جيداً. ذلك أن الناس قد يتعلمون تحسين النتيجة التي يُحاسبون عليها، من دون أن يتحسن بالقدر نفسه العمل الذي يُفترض أن تقيسه.

ولنقرب الفكرة من حياتنا. تخيل مؤسسة تكافئ موظفيها على عدد الشكاوى المغلقة، من دون أن تتحقق من حلها. عندها قد يصبح الرد على المراجع كافياً لإغلاق شكواه، حتى لو ظل واقفاً في المكان نفسه، بالمشكلة نفسها. وحين يعاود الشكوى، يُفتح له ملف جديد، ثم يُغلق فيضيف معاناته المتكررة إلى رصيد الإنجاز. يخرج من النظام مرتين، ولا يخرج من مشكلته مرة واحدة.

وقد يحدث الانحراف من دون تزوير رقم واحد. 

إذا كافأنا المعلم على درجات الاختبار وحدها، فقد ينصرف إلى تدريب الطلاب على الأسئلة المتوقعة، ويضيق الوقت الذي يمنحه لما لا يدخل الامتحان. 

وإذا قسنا التدريب بعدد الحاضرين، فقد ننشغل بملء القاعة ونؤجل السؤال عما تعلموه. الأعداد هنا صحيحة، لكن تفسيرها أوسع مما تحتمل؛ فالحضور يثبت أن شخصاً جلس على المقعد، ولا يثبت وحده أنه غادره بمعرفة جديدة.

لهذا لا يكفي أن نفتش عن الموظف الذي يتحايل على المقياس، علينا أيضاً أن نفحص ما يكافئه المقياس نفسه. فقد يقضي موظف ساعة في معالجة حالة معقدة، وينهي آخر عشر حالات سهلة، ثم يبدو الأول أقل إنتاجاً في الجدول. وإذا تكرر هذا التقييم، فقد نكون قد علمنا الموظفين تجنب الحالات التي تحتاج إليهم أكثر. تصميم المكافأة يرسل رسالة عملية، حتى لو قالت خطابات المؤسسة شيئاً آخر.

ولا يعني ذلك أن نستبدل الأرقام بالانطباعات؛ فالقياس يكشف التعثر، ويساعد على المقارنة، ويجعل المسؤولية أوضح. 

لكن المؤشر يحتاج إلى سؤال يحرس معناه: ماذا تغير في الواقع؟ مع سرعة إغلاق الشكاوى، نراجع أسباب تكرارها، ونسأل أصحابها إن كانت المشكلة قد حُلت. ومع أعداد المتدربين، نفحص ما يستطيعون تطبيقه بعد التدريب. وندرس صعوبة الحالات قبل مقارنة العاملين عليها، حتى لا تتحول العدالة الحسابية إلى ظلم عملي.

والإدارة التي تريد أن تتعلم تحتاج إلى أن تسمح للنتيجة غير المريحة بالظهور. 

فإذا كان الموظف يعرف أن اللون الأحمر في التقرير سيُعامل دائماً بوصفه إدانة، فقد ينشغل بتغيير اللون قبل معالجة سببه. أما حين يصبح كشف التعثر مدخلاً للفهم والتحسين، فيستعيد التقرير فائدته. 

فليس المطلوب أن تطمئن الإدارة إلى كل صفحة تقرؤها، وإنما أن تعرف أين ينبغي لها أن تقلق، ولماذا.

قبل أن نصفق للمؤشر الصاعد، يستحق الأمر أن ننظر خارج الجدول: 

هل قلت المشكلة التي أنشأنا البرنامج من أجلها؟ 

وهل سيبقى هذا العمل مفيداً لو توقفنا عن احتساب نقاطه؟ 

ففي حكاية الكوبرا، كان بالإمكان جمع الأفاعي وعدها وصرف المكافآت عليها، مع استمرار الخطر. وما أخشاه في الإدارة أن نتقن عد ما أنجزناه، ثم ننسى أن نسأل عما أصلحناه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق