وقفات مع آيات (36).. الموت المنام
نضع رؤوسنا على الوسائد كل ليلة، ونرتب في أذهاننا أعمال الغد، كأن الاستيقاظ موعد نملك ضمانه.
ثم يأخذنا النوم، فتغيب عنا تفاصيل ما حولنا، وتمضي ساعات لا نشعر بمرورها.
اعتدنا هذه الحال وقل توقفنا عندها، مع أنها تحمل تذكيرًا بضعف الإنسان، وبنعمة تتجدد عليه كل صباح.
يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
تجمع الآية بين وفاة الموت ووفاة المنام، وتفرّق بينهما؛ فالنائم لم يمت الموت الذي تنتهي به حياته، وإن سمّى الله ما يقع له توفّيًا.
ومن هنا عبّر أهل العلم عن النوم بالوفاة الصغرى. نؤمن بما أخبر الله به، وأما كيفية توفّي النفس في المنام وصلتها بالجسد، فمن الغيب الذي لا نحيط بحقيقته.
وقد علّمنا النبي ﷺ أن نستقبل النوم بالتسليم لله، فكان يقول: «باسمك اللهم أموت وأحيا»، وإذا استيقظ قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النشور».
بين الدعاءين يمضي ليل الإنسان: يضع جنبه مستعينًا بربه، ثم يفتح عينيه حامدًا له، مستحضرًا أن وراء هذه اليقظة بعثًا ورجوعًا إليه.
والنوم، مع هذا المعنى الإيماني، نعمة يحتاج إليها الجسد. تهدأ فيه حركة الإنسان الظاهرة، وتستمر داخله وظائف الحياة؛ فالدماغ يظل نشطًا، ويواصل القلب عمله.
ويسهم النوم في دعم الذاكرة والتعلم، وتنظيم عمل المناعة وإفراز الهرمونات، والمحافظة على الصحة الجسدية والنفسية.
وقد رأيت في أحوال الناس مع النوم تفاوتًا يبعث على التأمل. عرفت أناسًا يشكون أنهم لا ينامون إلا مستعينين بالدواء، وآخرين يغلبهم النوم متى وضعوا رؤوسهم.
ورأيت من يستيقظ قريبًا من الموعد الذي ينوي القيام فيه؛ يفتح عينيه، وينظر إلى الساعة، ثم يعود إلى نومه إن بقي وقت، ويستيقظ مرة أخرى قريبًا من موعده.
ورأيت من ينام نهارًا ويسهر ليلًا، ولم ألحظ عليه اضطرابًا ظاهرًا في صحته. وتُروى عن بعض أهل العلم أخبار الاكتفاء بغفوات تتخلل القراءة.
وفي المنام يرى الإنسان مشاهد قد يبقى أثرها بعد استيقاظه؛ يفرح بلقاء، أو يفزع من خطر، أو يستعيد وجهًا غاب عنه منذ سنوات.
وقد بيّن النبي ﷺ أن ما يُرى في النوم أنواع: رؤيا صالحة هي بشرى من الله، وتحزين من الشيطان، وما يحدّث المرء به نفسه. فلا نحمل كل منام على أنه رسالة، ولا نجزم بما وراءه لمجرد قوة أثره في نفوسنا.
كلما تأملت النوم، رأيت أن أعجب ما فيه قريب منا: نعمة نحتاج إليها كل يوم، ولا نستطيع استدعاءها بالقوة، ويقظة نستقبلها كثيرًا دون أن نشعر بقيمتها.
ولعل من تمام شكرها أن نعطي أجسادنا حقها من الراحة، وأن نتذكر، حين نفتح أعيننا صباحًا، أن في العمر بقية نستطيع أن نحسن فيها:
نؤدي حقًا، أو نصلح خطأ، أو نقول كلمة طيبة أخّرناها.
ثم نقول، بوعي أعمق بمعناها: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النشور.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق