الأحد، 16 أغسطس 2026

مَهْرُ ابنةِ النَّبيِّ ﷺ!

نقطة نظام

مَهْرُ ابنةِ النَّبيِّ !

في بيت النبي



أدهم شرقاوي


البيوتُ التي تُؤسَّسُ على كثرةِ ما يُقدَّمُ ليست أَرسخَ بقاءً، ولا الزيجاتُ التي تبدأُ بضجيجِ المظاهرِ أصدقَ مودّةً، فالقيمةُ في مدرسةِ النبوّةِ لم تكن يومًا فيما يُرى، بل فيما يُعاشُ. هناك، حيثُ يُعادُ تعريفُ الشرفِ، لم يكنِ المهرُ استعراضَ قدرةٍ، ولا إعلانَ ثراءٍ، بل إشارةَ صدقٍ، وعهدَ مسؤوليّةٍ، وبدايةَ حياةٍ تُبنى على الكفافِ واليقينِ لا على التكلّفِ والمقارنةِ. 

وفي ذلك الأفقِ النقيِّ، كانتِ البساطةُ خُلُقًا لا عجزًا، وكان السموُّ يُقاسُ بخفّةِ الحملِ على القلوبِ لا بثِقَلِ ما يُوضَعُ في الأيدي، ومن هذا الميزانِ العادلِ يأتينا مشهدٌ صغيرٌ في حجمِه، كبيرٌ في معناهِ، ليقولَ للدُّنيا كلِّها: 

إنَّ أعظمَ البداياتِ هي تلك التي تبدأُ بلا ادِّعاءٍ!

عندما خطبَ عليٌّ بنُ أبي طالبٍ فاطمةَ من النَّبيِّ ﷺ، ووافقَ ﷺ على هذه الخِطبةِ، قالَ لعليٍّ: أعطِها شيئا!

فقالَ عليٌّ: ما عندي من شيءٍ!

فقالَ له النَّبيُّ ﷺ: فأينَ دِرعُكَ؟

قالَ: هي عندي!

فقالَ له: فأعطِها إيّاه! (1)


هذا هو مَهرُ بنتِ النَّبيِّ ﷺ، وسيّدةِ نساءِ أهلِ الجنّةِ: دِرعٌ!

وما يفعله النّاسُ اليومَ من المُغالاةِ في المُهورِ، وتكليفِ الخاطبِ فوقَ ما يُطيقُ، ليس من سُنّةِ النَّبيِّ ﷺ في شيءٍ، ويعتقدُ الأهلُ خطأً أنَّ رفعَ المهرِ هو رفعٌ من قيمةِ البنتِ، وهو في الحقيقةِ، فضلًا عن كونِه خلافَ هديِ النُّبوّةِ، تسليعٌ للبناتِ، ونوعٌ من التِّجارةِ بهنَّ.

وعندما زفَّ النَّبيُّ ﷺ فاطمةَ رضي الله عنها إلى عليٍّ، بعثَ معها ثوبًا، ووسادةً من جلدٍ محشوةً باللِّيفِ، ورَحًى لتطحنَ حبوبَها، وقِربةً لتستقيَ بها الماءَ، وجرَّتينِ: واحدةً للماءِ، وواحدةً للخَلِّ.

وانظُرْ إلى فعلِ النَّبيِّ ﷺ في زواجِ ابنتِه؛ فهو لم يُيسِّرِ المهرَ على عليٍّ رضي الله عنه فحسب عندَ الخِطبةِ، وإنّما شاركَ في جِهازِها، لِما يعلمُ من فقرِ صِهرِه.


لذلك فإنَّ مساهمةَ الأهلِ في جهازِ ابنتِهم اتِّباعٌ للسُّنّةِ المُطهَّرةِ، وإرساءٌ لمبدأِ التَّكافلِ والتَّراحُمِ بين النّاسِ، وهو من المعروفِ الذي يُثمِرُ عند الصِّهرِ إذا كان أصيلًا. وكم من الأزواجِ صبروا على زوجاتِهم كُرمى لعيونِ أهاليهنَّ، لما رأَوا فيهم من حُسنِ الخُلُقِ وتيسيرِ أمرِ الزَّواجِ. فالخاطبُ في أغلبِ الأحوالِ شابٌّ في مُقتبلِ العمرِ، حديثُ عهدٍ بوظيفةٍ، عليه مساعدةُ أهلِه، وعليه تأمينُ أمورِ زواجِه، فإن كان الأهلُ في حالٍ ميسورةٍ فالسُّنّةُ المُساهمةُ، وإن لم يُساهِموا، فعلى الأقلِّ ألّا يُطالِبوا!


يعلِّمُنا النَّبيُّ ﷺ من موقف تزويجِ ابنته أنَّ العظمةَ لا تحتاجُ إلى زينةٍ، وأنَّ الكرامةَ لا تُشترى بثِقَلِ الأثمانِ، فحين تكونُ القلوبُ صادقةً، يكفيها القليلُ ليصيرَ كثيرًا، وتغنيها البساطةُ عن المظاهرِ كلِّها. 

لم يكنِ المهرُ درعًا في حقيقتِه، بل كان إعلانًا صامتًا أنَّ البيوتَ التي تُبنى على الصدقِ، وتُحمَلُ على المعنى، هي الأقدرُ على البقاءِ، وأنَّ ما يُبارَكُ من اللهِ لا يفتقرُ إلى بهرجةٍ، بل إلى قلبٍ يعرفُ أين يضعُ قيمتَه!


 (1)الراوي:عبدالله بن عباس المحدث:ابن حبان المصدر:صحيح ابن حبان الجزء أو الصفحة:٦٩٤٥ حكم المحدث:أخرجه في صحيحه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق