‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. مصطفى البرغوثي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. مصطفى البرغوثي. إظهار كافة الرسائل

السبت، 30 مايو 2026

متى الردّ على وقاحة نتنياهو؟

متى الردّ على وقاحة نتنياهو؟

مصطفى البرغوثي

في خطوة تكشف بوضوح الطبيعة الحقيقية للمخططات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني، أعلن رئيس حكومة الاحتلال، نتنياهو، قراره احتلال 70% من قطاع غزّة، في تصعيد خطير لا يمكن وصفه إلا بأنه تجديدٌ مباشرٌ لحرب الإبادة الجماعية التي تعرّض لها أبناء شعبنا أكثر من عامين. لا يمثّل هذا القرار مجرّد إجراء عسكري أو تكتيكاً حربياً، بل يشكل جزءاً من مشروع متكامل للتطهير العرقي، يهدف إلى اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وتدمير مقوّمات حياتهم الوطنية والإنسانية.

تتضاعف خطورة هذا الإعلان لأنه يأتي مترافقاً مع تصريحات سابقة لوزير جيش الاحتلال، يسرائيل كاتس، عمّا سمّاها "الهجرة الطوعية" لسكان غزّة، وهي تسمية مضللة لعملية تهجير قسري ممنهجة، ترقى إلى مستوى جريمة حرب مكتملة الأركان. فالحديث عن السيطرة على غالبية مساحة القطاع يعني عملياً دفع أكثر من مليوني فلسطيني إلى مزيدٍ من الحصار والتجويع والتشريد، وتحويل غزّة إلى منطقة غير قابلة للحياة، في محاولةٍ لفرض واقع جديد بالقوة العسكرية والإرهاب الجماعي، خصوصاً بعد أن أقدمت حكومة نتنياهو على مسح كل وجود للحياة أو البناء في المناطق التي تحتلها من قطاع غزّة، والتي وصلت نسبتها حتى إعلان نتنياهو إلى 64% من مساحة القطاع، في ما يمثل تكراراً حرفياً للتدمير الذي قامت به عصابات الحركة الصهيونية وحكومة إسرائيل في ما لا يقل عن 523 قرية وبلدة فلسطينية عام 1948، وينتمي إليها كثيرون من سكان قطاع غزّة اللاجئين، الذين تطاردهم إسرائيل بالتطهير العرقي المرّة تلو الأخرى.

أثبتت الشهور الماضية أن حكومة نتنياهو لا تعبأ بأي قانون دولي أو اعتبارات إنسانية، بل تستند إلى شعور كامل بالإفلات من العقاب نتيجة التواطؤ الأميركي والصمت الدولي المخزي. فمنذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ارتكب جيش الاحتلال ما يقارب ثلاثة آلاف خرق موثق للاتفاق، أدّت إلى استشهاد نحو 930 فلسطينياً وإصابة ما يقارب ثلاثة آلاف، رغم أن الجانب الفلسطيني لم يقابل هذه الخروق بأي ردٍّ عسكري. ومع هذا، لم نشهد أي تحرّك دولي جدّي لمحاسبة إسرائيل، أو حتى ممارسة ضغط فعلي عليها لوقف جرائمها.

يواصل الشعب الفلسطيني، رغم كل ما يتعرض له من قتل وتجويع وتشريد، صموده الأسطوري وتمسّكه بأرضه وحقوقه الوطنية

شجّع هذا الصمت الدولي نتنياهو على المضي في سياسات التوسع والاحتلال وتجديد العدوان. بل إن نتنياهو، من خلال إعلاناته المتكرّرة وخروقه المتواصلة، لم يتردّد في إهانة جميع الوسطاء الدوليين والعرب، بما فيهم الإدارة الأميركية نفسها، والرئيس دونالد ترامب، وكل الجهات التي تحدثت عن ترتيبات لوقف الحرب أو ما يسمّى "مجلس السلام". ورغم هذا، ما زال الموقف الأميركي يفتقر إلى أي إجراءات رادعة حقيقية، بينما تواصل بعض الدول الغربية تقديم الغطاءين، السياسي والعسكري، لحكومة الاحتلال.

لا يمكن فصل ما يجري في قطاع غزّة عما يحدث في الضفة الغربية، حيث تتصاعد اعتداءات المستوطنين الإرهابيين وعمليات التوسع الاستيطاني والاقتحامات العسكرية اليومية، في إطار مشروع استعماري واحد، هدفه تكريس الاحتلال ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة، فالحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تضم أكثر القوى تطرّفاً وعنصرية في تاريخ إسرائيل، تسعى إلى استغلال حالة العجز الدولي لفرض وقائع نهائية على الأرض عبر القوة العسكرية والإرهاب المنظم، مضمونها الضم والتهويد والتطهير العرقي.

لقد بات واضحاً أن الحركة الصهيونية لا تريد سلاماً ولا حلاً سياسياً، بل تسعى إلى فرض معادلةٍ تقوم على التهجير والإخضاع بالقوة العارية. وما يجري اليوم في غزّة يمثل أخطر مرحلة في المشروع الإسرائيلي منذ عقود، لأن الهدف ليس فقط إخضاع الفلسطينيين، بل محاولة اقتلاعهم بالكامل وتصفية القضية الفلسطينية ومحاولة تحويل ما يتبقى منها إلى مسألة إنسانية بلا أبعاد سياسية أو وطنية. وقد تجاوزت وقاحة نتنياهو كل الحدود، عندما أعلن تأييده رؤية إسرائيل الكبرى التي تضم ليس فقط كل فلسطين والأردن ولبنان، بل ثلثي سورية ونصف العراق وجميع الكويت وثلث السعودية ونصف مصر. وللأسف لم يسمع نتنياهو ردّاً حاسماً على هذه الوقاحة.

ستتحمّل القوى المتواطئة والصامتة المسؤولية عن حمام الدم الذي تعمل حكومة نتنياهو على جرّ فلسطين ولبنان والمنطقة إليه

ومن هنا، تقع المسؤولية الأخلاقية والسياسية والقانونية على عاتق المجتمع الدولي بأسره، وخصوصاً الدول العربية والإسلامية ودول الاتحاد الأوروبي، التي لا يجوز لها الاكتفاء ببيانات القلق والإدانة الشكلية. المطلوب اليوم اتخاذ خطوات عملية وفورية لوقف هذا الانحدار الخطير نحو كارثة إنسانية وسياسية غير مسبوقة. فقد أصبح فرض مقاطعة شاملة وعقوبات فورية على حكومة نتنياهو ضرورة ملحة، بما في ذلك فرض حظر عسكري كامل ووقف كل أشكال التعاون التي تساهم في استمرار العدوان، فالتاريخ أثبت أن الأنظمة التي تمارس الاحتلال والعنصرية والأبارتهايد لا تتراجع إلا تحت ضغط حقيقي وعزلة دولية شاملة، كما حدث مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. كذلك إن القوى الحية في العالم، من حركات التضامن والنقابات والجامعات ومنظمات حقوق الإنسان، مطالبة اليوم بتصعيد حملات المقاطعة والعزل السياسي والأكاديمي والاقتصادي لإسرائيل، دفاعاً عن القيم الإنسانية وعن حق الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة والاستقلال.

يواصل الشعب الفلسطيني، رغم كل ما يتعرض له من قتل وتجويع وتشريد، صموده الأسطوري وتمسّكه بأرضه وحقوقه الوطنية. وكل محاولات كسر إرادته أو تهجيره ستفشل كما فشلت كل المشاريع الاستعمارية السابقة. فغزة، التي أصبحت رمزاً عالمياً للصمود والمقاومة الإنسانية، ستبقى شاهدة على فشل القوة العسكرية في إخضاع الشعوب التي تناضل من أجل حريتها.

وإذا لم يتحرّك العالم اليوم لوقف هذه الجرائم، لن تتوانى إسرائيل عن تجديد حرب الإبادة وستجر المنطقة بأسرها إلى مزيد من العنف وعدم الاستقرار، وستتحمّل القوى المتواطئة والصامتة المسؤولية الكاملة عن حمام الدم الذي تعمل حكومة نتنياهو على جرّ فلسطين ولبنان والمنطقة بكاملها إليه. ... فمتى يأتي الردّ على نتنياهو؟

الأحد، 16 نوفمبر 2025

لم تنته الحرب

لم تنته الحرب

مصطفى البرغوثي


رسمياً هناك وقف لإطلاق النار في قطاع غزّة، وهناك عدم إطلاق نار في الضفة الغربية، ولكن الحرب التي بدأتها إسرائيل في أكتوبر/ تشرين الأول 2023 لم تنته، فجيش الاحتلال الإسرائيلي ما زال يحتلّ 53% من قطاع غزّة، وما زال يشن عمليات القصف الجوي والمدفعي على شرق القطاع، وقد خرق اتفاق وقف إطلاق النار على باقي المناطق 286 مرّة، وأودى بحياة ما لا يقل عن 245 فلسطينياً وجرح ما يزيد على 620 مدنياً.

وتتعمّد إسرائيل عدم تنفيذ باقي بنود اتفاق وقف النار، إذ لم تسمح إلا بدخول 43% من شاحنات المساعدات الإنسانية، ومنعت دخول الآليات الضرورية لإزالة الركام، وتعطّل أيضاً وصول المواد والأجهزة الطبية الضرورية لإنقاذ حياة عشرات الآلاف، وتستمر في إغلاق معبر رفح، ولم تنفذ أي انسحاب إضافي من المناطق التي يحتلها جيشها. 
كذلك تتعمّد إسرائيل مواصلة احتلال جميع المناطق الزراعية في القطاع، وتحرم غزّة المياه النقية ومصادر الطاقة، وتحاصر البحر لمنع الصيادين من الحصول ولو على نزر يسير من الأسماك التي يمكن أن تسد رمق بعض الجياع في القطاع.

وتتعرض الضفة الغربية، بما فيها القدس، لاستباحة مزدوجة من جيش الاحتلال وعصابات الإرهاب الاستيطانية التي تعيث فساداً في كل أنحاء الضفة، وتحرق البيوت والحافلات والمركبات، وتدمر المزارع والمصانع وتقتلع الأشجار، وقد منعت فعلياً المزارعين من جني معظم محصول الزيتون لهذا العام، وحتى اللحظة أدت اعتداءات المستوطنين الإرهابيين الذين سلحهم الوزير الإسرائيلي الفاشي بن غفير بما لا يقل عن مائة ألف قطعة سلاح، إلى قتل عشرات وترحيل ما لا يقل عن 60 تجمّعاً سكانياً في الضفة الغربية.
الحراك التضامني العالمي مع الشعب الفلسطيني يجب أن يتصاعد، لا أن يتراجع
وتستمر عمليات التنكيل الوحشي بالأسرى، بما في ذلك التجويع، والتعذيب، والضرب الوحشي، وحتى الاغتصاب، بالإضافة إلى حرمان العلاج والرعاية الطبية. بل تُحرم عائلات الأسرى السفر للقاء أحبتها الذين أبعدهم الاحتلال بعد عقود من الأسر في سجونه.

ولم تعد إسرائيل تحترم أي صلاحية أو سلطة للسلطة الفلسطينية التي جُردت من قدراتها الاقتصادية ومعظم دخلها، وسُلبت صلاحياتها الأمنية والمدنية، وهي تقف عاجزة عن حماية أي فلسطيني من اعتداءات جيش الاحتلال وعصابات الإرهاب الاستيطانية.

وتتصاعد الاعتداءات على المقدّسات الإسلامية والمسيحية، وتُخنق القطاعات الاقتصادية والخدمات الصحية والتعليمية بألف حاجز عسكري وما لا يقل عن مائتي بوابة عسكرية تحول القرى والمدن إلى معازل وبانتوستانات صغيرة وسجون.

الحرب لم تنته، بل تتصاعد على الشعب الفلسطيني، على حريته، وحقه في تقرير المصير، على حقه في الأمن والأمان، وعلى مصادر رزقه ودخله، على أرضه ومياهه وأشجاره وأطفاله. ولم تتخلّ المنظومة الحاكمة الإسرائيلية، التي اضطرت إلى إحناء رأسها لعاصفة العزلة الدولية، عن هدفها السري، والمعلن، بالتطهير العرقي لكل الشعب الفلسطيني، سواء في غزّة، أو الضفة الغربية.

ولذلك، فإن الحراك التضامني العالمي مع الشعب الفلسطيني يجب أن يتصاعد، لا أن يتراجع. ويجب أن يتذكر الجميع أن هدف الحراك التضامني ليس مجرّد وقف حرب الإبادة، بل إنهاء كل منظومة الاحتلال والأبارتهايد والتمييز العنصري، وتحقيق الحرية الحقيقية والكاملة للشعب الفلسطيني. ولذلك أيضاً يجب إعادة طرح السؤال الأهم للشعب الفلسطيني: ما استراتيجية مواجهة هذه الحرب المفتوحة عليه وعلى مستقبله ومستقبل أبنائه، بل على روايته وتاريخه وحقه في الحرية وتقرير المصير؟ وكيف يمكن للشعب الفلسطيني مواجهة كل هذه المخاطر والانقسام، بل الانقسامات الداخلية، تنخر صفوفه دون توقف؟

لم يعد الأمر يحتمل أنصاف الحلول، أو مهادنة مشاريع المتواطئين مع إسرائيل

ولماذا كل هذا التقاعس عن إنهاء الخلافات التي لا معنى لها، والتوحد في قيادة وطنية موحدة، تفعّل طاقات الشعب الفلسطيني وتمنحه الأمل والثقة بنضاله الوطني؟ 
لماذا لا يواجه مشروع ترامب في الأمم المتحدة الذي يريد فرض الوصاية الأجنبية مرة أخرى على الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، ويريد فرض خطة تدجين عليه، وعلى روايته وتاريخه، ومناهجه الدراسية، وحقوق أسراه وعائلات شهدائه، بهدف إخضاعه لاستسلام مُذل يتنكر لنضاله ولتاريخه ولحقوقه الوطنية؟ 
لماذا لا يواجه برؤية فلسطينية موحدة ومدعومة عربياً، وخصوصاً من الوسطاء؟ رؤية ترفض الوصاية، وتؤكد أن إدارة غزّة ستكون فقط بيد الفلسطينيين، وترفض فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وتؤكد أن القوة الدولية يجب أن تكون قوة حفظ سلام ومراقبة لوقف إطلاق النار تضمن انسحاب إسرائيل، وليس قوة احتلال جديدة تتشارك مع الاحتلال الإسرائيلي في السيطرة على القطاع.

لم يعد الأمر يحتمل أنصاف الحلول، أو مهادنة مشاريع المتواطئين مع إسرائيل في سعيها إلى اقتلاع حق الشعب الفلسطيني في النضال من أجل حريته ومقاومة الظلم الذي يتعرّض له. ... 
الحرب على الشعب الفلسطيني لم تنتهِ، بل دخلت واحدة من أخطر مراحلها، ولا يملك الفلسطينيون رفاهية الانتظار أو التأجيل أو إنكار الواقع، ولا يحق لهم مواصلة انتظار المتقاعسين عن القيام بواجبهم، أو الذين تخلّوا عن إيمانهم بحقوق شعبهم.

الاثنين، 28 يوليو 2025

مات الوهم

مات الوهم

مصطفى البرغوثي

منذ نشأ الكيان الصهيوني على أرض فلسطين عمل على ترويج وهمين كبيرين، الأول أن إسرائيل هي الضحية، المعرّضة دوماً لمخاطر أمنية، وهي على استعداد دائم لحلول وسط مع العرب الذين يرفضون وجودها. والثاني، أنه لا وجود فعليا للشعب الفلسطيني، فالفلسطينيون هم مجرّد عرب، وليسوا قوماً لهم مقوّمات الشعوب.

ونتيجة نضال الشعب الفلسطيني الباسل، وما حققته ثوراته المتتالية، طوّرت المنظومة الصهيونية وهماً ثالثاً، استعدادها لحل وسط بالتفاوض مع الفلسطينيين، شريطة أن لا يرتقي إلى مستوى تطبيق حق تقرير المصير، أو إلى دولة فلسطينية حقيقية مستقلة. ولم توجد في كل تاريخ إسرائيل قوة يهودية تقبل بحقّ الفلسطينين في دولة مستقلة، أو بما يسمّى حل الدولتين.

صوت ما يسمّى "الكنسيت" أو البرلمان الإسرائيلي الأسبوع الماضي على قرار ينص على أن "الضفة الغربية جزء لا يتجزأ من أرض "إسرائيل"، الوطن التاريخي والثقافي والروحي للشعب اليهودي". كما نص على أن قيام دولة فلسطينية يشكّل تهديداً وجودياً لاسرائيل ومواطنيها والمنطقة بأسرها، وأن لإسرائيل الحق الطبيعي والتاريخي القانوني في جميع أرض إسرائيل (فلسطين التاريخية). وطالب القرار حكومة إسرائيل بتطبيق السيادة والإدارة الإسرائيلية في أسرع وقت على جميع مناطق الاستيطان في الضفة الغربية وغور الأردن.

لم يأت ذلك القرار مفاجئاً، ولا فريداً، إذ سبقه، قبل "7 أكتوبر" (2023)، إقرار الكنيست قانون القومية الذي ينصّ على أن لليهود وحدهم حق تقرير المصير في فلسطين التاريخية. وتبع ذلك قرار منع قيام دولة فلسطينية في يوليو/ تموز 2024، إضافة إلى قرار ضم القدس منذ 1968، ولكن الأهم من القرارات ما تفعله البولدوزرات الإسرائيلية، وما ينفذه الإرهابيون المستوطنون على الأرض. إذ بلغ التوسّع الاستيطاني أرقاماً قياسية لا سابق لها منذ احتلال الضفة الغربية والقدس في 1967، وامتدّت أنشطة الاستيطان الاستعماري إلى ما تسمّى مناطق أ، ب، إلى جانب الاستباحة الكاملة لمناطق ج، وجرّدت السلطة الفلسطينية من كل صلاحياتها الأمنية والمدنية.

يعيش الشعب الفلسطيني اليوم خطراً وجودياً لا مثيل له، وملامح نكبة فاقت في وحشيتها وآثارها نكبة 1948

ومع تربّع الفاشية الصهيونية على مقاعد الحكومة الإسرائيلية، بدأ فعلياً تنفيذ خطّة الحسم الصهيونية، ومضمونها ليس فقط الاستيلاء على كل شبر من أرض فلسطين، بل العمل أيضاً على تنفيذ تطهيرعرقي كامل، يبدأ في قطاع غزّة، لينتقل لاحقاً إلى الضفة الغربية التي بدأت فيها فعلياً، عمليات تطهير عرقي داخلي أدّت إلى تهجير ما لا يقل عن 40 موقعاً سكانياً، وترحيل ما لا يقل عن 65 ألف فلسطيني من بيوتهم، بمن فيهم سكّان مخيمات نور شمس وطولكرم وجنين. وهكذا يصبح اللاجئون الذين رحلوامن بيوتهم عام 1948 لاجئين مجدّداً، ومنهم بالطبع معظم سكّان قطاع غزّة.

وبمعونة ادارة ترامب الموالية بشكل مطلق لإسرائيل والمخطّطات الصهيونية، لم تعد إسرائيل بحاجة للأوهام. وهي لن تكتفي بالتطبيع مع الدول العربية، بل تريد فرض هيمنتها على المحيط العربي بكامله سياسياً واقتصاديا ًوعسكرياً واستخباراتياً.

وبعد ضعف ردود الفعل العربية والإسلامية على مجزرة الإبادة الجماعية والتجويع التي تنفذها في قطاع غزّة، تطاولت إسرائيل على لبنان وسورية واليمن، بعد أن شنّت حرباً على إيران... وقبل موت الوهمين الأولين، مات الوهم الثالث، منذ تنكّرت إسرائيل حتى لإتفاق أوسلو، رغم كل عيوبه ونواقصه من وجهة النظر الفلسطينية، ولم تعد تعباْ بفكرة التفاوض مع الجانب الفلسطيني غطاء لممارساتها.

يعيش الشعب الفلسطيني اليوم خطراً وجودياً لا مثيل له، وملامح نكبة فاقت في وحشيتها وآثارها نكبة 1948. ولا تمكن مواجهة هذا الخطر بالأساليب والمناهج التي فشلت، ولا باستمرار المراهنة على مفاوضاتٍ لن تحدُث أبداً، أو تمنية النفس بتدخّل وساطة أميركية، بعد أن كشفت الولايات المتحدة أنها شريك كامل في العدوان والمؤامرة.

الفاشية الصهيونية التي تجاوزت كل القوانين الإنسانية، وكل الأعراف البشرية، لن تردع إلا بمقاومتها واستنهاض أوسع حملة عقوبات عالمية ضدها

وفي التعامل مع ميزان قوى مختلّ لا بد من مراجعة جدّية لكل ما سبق، ولكل ما فشل، ولا بدّ من بلورة فهم دقيق وفعّال لطبيعة الصراع الدائر وسبل خوضه. ولا حلّ، بالتالي، سوى تبني استراتيجية وطنية وكفاحية مقاومة ليس فقط للاحتلال، بل أيضاً لكل مشروع الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، وكل ما تمثله العدوانية الإسرائيلية من مخاطر ليس فقط على الشعب الفلسطيني، بل على كل شعوب المنطقة. ولا تمكن مواجهة هذا التحدّي الهائل، بالقاء العبء كله على عاتق جزءٍ من الشعب الفلسطيني، سواء في قطاع غزّة أو الضفة الغربية، بل لا بد من تفعيل طاقات الشعب الفلسطيني والمتضامنين معه في كل مكان وأينما كان. ولا بد من إعادة بناء مشروع نضال وطني شامل، وتجاوز كل الانماط والخلافات الفصائلية التي لم يعد لها معنى، في ظل خطر داهم يلاحق الجميع، بل يهدّد كل وجود الشعب الفلسطيني وبقائه ومستقبله.

ولا بد من إدراك أن الفاشية الصهيونية التي تجاوزت كل القوانين الإنسانية، وكل الأعراف البشرية، لن تردع إلا بمقاومتها واستنهاض أوسع حملة عقوبات عالمية ضدها، وأول خطوة في الاتجاه الصحيح الاعتراف بما يفهمه كل طفل فلسطيني بالفطرة، أن وهم الحل الوسط مات ولن يعود.

السبت، 17 مايو 2025

لا مكان للحياد ولم يعد الصمت ممكناً

 لا مكان للحياد ولم يعد الصمت ممكناً

مصطفى البرغوثي

مصطفى البرغوثي  


بعد أن تجاوزت الوحشية الفاشية الإسرائيلية كل الحدود، وأوغلت في بطشها بحياة الفلسطينيين، خصوصاً في قطاع غزّة، لم يعد هناك مكان للحياد بين القاتل والقتيل وبين المجرم والضحية. ولم يعد كثيرون من قادة دول الغرب قادرين على مواصلة صمتهم الطويل، بعد أن أعطوا لإسرائيل الوقت الكامل، وسمحوا لها بأن تقصف وتقتل وتنفذ جريمة الإبادة الجماعية على 19 شهراً، متذرعين بالسابع من أكتوبر، وبعد أن فشلت في تحقيق أيٍّ من أهدافها العسكرية والسياسية المعلنة، سوى هدف واحد، قتل الأطفال والمدنيين رجالاً ونساء، حتى تجاوز عدد الشهداء 62 ألفاً، وعدد الجرحى والمصابين 120 ألفاً.

وبدأنا نسمع رئيس وزراء إسبانيا يصف ما يجري بالإبادة الجماعية، ووزير خارجية بلجيكيا يدعو إلى فرض العقوبات على إسرائيل، والرئيس الفرنسي يخرج ليقول "يجب أن تكون لنا استجابة إنسانية وسياسية بشأن غزّة، كي لا نكيل بمكيالين مقارنة مع موقفنا بشأن أوكرانيا". ويخرج قادة إسبانيا وأيرلندا وأيسلندا ولوكسمبرغ ومالطا وسلوفينيا والنرويج ليعلنوا أنهم "لن يصمتوا على الكارثة الإنسانية التي تحدُث أمام أعيننا في غزّة". 

أما الكاتب ديفيد هيرست فكتب أن إسرائيل خسرت حرب غزّة بالفعل، لكنها لا تعلم ذلك بعد. وأضاف "كما حدث في فيتنام فإن عاملين سيضعان حدّاً لهذه المذبحة، تصميم الفلسطينيين على البقاء على أرضهم، والغضب الشعبي المتصاعد في الغرب". ... 

لم يعد ممكناً إخفاء، أو تجاهل معالم جريمة وحشية أجبرت الضمائر النائمة أن تصحو، وأحرجت المتغافلين، والمتواطئين، والصامتين، عرباً كانوا أم أجانب، بدرجة لا سابق لها.

ألقت إسرائيل أكثر من مائة ألف طن من القنابل والصواريخ على سكان غزّة، بمعدّل 50 كيلوغراماً لكل رجل وامرأة وطفل، وما من طفل يصل وزنه اليوم في غزّة 50 كيلوغراماً. وتجاوزت القوة التفجيرية المستخدمة في غزّة خمسة أضعاف القوة التفجيرية لكل من القنبلتين النوويتين التي ألقتها الولايات المتحدة على هيروشيما وناغازاكي. وزادت نسبة الضحايا من الشهداء والجرحى عن 10% من سكان قطاع غزّة، ولو طبقت هذه النسبة على سكان الولايات المتحدة لتجاوز العدد 33 مليوناً من القتلى والجرحى، ولكم أن تتخيلوا ماذا كانت الولايات المتحدة ستفعل لو قُتل وجرح ثلاثة ملايين أميركي فقط، وليس 33 مليوناً، لكانت بالتأكيد ستقصف العالم بأسره بقنابلها النووية.

ألقت إسرائيل أكثر من مائة ألف طن من القنابل والصواريخ على سكان غزّة، بمعدّل 50 كيلوغراماً لكل رجل وامرأة وطفل، وما من طفل يصل وزنه اليوم في غزّة 50 كيلوغراماً

تعدّى الحصار الإسرائيلي الإجرامي 77 يوماً، مسبّباً المجاعة والعطش وانتشار الأوبئة والأمراض، وموت كثيرين من المرضى والجرحى بسبب انعدام العلاج، بل تجاوزت وحشية الحصار كل المعايير بمنع دخول مطاعيم الأطفال إلى قطاع غزّة، ما يعني بالتأكيد التسبب بانفجار أوبئة خطيرة كشلل الأطفال والدفتيريا والخناق والحصبة، التي ستصيب الصغار والكبار، وذلك يعني أن حكومة إسرائيل تسعى إلى إبادة الشعب الفلسطيني، ليس فقط بالقصف الهمجي المدمّر، والتجويع، بل بحرب بيولوجية من الأوبئة المُعدية. ويمثل إعلان الجيش الإسرائيلي أنه بدأ تطعيم جنوده باللقاحات المضادّة للأمراض المذكورة، تأكيداً لنية إسرائيل استخدام الحرب البيولوجية والتسبّب بانفجار هذه الأوبئة الخطيرة.

لا يستطيع أي من زعماء العالم الذي يدّعي التحضر الادعاء بعد اليوم أنه لم يعرف، أو لم ير، ارتكاب جريمة الإبادة والتطهير العرقي والعقوبات الجماعية الأكثر وحشية في العصر الحديث ضد شعبٍ بكامله، فهي منتشرة على شاشات العالم، وعلى كل وسائل الاتصال الاجتماعي، وحاضرة في كل نشرات العالم الإخبارية، حتى عندما تحاول المحطّات الموالية لإسرائيل إخفاءها. وكما لم يستطع الجبناء أن يخفوا تواطؤهم بالصمت أو بالمشاركة، مع جريمة الهولوكوست في الحرب العالمية الثانية، لن يستطيع جبناء اليوم أن يخفوا تواطؤهم مع جريمة الهولوكوست الثانية الجارية في غزّة.

لن نرحل ولن ننكسر، ولن نتراجع، ولن نخضع للبطش الاستعماري الاستيطاني الإحلالي

ولن تسمح الشعوب للمتواطئين وحكوماتهم بمواصلة التعايش مع الجرائم ضد الإنسانية، فصوت الشعوب بدأ يهدر في شوارع العالم بقوة غير مسبوقة، تذكّرنا بثورة العالم ضد الحرب الهمجية على فيتنام، وبثورة العالم ضد نظام الأبارتهايد العنصري في جنوب أفريقيا.

تفاخر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه يعود إلى الولايات المتحدة من زيارته الخليج العربي بوعود واتفاقيات استثمار تتجاوز أربعة تريليونات دولار، وآن أوان أن يسمع بوضوح أن تنفيذ كل تلك الاستثمارات مرتبط بوقف الجريمة الوحشية الجارية في غزّة، وبإجبار نتنياهو على وقف الحرب ووقف التدمير المنهجي الذي يمارسه ضد الشعب الفلسطيني وضد حقوقه، خصوصاً بعد أن غادر مبعوثه ويتكوف المنطقة، معلناً فشله في إقناع نتنياهو بالقبول بصفقة لوقف إطلاق النار، وكأن المفاوضات التي كانت جارية بهذا الشأن لم تكن سوى غطاء خداع مؤقت لمنح الوقت لترامب لاستكمال مشاريعه الاستثمارية ومن ثم التهرّب من مسؤولية سماحه باستمرار جريمة الإبادة في غزّة.

لن نرحل ولن ننكسر، ولن نتراجع، ولن نخضع للبطش الاستعماري الاستيطاني الإحلالي، ولن نعفي العالم وقادته خصوصاً قادة الغرب من مسؤوليتهم، إما بفرض العقوبات الفورية على إسرائيل، وإما بمواجهة الاتهام بالتواطؤ مع جريمة الإبادة الجماعية الأسوأ في عصرنا.




*مصطفى البرغوثي

الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، طبيب وناشط وكاتب وأحد مؤسسي المقاومة الشعبية ومؤسسات في المجتمع المدني الفلسطيني. انتخب عضوا في المجلس التشريعي عام 2006 وكان مرشحا في انتخابات الرئاسة في 2005 وحل ثانيا. رشح لجائزة نوبل للسلام.  

الثلاثاء، 11 مارس 2025

لا تضيّعوا البوصلة في فهم الصراع مع الحركة الصهيونية

 لا تضيّعوا البوصلة في فهم الصراع مع الحركة الصهيونية

مصطفى البرغوثي

مصطفى البرغوثي

في خضم الصراع الشديد الدائر على أرض فلسطين ومحيطها، تنشأ بين حينٍ وآخر اختلالات في فهم طبيعة الخصم الذي تواجهه شعوب المنطقة، وفي مقدّمتها الشعب الفلسطيني. وبطبيعة الحال، يؤدّي الخلل المفاهيمي دائماً إلى اختلال السياسات وتشويشها، أو إلى ترويج أفكارٍ مضلّلة لتبرير الضعف في مواجهة التحدّيات. وحتى لا تضيع الرؤية الاستراتيجية، في خضم ردّات الأفعال التكتيكية والانفعالات العابرة والمؤقّتة، لا بد من إيضاح القواعد الأساسية التالية لفهم سلوك قادة إسرائيل والحركة الصهيونية عموماً.

أولاً، ليست إسرائيل مجرّد كيان طارئ نتيجة ظروف تاريخية معينة، بل هي مشروع استعماري استيطاني إحلالي استند إلى فكرة تلمودية خيالية بأن فلسطين والأردن وأجزاء كبيرة من مصر وسورية ولبنان والعراق وشمال السعودية هي أرض إسرائيل الكبرى التي وعد الله اليهود بها منذ آلاف السنين، رغم أن عدداً قليلاً منهم لم يعش فيها سوى فترة قصيرة، ولا مكان في حدود "إسرائيل الكبرى المتخيّلة" للشعب الفلسطيني أو لأي شعوبٍ أخرى. وهذا المشروع -الفكرة هو المرجع الأساس المستقر في أدمغة كل قادة الحركة الصهيونية، من يمينها إلى يسارها (إن وجد)، وهو الأساس الأيديولوجي لكل السياسات والممارسات والحروب الإسرائيلية.

ثانياً، يخضع تنفيذ الفكرة لموازين القوى، ويحتمل حلولاً ووقفات مرحلية، تضطر خلالها إسرائيل والحركة الصهيونية إلى قبولها بحكم موازين القوى القائمة، مثل اتفاقيات السلام مع بعض الدول العربية أو اتفاقيات الهدنة المؤقتة. لكن جميع الوقفات والاتفاقيات المرحلية لا تُلغي، في أيِّ حال، المشروع الأساس المذكور، بل تخدم الوصول إلى أهدافه النهائية.

ثالثاً، كان المشروع الصهيوني، ومنذ تباشيرانطلاقته المعاصرة الأولى، وما زال، مرتبطاً بالدول والمشاريع الاستعمارية الغربية التي رأت فيه الحليف الاستراتيجي الطبيعي للسيطرة على شعوب المنطقة (والشرق الأوسط عموماً) وثرواتها، ومنع تبلور قوة منظمة وموحّدة فيها، ورأى فيها مصدر القوة والإسناد الذي يستحيل بدونه تنفيذ المشروع الصهيوني وتحويله من فكرة إلى واقع.

لم تكن الحركة الصهيونية قط حركة محلية، بل هي حركة عالمية تعمل من دون كَلَال على تجنيد اليهود واستغلالهم في كل العالم

وقد بدأ التفاعل بين الفكرة الصهيونية والقوى الاستعمارية منذ أيام نابليون بونابرت وحملته على المنطقة، وامتدّ عبر الغزل مع الإمبراطور الألماني، وحاول حتى مع الدولة العثمانية التي رفضته، لكن أعمق التحالفات التي نجحت وأقواها كانت مع الفكر الإنجيلي الصهيوني في بريطانيا، وبعد ذلك في الولايات المتحدة، والذي وجدت فيه الحركة الصهيونية ضالّتها وأقوى مصادر الإسناد والدعم المادي والفكري والأيديولوجي لها.

ومنذ انطلاقتها، استمرّت الحركة الصهيونية في أداء دور استعماري وظيفي لخدمة المصالح الاستعمارية والإمبريالية في المنطقة والعالم. وكانت الذراع الضاربة ومخلب الاستعمار البريطاني والفرنسي في عدوان عام 1956 ضد مصر وضد الثورة الجزائرية، وبعد ذلك عام 1967 لضرب حركة التحرّر العربية، وكانت الحليف الأكبر لنظام شاه إيران الديكتاتوري والمدرب لجهاز السافاك القمعي، وشاركت في اختطاف المناضل المغربي المهدي بن بركة وتصفيته، وصارت أقرب حلفاء نظام الأبارتهايد العنصري في جنوب أفريقيا... والقائمة تطول.

رابعاً، رغم أن أجزاء مهمة من الحركة الصهيونية، خصوصاً في الثلاثينيات والأربعينيات، ارتدت لخدمة أغراضها عباءات يسارية، بحكم توازنات القوى العالمية في حينها، وميول فئات يهودية إلى الفكر اليساري بحكم تعرّضها للاضطهاد اللاسامي بوصفها أقليات في أوروبا، فإن الأيديولوجيا الصهيونية بقيت أساساً دينية أصولية، كما يشكل الفكر الصهيوني التلمودي المتعصّب والمتطرّف أحد أهم محرّكات سلوكها في هذه المرحلة، بل أصبحت الأحزاب الدينية الإسرائيلية المتطرّفة من أهم عناصر التأثير في السياسات الإسرائيلية وتوسّعها الاستيطاني ونزعتها العسكرية العدوانية.

خامساً، لم تكن الحركة الصهيونية قط حركة محلية، بل هي حركة عالمية تعمل من دون كَلَال على تجنيد اليهود واستغلالهم في كل العالم، وتجنّد حالياً أجزاء واسعة من الإنجيليين المتصهينين خصوصاً في الولايات المتحدة وبريطانيا، وتستغل نفوذهم المالي والاقتصادي بالتحكّم في الانتخابات ونتائجها في الدول الغربية خصوصاً، وليس حصراً، وأبرز الأمثلة ما يفعله اللوبي الصهيوني في التأثير على الانتخابات التشريعية والرئاسية في الولايات المتحدة.

سادساً، مع احتداد الصراع مع الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة، جرى تحوّل خطير في الحركة الصهيونية، التي اتسمت أيديولوجيّتها دائماً بالعنصرية المتطرّفة، نحو الفاشية. ولا يمكن تفسير الإبادة الجماعية التي نفّذت وتنفّذ في قطاع غزّة، ومشاريع التطهير العرقي الشامل للشعب الفلسطيني، وجرائم الحرب الأخرى، كالعقوبات الجماعية والتجويع، إلا بأنها نتاج فكر وسياسة فاشية خطيرة لم يشهد العالم مثلها منذ الحرب العالمية الثانية. ويتلاءم هذا التحوّل تماماً مع تحوّلات مشابهة في بلدان غربية أخرى نحو اليمينيّة العنصرية المتعصّبة والفاشية.

المشكلة الجوهرية في السلوك الرسمي الفلسطيني، وسلوك أطراف إقليمية كثيرة الاستمرار في التعلق بوهم الحل الوسط مع الحركة الصهيونية

سابعاً، ليس الاستيطان والتوسّع الاستيطاني الجاري في الضفة الغربية ظاهرة عابرة، أو مقتصراً على فئة متطرّفة، بل هو التطبيق الفعلي لكل المشروع الاستيطاني الذي يكرّر في الضفة الغربية بما فيها القدس ما فعله من توسع استيطاني وإعادة هندسة للواقع الجغرافي والديمغرافي في أراضي 1948. وهو يفعل الشيء نفسه في الجولان المحتل، وسينفذه في أي بقعة جغرافية يتمكّن من احتلالها والسيطرة عليها.

ثامناً، الحركة الصهيونية وحكّام إسرائيل مستعدّون باستمرار لشن أشدّ الهجمات وأشرسها ضد كل من يقاوم مخطّطهم الأصلي، أياً كان شكل المقاومة، مسلّحاً أو شعبياً أو سلمياً، أو حتى بالفكر والكلام. وتُستخدم هذه الهجمات ليس فقط القوة والعنف المسلح، بل منظومات إعلامية وتحريضية ولوبيات، تأثيرها أقوى، في أحيانٍ كثيرة، من الأدوات العسكرية، لفرض هيمنة الرواية والسردية الصهيونية للصراع الجاري ولحشد الدعم والتأييد لإسرائيل والحركة الصهيونية، ولقمع القوى والحَراكات المؤيدة لنضال الشعب الفلسطيني. وتمثل شيطنة الخصم وتشويه صورته ووسمه بالإرهاب أهم أدوات الحملات التي تشنّ ضد كل من يقاوم المشروع الصهيوني.

وما نراه اليوم من تحريض وشيطنة لحركة حماس وقوى مقاومة أخرى، وعبر ذلك شيطنة الشعب الفلسطيني بكامله، مجرّد نموذج لسلوك تكرّر مع قوى أخرى في السابق. ولو خضعت "حماس" وقبلت مثلاً باتفاق أوسلو واعترفت بإسرائيل، وقبلت التعايش مع الاحتلال والاستيطان، لاختلف السلوك الإسرائيلي تجاهها، ولكنه لن يضمن بقاءها أو بقاء الشعب الفلسطيني في فلسطين. وقبل "حماس"، كانت حركة فتح وقوى فلسطينية أخرى ومنظمّة التحرير توصف بالإرهاب، بل ما زالت تصنّف في الكونغرس الأميركي إرهابية، لأنها كانت تشارك في مقاومة المشروع الصهيوني، والكل يذكر كيف صار الشهيد الراحل ياسر عرفات عنواناً للهجمات الصهيونية، رغم اتفاق أوسلو، ليكتشف لاحقاً أن الاتفاق كان فخّاً، وكيف صُنف الإرهابي الأكبر بعد أن مُنح جائزة نوبل للسلام، ثم حوصر وعُزل حتى جرى اغتياله.

استمرّت الحركة الصهيونية في أداء دور استعماري وظيفي لخدمة المصالح الاستعمارية والإمبريالية في المنطقة والعالم

لا مجال هنا للتفصيل أكثر في شرح هذه القواعد الثماني المذكورة، ولكن لا غنى عن فهمها بعمق وإدراك مضمونها لكل من يريد أن يفهم، أو يتعامل أو يشارك في الصراع الوجودي الدائر في فلسطين والمنطقة. وما زالت المشكلة الجوهرية في السلوك الرسمي الفلسطيني، وسلوك أطراف إقليمية كثيرة الاستمرار في التعلق بوهم الحل الوسط مع الحركة الصهيونية، التي قالت وفعلت كل ما يمكن فعله، ونفّذت كل ما أمكن تنفيذه من جرائم، لإيصال رسالتها أنه لا مكان لحلول وسط مع الشعب الفلسطيني، بل قضت على كل مشروع في ذلك الاتجاه، بما في ذلك اتفاق أوسلو الذي استخدمته مرحلياً لتغيير ميزان القوى لصالحها. ورغم أن عنوان الاستراتيجية المعلنة لحكام إسرائيل الحاليين، وكذلك قادة المعارضة الصهيونية، هو حسم الصراع مع الشعب الفلسطيني وإنهاء وجوده على أرض فلسطين التاريخية.

ويترافق وهم الحل الوسط مع وهم آخر، أن الولايات المتحدة يمكن أن تكون وسيطاً نزيهاً في الصراع الدائر، رغم تأكيدها المتواصل، بالأفعال والأقوال، أنها الحليف الاستراتيجي لإسرائيل. ولا يعني ذلك أن من غير الممكن الاستفادة أحياناً من فجوات وخلافات تكتيكية، تظهر بين حين وآخر بين إسرائيل والولايات المتحدة، ولكن ذلك شيء واعتبار الأخيرة وسيطاً عادلاً شيء آخر.

لا يوجد سوى تفسير واحد للتعلق بالأوهام التي ثبت مراراً عدم صحّتها، وهو عدم فهم الواقع في أحسن الأحوال، أو العجز، أو الخوف، أو التقاعس عن التصدّي للمهمّة التي لا بديل لها في الصراع الدائر، وهي تبنّي استراتيجية موحّدة لتغيير ميزان القوى لصالح الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، بمواجهة المشروع العدواني الصهيوني، بدل محاولة الاختباء العبثية من مواجهته ومواجهة آثاره المدمّرة.