‏إظهار الرسائل ذات التسميات الابادة والخونة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الابادة والخونة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 30 أغسطس 2026

«تشات جي بي تي».. والإبادة في غزة

«تشات جي بي تي».. والإبادة في غزة
 






محمد جمال عرفه..
كاتب صحفي ومحلل سياسي

لما حضرتك تستسهل وتروح تبحث عن (مجازر غزة) أو (إبادة غزة) على مواقع الذكاء الصناعي خصوصا الموقع الأميركي (تشات جي بي تي) وتنقل هذه المعلومات عنه كما هي سوف تكتشف أن إسرائيل – وليس جي بي تي- ضحكت عليه.. كيف؟!

الصهاينة لم يكتفوا بتمويل حملات دعاية ضمن ما يُسمى عندهم بالعبرية (الهاسبارا) ولكنه يحاولون بكل طريقة ممكن التدخل في الذكاء الصناعي وتلقينه معلومات مزيفة عن مجزرة غزة تتضمن روايتها هي لما جرى.. يعني تروي لك أن (إرهابيين) من حماس هاجموا إسرائيل وقتلوا (أطفال رضع) وأحرقوهم و(اغتصبوا) الإسرائيليات وكل هذه معلومات كاذبة غير صحيحة ليبرروا في النهاية أنهم (دافعوا) عن أنفسهم وذهبوا غزة ليقتلوا (الإرهابيين)!!

الجديد الذي تحدثت عنه صحف “الجارديان” البريطانية و”يديعوت احرونوت” الإسرائيلية هو أنه لمزيد من اقناع جمهور “تشات دي بي تي” بأن ما ينشرونه (حقيقي) وليس (مزيف) هو أنه وصل بهم الفُجر لحد اختلاق وفبركة معهد أبحاث أوروبي وهمي سموه (معهد هانوفر للسياسات العامة) ومولوه كي ينتج مواد يتم تغذية الذكاء الصناعي بها للتلاعب بمعلوماته وتبرئتها من مجازر غزة؟

الدولة الصهيونية قامت بهندسة روايتها لمجازر غزة داخل “تشات جي بي تي” عبر مركز الأبحاث الوهمي هذا لدرجة أن معهد “هانوفر” الوهمي نشر 124 تقريرا و560 ألف كلمة تتضمن معلومات مفبركة عن العدوان على غزة في 9 أيام بهدف السيطرة على إجابات الذكاء الاصطناعي حين تدخل حضرتك وتسأل جي بي تي مثلا عن غزة بحسن نية!!

انتبهوا وخدوا بالكم.. حتى “الغراب” يقف فوق علم إسرائيل لينبهكم.

السبت، 29 أغسطس 2026

أخير مات جزار البوسنة

 أخير مات جزار البوسنة

• أخير مات جزار البوسنة الصربي الجنرال (راتكو ملاديتش) المسؤول عن مذبحة سريبرينيتسا في البوسنة والتي قتل فيها 8 الاف مسلم، والذي تسبب في مقتل 100 ألف أخرين

• هلك اليوم الجنرال الصربي المجرم المسؤول عن مذبحة سريبرينيتسا في مستشفي تابع للسجن أثناء قضائه عقوبة السجن المؤبد بتهمة الإبادة الجماعية بعد سلسلة من الجلطات الدماغية

• هذا المجرم كان أحد أبرز مهندسي سياسة التطهير العرقي خلال حرب البوسنة، وقد أدين بارتكاب جريمة إبادة جماعية وقتل 8000 مسلم عام 1995 في منطقة سريبرينيتسا بعدما سمح له قائد هولندي قذر تابع للأمم المتحدة بدخول "المنطقة الآمنة" التي يحميها وبها المسلمين فذبحهم هو وقواته ودفنهم بالجرارات!

• حينها كنت أنا في هولندا في برنامج تدريب صحفي أوروبي وسعيت لسؤال وزارة الدفاع الهولندية بلا جدوى عن سبب سماحهم بهذه الجريمة وترك المسلمين ليقتلهم الصرب ضمن تقرير نشرته بالانجليزية .. ولاحقا نُشرت تقارير عن جرائم هذا الجنرال الصربي وصاحبه الجنرال الهولندي وأنهما كانا يسكران معا ويتصاحبان كي تتغاضي قوات الأمم المتحدة (الهولندية) عن المجزرة، وتركوا الغوغاء الأوغاد الصرب يقتلون النساء والأطفال والضحايا المسلمين بكل سلاح ممكن في يدهم.

• ملاديتش، لُقب بـ "جزار البوسنة" وقد أمر قواته بـ "حرق رؤوس" المسلمين البوسنيين الضحايا وتفاخر بأنه "إله صربي"، بحسب صحيفة "الجارديان" البريطانية في تقريرها الذي نشرته اليوم.

• حين قام بالمذبحة في سريبرينيتسا قام بتصوير الحصار الذي فرضه على المسلمين أولات كي يقتلهم ومشاهد من الذبح، وظهر وهو يقول أمام الكاميرا: (نقدم هذه المدينة قربان للشعب الصربي كهدية)، و(للانتقام من الأتراك المسلمين الذين كانوا يسيطرون على المنطقة تاريخيا كجزء من الإمبراطورية العثمانية)!!

• كانت المذبحة في سريبرينيتسا ذروة حرب وحشية استمرت لأكثر من ثلاث سنوات، أشرف خلالها ملاديتش على حصار عاصمة البوسنة، سراييفو، التي تعرضت للقصف اليومي بالمدفعية والدبابات ونيران القناصة، مما أسفر عن مقتل 10000 مسلم وبعض الكروات بهدف تطهير الأراضي البوسنية عرقيا من أجل إنشاء (صربيا الكبرى).

• وملاديتش، إلى جانب الرئيس الصربي الراحل سلوبودان ميلوسيفيتش والزعيم السياسي الصربي رادوفان كاراديتش، كانوا جزءًا من هذه المؤامرة الإجرامية لتنفيذ هذه الخطة.

الخميس، 30 يوليو 2026

حميدتي".. هل الهزيمة باتت قريبة جدا؟

 حميدتي".. هل الهزيمة باتت قريبة جدا؟


ركابي حسن يعقوب
صحفي وكاتب سوداني.

مع أول خيوط فجر يوم الأحد الماضي، أعلن الجيش السوداني استعادة عدد من المدن والمواقع المهمة بولاية شمال كردفان كانت في قبضة قوات الدعم السريع، وهي مدن: جبرة الشيخ، وبارا، وأم سيالة، وهي مدن ومناطق إستراتيجية للغاية، ويمثل استردادها مكسبا كبيرا للجيش السوداني، وخسارة فادحة للدعم السريع.

وكان لهذا الحدث وقعه الكبير في نفوس السودانيين، تمثل في خروجهم إلى الشوارع -خاصة في ولاية شمال كردفان- وهم يهتفون بهتافات تساند وتدعم الجيش؛ تعبيرا عن فرحتهم بما اعتبروه نصرا مؤزرا جاء بعد معاناة طويلة قضوها وهم تحت سيطرة وعسف قوات الدعم السريع، وانتهاكاتها بحقهم، وتنفس سكان مدينة الأبيض الصعداء بعد أسابيع تحت حصار الدعم السريع، والمخاوف من تكرار تجربة الفاشر.

حفل خطاب حميدتي بعدد من الإشارات الخطيرة التي رصدها المحللون السياسيون والمختصون بالشأن العسكري والإستراتيجي، وقد شاب خطابه عدد من الملاحظات لعل أبرزها نبرة الغضب والحنق التي حاول إخفاءها عبثا

وجاء هذا التقدم الكبير للجيش السوداني والقوات المتحالفة معه بعد قتال عنيف مع الدعم السريع، سبقته معارك بأسابيع على محور إقليم النيل الأزرق الواقع جنوب شرقي السودان، كبد فيها الجيش السوداني قوات الدعم السريع خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد العسكري.

وفي أعقاب هذا النصر الذي أحرزه الجيش السوداني والقوات المساندة له، وفي مساء الاثنين الماضي بُث خطاب عبر السوشيال ميديا لقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي".

وقد حفل خطاب حميدتي بعدد من الإشارات الخطيرة التي رصدها المحللون السياسيون والمختصون بالشأن العسكري والإستراتيجي، وقد شاب خطاب حميدتي عدد من الملاحظات لعل أبرزها نبرة الغضب والحنق التي حاول إخفاءها عبثا ولم يفلح، كذلك فقد سمى خطابه بـ"الرسالة"، وهو مسمى لا يستخدم في العرف العسكري من قبل قائد عسكري لقواته وهي في وضع القتال في الميدان، وقال لهم "ما قصرتوا" بمعنى أنكم أديتم واجبكم العسكري.

إعلان

وهو ما يناقض الواقع على الأرض، حيث منيت هذه القوات بهزيمة مؤلمة، وفرّ من تبقى منها نجاةً بأنفسهم مخلفين وراءهم أسلحتهم وعتادهم العسكري المتقدم، حيث يتضمن صواريخ وطائرات مسيرة وأنظمة دفاع جوي وعربات قتالية مصفحة مع أنظمة اتصالات حديثة، وكميات كبيرة من الأسلحة الثقيلة والخفيفة، والكثير من صناديق الذخيرة. كذلك من مفارقات خطابه مطالبته قواته بتغيير ما سمّاه "اللعبة"، بينما العسكريون يستخدمون لفظ الخطة.

وغني عن القول أن القادة العسكريين لا يعطون الأوامر والتعليمات الخاصة بالمعارك عبر أثير السوشيال ميديا، ولا يلقون عليهم عبء التخطيط للمواجهات بهذه الطريقة الغريبة التي تشي بوضوح أن هذه القوات لا علاقة لها بالنظم والقواعد والتراتبية العسكرية، وأن قائدها حميدتي قد لا يعرف الكثير في هذا المجال، وربما كان هذا هو السبب فيما لحق بقواته من هزائم ظلت تترى عليهم تباعا منذ إخراجهم من ولاية الجزيرة، وبعدها من العاصمة الخرطوم.

ترك حميدتي لقادة قواته الميدانيين أن يقوموا بتصفية من يشكون في ولائهم ومن يظنون أنهم يتخابرون مع الجيش السوداني والقوات المساندة له، مما يفتح الباب على مصراعيه لتصفية الحسابات بين الفئات المكونة للدعم السريع

وفيما يلي أبرز الإشارات الخطيرة التي حفل بها خطاب حميدتي ووردت في عبارات تبدو عفوية، لكنها انطوت على دلالات خطيرة:

ن اليوم فكينا الرسن"

وهي عبارة ربما يظن منها رفع القيود وإطلاق العنان، وقد تفسرها قواته تفسيرا خاصا بأن يقوموا بالهجوم ويجتاحوا المدن، ويطلقوا المسيرات بلا قيود ودون رجوع للقيادات، أو التزام بأي قواعد وضوابط عسكرية أو أخلاقية. فهل يفهم أنها "صك على بياض" للقتل والنهب والسلب والاغتصاب والإبادة الجماعية، والتصفية الجسدية للأسرى والمعتقلين، وتدمير الأعيان المدنية والمرافق الخدمية.

"غيروا الطريق الماشين فيه دا"

إن هذه الدعوة ربما تعني أن الخطط السابقة هي التي أوردتهم هذا المورد البائس، وهو ما قد يوحي بأنها لم تكن على المستوى المطلوب، وبالتالي فربما كان المقصود هو التصعيد للحدود القصوى، كما قد يكون إشارة تحمل في ثناياها تحريضا على الانتقام.

"من اليوم نوم ما في.. نكون أو لا نكون"

قد يصف هذا القول حال قواته بأنها قد انتقلت من طور الهجوم لكسب أراض ومواقع جديدة لتقوية وضعها العسكري والإستراتيجي إلى طور "الدفاع"، وهي نقلة كبرى ربما تعني في جوهرها الهزيمة، فالحرب الوجودية يكون فيها الخطر أو المهدد قاب قوسين أو أدنى، وأنه أصبح وشيكا وفي نطاق "المسافة صفر"، بحيث يصبح احتمال الوجود مساويا للعدم.

"نضفوا الطابور الخامس"

وربما كانت الدلالة الأكثر بؤسا في هذه الإشارات والأكثر خطورة، حيث قد يفهم منها أن حميدتي ترك لقادة قواته الميدانيين أن يقوموا بتصفية من يشكون في ولائهم ومن يظنون أنهم يتخابرون مع الجيش السوداني والقوات المساندة له، مما قد يفتح الباب على مصراعيه لتصفية الحسابات بين الفئات المكونة للدعم السريع وتركيبتها القبلية التي تتسم بالتعقيد الشديد.

وهي ربما وصفة لوقوع مزيد من الشرخ والتصدع الداخلي وسط هذه القوات، خاصة أن كثيرا من العناصر داخل الدعم السريع أصبح لديها قناعة بعدم جدوى القتال، وتعيش هذه القوات منذ فترة حالة من التوهان، واعترت مجموعاتها القتالية حمى الانسلاخ من صفوف الدعم السريع، والانضمام للجيش السوداني، طواعية وبكامل عتادها العسكري.

إعلان

وقد بدأت موجة الانشقاقات منذ أكتوبر/تشرين الأول 2024 بانسلاخ القائد الميداني أبو عاقلة كيكل، ومعه قواته والذي كان له دور كبير بعد ذلك في تحرير العديد من المدن والمناطق، ومنها بارا وجبرة الشيخ، ولا يزال في الميدان.

وجاء انشقاق القائد الميداني اللواء النور القبة في أبريل/نيسان الماضي، وانضمامه للجيش السوداني ضربة قوية لقوات الدعم السريع هزت أركانها، ثم تبعه القائد الميداني "السافنا"، ولم يتوقف تدفق سيل المنشقين عن الدعم السريع حتى الأسبوع الماضي، حيث استسلم 280 عنصرا من هذه القوات بعتادهم للجيش.

القادة العسكريون لا يعطون الأوامر والتعليمات الخاصة بالمعارك عبر أثير السوشيال ميديا، ولا يلقون عليهم عبء التخطيط للمواجهات بهذه الطريقة الغريبة التي تشي بوضوح أن هذه القوات لا علاقة لها بالنظم والقواعد والتراتبية العسكرية، وأن قائدها حميدتي قد لا يعرف الكثير في هذا المجال

"اللعبة ستتغير وسأكون معكم في الخطوط الأمامية"

وهو وعد قد لا يستطيع حميدتي الوفاء به، ويأتي ربما في سياق رفع الروح المعنوية، وأنه يدرك فداحة الهزيمة التي تلقتها قواته وخسارته ترسانة أسلحة متطورة ومقاتلين لا يمكن تعويضهم، بعد أن نفدت وجفت الروافد التي كانت تمده، حيث التهمتهم الحرب وقضت عليهم إما بالقتل وإما بالإعاقة والعاهات المستديمة، ومعظمهم من الشباب صغار السن، وفيهم أطفال يافعون تم تجنيدهم قسرا وعلى عجل والزج بهم في أتون الحرب.

وبخصوص تغيير اللعبة فكل المؤشرات في الوقت الراهن لا تشير إلى إمكانية إحداث تغيير داخلي إيجابي. ويبقى السؤال ملحا يا ترى ماذا يعني بتغيير اللعبة؟ هل يعني أن الجهات الداعمة له ولقواته قد تعهدت بتصعيد أكبر وأشمل؟ أم ماذا؟

عموما ليست هذه هي المرة الأولى التي يلوح بها حميدتي بالتصعيد، فهو وعيد مكرر لم يستطع تحقيقه على مر سنوات تمرده على الدولة السودانية.

الأربعاء، 22 يوليو 2026

كيف ساقت الأمم المتحدة 8 آلاف مسلم إلى مقصلة سربرنيتسا؟

كيف ساقت الأمم المتحدة 8 آلاف مسلم إلى مقصلة سربرنيتسا؟

سلمى لكرافل
في سنة 1995 كانت قرية سربرنيتسا الواقعة في أقصى شرق البوسنة على موعد مع أسوأ عملية إبادة جماعية بعد الحرب العالمية الثانية (وكالة الأناضول)

في صيف عام 1995، ووسط حرارة يوليو/تموز الخانقة، تحول الفتى "ندزاد أفديش" (17 عاما) إلى بطل من قلب المأساة في مدينة سربرنيتسا شرق البوسنة. فبعد سقوط المدينة وفشل محاولته للنجاة عبر "طريق الموت"، اقتيد مع مئات الأسرى إلى خنادق الإعدام. هناك، وحين انهمر الرصاص حاصدا الأرواح، سقط ندزاد جريحا لكنه تظاهر بالموت، محتميا بأجساد الضحايا وسط الدماء.

مع حلول الليل، زحف بجسده المنهك خارجا من حفرة الموت لينجو بأعجوبة، ويتحول لاحقا من ضحية صامتة إلى شاهد ناطق أمام محكمة لاهاي، مقدما قصته دليلا حيا على الإبادة الجماعية التي استهدفت مسلمي البوسنة، والتي صنفت كأسوأ مجزرة شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

أمام هذا المشهد، يبرز سؤالان: كيف تحولت المنطقة التي وعدت بالأمان إلى مقبرة جماعية مفتوحة؟ ولماذا وقفت أقوى منظمة في العالم مشلولة وسلمت الضحايا لجلاديهم؟

في عام 1993، وبدلا من وقف العدوان، أعلنت الأمم المتحدة سربرنيتسا "منطقة آمنة". هذا القرار حول المدينة إلى "وعاء بشري"؛ إذ تدفق إليها عشرات الآلاف من اللاجئين ظنا منهم أنها محمية، ليصبحوا محاصرين تماما داخل جيب صغير

بداية الشرارة.. انهيار يوغسلافيا

لم يكن انهيار يوغسلافيا في بداية التسعينيات مجرد تفكك سياسي لنظام حكم، بل كان الشرارة التي أشعلت حروبا عرقية دامية بدأت في سلوفينيا وكرواتيا، قبل أن تبلغ ذروتها الوحشية في البوسنة والهرسك. بدأت القصة حين أعلنت "البوسنة والهرسك" استقلالها في أبريل/نيسان 1992.

هنا انفجر الصراع بين "البوسنيين" أغلبية مسلمة تسعى لدولة مستقلة وبين "صرب البوسنة" أرثوذكس مدعومين من بلغراد يسعون لضم الأراضي لـ"صربيا الكبرى. في خضم هذا الصراع، كانت سربرنيتسا، تلك المدينة الصغيرة في شرق البوسنة المتاخمة للحدود الصربية، تمثل عائقا جغرافيا وسكانيا أمام حلم "الدولة الصربية النقية" الذي يقوده الزعيم الصربي رادوفان كاراديتش.




بداية الحرب الصربية البوسنية

في بداية الحرب أبريل/نيسان 1992، شنت القوات الصربية هجوما كاسحا على مدن شرق البوسنة المحاذية لنهر درينا الحدودي مع صربيا. سقطت هذه المدن بسرعة وتم تطهيرها عرقيا. لكن القوات البوسنية تمكنت بعد ذلك من استعادة السيطرة على مدينة سربرنيتسا من القوات الصربية.

هذا الحدث جعل سربرنيتسا "المنطقة المحررة" الوحيدة تقريبا في وسط محيط كامل من السيطرة الصربية. بالنسبة للنازحين التائهين في الغابات والجبال، كانت سربرنيتسا تمثل "الجزيرة الآمنة الوحيدة" وسط طوفان الحرب، فلجؤوا إليها تلقائيا.

حاصرت القوات الصربية المدينة وعزلتها عن العالم، فتدفق إليها عشرات الآلاف من النازحين ليتضخم عدد المحاصرين داخلها إلى ما يقارب 60 ألف نسمة. فتحولت من مركز اقتصادي إلى "سجن كبير" يعيش سكانه على المساعدات وتحت رحمة القناصة والقصف اليومي.

قرارات الأمم المتحدة.. صناعة الضحية العاجزة

في مارس/آذار 1993، وحين كانت المدينة على وشك السقوط بيد الصرب، دخل الجنرال الفرنسي فيليب موريلون، قائد قوات الأمم المتحدة، إلى البلدة المحاصرة. حاصره آلاف اللاجئين ومنعوه من المغادرة، فصعد الجنرال إلى شرفة مكتب البريد وأطلق عبارته الشهيرة التي خلدها التاريخ كواحدة من أكبر الكذبات السياسية: "أنا باق هنا معكم.. لن أتخلى عنكم أبدا".

هذا "الوعد العاطفي" المرتجل هو الذي أحرج المجتمع الدولي وأجبر مجلس الأمن على تحويل "الوعد الشفهي" إلى "قرار رسمي محولا سربرنيتسا من مدينة تحت الحرب إلى "سجن كبير" تحت ما وصف بوهم الحماية الدولية.

لم يكن الإخفاق نظريا فقط، بل أيضا عملياتيا. إذ أرسلت الأمم المتحدة قوة حفظ سلام تعرف بـ"الكتيبة الهولندية" لحماية الجيب. لكن هذه الوحدة العسكرية كانت تعاني من نقص فادح في العدد والعتاد واللوجيستيات

القرار 713.. تجريد الضحية من السلاح

في سياق استقلال البوسنة والهرسك وبداية شرارة الحرب مع صرب البوسنة. فرض مجلس الأمن حظرا لتوريد السلاح، مما ترك البوسنيين عزلا بلا ترسانة عسكرية أمام آلة الحرب الصربية المتفوقة، مما جعل التطهير العرقي سهلا وممنهجا بحسب خبراء عسكريين.

القرار 819.. وهم المنطقة الآمنة

في عام 1993، وبدلا من وقف العدوان، أعلنت الأمم المتحدة سربرنيتسا "منطقة آمنة". هذا القرار حول المدينة إلى "وعاء بشري"؛ إذ تدفق إليها عشرات الآلاف من اللاجئين ظنا منهم أنها محمية، ليصبحوا محاصرين تماما داخل جيب صغير، مكدسين وعاجزين، في انتظار اللحظة التي يقرر فيها الصرب الانقضاض عليهم.

لم يكن الإخفاق نظريا فقط، بل أيضا عملياتيا. إذ أرسلت الأمم المتحدة قوة حفظ سلام تعرف بـ"الكتيبة الهولندية" لحماية الجيب. لكن هذه الوحدة العسكرية كانت تعاني من نقص فادح في العدد والعتاد واللوجيستيات، ومكبلة بقيود صارمة لقواعد الاشتباك تمنعها من استخدام القوة إلا للدفاع عن النفس.

هذا الضعف التقطه الجنرال الصربي راتكو ملاديتش بذكاء، حيث أدرك أن القوة الأممية مجرد "رمز ضعيف" مُجرد من الإرادة السياسية، مما شجعه على تحويل المنطقة الآمنة إلى نقطة تجميع للضحايا لتسهيل المذبحة.



يوليو/تموز 1995.. مناطق "آمنة" تحولت إلى مصيدة موت

في يوليو/تموز 1995، حين شنت القوات الصربية بقيادة راتكو ملاديتش هجوما عنيفا تحت مسمى "عملية كريفيا 95". في تلك الساعات، طلبت الكتيبة الهولندية الدعم الجوي من "الناتو"، لكن الرد تأخر بسبب حسابات سياسية وتردد في القيادة، ما أدى لإلغاء الردع تماما، وتأكد الصرب من التخلي الدولي عن الجيب، فسقطت المدينة بعد 5 أيام فقط من الهجوم.

وفي مشهد سريالي وثقته الكاميرات، شرب الجنرال الصربي نخب الانتصار مع قائد القوات الهولندية، بينما كانت الحافلات تجهز في الخارج لفصل الرجال عن النساء. امتد هذا الاستسلام إلى مجمع "بوتوتشاري" الأممي، حيث احتمى نحو 5 آلاف مدني بالجنود الهولنديين، لكن تحت التهديد واحتجاز الرهائن، سمحت الكتيبة للقوات الصربية بدخول المجمع واقتياد المدنيين أمام أنظارها إلى حفر الإعدام. لقد سلمت الأمم المتحدة "المفتاح" للقاتل، وفتحت البوابات ليشهد العالم بثا حيا للإبادة.

ولم يتحرك العالم إلا بعد فوات الأوان، وتحديدا في أواخر أغسطس/آب 1995، بعد قصف سوق "ماركالي" الذي أودى بحياة 37 شخصا؛ حيث انطلقت عملية "القوة المتعمدة" الجوية، التي أجبرت القوات الصربية أخيرا على الانسحاب والجلوس إلى طاولة المفاوضات لتوقيع اتفاقية "دايتون".

تظل سربرنيتسا درسا مكتوبا بالدم يذكرنا بحقيقة قاسية: عندما تتحول المؤسسات الدولية إلى بيروقراطية باردة تعامل الضحية والجلاد بحياد، فإن النتيجة الحتمية هي الإبادة

لماذا فشل العالم؟ 

يجمع فقهاء القانون الدولي على أن مأساة سربرنيتسا لم تكن حدثا معزولا، بل ذروة لسلسلة من الإخفاقات الهيكلية في النظام الدولي. فمن الناحية القانونية، رسخ هذا الحدث مبدأ المحاسبة، إذ أصدرت المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة (ICTY) أحكاما تاريخية أدانت القادة المسؤولين، وعلى رأسهم رادوفان كاراديتش وراتكو ملاديتش.

وفي هذا السياق، يؤكد السير جيفري نايس، المدعي العام السابق في المحكمة، أن "العدالة الدولية، وإن نجحت في معاقبة الأفراد، فإنها تظل قاصرة ما لم تكشف القصة الكاملة للتخاذل".

ومن منظور قانوني مستقل وأكثر حدة، يرى البروفيسور فرانسيس بويل، أستاذ القانون الدولي الذي مثل البوسنة، أن مسؤولية المجتمع الدولي تتجاوز "الفشل" لتصل إلى "التواطؤ القانوني"، معتبرا أن حظر التوريد (القرار 713) جرد الضحية من حق الدفاع عن النفس.

سياقات الفشل المتكرر.. من رواندا إلى العراق

لا يمكن قراءة فشل سربرنيتسا بمعزل عن سياقات سابقة ولاحقة، أبرزها الإبادة الجماعية في رواندا (1994)، حيث سحبت الأمم المتحدة معظم قواتها (UNAMIR) بدلا من تعزيزها، تاركة التوتسي لمصيرهم، وهو ما اعتبره القانونيون "تخليا عن الواجب" رغم التحذيرات المبكرة.

كما يبرز النموذج العراقي لاحقا، وتحديدا في برنامج "النفط مقابل الغذاء"، كدليل على الفساد الإداري والفشل في حماية السكان من العقوبات الشاملة التي أضرت بالمدنيين أكثر من النظام، مما عزز الشكوك حول الكفاءة الأخلاقية للمنظمة.

وفي تعليقه على هذا النمط المتكرر، يقول البروفيسور ريتشارد فولك، أستاذ القانون الدولي الفخري بجامعة برينستون والمقرر الخاص السابق للأمم المتحدة: "إن خطيئة الأمم المتحدة الكبرى في رواندا وسربرنيتسا، ولاحقا إخفاقاتها في العراق، لا تكمن في ضعف الإمكانات، بل في "الشلل الجيوسياسي"؛ حيث يتحول القانون الدولي من أداة لحماية الشعوب إلى ورقة مساومة بين القوى العظمى في مجلس الأمن، مما يجعل المنظمة شريكا سلبيا في المآسي بدلا من أن تكون حارسا للسلم".

صحوة متأخرة

تظل سربرنيتسا درسا مكتوبا بالدم يذكرنا بحقيقة قاسية: عندما تتحول المؤسسات الدولية إلى بيروقراطية باردة تعامل الضحية والجلاد بحياد، فإن النتيجة الحتمية هي الإبادة. اعتراف كوفي عنان بـ"الفشل المنهجي" لم يكن مجرد نقد للذات، بل كان إدانة لنظام عالمي يملك القدرة على الحماية لكنه يفتقد الإرادة.
ويبقى السؤال الذي يطرحه كل ناج من تلك المجزرة اليوم: هل استوعب العالم الدرس وطور آليات حقيقية لـ "المسؤولية عن الحماية"، أم سنشهد سربرنيتسا أخرى في مكان آخر، ونكتفي مجددا بعبارات الأسف والقلق؟

الاثنين، 29 يونيو 2026

الغرام المسموم.. ألمانيا تدفع ثمن علاقتها بإسرائيل

 الغرام المسموم.. ألمانيا تدفع ثمن علاقتها بإسرائيل

أستاذ كرسي الدراسات العربية والإسلامية في جامعة كومبلوتنسي بمدريد.

للمرة الأولى، عجزت ألمانيا عن حشد الأصوات اللازمة، لترشيحات أحد المقاعد الدورية العشرة في مجلس الأمن، وهو ما فُسِر على أنه ثمن باهظ وعقاب لها على دعمها غير المشروط لسياسة الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل، وكذلك مشروعها الاستعماري. وقد كشفت هذه الهزيمة أن ألمانيا تزداد عزلة على الساحة الدولية، الأمر الذي سيكلفها خسارة فادحة على المستوى الأوروبي أيضا عاجلا أم آجلا.

من أبرز سمات السياسة الخارجية الألمانية دعمها الراسخ لإسرائيل، وتعتبرها الممثل الشرعي للمجتمع اليهودي. ويتجاوز هذا الالتزام مجرد الدفاع عن حقها في الوجود، إذ ينطوي أيضا على دعم نظام الفصل العنصري (الأبارتيد) في الضفة الغربية، وحرب الإبادة الجماعية في غزة.

فعندما غزت روسيا جارتها أوكرانيا، نددت ألمانيا بشدة بانتهاك القانون الدولي، وتحركت بسرعة للدفاع عن السيادة الأوكرانية. أما في حالة قطاع غزة، فقد اصطفت ألمانيا إلى جانب المعتدي وليس المعتدى عليه، مما يفضح ازدواجية المعايير التي لا تخطئها عين.

لذا فإنه لفهم وتفسير أسباب هذا الموقف، لا بد في البدء من استعراض موجز للعلاقات الثنائية خلال العقود الماضية. ففي عام 1952، تعهدت جمهورية ألمانيا الاتحادية بتقديم مساعدة اقتصادية ضخمة لإسرائيل (نحو 9 مليارات دولار بأسعار الصرف الحالية)، على مدار 12 عاما، في محاولة للتعويض عن مسؤوليتها في الهولوكوست. وبفضل هذه المساعدات، أصبحت بون الشريك التجاري الأول لإسرائيل، متفوقة حتى على فرنسا والولايات المتحدة في السنوات الأولى لنشأة الدولة العبرية.

ثم دخلت العلاقات الثنائية مرحلة جديدة بعد حرب السويس عام 1956، عندما تعهدت سلطات ألمانيا الغربية بتقديم مساعدات عسكرية نوعية لإسرائيل، شملت دبابات ومروحيات وأسلحة متنوعة؛ لمواجهة الجبهة المتقدمة بقيادة مصر وسوريا.

إعلان

وقد أُبقي هذا الاتفاق طي الكتمان لسنوات لتجنب ردة فعل منظمة الدول المصدرة للطاقة، وقطع إمداداتها النفطية. وأخيرا، في عام 1965، أقام البلدان علاقات دبلوماسية كاملة، مما دفع معظم الدول العربية إلى قطع علاقاتها مع بون.

وبعد سقوط جدار برلين وإعادة توحيد ألمانيا، تحول الدعم المطلق لإسرائيل إلى "مصلحة عليا للدولة"، كما أعلنت المستشارة أنجيلا ميركل في عام 2008.

عندما غزت روسيا جارتها أوكرانيا، نددت ألمانيا بشدة بانتهاك القانون الدولي، وتحركت بسرعة للدفاع عن السيادة الأوكرانية. أما في حالة قطاع غزة، فقد اصطفت ألمانيا إلى جانب المعتدي وليس المعتدى عليه

وقد أجمعت التيارات السياسية الرئيسية، بما فيها اليمين المتطرف، على ضرورة ضمان أمن إسرائيل في مواجهة التهديدات الخارجية. بيد أن هذه العقيدة تجاهلت حقيقة أن إسرائيل، بوصفها قوة احتلال، هي من كانت تشكل تهديدا لاستقرار الشرق الأوسط؛ بسبب محاولاتها المتكررة لتأسيس "إسرائيل الكبرى" بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية.

وفي أعقاب هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول، زار كبار القادة الألمان إسرائيل للتعبير عن تضامنهم، وتأكيد حقها في الدفاع عن النفس. وقد تذرع المستشار أولاف شولتس بالمسؤولية التاريخية لألمانيا تجاه إسرائيل؛ لتقديم دعمه غير المشروط للحملة العسكرية ضد حماس، والتزم صمتا متواطئا إزاء التدمير الممنهج للبنى التحتية المدنية، والتهجير القسري لمليوني فلسطيني.

كما أنه لم يرفع صوته لإدانة قطع إسرائيل إمدادات الغذاء والماء والأدوية، في عقاب جماعي واضح ضد سكان غزة، وهو ما يُعد جريمة حرب صريحة وفقا لاتفاقيات جنيف لعام 1949.

وفي السابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أقر البرلمان الألماني قرارا بعنوان: "لن يتكرر أبدا"، ساوى فيه بين أي انتقاد لدولة إسرائيل أو الصهيونية وبين معاداة السامية، وهو ما سمح بحظر المظاهرات المتضامنة مع فلسطين، أو إلغاء المؤتمرات والندوات المتعلقة بالوضع في الشرق الأوسط.

,جرمت ألمانيا تلك الأصوات التي تندد بالفصل العنصري في الضفة الغربية، والإبادة الجماعية في غزة. ووفقا للمنطق الذي تطبقه برلين، يجب اعتبار اليهود ضحايا أبديين، وبالتالي لا يمكنهم أبدا أن يمارسوا دور الجلاد. ويبدو جليا أن معاداة السامية في الماضي قد استُبدلت بـالإسلاموفوبيا في يومنا هذا، حيث يُحرم الفلسطينيون من حقهم في أن يُعدوا ضحايا.

لا يقتصر الدعم غير المشروط لإسرائيل على الصعيد الداخلي فحسب، بل اتخذت ألمانيا أيضا سلسلة من القرارات على الصعيد الدبلوماسي؛ لضمان الحصانة الإسرائيلية.

فحينما رفعت جنوب أفريقيا دعوى قضائية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب إبادة جماعية في ديسمبر/كانون الأول 2023، أعلنت ألمانيا أنها ستمثل أمام المحكمة دفاعا عن إسرائيل. وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة، صوتت ألمانيا ضد عدة قرارات لوقف إطلاق النار.

تحولت ألمانيا إلى متعاون مباشر وشريك أساسي في الإبادة الجماعية، بصفتها ثاني أكبر مورد للأسلحة لإسرائيل بعد الولايات المتحدة. حيث إن ألمانيا زودت إسرائيل بـ30% من الأسلحة التي دمرت بها قطاع غزة بالكامل، وقتلت بها ما لا يقل عن 73 ألف فلسطيني

وتتويجا لهذا الانحراف، أعلنت في يناير/كانون الثاني 2024 سحب تمويلها لوكالة "الأونروا"، وذلك في الوقت الذي كانت فيه الحاجة إلى جهود الوكالة ماسة أكثر من أي وقت مضى في ظل محاولات إبادة السكان اللاجئين في قطاع غزة.

إعلان

أما داخل الاتحاد الأوروبي، فقد استخدمت برلين حق النقض (الفيتو) ضد أي عقوبات على إسرائيل؛ بسبب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها في غزة خلال العامين ونصف العام أثناء الحرب. وعندما طالبت إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا في فبراير/شباط 2024 بتعليق اتفاقية الشراكة؛ بسبب الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة لحقوق الإنسان الفلسطيني، أحبطت ألمانيا هذه المبادرة.

كما منعت برلين فرض عقوبات على أكثر الوزراء تطرفا في حكومة نتنياهو: بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، على الرغم من دعواتهما للتطهير العرقي وعمليات التعذيب الممنهجة التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تحولت ألمانيا إلى متعاون مباشر وشريك أساسي في الإبادة الجماعية، بصفتها ثاني أكبر مورد للأسلحة لإسرائيل بعد الولايات المتحدة. حيث إن ألمانيا زودت إسرائيل بـ30% من الأسلحة التي دمرت بها قطاع غزة بالكامل، وقتلت بها ما لا يقل عن 73 ألف فلسطيني (من بينهم 22 ألف طفل).

وعلى مدى العشرين عاما الماضية، باعت ألمانيا لإسرائيل أسلحة بقيمة 3.6 مليارات دولار، استُخدمت في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لا حصر لها.

ولم يتوقف هذا الدعم غير المشروط حتى عندما خلصت لجنة مستقلة تابعة للأمم المتحدة، في سبتمبر/أيلول 2024، إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة.

وأخيرا، أجبر الضغط الشعبي الحكومة على تعديل موقفها، حيث أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "يوجوف" في سبتمبر/أيلول 2025 أن اثنين من كل ثلاثة ألمان يعتقدون أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، مما دفع الحكومة إلى تجميد تصدير الأسلحة لمدة ثلاثة أشهر.

غير أن هذه الصادرات استؤنفت إثر هذا الحظر بعد توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية الرئيس دونالد ترمب. وعلى الرغم من الانتهاكات الممنهجة لهذا الاتفاق من جانب إسرائيل، والتي أسفرت عن أكثر من ألف قتيل في الأشهر السبعة الماضية، واصلت ألمانيا تزويد إسرائيل بالأسلحة.

ويبدو جليا أن ألمانيا قد غلبت ما يُسمى بـ"مصلحة الدولة" ومسؤوليتها التاريخية تجاه إسرائيل على التزامها بالقانون الدولي وحقوق الإنسان.

بيد أنه في الفترة ذاتها، قطعت إسبانيا علاقاتها الدبلوماسية مع تل أبيب، وفرضت حظرا على الأسلحة، ومنعت التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية؛ لتثبت بذلك أن الاتحاد الأوروبي لا يمكنه أن يقف مكتوف الأيدي أمام الإبادة الجماعية في غزة، وأنه قد حان الوقت لملاحقة المسؤولين الإسرائيليين عن جرائمهم الممنهجة ضد الشعب الفلسطيني.

السبت، 30 مايو 2026

متى الردّ على وقاحة نتنياهو؟

متى الردّ على وقاحة نتنياهو؟

مصطفى البرغوثي

في خطوة تكشف بوضوح الطبيعة الحقيقية للمخططات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني، أعلن رئيس حكومة الاحتلال، نتنياهو، قراره احتلال 70% من قطاع غزّة، في تصعيد خطير لا يمكن وصفه إلا بأنه تجديدٌ مباشرٌ لحرب الإبادة الجماعية التي تعرّض لها أبناء شعبنا أكثر من عامين. لا يمثّل هذا القرار مجرّد إجراء عسكري أو تكتيكاً حربياً، بل يشكل جزءاً من مشروع متكامل للتطهير العرقي، يهدف إلى اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وتدمير مقوّمات حياتهم الوطنية والإنسانية.

تتضاعف خطورة هذا الإعلان لأنه يأتي مترافقاً مع تصريحات سابقة لوزير جيش الاحتلال، يسرائيل كاتس، عمّا سمّاها "الهجرة الطوعية" لسكان غزّة، وهي تسمية مضللة لعملية تهجير قسري ممنهجة، ترقى إلى مستوى جريمة حرب مكتملة الأركان. فالحديث عن السيطرة على غالبية مساحة القطاع يعني عملياً دفع أكثر من مليوني فلسطيني إلى مزيدٍ من الحصار والتجويع والتشريد، وتحويل غزّة إلى منطقة غير قابلة للحياة، في محاولةٍ لفرض واقع جديد بالقوة العسكرية والإرهاب الجماعي، خصوصاً بعد أن أقدمت حكومة نتنياهو على مسح كل وجود للحياة أو البناء في المناطق التي تحتلها من قطاع غزّة، والتي وصلت نسبتها حتى إعلان نتنياهو إلى 64% من مساحة القطاع، في ما يمثل تكراراً حرفياً للتدمير الذي قامت به عصابات الحركة الصهيونية وحكومة إسرائيل في ما لا يقل عن 523 قرية وبلدة فلسطينية عام 1948، وينتمي إليها كثيرون من سكان قطاع غزّة اللاجئين، الذين تطاردهم إسرائيل بالتطهير العرقي المرّة تلو الأخرى.

أثبتت الشهور الماضية أن حكومة نتنياهو لا تعبأ بأي قانون دولي أو اعتبارات إنسانية، بل تستند إلى شعور كامل بالإفلات من العقاب نتيجة التواطؤ الأميركي والصمت الدولي المخزي. فمنذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ارتكب جيش الاحتلال ما يقارب ثلاثة آلاف خرق موثق للاتفاق، أدّت إلى استشهاد نحو 930 فلسطينياً وإصابة ما يقارب ثلاثة آلاف، رغم أن الجانب الفلسطيني لم يقابل هذه الخروق بأي ردٍّ عسكري. ومع هذا، لم نشهد أي تحرّك دولي جدّي لمحاسبة إسرائيل، أو حتى ممارسة ضغط فعلي عليها لوقف جرائمها.

يواصل الشعب الفلسطيني، رغم كل ما يتعرض له من قتل وتجويع وتشريد، صموده الأسطوري وتمسّكه بأرضه وحقوقه الوطنية

شجّع هذا الصمت الدولي نتنياهو على المضي في سياسات التوسع والاحتلال وتجديد العدوان. بل إن نتنياهو، من خلال إعلاناته المتكرّرة وخروقه المتواصلة، لم يتردّد في إهانة جميع الوسطاء الدوليين والعرب، بما فيهم الإدارة الأميركية نفسها، والرئيس دونالد ترامب، وكل الجهات التي تحدثت عن ترتيبات لوقف الحرب أو ما يسمّى "مجلس السلام". ورغم هذا، ما زال الموقف الأميركي يفتقر إلى أي إجراءات رادعة حقيقية، بينما تواصل بعض الدول الغربية تقديم الغطاءين، السياسي والعسكري، لحكومة الاحتلال.

لا يمكن فصل ما يجري في قطاع غزّة عما يحدث في الضفة الغربية، حيث تتصاعد اعتداءات المستوطنين الإرهابيين وعمليات التوسع الاستيطاني والاقتحامات العسكرية اليومية، في إطار مشروع استعماري واحد، هدفه تكريس الاحتلال ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة، فالحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تضم أكثر القوى تطرّفاً وعنصرية في تاريخ إسرائيل، تسعى إلى استغلال حالة العجز الدولي لفرض وقائع نهائية على الأرض عبر القوة العسكرية والإرهاب المنظم، مضمونها الضم والتهويد والتطهير العرقي.

لقد بات واضحاً أن الحركة الصهيونية لا تريد سلاماً ولا حلاً سياسياً، بل تسعى إلى فرض معادلةٍ تقوم على التهجير والإخضاع بالقوة العارية. وما يجري اليوم في غزّة يمثل أخطر مرحلة في المشروع الإسرائيلي منذ عقود، لأن الهدف ليس فقط إخضاع الفلسطينيين، بل محاولة اقتلاعهم بالكامل وتصفية القضية الفلسطينية ومحاولة تحويل ما يتبقى منها إلى مسألة إنسانية بلا أبعاد سياسية أو وطنية. وقد تجاوزت وقاحة نتنياهو كل الحدود، عندما أعلن تأييده رؤية إسرائيل الكبرى التي تضم ليس فقط كل فلسطين والأردن ولبنان، بل ثلثي سورية ونصف العراق وجميع الكويت وثلث السعودية ونصف مصر. وللأسف لم يسمع نتنياهو ردّاً حاسماً على هذه الوقاحة.

ستتحمّل القوى المتواطئة والصامتة المسؤولية عن حمام الدم الذي تعمل حكومة نتنياهو على جرّ فلسطين ولبنان والمنطقة إليه

ومن هنا، تقع المسؤولية الأخلاقية والسياسية والقانونية على عاتق المجتمع الدولي بأسره، وخصوصاً الدول العربية والإسلامية ودول الاتحاد الأوروبي، التي لا يجوز لها الاكتفاء ببيانات القلق والإدانة الشكلية. المطلوب اليوم اتخاذ خطوات عملية وفورية لوقف هذا الانحدار الخطير نحو كارثة إنسانية وسياسية غير مسبوقة. فقد أصبح فرض مقاطعة شاملة وعقوبات فورية على حكومة نتنياهو ضرورة ملحة، بما في ذلك فرض حظر عسكري كامل ووقف كل أشكال التعاون التي تساهم في استمرار العدوان، فالتاريخ أثبت أن الأنظمة التي تمارس الاحتلال والعنصرية والأبارتهايد لا تتراجع إلا تحت ضغط حقيقي وعزلة دولية شاملة، كما حدث مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. كذلك إن القوى الحية في العالم، من حركات التضامن والنقابات والجامعات ومنظمات حقوق الإنسان، مطالبة اليوم بتصعيد حملات المقاطعة والعزل السياسي والأكاديمي والاقتصادي لإسرائيل، دفاعاً عن القيم الإنسانية وعن حق الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة والاستقلال.

يواصل الشعب الفلسطيني، رغم كل ما يتعرض له من قتل وتجويع وتشريد، صموده الأسطوري وتمسّكه بأرضه وحقوقه الوطنية. وكل محاولات كسر إرادته أو تهجيره ستفشل كما فشلت كل المشاريع الاستعمارية السابقة. فغزة، التي أصبحت رمزاً عالمياً للصمود والمقاومة الإنسانية، ستبقى شاهدة على فشل القوة العسكرية في إخضاع الشعوب التي تناضل من أجل حريتها.

وإذا لم يتحرّك العالم اليوم لوقف هذه الجرائم، لن تتوانى إسرائيل عن تجديد حرب الإبادة وستجر المنطقة بأسرها إلى مزيد من العنف وعدم الاستقرار، وستتحمّل القوى المتواطئة والصامتة المسؤولية الكاملة عن حمام الدم الذي تعمل حكومة نتنياهو على جرّ فلسطين ولبنان والمنطقة بكاملها إليه. ... فمتى يأتي الردّ على نتنياهو؟

الخميس، 15 يناير 2026

خذلناهم ثم اتهمنا المنخفض الجوي

 خذلناهم ثم اتهمنا المنخفض الجوي

وائل قنديل


ماذا يُفيد الطفل الفلسطيني العائد حافي القدمين إلى بقايا خيمةٍ مُمزّقة بإناءٍ فارغ أن نزفّ له خبر إطلاق دونالد ترامب إشارة الذهاب إلى المرحلة الثانية من خطّة لم تحقّق مرحلتها الأولى سوى مُفاقمة الجوع والعطش والموت بالبرد والقتل بالغارات الإسرائيلية؟ 

وما الذي يدعو إلى البهجة بقدوم المرحلة الثانية إذا كانت قفزاً على استحقاقات المرحلة الأولى وحرقاً لها؟ 

وماذا يملك الأشقّاء العرب للشعب الفلسطيني الذي تحاصره الكوارث سوى ما يشبه بيانات الإدانة والاستنكار للمُنخفض الجوي الذي يعصف بالأطفال والنساء؟

المبالغة في بيان شدّة المُنخفض الجوي الثاني الذي ضرب الفلسطينيين في قطاع غزّة نوع من الهروب من مواجهة الذات بعجزها، أو بالأحرى بقدرتها الفائقة على خذلان أولئك الذين صدّقوا أكاذيب من نوعية أنّ خطّة ترامب تُدفئ وتُطعم وتُؤمّن أكثر من مليون فلسطيني لم يتوقّف الاحتلال عن إعمال آلة القتل والتشريد فيهم، في المرحلة التي سُميّت، بُهتاناً وتدليساً، مرحلة وقف إطلاق النار.

 بحسب إحصاءات المكتب الإعلامي الحكومي في غزّة، وقع نحو 1244 خرقاً صهيونيّاً، خلال المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزّة، ما أسفر عن وقوع 1760 فلسطينياً بين شهداء وجرحى ومُعتقلين، بواقع 449 شهيداً و1246 مصاباً و50 مخطوفاً ومُعتقلاً على يد قوات الاحتلال، كما وثّق المكتب 402 جريمة إطلاق نار مباشرة ضدّ المدنيين، و66 جريمة توغّل للآليات العسكرية داخل المناطق السكنية، و581 جريمة قصف واستهداف لمواطنين عُزّل ومنازلهم، و195 جريمة نسف وتدمير لمنازل ومؤسّسات وبنايات مدنية.

على المستوى الإنساني، واصل الاحتلال أعمال الإبادة الجماعية البطيئة من خلال منع دخول الغذاء والدواء والخيام، على الرغم من الالتزامات المنصوص عليها في الاتفاق وفي البروتوكول الإنساني، إذ لم يلتزم بالحدّ الأدنى من كميات المساعدات المُتّفق عليها، حيث لم يدخل إلى قطاع غزّة خلال المرحلة الأولى من الاتفاق (95 يوماً) سوى 24,611 شاحنة من أصل 57 ألف شاحنة يُفترض إدخالها، بمتوسّط يومي 259 شاحنة فقط من أصل 600 شاحنة مُقرّرة يومياً، أي بنسبة التزام 43%، ما أدّى إلى استمرار النقص الحاد في الغذاء والدواء والمياه والوقود، وتعميق مستوى الأزمة الإنسانية الكارثية في قطاع غزّة.

كما بلغت شحنات الوقود الواردة إلى قطاع غزّة خلال الفترة نفسها601 شاحنة فقط من أصل 4,750 شاحنة وقود يُفترض دخولها، بمتوسّط ست شاحنات يومياً من أصل 50 شاحنة مُخصّصة وفق الاتفاق، أي بنسبة التزام حوالي 12%، وهو ما يُبقي المستشفيات والمخابز ومحطّات المياه والصرف الصحي في حالة شبه شلل، ويضاعف معاناة السكان المدنيين.

ماذا تعني هذه الأرقام؟ 

تعني أولاً أنّ الاحتلال مدعوماً بإدارة ترامب يتصرّف وفق منطق إذا أردت التهرّب من التزامات مرحلةٍ من الاتفاق، ما عليك سوى إحراق المرحلة، والقفز إلى مرحلةٍ جديدة، ثم تظاهر بأنّك غير مرحِّبٍ بالانتقال إلى المرحلة الثانية، ثم تعني ثانياً، وهذا هو الأهم، أنّ الخذلان العربي بات يجد له مخبًأ آمنًا في دهاليز خطّة ترامب، التي تُثبت كلّ يوم أنّها ليست أكثر من منح جرائم الاحتلال الإسرائيلي غطاءً عربيّاً إسلاميّاً يوفّره توقيع الضامنين الثمانية على اتفاق شرم الشيخ.

كان من المُنتظر، مع بدء المرحلة الأولى من الاتفاق، والتي اشتملت على وعود وإغراءات كثيرة مُتعلّقة بالجوانب الإنسانية أن يكون العرب أكثر جسارة في تقديم ما عجزوا، أو تقاعسوا عن تقديمه للشعب الفلسطيني طوال عامي حرب الإبادة، وأن يشعر المحاصرون بالجوع والقتل بتغييرٍ هائلٍ في أحوالهم المعيشية، غير أنّ الوضع بقي على ما هو عليه من خذلان، وإلا ما معنى أن تصرخ هيئات الإغاثة ومنظّمات العمل الإنساني الدولية بأنّ هناك ستة آلاف شاحنة على المعابر، تتكدّس فيها الخيام والمُساعدات الغذائية والطبيّة، لكنها لا تستطيع أن تتقدّم خطوة واحدة صوب قطاع غزّة؟

الشاهد أنّ الذين يُحاصرهم الموت داخل خيام مُمزّقة تكاد تقتلعها الرياح والأمطار مُحاصرون كذلك بعجز (وخذلان) أمّة تبدو مثل خيمة مهترئة تمتدّ من المحيط إلى الخليج، يعصف بها منخفض حضاري غير مسبوق.

الخطر الذي يهدّد قطاع غزّة ليس المنخفض الجوي فقط،  بل هو أيضاً الانخفاض الإنساني والهبوط إلى قاع العجز وانعدام القيمة وقلّة الحيلة.