نقطة نظام
رَجُلٌ تستَحِي منه الملائكة!
الحياءُ خُلُقُ القلوبِ الحيّة؛ تستحي لأنَّك تُحبّ، وتخجل لأنَّك تعلمُ أنَّ الله يراك. ليس حياءَ الهروب، بل حياءَ القُرب، حياءَ مَن لا يُحبّ أن يُقابِلَ النِّعمةَ بالجفاء، ولا الإحسانَ بالجُرأة على المعصية.
وما أجملَ الحياءَ حين يكونُ ميزانًا للأخلاق؛ يمنعُ اللِّسانَ من الأذى، والعينَ من الخيانة، والقلبَ من القسوة. هو الذي يجعلُ الإنسانَ جميلًا حتّى في صمتِه، نقيًّا حتّى في اختيارِه!
روى الشَّيخانِ في صحيحيهما من حديثِ أُمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها، قالتْ:
كان رسولُ اللهِ ﷺ مُضطجعًا في بيتي، كاشفًا عن فخذَيْهِ أو ساقَيْهِ، فاستأذن أبو بكرٍ فأذِنَ له وهو على تلك الحال، فتحدَّث.
ثم استأذن عمرُ فأذِنَ له وهو كذلك، فتحدَّث.
ثم استأذن عثمانُ، فجلس رسولُ اللهِ ﷺ وسوّى ثيابَه، فدخل فتحدَّث.
فلما خرج قالتْ عائشةُ: دخل أبو بكرٍ فلم تَهْتَشَّ له ولم تُبالِه، ثم دخل عمرُ فلم تَهْتَشَّ له ولم تُبالِه، ثم دخل عثمانُ فجلستَ وسوَّيتَ ثيابَك؟
فقالَ: ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكةُ؟
هذا الحديثُ ليس حكايةَ موقفٍ عابر، بل درسُ تربيةٍ عميق، ومنه تُؤخَذُ معانٍ تُهذِّب القلوب قبل السلوك:
أوّلُ ما نتعلَّمه أنَّ الحياءَ خُلُقٌ يعلو مع علوِّ الإيمان. فالحياءُ ليس طباعًا بشريّةً فحسب، بل منزلةٌ روحيّة، يزداد صفاؤها كلّما ازداد القلبُ قربًا من الله. فإذا كان رسولُ الله ﷺ، وهو أكملُ الخلق، يستحي من عثمانَ رضي الله عنه، فكيف بمن دونه أن يستهين بهذا الخلق أو يراه ضعفًا؟
وفيه درسٌ في معرفة مراتب الناس وأقدارهم. لم يكن تعاملُ النبيِّ ﷺ واحدًا مع الجميع، لا تفضيلًا بشريًّا، بل مراعاةً لأحوال القلوب. فمَن عُرِفَ برقّة حيائه، أُكرِمَ بما يحفظ له هذا المقام، ومَن عُرِفَ بسعة صدره، وُسِعَ له في التعامل. وهكذا تُدار العلاقات بالحكمة، لا بالنسخ المتطابق.
ويُعلِّمنا الحديثُ أنَّ الحياءَ يُحبّه الله وتُجِلّه الملائكة. فإذا كانت الملائكةُ تستحي من عبدٍ، فذلك شرفٌ لا يُنال بكثرة الكلام، ولا بالمظاهر، بل بطهارة الباطن ونقاء السريرة. الحياءُ الحقيقيُّ عبادةٌ صامتة، لا يراها الناس، لكنّها تُرفَع إلى السَّماء.
ثمّ فيه تربيةٌ لنا جميعًا على حفظ الهيبة في الخلوة قبل الجلوة. فالنبيُّ ﷺ لم يكن في حال محرَّم، ومع ذلك غيَّر هيئتَه حياءً، ليعلِّم الأمّة أنَّ اكتمال الأخلاق يكون في أدقّ التفاصيل، وأنَّ المؤمن لا يستخفّ بما قد يجرح شعور غيره، ولو كان مباحًا في الأصل!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق