‏إظهار الرسائل ذات التسميات الفقة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الفقة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 5 أبريل 2026

عقول المساطيل وخلطة الهلاك العقدي

عقول المساطيل وخلطة الهلاك العقدي
عبد المنعم إسماعيل

كاتب وباحث في الشئون الإسلامية


لو عقيدتك تكفير الصحابة رضوان الله عليهم الزمها عليها وكن معنا في معركة تحرير القدس

لو عقيدتك الطعن في أمهات المؤمنين رضي الله عنهن الزمها وكن معنا في معركة تحرير القدس.

لو عقيدتك نشر الطائفية السبئية أو الصوفية البدعية القبورية أو الخمينية الصفوية الزمها وكن معنا في معركة تحرير القدس.

لو عقيدتك وحدة الوجود العبد رب والرب عبد الزمها وكن معنا في معركة تحرير القدس

لو عقيدتك أن علي بن ابي طالب هو قسيم الجنة والنار وأنه يحاسب الناس يوم القيامة الزمها وكن معنا في معركة تحرير القدس.

لو عقيدتك الطواف بالقبور والاستغاثة بالمقبور الزمها وكن معنا في معركة تحرير القدس.

لو عقيدتك درزي أو حوثي أو من الحشاشين الزمها وكن معنا في معركة تحرير القدس.

لو عقيدتك الدين لله والوطن للجميع وأن الدين لا علاقة له بالسياسة الزمها وكن معنا في تحرير القدس.

لو عقيدتك أن كل شيخ وله طريقة صوفية وإنك لازم تكون درويش ولو كنت لا تصلي الجمعة ولا الجماعات الزمها وكن معنا في معركة تحرير القدس.

لو عقيدتك جهمي أو معتزلي أو معطل أو تعتقد التأويل المخالف للصحابة رضوان الله عليهم الزمها وكن معنا في معركة تحرير القدس.

لو عقيدتك أن الله ليس في السماء وليس فوق العرش ولا يوجد له مكان وكأنك تعبد عدما الزمها وكن معنا في تحرير القدس.

لو عقيدتك العلمانية أو الليبرالية أو الاشتراكية أو الداعشية التكفيرية أو الطائفية المدمرة الزمها وكن معنا في معركة تحرير القدس.

الخلاصة

هل هذا المنهج يتوافق مع الإسلام والسنة النبوية الشريفة والصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين؟

هل هذا المنهج يتوافق مع القران الكريم الذي نزل يعاتب الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين يوم غزوة أحد تحت قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم؟!!

ماذا يبقى من الدين إذا تنازلت الأمة الإسلامية عن حق الله في التوحيد وحق الرسول صلى الله عليه وسلم في الإتباع وحق الصحابة رضوان الله عليهم في قبول عقيدتهم وفهمهم للكتاب والسنة النبوية الشريفة؟!

ماذا يبقى من الإسلام إذا توافقت الأمة على هوس الجماعات الإسلامية التي غرقت في عقول المؤسسين رغم ظهور خللها؟!

ماذا يبقى من الأمة ومن التوحيد والسنة والإسلام إذا تم توزيع الجماهير حول قبور الأولياء يطوفون ويستغيثون ويرقصون مخالفين الكتاب والسنة وهدي الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين؟!

ماذا يبقى من منهج الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين إذا انتصرت المذاهب الضالة والجماعات الباطنية والمدارس العلمانية والطرق القبورية الصوفية والعصابات التكفيرية المنحرفة على أهل السنة والجماعة حملة منهج الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين؟!

يا امة الإسلام:

الله عزوجل لم ينصر الصحابة رضوان الله عليهم وفيهم الرسول صلى الله عليه وسلم لمجرد نزول الرماة من فوق الجبل فكيف نرجو النصر وفينا من يقول بكفر الصحابة رضوان الله عليهم ويزعم أنه مسلم وفينا من يقول عنه بطل أو عظيم أو شهيد؟!



الأحد، 7 سبتمبر 2025

فقه الحياة بين ضرورات الواقع والفقه المرحلي المطلوب

 فقه الحياة بين ضرورات الواقع والفقه المرحلي المطلوب

د. عبد الرحمن بشير

داعية ومفكر إسلامي، من جيبوتي

١ – لا مشكلة فى الدين ، المشكلة كل المشكلة فى نوع التدين ، هناك تدين زائف ، ومغشوش ، وشكلي ، وعقيم ، وهناك رجال دين يتاجرون باسم الله ، ويتزوجون النساء بلا عدد ، ويستغلون عواطفهن بلا رحمة ، ويرفعون أصواتهم للدفاع عن التدين الزائف ، ولا صوت لهم فى الدفاع عن حقوق الناس ، وهناك من يصنع التدين المغشوش فى المحافل الوطنية ، والعالمية ، ولديه حديث غير عادي عن المرأة القريبة من فكرة ( الشيئ )، فالمرأة عندهم شيئ من أشياء الرجل ، ومتاع من أمتعته ، وليست إنسانا لديها الحقوق والواجبات ككائن إنساني .

٢ – لا مشكلة فى الإسلام ، المشكلة كل المشكلة فى نوع الإسلام ، هناك إسلام عنيف ، يقتل الناس باسم الله ، وينشر الرعب فى الناس باسم الله ، فالله عندهم جبّار ومنتقم فقط ، وليس هناك حديث عن الله الرحمن الرحيم ، العدل اللطيف ، العفو الغفور ، ولهذا يتحدثون بشكل دائم عن عذاب القبر ، ومحنته ، ولا يتحدثون عن محن الفساد السياسي ، وعذاب الدنيا ، ولا يتناولون فى خطاباتهم عن الرشى السياسية ، والفساد الاقتصادي ، وليس لديهم برامج فكرية فى إصلاح الراعي والرعية كما فعل ابن تيمية رحمه الله ، وهناك إسلام رسمي يتكلم باسم النظام ، ولا يعطى مساحة لحقوق الشعب فى خطابه ، ولدينا إسلام روحي ، كل همه الآخرة ، أما الدنيا فهي دار للكافرين ، وليست دارا للمسلمين ، وهناك إسلام سياسي ، كل همه الوصول إلى السلطة ، والبقاء عليها إن وصل ، والحقيقة أن الإسلام أكبر من ذلك كله .

٣ – لا مشكلة فى المساجد ، المشكلة كل المشكلة فى نوع المسجد ، هناك مسجد لا حديث فيه سوى طاعة الحاكم ، وسوق الجماهير نحو سوق الخنوع باسم الله ، هناك علاقة حميمية فى مساجد ضرار ما بين الحاكم ، والله ، فلا مساحة لخطاب الواعظ للشعب المسحوق ، ولا للجماهير الكادحة ، فالواعظ راهب فى الشكل ، تاجر فى المضمون ، فقد تحول المسجد إلى مؤسسة ، وليس مشروعا تحرريا ، بل هو مشروع للاستخدام الوظيفي المؤقت . والإمام موظف ، وليس خادما للسماء ، فهو يقول ما تراه الأنظمة صوابا ، إنه بوق من أبواق النظام ، وليس موقّعا من رب العالمين .

٤ – لا مشكلة فى النصوص ، المشكلة كل المشكلة فى نوعية الخطاب الذى يتبنى فى توظيف النصوص ، هناك من يبحث من النصوص العنف بكل أشكاله ، وهناك من يبحث من النصوص تلك التى تطالب الطاعة والسمع للحكام ، وهناك من يخاف تلك النصوص المتضافرة ، والتى تتبنى الشورى والعدل والمساواة ، وأولوية الناس على الحاكم ، المشكلة فى التوظيف ، وليست فى النصوص ، لدينا مئات من النصوص تم تجاوزها لأسباب سياسية ، ومئات أخرى من النصوص تم إخفاؤها لأسباب منهجية ، ومئات من النصوص تم. تجاوزها خوفا من حقوق الناس ، إنها الأزمة الفكرية والعقلية فى التعامل المنهجي مع النصوص .

٥ – لا مشكلة فى الجهاد ، المشكلة كل المشكلة فى من وراء الجهاد ، هؤلاء الحكام الذين يستخدمون الشباب ، ويشجعونهم على الجهاد فى بعض الدول ، ثم يتبرؤون منهم ، من صنع المجاهدين فى أفغانستان ؟ وفى سوريا ؟ وفى العراق ؟ وفى الصومال ؟ إنه بترول الخليج ، والرز السعودية ، ولأوامر أمريكية ، واليوم ، يتبرؤون عنهم ، وكانوا يخططون فى إشغال الشباب المسلم عن الصحوة ومطالبة الحقوق ، وتشويه سمعة الجهاد ، ذهبوا إلى أفغانستان للدفاع عن بيضة الإسلام بفتاوى علماء السلطة وغيرهم ، ولما رجعوا ، قيل عنهم إرهابيين ، والذين يقولون ذلك ، هم العلماء أنفسهم ، بئس القوم هم .

٦ – لا مشكلة فى الجماعات الدينية ، المشكلة كل المشكلة فى نوعية الفكر السائد عندهم ، كل جماعة تؤمن بأنها الناطق الرسمي باسم الله ، وأنها تمثل السماء فى الأرض ، بل هي الحقيقة المطلقة ، ولهذا تسمع من السلفي أنه على طريق السلف الصالح ، وأن الآخرين فى ضلال مبين ، وتسمع من التبليغي أنه على خطى محمد عليه الصلاة والسلام ، وأن النجاح والفلاح محصور عندهم ، وتسمع من الإخواني أن شمولية الدين لديهم دون غيرهم ، وأن الآخرين يعيشون فى التبعيض ، ويرى الجهادي بأن الجماعات الأخرى فى لهو ولعب ، وهكذا ، ولكن التنوع والتعدد من روائع الحياة ، يا ليتهم قالوا لنا : نحن مدارس ، وطرق ، وشوارع ، والهدف هو الخدمة للدين والشعب من منظور ترجّح لدينا ، فالصواب عندى ، وقد يكون صوابى ليس صوابا ، وغيرى على خطأ ، ولكنه قد يكون هو أيضا على الصواب ، والشعب هو المرجح ، وكذلك الدليل ، او مصلحة المسلمين .

٧ – لا خوف من الحرية ، والخوف كل الخوف من حرية وراءها أجندات أجنبية ، فهناك من يحمل الفكرة من الخارج ليفرضها على الناس بالقوة ، وهناك من يحارب الحرية ، لأنها فى رأيه تنازع الدين ، ولهذا فالناس عندنا مذهبان ، مذهب يدافع عن الحرية ، ومذهب ينازع الحرية ، ونحن مع الحرية ، ولكن بدون أجندات خارجية ، فالحرّ من تحرّر عن التبعية بكل أنواعها ، وأشكالها ، فلا حرية لمن يعيش على أفكار غيره ، ويطالب من غيره أن يجعله زعيما على قومه ، فهذا طائش ، وليس حرًّا ، ولا يخاف من الحرية الحقيقية إلا عبد قرّر أن يعيش فى العبودية حتى الرمق الأخير ، وأكثر الناس خوفا من الحرية متدينون فهموا ، أو أُفهموا خطأ بأن الدين قيود ، وان الحرية انفلات من القيود ، وهذا الفهم المقلوب هو وراء الخوف من الحرية .

 ٨ – لا خوف من الحداثة ، الخوف كل الخوف من حداثة تحارب الثوابت ، وتغير الإنسان ، وتجعله شيئا من الأشياء ، وسلعة من السلع ، وتحوصله ، بل وتحاول تجاوز الإنسان لغير صالح الإنسان ، فهذه ليست حداثة ، ولا تطوّرا ، بل هذا يعتبر تراجعا ، وتخلفا ، وربما يتم ذلك لتجاوز الإنسان ، ولصناعة عالم ما بعد الإنسان كما يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله .

ليس من الحداثة أن أرفض القديم لأنه قديم ، أو أن أقبل الجديد لأنه جديد ، بل يجب أن تكون للإنسان معايير موضوعية ، وعقلانية للرفض والقبول ، فليس كل جديد نافعا ، كما أنه ليس كل قديم ضارا ، بل ليس كل ما هوغربي نافعا ، وليس كل ماهو عربي أو أفريقي ضارا ، فهذا النوع من التفكير غير إستراتيجي .

٩ – لا خوف من العقلانية ، الخوف كل الخوف هو تأليه العقل ، ومنحه قوة فوق طبيعته ، فالعقل هبة الله للإنسان ، ولا ينازع العقل خالقه ، ولكن هناك مدرسة فى الغرب ألّهت العقل ، وألغت النص ، بل وتجاوزت ( الله ) ، ولكن لا مشكلة فى العقل حتى ولو أخطأ ، فالعقل هو أهمّ ما فى الإنسان ، به تمّ تكريم الإنسان ، وتكليفه ، ولولا العقل لصار الإنسان حيوانا من الحيوانات ، وليس صحيحا ما قيل فى الإنسان أنه حيوان ناطق ، بل أهم من ذلك أن يقال أنه : حيوان مفكر ، ولهذا فهو ناطق ، وذكي ، ومريد ، فلا شرف له بدون العقل .

إن الذين يحاربون العقل باسم الدين يلغون إنسانية الإنسان ، والذين يؤلهون العقل باسم العلم يلغون إنسانية الإنسان ، الوسطية هي الحل ، فلا مجال لإنسان بدون عقل ، ولا مجال لإنسان كامل بدون إله .

١٠ – لا مشكلة فى التراث ،المشكلة كل المشكلة فى تقديس التراث ، وفى إلغائه عن الساحة ، فالتراث الإسلامي حديث عن عظمة الأمة المسلمة ، وغناها الفكري ، وثراءها الفقهي ، كيف نعرف ما قدمت الأمة فى الحضارة الإنسانية لو تجاوزنا عن عظمة الفقه الإسلامي ومدارسه ؟ وعن عظمة الفلاسفة ومقاصدهم ؟ وعن عظمة العقول الجبارة فى البحث العلمي والفكري ؟ وعن الفنون بكل أنواعه ؟

إن المشكلة تكمن فى السلفيين الذين يَرَوْن عظمة الأمة فى منهج أحمد بن حَنْبَل وابن تيمية وتلميذه ، ومحمد بن عبد الوهاب ومدرسته ، أو الصوفيين الذين يحصرون عظمة التراث فى الإمام الجنيد ، أو عبد القادر الكيلاني ، أو ابن العربي ، وجلال الدين الرومي وغيرهم ، فهذا كله ليس صوابا ، فكل مدرسة فى التراث لديها إيجابيات وسلبيات ، ولكن نحن اليوم فى لحظة الانفجار المعرفي يحب أن نقرأ التراث بعقلية هاضمة ، وفكر مفتوح ، فلا خوف من رأي مدرسة معينة فى التراث ، ولا تضخيم لرأي مدرسة محددة ، بل يجب أن نقرأ  أفكار الجميع لأجل أن نستفيد ، ونعرف الثغرات ، ونكمل المسار ، ونتجاوز مسألة تقديس التراث ، وتدنيسه .

إن القراءة العميقة ، والموضوعية ، والهادفة ، والقوية ، والمركزة وراء النجاح فى تجاوز المتناقضات ، والوصول إلى المبتغى ، فلا بديل عن القراءة ، والقراءة الحقيقية لا تعنى ترديد الأفكار الجاهزة ، بل المناقشة العميقة مع المكتوب بعقل ناقد ، وقراءة فاحصة ، ولهذا ندعو الشباب المسلم التحرر من قراءة الأفكار الجاهزة من قبل بعض المدارس التى ترى البقاء في أحضانها الحل الوحيد ، فالحل هو أن يتحرر العقل من القيود ، والسلاسل ، والأغلال ، ويومها فقط نعرف لذة الفكر ، ونضع أقدامنا طريق الحرية ، فلا خوف من العقل العلمي ، ولا خوف من القراءة المنهجية ، والسلام .

الثلاثاء، 10 ديسمبر 2019

وطن ينتحر: ليس كل منتحر يخلد في النار

وطن ينتحر: ليس كل منتحر يخلد في النار

فليس كل منتحر يموت كافرا، وليس كل منتحر يخلد في النار، وإنّما يخلد في النار لكفره من تلبس أثناء انتحاره باعتقاد فاسد
د. عطية عدلان
أستاذ الفقه الإسلامي
أتعجبون من أن يقال في كل يوم: هذا شاب قد انتحر؟! لَكَأَنَّ كُلَّ ذرة في تراب مصر تنتحر! كيف لا؟ ومصر نفسها قد فقدت ذاتها، وأضاعت هُويتها، ولم تعد لأهلها حضنا دافئا ولا مستقرا آمناً، ولم يعد فيها لمن يقطنها طمأنينة ولا سكن! نيلها من منابعه اختنقق، وزرعها من الظمأ ومن خطايا أولى الأمر احترق، سماؤها دخان وغبار وأخبار عن الحاضر والمستقبل تطوف في الآفاق تطواف الغربان، وأرضها من الضجر والضيق ما عادت تطيق، تكاد تلقي من يدب على ظهرها من البشر في عرض البحر أو في متسع الفلوات؛ فإذا رأيت الشباب ينتحرون فلا تتعجل بالحكم عليهم بسوء المصير؛ فإنّهم لم يلقوا بأنفسهم إلى التهلكة إلا وقد أحدقت بهم المهالك من كل جانب، وأخذت عليهم كل سبيل.
    ولست هنا في موقف التبرير، وإنّما في مقام البيان التفسير، فلا ريب أنّ قَتْلَ الإنسانِ لنفسه خطيئةٌ كبيرة وجريمة خطيرة؛ لأنّ هذه النفس التي أزهقها لا يملكها أصلا، ولا سلطان له عليها؛ فلا سبيل له إلى التصرف في شأنها بما يخالف المنهاج الذي وضعه خالقها وباريها، ولأنّ فِعْل القتل في ذاته - ولو لم يكن متعديا إلى الغير - جريمة بشَّعتها الشريعة، وحذر منها الوحي المعظم، ولأنّ النفس الإنسانية مصونة في أصل الفطرة وفي حكم الشريعة، إضافة إلى كون المنتحر دَلَّلَ بانتحاره على سلبيته وضعف إيمانه وهشاشة عقيدته وانقطاع حبل رجائه عن لله تعالى، فقتل النفس جريمة لا ريب في ذلك، إلى حدّ أنّه "لا خلاف بين الفقهاء في أنه إذا لم يمت من حاول الانتحار عوقب -تعزيراً- على محاولته الانتحار، لأنه أقدم على قتل النفس الذي يعتبر من الكبائر"([1]).
ليس كل منتحر يموت كافراً
   غير أنّني لا أحبذ المبالغة في الترهيب إلى الحدّ الذي يزيف الحقائق ويغير الأحكام، فليس كل منتحر يموت كافرا، وليس كل منتحر يخلد في النار، وإنّما يخلد في النار لكفره من تلبس أثناء انتحاره باعتقاد فاسد أو بما يخرج من الملة، كالسخط على قضاء الله، أمّا من غلبته نفسه، واستولى عليه اليأس من الحياة، أو الجزع مما توالى عليه من المصائب، أو الهرب من مواجهة فاجعة أو فضيحة، أو ما شابه ذلك؛ فإنّه مرتكب لكبيرة من أغلظ الكبائر، وهو من أهل القبلة، ويصلَّى عليه عند الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية، ويُدفن في مقابر المسلمين، وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ترك الصلاة عليه فإنما وقع ذلك منه على هيئة الزجر لمن تسول له نفسه أن يصنع مثل صنيعه؛ لذلك أمر الناس أن يصلوا عليه، وقد خَرَّج مسلم حديث جابر وبَوَّبَ له بقوله: (باب: الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر) وساق الحديث: عن جابر قال: "... فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا المدينة، فمرض، فجزع، فأخذ مشاقص له، فقطع بها براجمه، فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنة، ورآه مغطيا يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال: ما لي أراك مغطيا يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم ولِيَدَيْهِ فاغفر»([2])، وعلق النووي في شرحه للحديث قائلاً: "من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر ولا يقطع له بالنار بل هو في حكم المشيئة"([3]).
أبناء الوطن
    فهؤلاء أبناءَ وطننا الذين اختاروا لأنفسهم ألا يكملوا (المشوار) وفضلوا على العيش الموتَ والانتحار، هؤلاء في مشيئة الواحد القهار العزيز الغفار، ولا نظن بهم أنّهم أفضوا إلى ربهم قانطين من رحمته؛ لذلك نترحم عليهم مثلما نترحم على موتانا، وبدلا من الخوض في الغيب بلا علم ولا هدى ننظر في الأسباب والدوافع؛ ونتخذ من الحوادث منصات للانطلاق إلى التغيير المنشود، فهؤلاء لم يهدروا حياتهم عبثاً، ولم يتلفوا أنفسهم لعبا ولهوا، إنّهم لم يقدموا على هذا الخطب الذي لا يوجد تحت قبة السماء ما هو أفدح منه إلا لأنّ طريق حياتهم أفضى بهم إلى نفق مسدود، وفي هذا الطريق يمضي الجيل الحرّ كله، غير أنّ الفرق فقط في مقدار صبر الإنسان وقوة احتماله، وفي هذا يتفاوت الخلق تفاوتاً عظيماً، لذلك إن قلت إنّ هؤلاء الذين قتلوا أنفسهم لم تكن أيديهم التي باشرت الجريمة سوى الزناد الذي ضغطت عليه أصابع النظام .. إن قلت ذلك لم تكن راكبا متن الشطط.
    إنّ الشيء الوحيد الذي يدفع للانتحار هو أن يستولي على المرء شعور بأنّ الموت خير من الحياة، وهذا الشعور لا يتأتى للإنسان إلا بانسداد الآفاق كافّة، وضياع الآمال جملة، وخراب الحاضر والمستقبل جميعاً، وهذا هو الواقع في مصر تحت ظل الحكم العسكريّ الفاشي الفاشل، الحكم الذي يكفر بالحرية كفر سادات قريش بالقرآن، ويعادي المواطن الكريم الذي لا يحسن النفاق معادة اليهود لعباد الرحمن، ويجتهد في سرقة أقوات الناس ولا يألو، ويكاد من نهمه أن يبيع لهم الهواء الذي يتنفسونه، وأن يصادر عليهم حق النوم بالليل والسعي بالنهار.
ماذا يفعل؟
    ماذا يفعل طالب الجامعة بشهادة التخرج إذا كان سيخرج بعدها إلى البطالة والفراغ؟! وماذا عساه يصنع بما تعلمه إذا كان في النهاية سيعمل على (التوكتك أو عربة الخضار)؟! وما جدوى السعي بالليل والنهار والعشي والأسحار إذا كان الفقر له رفيقاً والدين له صديقاً؟! وكيف نفهم الإصرار على دفع فقر لا يندفع والخلاص من ديون لا خلاص منها ولا مناص؟! كلها دوائر من الهم والغم تحيط بالجيل كله؛ فلو قلنا إنّ مصر صارت سجنا لشعبها تضيق جدرانه كل يوم عليهم حتى ليكاد السقف يخر فوق رؤوسهم لما كنَّا مبالغين ولا مجانبين للاعتدال.   
    لكن دعنا من ذلك كله؛ وحدثنا عن أثر هذا الفعل على الحياة والأحياء، فو الله لو علم المواطن الذي هانت عليه نفسه فقتلها ليتخَلَّص من همومه أنّه بذلك يُخَلِّصُ عدوه لا نفسه لما أقدم على فعلته ولا دَنا منها، إنّه في الواقع خَلَّص عدوه وعدو وطنه ودينه وقومه، خلصه من نفس لو عاشت لكانت حربا عليه، ومن نسمة لو كُتب لها عُمْر أطْوَلَ لأخذت من أعمار الظالمين وأقدارهم، ومن إنسان لو ظل يدب على الأرض لكان وقع قدميه هاجساً يصول ويجول في قلوب الطغاة، لذلك فإنّ القرار السديد لمن وصلت به الحياة إلى طريق مسدود أن يتشبث بالبقاء، وأن يقاوم الفناء؛ لتحيا الأمة بحياته ولا تموت بموته، يتشبث بالحياة ولو كانت مُرَّةً حتى لا يذوق عدوه وعدو وطنه الشَّهْدَ بموته وفَوْته، يتشبث بالعيش ولو كان صعبا حتى لا يَسْهُلَ على عدوه وعدو وطنه أن يحمل على الجيل كله ليسلك ذات المسلك الانهزامي التراجعيّ الذي سلكه بانتحاره، فوالله لا يبالي المجرمون بأن يموت نصف الشعب، ولولا أنّ وجود شعب يهبهم ميزة الحكم وخاصية السلطة لأحبوا موته كله وتمنوا فناءه عن آخره.
    إنّنا بقتلنا لأنفسنا نقتل الأمل في قلوب النشء، ونبعث النشوة في قلوب الطغاة البغاة، ونكرس للسلوك السلبي الانهزاميّ، ونخلق صورة تراجيدية مأساوية للنرجسية، صورة غارقة في سحب من السراب الخادع، فليس على مثل هذا تبنى الأمم وتحيا الشعوب وتنجح الثورات وتشيد الحضارات، إنّما يصنع ذلك كله التحرك الإيجابيّ الواعي، مع التسلح بالإيمان والعقيدة، والله تعالى لا يخذل عباده إذا هم أخذوا بالأسباب وتوكلوا عليه (ومن يتوكل على الله فهو حسبه؛ إنّ الله بالغ أمره، سيجعل الله بعد عسر يسرا).    
([1]) الموسوعة الفقهية الكويتية (6/ 292)
([2]) صحيح مسلم (1/ 108)
([3]) شرح النووي على مسلم (2/ 132)

الجمعة، 26 أبريل 2019

هل أفتى الإمام؟ مع د. عبدالحي يوسف

هل أفتي الإمام مالك بجواز قتل ثلث الشعب من أجل أن ينصلح الثلثان؟