‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالاتد. مصطفى البرغوثي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالاتد. مصطفى البرغوثي. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 16 نوفمبر 2025

لم تنته الحرب

لم تنته الحرب

مصطفى البرغوثي


رسمياً هناك وقف لإطلاق النار في قطاع غزّة، وهناك عدم إطلاق نار في الضفة الغربية، ولكن الحرب التي بدأتها إسرائيل في أكتوبر/ تشرين الأول 2023 لم تنته، فجيش الاحتلال الإسرائيلي ما زال يحتلّ 53% من قطاع غزّة، وما زال يشن عمليات القصف الجوي والمدفعي على شرق القطاع، وقد خرق اتفاق وقف إطلاق النار على باقي المناطق 286 مرّة، وأودى بحياة ما لا يقل عن 245 فلسطينياً وجرح ما يزيد على 620 مدنياً.

وتتعمّد إسرائيل عدم تنفيذ باقي بنود اتفاق وقف النار، إذ لم تسمح إلا بدخول 43% من شاحنات المساعدات الإنسانية، ومنعت دخول الآليات الضرورية لإزالة الركام، وتعطّل أيضاً وصول المواد والأجهزة الطبية الضرورية لإنقاذ حياة عشرات الآلاف، وتستمر في إغلاق معبر رفح، ولم تنفذ أي انسحاب إضافي من المناطق التي يحتلها جيشها. 
كذلك تتعمّد إسرائيل مواصلة احتلال جميع المناطق الزراعية في القطاع، وتحرم غزّة المياه النقية ومصادر الطاقة، وتحاصر البحر لمنع الصيادين من الحصول ولو على نزر يسير من الأسماك التي يمكن أن تسد رمق بعض الجياع في القطاع.

وتتعرض الضفة الغربية، بما فيها القدس، لاستباحة مزدوجة من جيش الاحتلال وعصابات الإرهاب الاستيطانية التي تعيث فساداً في كل أنحاء الضفة، وتحرق البيوت والحافلات والمركبات، وتدمر المزارع والمصانع وتقتلع الأشجار، وقد منعت فعلياً المزارعين من جني معظم محصول الزيتون لهذا العام، وحتى اللحظة أدت اعتداءات المستوطنين الإرهابيين الذين سلحهم الوزير الإسرائيلي الفاشي بن غفير بما لا يقل عن مائة ألف قطعة سلاح، إلى قتل عشرات وترحيل ما لا يقل عن 60 تجمّعاً سكانياً في الضفة الغربية.
الحراك التضامني العالمي مع الشعب الفلسطيني يجب أن يتصاعد، لا أن يتراجع
وتستمر عمليات التنكيل الوحشي بالأسرى، بما في ذلك التجويع، والتعذيب، والضرب الوحشي، وحتى الاغتصاب، بالإضافة إلى حرمان العلاج والرعاية الطبية. بل تُحرم عائلات الأسرى السفر للقاء أحبتها الذين أبعدهم الاحتلال بعد عقود من الأسر في سجونه.

ولم تعد إسرائيل تحترم أي صلاحية أو سلطة للسلطة الفلسطينية التي جُردت من قدراتها الاقتصادية ومعظم دخلها، وسُلبت صلاحياتها الأمنية والمدنية، وهي تقف عاجزة عن حماية أي فلسطيني من اعتداءات جيش الاحتلال وعصابات الإرهاب الاستيطانية.

وتتصاعد الاعتداءات على المقدّسات الإسلامية والمسيحية، وتُخنق القطاعات الاقتصادية والخدمات الصحية والتعليمية بألف حاجز عسكري وما لا يقل عن مائتي بوابة عسكرية تحول القرى والمدن إلى معازل وبانتوستانات صغيرة وسجون.

الحرب لم تنته، بل تتصاعد على الشعب الفلسطيني، على حريته، وحقه في تقرير المصير، على حقه في الأمن والأمان، وعلى مصادر رزقه ودخله، على أرضه ومياهه وأشجاره وأطفاله. ولم تتخلّ المنظومة الحاكمة الإسرائيلية، التي اضطرت إلى إحناء رأسها لعاصفة العزلة الدولية، عن هدفها السري، والمعلن، بالتطهير العرقي لكل الشعب الفلسطيني، سواء في غزّة، أو الضفة الغربية.

ولذلك، فإن الحراك التضامني العالمي مع الشعب الفلسطيني يجب أن يتصاعد، لا أن يتراجع. ويجب أن يتذكر الجميع أن هدف الحراك التضامني ليس مجرّد وقف حرب الإبادة، بل إنهاء كل منظومة الاحتلال والأبارتهايد والتمييز العنصري، وتحقيق الحرية الحقيقية والكاملة للشعب الفلسطيني. ولذلك أيضاً يجب إعادة طرح السؤال الأهم للشعب الفلسطيني: ما استراتيجية مواجهة هذه الحرب المفتوحة عليه وعلى مستقبله ومستقبل أبنائه، بل على روايته وتاريخه وحقه في الحرية وتقرير المصير؟ وكيف يمكن للشعب الفلسطيني مواجهة كل هذه المخاطر والانقسام، بل الانقسامات الداخلية، تنخر صفوفه دون توقف؟

لم يعد الأمر يحتمل أنصاف الحلول، أو مهادنة مشاريع المتواطئين مع إسرائيل

ولماذا كل هذا التقاعس عن إنهاء الخلافات التي لا معنى لها، والتوحد في قيادة وطنية موحدة، تفعّل طاقات الشعب الفلسطيني وتمنحه الأمل والثقة بنضاله الوطني؟ 
لماذا لا يواجه مشروع ترامب في الأمم المتحدة الذي يريد فرض الوصاية الأجنبية مرة أخرى على الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، ويريد فرض خطة تدجين عليه، وعلى روايته وتاريخه، ومناهجه الدراسية، وحقوق أسراه وعائلات شهدائه، بهدف إخضاعه لاستسلام مُذل يتنكر لنضاله ولتاريخه ولحقوقه الوطنية؟ 
لماذا لا يواجه برؤية فلسطينية موحدة ومدعومة عربياً، وخصوصاً من الوسطاء؟ رؤية ترفض الوصاية، وتؤكد أن إدارة غزّة ستكون فقط بيد الفلسطينيين، وترفض فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وتؤكد أن القوة الدولية يجب أن تكون قوة حفظ سلام ومراقبة لوقف إطلاق النار تضمن انسحاب إسرائيل، وليس قوة احتلال جديدة تتشارك مع الاحتلال الإسرائيلي في السيطرة على القطاع.

لم يعد الأمر يحتمل أنصاف الحلول، أو مهادنة مشاريع المتواطئين مع إسرائيل في سعيها إلى اقتلاع حق الشعب الفلسطيني في النضال من أجل حريته ومقاومة الظلم الذي يتعرّض له. ... 
الحرب على الشعب الفلسطيني لم تنتهِ، بل دخلت واحدة من أخطر مراحلها، ولا يملك الفلسطينيون رفاهية الانتظار أو التأجيل أو إنكار الواقع، ولا يحق لهم مواصلة انتظار المتقاعسين عن القيام بواجبهم، أو الذين تخلّوا عن إيمانهم بحقوق شعبهم.

الاثنين، 28 يوليو 2025

مات الوهم

مات الوهم

مصطفى البرغوثي

منذ نشأ الكيان الصهيوني على أرض فلسطين عمل على ترويج وهمين كبيرين، الأول أن إسرائيل هي الضحية، المعرّضة دوماً لمخاطر أمنية، وهي على استعداد دائم لحلول وسط مع العرب الذين يرفضون وجودها. والثاني، أنه لا وجود فعليا للشعب الفلسطيني، فالفلسطينيون هم مجرّد عرب، وليسوا قوماً لهم مقوّمات الشعوب.

ونتيجة نضال الشعب الفلسطيني الباسل، وما حققته ثوراته المتتالية، طوّرت المنظومة الصهيونية وهماً ثالثاً، استعدادها لحل وسط بالتفاوض مع الفلسطينيين، شريطة أن لا يرتقي إلى مستوى تطبيق حق تقرير المصير، أو إلى دولة فلسطينية حقيقية مستقلة. ولم توجد في كل تاريخ إسرائيل قوة يهودية تقبل بحقّ الفلسطينين في دولة مستقلة، أو بما يسمّى حل الدولتين.

صوت ما يسمّى "الكنسيت" أو البرلمان الإسرائيلي الأسبوع الماضي على قرار ينص على أن "الضفة الغربية جزء لا يتجزأ من أرض "إسرائيل"، الوطن التاريخي والثقافي والروحي للشعب اليهودي". كما نص على أن قيام دولة فلسطينية يشكّل تهديداً وجودياً لاسرائيل ومواطنيها والمنطقة بأسرها، وأن لإسرائيل الحق الطبيعي والتاريخي القانوني في جميع أرض إسرائيل (فلسطين التاريخية). وطالب القرار حكومة إسرائيل بتطبيق السيادة والإدارة الإسرائيلية في أسرع وقت على جميع مناطق الاستيطان في الضفة الغربية وغور الأردن.

لم يأت ذلك القرار مفاجئاً، ولا فريداً، إذ سبقه، قبل "7 أكتوبر" (2023)، إقرار الكنيست قانون القومية الذي ينصّ على أن لليهود وحدهم حق تقرير المصير في فلسطين التاريخية. وتبع ذلك قرار منع قيام دولة فلسطينية في يوليو/ تموز 2024، إضافة إلى قرار ضم القدس منذ 1968، ولكن الأهم من القرارات ما تفعله البولدوزرات الإسرائيلية، وما ينفذه الإرهابيون المستوطنون على الأرض. إذ بلغ التوسّع الاستيطاني أرقاماً قياسية لا سابق لها منذ احتلال الضفة الغربية والقدس في 1967، وامتدّت أنشطة الاستيطان الاستعماري إلى ما تسمّى مناطق أ، ب، إلى جانب الاستباحة الكاملة لمناطق ج، وجرّدت السلطة الفلسطينية من كل صلاحياتها الأمنية والمدنية.

يعيش الشعب الفلسطيني اليوم خطراً وجودياً لا مثيل له، وملامح نكبة فاقت في وحشيتها وآثارها نكبة 1948

ومع تربّع الفاشية الصهيونية على مقاعد الحكومة الإسرائيلية، بدأ فعلياً تنفيذ خطّة الحسم الصهيونية، ومضمونها ليس فقط الاستيلاء على كل شبر من أرض فلسطين، بل العمل أيضاً على تنفيذ تطهيرعرقي كامل، يبدأ في قطاع غزّة، لينتقل لاحقاً إلى الضفة الغربية التي بدأت فيها فعلياً، عمليات تطهير عرقي داخلي أدّت إلى تهجير ما لا يقل عن 40 موقعاً سكانياً، وترحيل ما لا يقل عن 65 ألف فلسطيني من بيوتهم، بمن فيهم سكّان مخيمات نور شمس وطولكرم وجنين. وهكذا يصبح اللاجئون الذين رحلوامن بيوتهم عام 1948 لاجئين مجدّداً، ومنهم بالطبع معظم سكّان قطاع غزّة.

وبمعونة ادارة ترامب الموالية بشكل مطلق لإسرائيل والمخطّطات الصهيونية، لم تعد إسرائيل بحاجة للأوهام. وهي لن تكتفي بالتطبيع مع الدول العربية، بل تريد فرض هيمنتها على المحيط العربي بكامله سياسياً واقتصاديا ًوعسكرياً واستخباراتياً.

وبعد ضعف ردود الفعل العربية والإسلامية على مجزرة الإبادة الجماعية والتجويع التي تنفذها في قطاع غزّة، تطاولت إسرائيل على لبنان وسورية واليمن، بعد أن شنّت حرباً على إيران... وقبل موت الوهمين الأولين، مات الوهم الثالث، منذ تنكّرت إسرائيل حتى لإتفاق أوسلو، رغم كل عيوبه ونواقصه من وجهة النظر الفلسطينية، ولم تعد تعباْ بفكرة التفاوض مع الجانب الفلسطيني غطاء لممارساتها.

يعيش الشعب الفلسطيني اليوم خطراً وجودياً لا مثيل له، وملامح نكبة فاقت في وحشيتها وآثارها نكبة 1948. ولا تمكن مواجهة هذا الخطر بالأساليب والمناهج التي فشلت، ولا باستمرار المراهنة على مفاوضاتٍ لن تحدُث أبداً، أو تمنية النفس بتدخّل وساطة أميركية، بعد أن كشفت الولايات المتحدة أنها شريك كامل في العدوان والمؤامرة.

الفاشية الصهيونية التي تجاوزت كل القوانين الإنسانية، وكل الأعراف البشرية، لن تردع إلا بمقاومتها واستنهاض أوسع حملة عقوبات عالمية ضدها

وفي التعامل مع ميزان قوى مختلّ لا بد من مراجعة جدّية لكل ما سبق، ولكل ما فشل، ولا بدّ من بلورة فهم دقيق وفعّال لطبيعة الصراع الدائر وسبل خوضه. ولا حلّ، بالتالي، سوى تبني استراتيجية وطنية وكفاحية مقاومة ليس فقط للاحتلال، بل أيضاً لكل مشروع الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، وكل ما تمثله العدوانية الإسرائيلية من مخاطر ليس فقط على الشعب الفلسطيني، بل على كل شعوب المنطقة. ولا تمكن مواجهة هذا التحدّي الهائل، بالقاء العبء كله على عاتق جزءٍ من الشعب الفلسطيني، سواء في قطاع غزّة أو الضفة الغربية، بل لا بد من تفعيل طاقات الشعب الفلسطيني والمتضامنين معه في كل مكان وأينما كان. ولا بد من إعادة بناء مشروع نضال وطني شامل، وتجاوز كل الانماط والخلافات الفصائلية التي لم يعد لها معنى، في ظل خطر داهم يلاحق الجميع، بل يهدّد كل وجود الشعب الفلسطيني وبقائه ومستقبله.

ولا بد من إدراك أن الفاشية الصهيونية التي تجاوزت كل القوانين الإنسانية، وكل الأعراف البشرية، لن تردع إلا بمقاومتها واستنهاض أوسع حملة عقوبات عالمية ضدها، وأول خطوة في الاتجاه الصحيح الاعتراف بما يفهمه كل طفل فلسطيني بالفطرة، أن وهم الحل الوسط مات ولن يعود.

السبت، 17 مايو 2025

لا مكان للحياد ولم يعد الصمت ممكناً

 لا مكان للحياد ولم يعد الصمت ممكناً

مصطفى البرغوثي

مصطفى البرغوثي  


بعد أن تجاوزت الوحشية الفاشية الإسرائيلية كل الحدود، وأوغلت في بطشها بحياة الفلسطينيين، خصوصاً في قطاع غزّة، لم يعد هناك مكان للحياد بين القاتل والقتيل وبين المجرم والضحية. ولم يعد كثيرون من قادة دول الغرب قادرين على مواصلة صمتهم الطويل، بعد أن أعطوا لإسرائيل الوقت الكامل، وسمحوا لها بأن تقصف وتقتل وتنفذ جريمة الإبادة الجماعية على 19 شهراً، متذرعين بالسابع من أكتوبر، وبعد أن فشلت في تحقيق أيٍّ من أهدافها العسكرية والسياسية المعلنة، سوى هدف واحد، قتل الأطفال والمدنيين رجالاً ونساء، حتى تجاوز عدد الشهداء 62 ألفاً، وعدد الجرحى والمصابين 120 ألفاً.

وبدأنا نسمع رئيس وزراء إسبانيا يصف ما يجري بالإبادة الجماعية، ووزير خارجية بلجيكيا يدعو إلى فرض العقوبات على إسرائيل، والرئيس الفرنسي يخرج ليقول "يجب أن تكون لنا استجابة إنسانية وسياسية بشأن غزّة، كي لا نكيل بمكيالين مقارنة مع موقفنا بشأن أوكرانيا". ويخرج قادة إسبانيا وأيرلندا وأيسلندا ولوكسمبرغ ومالطا وسلوفينيا والنرويج ليعلنوا أنهم "لن يصمتوا على الكارثة الإنسانية التي تحدُث أمام أعيننا في غزّة". 

أما الكاتب ديفيد هيرست فكتب أن إسرائيل خسرت حرب غزّة بالفعل، لكنها لا تعلم ذلك بعد. وأضاف "كما حدث في فيتنام فإن عاملين سيضعان حدّاً لهذه المذبحة، تصميم الفلسطينيين على البقاء على أرضهم، والغضب الشعبي المتصاعد في الغرب". ... 

لم يعد ممكناً إخفاء، أو تجاهل معالم جريمة وحشية أجبرت الضمائر النائمة أن تصحو، وأحرجت المتغافلين، والمتواطئين، والصامتين، عرباً كانوا أم أجانب، بدرجة لا سابق لها.

ألقت إسرائيل أكثر من مائة ألف طن من القنابل والصواريخ على سكان غزّة، بمعدّل 50 كيلوغراماً لكل رجل وامرأة وطفل، وما من طفل يصل وزنه اليوم في غزّة 50 كيلوغراماً. وتجاوزت القوة التفجيرية المستخدمة في غزّة خمسة أضعاف القوة التفجيرية لكل من القنبلتين النوويتين التي ألقتها الولايات المتحدة على هيروشيما وناغازاكي. وزادت نسبة الضحايا من الشهداء والجرحى عن 10% من سكان قطاع غزّة، ولو طبقت هذه النسبة على سكان الولايات المتحدة لتجاوز العدد 33 مليوناً من القتلى والجرحى، ولكم أن تتخيلوا ماذا كانت الولايات المتحدة ستفعل لو قُتل وجرح ثلاثة ملايين أميركي فقط، وليس 33 مليوناً، لكانت بالتأكيد ستقصف العالم بأسره بقنابلها النووية.

ألقت إسرائيل أكثر من مائة ألف طن من القنابل والصواريخ على سكان غزّة، بمعدّل 50 كيلوغراماً لكل رجل وامرأة وطفل، وما من طفل يصل وزنه اليوم في غزّة 50 كيلوغراماً

تعدّى الحصار الإسرائيلي الإجرامي 77 يوماً، مسبّباً المجاعة والعطش وانتشار الأوبئة والأمراض، وموت كثيرين من المرضى والجرحى بسبب انعدام العلاج، بل تجاوزت وحشية الحصار كل المعايير بمنع دخول مطاعيم الأطفال إلى قطاع غزّة، ما يعني بالتأكيد التسبب بانفجار أوبئة خطيرة كشلل الأطفال والدفتيريا والخناق والحصبة، التي ستصيب الصغار والكبار، وذلك يعني أن حكومة إسرائيل تسعى إلى إبادة الشعب الفلسطيني، ليس فقط بالقصف الهمجي المدمّر، والتجويع، بل بحرب بيولوجية من الأوبئة المُعدية. ويمثل إعلان الجيش الإسرائيلي أنه بدأ تطعيم جنوده باللقاحات المضادّة للأمراض المذكورة، تأكيداً لنية إسرائيل استخدام الحرب البيولوجية والتسبّب بانفجار هذه الأوبئة الخطيرة.

لا يستطيع أي من زعماء العالم الذي يدّعي التحضر الادعاء بعد اليوم أنه لم يعرف، أو لم ير، ارتكاب جريمة الإبادة والتطهير العرقي والعقوبات الجماعية الأكثر وحشية في العصر الحديث ضد شعبٍ بكامله، فهي منتشرة على شاشات العالم، وعلى كل وسائل الاتصال الاجتماعي، وحاضرة في كل نشرات العالم الإخبارية، حتى عندما تحاول المحطّات الموالية لإسرائيل إخفاءها. وكما لم يستطع الجبناء أن يخفوا تواطؤهم بالصمت أو بالمشاركة، مع جريمة الهولوكوست في الحرب العالمية الثانية، لن يستطيع جبناء اليوم أن يخفوا تواطؤهم مع جريمة الهولوكوست الثانية الجارية في غزّة.

لن نرحل ولن ننكسر، ولن نتراجع، ولن نخضع للبطش الاستعماري الاستيطاني الإحلالي

ولن تسمح الشعوب للمتواطئين وحكوماتهم بمواصلة التعايش مع الجرائم ضد الإنسانية، فصوت الشعوب بدأ يهدر في شوارع العالم بقوة غير مسبوقة، تذكّرنا بثورة العالم ضد الحرب الهمجية على فيتنام، وبثورة العالم ضد نظام الأبارتهايد العنصري في جنوب أفريقيا.

تفاخر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه يعود إلى الولايات المتحدة من زيارته الخليج العربي بوعود واتفاقيات استثمار تتجاوز أربعة تريليونات دولار، وآن أوان أن يسمع بوضوح أن تنفيذ كل تلك الاستثمارات مرتبط بوقف الجريمة الوحشية الجارية في غزّة، وبإجبار نتنياهو على وقف الحرب ووقف التدمير المنهجي الذي يمارسه ضد الشعب الفلسطيني وضد حقوقه، خصوصاً بعد أن غادر مبعوثه ويتكوف المنطقة، معلناً فشله في إقناع نتنياهو بالقبول بصفقة لوقف إطلاق النار، وكأن المفاوضات التي كانت جارية بهذا الشأن لم تكن سوى غطاء خداع مؤقت لمنح الوقت لترامب لاستكمال مشاريعه الاستثمارية ومن ثم التهرّب من مسؤولية سماحه باستمرار جريمة الإبادة في غزّة.

لن نرحل ولن ننكسر، ولن نتراجع، ولن نخضع للبطش الاستعماري الاستيطاني الإحلالي، ولن نعفي العالم وقادته خصوصاً قادة الغرب من مسؤوليتهم، إما بفرض العقوبات الفورية على إسرائيل، وإما بمواجهة الاتهام بالتواطؤ مع جريمة الإبادة الجماعية الأسوأ في عصرنا.




*مصطفى البرغوثي

الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، طبيب وناشط وكاتب وأحد مؤسسي المقاومة الشعبية ومؤسسات في المجتمع المدني الفلسطيني. انتخب عضوا في المجلس التشريعي عام 2006 وكان مرشحا في انتخابات الرئاسة في 2005 وحل ثانيا. رشح لجائزة نوبل للسلام.  

الثلاثاء، 11 مارس 2025

لا تضيّعوا البوصلة في فهم الصراع مع الحركة الصهيونية

 لا تضيّعوا البوصلة في فهم الصراع مع الحركة الصهيونية

مصطفى البرغوثي

مصطفى البرغوثي

في خضم الصراع الشديد الدائر على أرض فلسطين ومحيطها، تنشأ بين حينٍ وآخر اختلالات في فهم طبيعة الخصم الذي تواجهه شعوب المنطقة، وفي مقدّمتها الشعب الفلسطيني. وبطبيعة الحال، يؤدّي الخلل المفاهيمي دائماً إلى اختلال السياسات وتشويشها، أو إلى ترويج أفكارٍ مضلّلة لتبرير الضعف في مواجهة التحدّيات. وحتى لا تضيع الرؤية الاستراتيجية، في خضم ردّات الأفعال التكتيكية والانفعالات العابرة والمؤقّتة، لا بد من إيضاح القواعد الأساسية التالية لفهم سلوك قادة إسرائيل والحركة الصهيونية عموماً.

أولاً، ليست إسرائيل مجرّد كيان طارئ نتيجة ظروف تاريخية معينة، بل هي مشروع استعماري استيطاني إحلالي استند إلى فكرة تلمودية خيالية بأن فلسطين والأردن وأجزاء كبيرة من مصر وسورية ولبنان والعراق وشمال السعودية هي أرض إسرائيل الكبرى التي وعد الله اليهود بها منذ آلاف السنين، رغم أن عدداً قليلاً منهم لم يعش فيها سوى فترة قصيرة، ولا مكان في حدود "إسرائيل الكبرى المتخيّلة" للشعب الفلسطيني أو لأي شعوبٍ أخرى. وهذا المشروع -الفكرة هو المرجع الأساس المستقر في أدمغة كل قادة الحركة الصهيونية، من يمينها إلى يسارها (إن وجد)، وهو الأساس الأيديولوجي لكل السياسات والممارسات والحروب الإسرائيلية.

ثانياً، يخضع تنفيذ الفكرة لموازين القوى، ويحتمل حلولاً ووقفات مرحلية، تضطر خلالها إسرائيل والحركة الصهيونية إلى قبولها بحكم موازين القوى القائمة، مثل اتفاقيات السلام مع بعض الدول العربية أو اتفاقيات الهدنة المؤقتة. لكن جميع الوقفات والاتفاقيات المرحلية لا تُلغي، في أيِّ حال، المشروع الأساس المذكور، بل تخدم الوصول إلى أهدافه النهائية.

ثالثاً، كان المشروع الصهيوني، ومنذ تباشيرانطلاقته المعاصرة الأولى، وما زال، مرتبطاً بالدول والمشاريع الاستعمارية الغربية التي رأت فيه الحليف الاستراتيجي الطبيعي للسيطرة على شعوب المنطقة (والشرق الأوسط عموماً) وثرواتها، ومنع تبلور قوة منظمة وموحّدة فيها، ورأى فيها مصدر القوة والإسناد الذي يستحيل بدونه تنفيذ المشروع الصهيوني وتحويله من فكرة إلى واقع.

لم تكن الحركة الصهيونية قط حركة محلية، بل هي حركة عالمية تعمل من دون كَلَال على تجنيد اليهود واستغلالهم في كل العالم

وقد بدأ التفاعل بين الفكرة الصهيونية والقوى الاستعمارية منذ أيام نابليون بونابرت وحملته على المنطقة، وامتدّ عبر الغزل مع الإمبراطور الألماني، وحاول حتى مع الدولة العثمانية التي رفضته، لكن أعمق التحالفات التي نجحت وأقواها كانت مع الفكر الإنجيلي الصهيوني في بريطانيا، وبعد ذلك في الولايات المتحدة، والذي وجدت فيه الحركة الصهيونية ضالّتها وأقوى مصادر الإسناد والدعم المادي والفكري والأيديولوجي لها.

ومنذ انطلاقتها، استمرّت الحركة الصهيونية في أداء دور استعماري وظيفي لخدمة المصالح الاستعمارية والإمبريالية في المنطقة والعالم. وكانت الذراع الضاربة ومخلب الاستعمار البريطاني والفرنسي في عدوان عام 1956 ضد مصر وضد الثورة الجزائرية، وبعد ذلك عام 1967 لضرب حركة التحرّر العربية، وكانت الحليف الأكبر لنظام شاه إيران الديكتاتوري والمدرب لجهاز السافاك القمعي، وشاركت في اختطاف المناضل المغربي المهدي بن بركة وتصفيته، وصارت أقرب حلفاء نظام الأبارتهايد العنصري في جنوب أفريقيا... والقائمة تطول.

رابعاً، رغم أن أجزاء مهمة من الحركة الصهيونية، خصوصاً في الثلاثينيات والأربعينيات، ارتدت لخدمة أغراضها عباءات يسارية، بحكم توازنات القوى العالمية في حينها، وميول فئات يهودية إلى الفكر اليساري بحكم تعرّضها للاضطهاد اللاسامي بوصفها أقليات في أوروبا، فإن الأيديولوجيا الصهيونية بقيت أساساً دينية أصولية، كما يشكل الفكر الصهيوني التلمودي المتعصّب والمتطرّف أحد أهم محرّكات سلوكها في هذه المرحلة، بل أصبحت الأحزاب الدينية الإسرائيلية المتطرّفة من أهم عناصر التأثير في السياسات الإسرائيلية وتوسّعها الاستيطاني ونزعتها العسكرية العدوانية.

خامساً، لم تكن الحركة الصهيونية قط حركة محلية، بل هي حركة عالمية تعمل من دون كَلَال على تجنيد اليهود واستغلالهم في كل العالم، وتجنّد حالياً أجزاء واسعة من الإنجيليين المتصهينين خصوصاً في الولايات المتحدة وبريطانيا، وتستغل نفوذهم المالي والاقتصادي بالتحكّم في الانتخابات ونتائجها في الدول الغربية خصوصاً، وليس حصراً، وأبرز الأمثلة ما يفعله اللوبي الصهيوني في التأثير على الانتخابات التشريعية والرئاسية في الولايات المتحدة.

سادساً، مع احتداد الصراع مع الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة، جرى تحوّل خطير في الحركة الصهيونية، التي اتسمت أيديولوجيّتها دائماً بالعنصرية المتطرّفة، نحو الفاشية. ولا يمكن تفسير الإبادة الجماعية التي نفّذت وتنفّذ في قطاع غزّة، ومشاريع التطهير العرقي الشامل للشعب الفلسطيني، وجرائم الحرب الأخرى، كالعقوبات الجماعية والتجويع، إلا بأنها نتاج فكر وسياسة فاشية خطيرة لم يشهد العالم مثلها منذ الحرب العالمية الثانية. ويتلاءم هذا التحوّل تماماً مع تحوّلات مشابهة في بلدان غربية أخرى نحو اليمينيّة العنصرية المتعصّبة والفاشية.

المشكلة الجوهرية في السلوك الرسمي الفلسطيني، وسلوك أطراف إقليمية كثيرة الاستمرار في التعلق بوهم الحل الوسط مع الحركة الصهيونية

سابعاً، ليس الاستيطان والتوسّع الاستيطاني الجاري في الضفة الغربية ظاهرة عابرة، أو مقتصراً على فئة متطرّفة، بل هو التطبيق الفعلي لكل المشروع الاستيطاني الذي يكرّر في الضفة الغربية بما فيها القدس ما فعله من توسع استيطاني وإعادة هندسة للواقع الجغرافي والديمغرافي في أراضي 1948. وهو يفعل الشيء نفسه في الجولان المحتل، وسينفذه في أي بقعة جغرافية يتمكّن من احتلالها والسيطرة عليها.

ثامناً، الحركة الصهيونية وحكّام إسرائيل مستعدّون باستمرار لشن أشدّ الهجمات وأشرسها ضد كل من يقاوم مخطّطهم الأصلي، أياً كان شكل المقاومة، مسلّحاً أو شعبياً أو سلمياً، أو حتى بالفكر والكلام. وتُستخدم هذه الهجمات ليس فقط القوة والعنف المسلح، بل منظومات إعلامية وتحريضية ولوبيات، تأثيرها أقوى، في أحيانٍ كثيرة، من الأدوات العسكرية، لفرض هيمنة الرواية والسردية الصهيونية للصراع الجاري ولحشد الدعم والتأييد لإسرائيل والحركة الصهيونية، ولقمع القوى والحَراكات المؤيدة لنضال الشعب الفلسطيني. وتمثل شيطنة الخصم وتشويه صورته ووسمه بالإرهاب أهم أدوات الحملات التي تشنّ ضد كل من يقاوم المشروع الصهيوني.

وما نراه اليوم من تحريض وشيطنة لحركة حماس وقوى مقاومة أخرى، وعبر ذلك شيطنة الشعب الفلسطيني بكامله، مجرّد نموذج لسلوك تكرّر مع قوى أخرى في السابق. ولو خضعت "حماس" وقبلت مثلاً باتفاق أوسلو واعترفت بإسرائيل، وقبلت التعايش مع الاحتلال والاستيطان، لاختلف السلوك الإسرائيلي تجاهها، ولكنه لن يضمن بقاءها أو بقاء الشعب الفلسطيني في فلسطين. وقبل "حماس"، كانت حركة فتح وقوى فلسطينية أخرى ومنظمّة التحرير توصف بالإرهاب، بل ما زالت تصنّف في الكونغرس الأميركي إرهابية، لأنها كانت تشارك في مقاومة المشروع الصهيوني، والكل يذكر كيف صار الشهيد الراحل ياسر عرفات عنواناً للهجمات الصهيونية، رغم اتفاق أوسلو، ليكتشف لاحقاً أن الاتفاق كان فخّاً، وكيف صُنف الإرهابي الأكبر بعد أن مُنح جائزة نوبل للسلام، ثم حوصر وعُزل حتى جرى اغتياله.

استمرّت الحركة الصهيونية في أداء دور استعماري وظيفي لخدمة المصالح الاستعمارية والإمبريالية في المنطقة والعالم

لا مجال هنا للتفصيل أكثر في شرح هذه القواعد الثماني المذكورة، ولكن لا غنى عن فهمها بعمق وإدراك مضمونها لكل من يريد أن يفهم، أو يتعامل أو يشارك في الصراع الوجودي الدائر في فلسطين والمنطقة. وما زالت المشكلة الجوهرية في السلوك الرسمي الفلسطيني، وسلوك أطراف إقليمية كثيرة الاستمرار في التعلق بوهم الحل الوسط مع الحركة الصهيونية، التي قالت وفعلت كل ما يمكن فعله، ونفّذت كل ما أمكن تنفيذه من جرائم، لإيصال رسالتها أنه لا مكان لحلول وسط مع الشعب الفلسطيني، بل قضت على كل مشروع في ذلك الاتجاه، بما في ذلك اتفاق أوسلو الذي استخدمته مرحلياً لتغيير ميزان القوى لصالحها. ورغم أن عنوان الاستراتيجية المعلنة لحكام إسرائيل الحاليين، وكذلك قادة المعارضة الصهيونية، هو حسم الصراع مع الشعب الفلسطيني وإنهاء وجوده على أرض فلسطين التاريخية.

ويترافق وهم الحل الوسط مع وهم آخر، أن الولايات المتحدة يمكن أن تكون وسيطاً نزيهاً في الصراع الدائر، رغم تأكيدها المتواصل، بالأفعال والأقوال، أنها الحليف الاستراتيجي لإسرائيل. ولا يعني ذلك أن من غير الممكن الاستفادة أحياناً من فجوات وخلافات تكتيكية، تظهر بين حين وآخر بين إسرائيل والولايات المتحدة، ولكن ذلك شيء واعتبار الأخيرة وسيطاً عادلاً شيء آخر.

لا يوجد سوى تفسير واحد للتعلق بالأوهام التي ثبت مراراً عدم صحّتها، وهو عدم فهم الواقع في أحسن الأحوال، أو العجز، أو الخوف، أو التقاعس عن التصدّي للمهمّة التي لا بديل لها في الصراع الدائر، وهي تبنّي استراتيجية موحّدة لتغيير ميزان القوى لصالح الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، بمواجهة المشروع العدواني الصهيوني، بدل محاولة الاختباء العبثية من مواجهته ومواجهة آثاره المدمّرة.

الأحد، 9 فبراير 2025

مخطّط ترامب تصدّه مقاومته

 مخطّط ترامب تصدّه مقاومته

مصطفى البرغوثي


مصطفى البرغوثي

الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، طبيب وناشط وكاتب وأحد مؤسسي المقاومة الشعبية ومؤسسات في المجتمع المدني الفلسطيني.

لم يكن ما قاله الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في أثناء لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي، نتنياهو، مدمّراً وخطيراً فقط، بل كان إجرامياً أيضاً، فالدعوة إلى ترحيل سكان قطاع غزّة، ليس له إلا معنى واحد، التطهير العرقي الذي يمثل جريمة حرب فى القانون الدولي. وعندما يتعلق الأمر بمصائر الشعوب فلا يجوز إلا تسمية الأشياء بأسمائها حتى لو كانت صادرة عن رئيس الولايات المتحدة.

كان ترامب صريحاً، واضحاً، وفظاً، إذ قال إنه يريد ترحيل كل سكان غزّة من دون عودة، ويريد أن تستولي الولايات المتحدة عليها، أو بكلماتٍ أدقّ أن تنهبها، مع بئر الغاز التابع لها بالطبع (تقدّر قيمته بـ54 مليار دولار)، لتنفذ بعد ذلك مشاريع تطوير، متوقّع أن تكون شركات ترامب وصهره كوشنر المنفذ الأكبر لها، ثم تبيعها لأغنياء العالم لتكون "الريفيرا الجديدة" على حساب دماء وآمال وأملاك الشعب الفلسطيني الذي استباحوه بالقتل بالقنابل الأميركية، وبالتطهير العرقي في النكبة الأولى، ويريدون الآن استباحته مرة أخرى بالتطهير العرقي وسرقة أرضه وممتلكاته. ويريدون أن تدفع الدول العربية نفقات ترحيل الفلسطينين إليها، ونفقات إسكانهم في مخيمات لجوء جديدة بعد تشتيت شمل عائلاتهم بين دول مختلفة.

كاد نتنياهو وكل حكومته الفاشية، خلال اللقاء، أن يفقد عقله من الفرح، لأن الرئيس الأميركي تبنّى حلمه الذي فشل في تحقيقه بالإبادة الجماعية، بترحيل كل سكان قطاع غزّة وتطهيره عرقياً، ولكن لسانه التوى عندما سمع ترامب يقول إنه سيأخذ قطاع غزّة لنفسه ولبلده الولايات المتحدة، ولن يتركه لإسرائيل كما ظنّ نتنياهو الذي عليه أن يتبنّى المهمّة القذرة باستكمال تدمير القطاع، وحرب الإبادة الجماعية، وتنفيذ التطهير العرقي، ثم يسلم الغنيمة لترامب الذي ربما يتخيّل نفسه الكاوبوي الأميركي الجديد الذي يستولي على أراضي الغرب. ولعل أكثر الأمور إهانةً قول ترامب إنه تحدّث مع الجميع في هذا الأمر، إلا مع أصحاب الشأن بالطبع، أصحاب الأرض والتاريخ والحضارة الإنسانية في المكان، الشعب الفلسطيني.

كان ترامب صريحاً، واضحاً، وفظاً، إذ قال إنه يريد ترحيل كل سكان غزّة من دون عودة، ويريد أن تستولي الولايات المتحدة عليها، أو بكلماتٍ أدقّ أن تنهبها، مع بئر الغاز التابع لها بالطبع

ليس الأمر مزحة، ولا يجوز أخذ ما قاله ترامب على محمل الهزل، بل هو أكثر ما قيل جدّية وخطورة في تاريخ علاقات الولايات المتحدة بالشعب الفلسطيني، ولا تقل خطورته عن وعد بلفور المشؤوم. ولا يجوز تصديق كلمة واحدة من محاولات مسؤولين أميركيين تخفيف وقع جريمة التطهير العرقي التي دعا إليها ترامب، بعد أن قامت الدنيا بالغضب والاحتجاجات والرفض عربياً وإسلامياً وعالمياً، وبالطبع فلسطينياً، وبعد أن لم يجد ترامب رئيس دولةٍ واحدةٍ يؤيد فكرته، رغم ادّعائه أن الكل أحبها، إلا بالطبع نتنياهو وزبانيته الحاكمة و76% من الإسرائيليين الذين أكّدوا تأييدهم التطهير العرقي مرّة أخرى للفلسطينيين التحول الفاشي الخطير في المجتمع الإسرائيلي. ولا تجوز الاستهانة بما قيل، لأنه مثّل، ولأول مرة على الصعيد الدولي، تأييداً لتكرار النكبة ضد الشعب الفلسطيني بالتطهير العرقي، ودعماً أميركياً فاضحاً للحل الصهيوني العنصري لوجود الشعب الفلسطيني على أرض وطنه التاريخي فلسطين.

كانت معضلة إسرائيل والحركة الصهيونية، وما زالت، بقاء جزء كبير من الشعب الفلسطيني على أرض وطنه، رغم النكبة والاحتلال والأبرتهايد العنصري والإبادة الجماعية. هناك 7,3 ملايين فلسطيني صامدين على أرض فلسطين التاريخية بما فيها الضفة الغربية والقدس وقطاع غزّة وأراضي 1948 المحتلة، مقابل 7.1 ملايين يهودي. ورغم موافقة القيادة الرسمية الفلسطينية على فكرة حل الدولتين التي تمنح للفلسطينيين 22% فقط من أرض فلسطين، أي أقل من 50% مما قرّرته الأمم المتحدة لهم في قرار التقسيم الذي استخدم لمنح الشرعية الدولية لقيام إسرائيل، رفضت إسرائيل ذلك الحل مراراً، وواصلت بناء المستعمرات الاستيطانية غير الشرعية في الضفة الغربية لقتل الفكرة، وسخَّر بنيامين نتنياهو حياته السياسية لتدمير ذلك الحل ونجح. أما الحل الثاني، وهو نشوء دولة ديمقراطية واحدة يتساوى فيها الناس في الحقوق والواجبات، وسبق أن تبنّتها منظمة التحرير الفلسطينية قبل الوقوع في فخ "أوسلو"، فهي أيضاً مرفوضة من غالبية المجتمع الإسرائيلي ومن حكامه وجميع أحزابه الصهيونية.

الشعب الفلسطيني سيقاوم بكل جوارحه مؤامرة طرده من وطنه، والشعوب العربية لا يمكن أن تسمح لدولها أن تشارك في جريمة التطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني

وإذا كان حلّ الدولتين وحل الدولة الواحدة مرفوضيْن، حتى لو كان نظام أبرتهايد عنصري، فما الذي يبقى سوى الترحيل والتطهير العرقي للشعب الفلسطيني، وهذا جوهر الاستراتيجية الصهيونية الحالية للتعامل مع المعضلة الديمغرافية الفلسطينية. لا يكفيهم أنهم هجروا إلى خارج فلسطين نصف شعبها، ولا يكفيهم الاحتلال الأطول في التاريخ الحديث، ولا يكفيهم نظام الأبارتهايد والتمييز العنصري، ونهب أراضي الشعب الفلسطيني وثرواته ومياهه، بل يريدون اليوم إنهاء وجود الفلسطينيين بالتطهير العرقي أولاً لقطاع غزّة، ومن ثم للضفة الغربية، وبعد ذلك لفلسطينيي الداخل القاطنين في أراضي 1948. وذلك ما دعمه ترامب بالتحديد، إذ تنكّر للقانون الدولي من أساسه، ولمواقف الولايات المتحدة السابقة المؤيدة، ولو لفظياً، حلّ الدولتين، والرافضة الاستيطان غير الشرعي، ودعا علناً، وعلى رؤوس الأشهاد إلى تنفيذ الحل الفاشي، التطهير العرقي، بل خرج مؤيدوه، من أمثال محامي القتلة وتجّار الجنس، دورشيفتش، ليذكّرونا بعمليات التطهير العرقي التي جرت قبل الحرب العالمية الثانية وخلالها مبرّراً للتطهير العرقي للشعب الفلسطيني، متناسين أننا نعيش في القرن الواحد والعشرين، وفي عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية، بوجود الأمم المتحدة والقانون الدولي وقوانين حقوق الإنسان.

شرّع ترامب ما لم يتجرأ الصهانية على تبريره، وجعل نفسه حليفاً للفاشيين سموتريتش وبن غفير، وللتيار المسيحاني الأصولي الحاقد على وجود الشعب الفلسطيني، ولكنه نسي أنه ونتنياهو ليسا المقرّرين الوحيدين لما سيجري، وأن الشعب الفلسطيني سيقاوم بكل جوارحه مؤامرة طرده من وطنه، وأن الشعوب العربية لا يمكن أن تسمح لدولها أن تشارك في جريمة التطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني، وأن الموقف الرسمي المصري والأردني والسعودي قاطع في رفضه هذا المخطط الخطير. لكن الكلمات وحدها لا تكفي، والإدانات الدولية مهمة لكنها تحتاج إلى قوّة تدعمها.

لن تنجح مؤامرة التطهير العرقي، بسبب بسالة الشعب الفلسطيني وصموده، ولكنها لن تفشل إلا بتبني نهج مواجهتها بقوة استراتيجياً

عدم الاستهانة بالخطر القادم والتصدّي له يتطلب عدة إجراءات فورية، وهي بالترتيب: أولاً: إنهاء الانقسام الداخلي الفلسطيني وتوحيد الصف الوطني بالتطبيق الفوري لاتفاق بكين، وتشكيل حكومة وفاق وطني، ودعوة الإطار القيادي المؤقت الذي أقرّ في عام 2011 إلى الانعقاد، ومجابهة ترامب وإسرائيل بصفٍّ وطني موحّد، وقيادة وطنية موحّدة، وفي ظل الخطريْن الملموسيْن اللذين وضعا في موضع التنفيذ، التطهير العرقي لغزّة وضم الضفة الغربية وتهويدها، لم يعد هناك مبرّر لأي قيادي فلسطيني لتعطيل هذا الأمر مهما كانت الذرائع. ومن ظنّ أنه، بابتعاده عن طريق الوحدة الوطنية، سيحسن فرصه لدى إدارة ترامب، تلقى الجواب القاطع والواضح، لا مكان للفلسطينيين بكل اتجاهاتهم في أجندة ترامب وإدارته سوى ترحيلهم والاستيلاء على أراضيهم.

ثانياً، لا بد من دعوة إلى مؤتمر قمة عربية إسلامية جديدة تضم الـ 56 دولة لإعلان موقف حازم وصارم وواضح ضد مخطّط ترامب، ولدعم الموقفين المصري والأردني الرافضين ترحيل الفلسطينيين، بل لدعم هذه الدول مادّياً إن هدد ترامب باستخدام الابتزاز المالي ضدها، وإنشاء شبكة دعم مالي فورية لإسناد صمود الشعب الفلسطيني في قطاع غزّة والضفة الغربية ولإسناد إعادة إعمار غزّة والتصدّي للمعيقات التي تضعها إسرائيل.

ثالثاً، لا بد من دعوة إلى مؤتمر عالمي، أو موقف عالمي مشترك ضد مؤامرة التطهير العرقي، لأن الأمر لم يعد فقط حماية الشعب الفلسطيني، بل حماية فكرة القانون الدولي والنظام العالمي من سواد شريعة الغاب، ما سيجعل عشرات الدول لقمة سائغة لكل قوة طاغية ونظام مستبد.

لن تنجح مؤامرة التطهير العرقي، بسبب بسالة الشعب الفلسطيني وصموده، ولكنها لن تفشل إلا بتبني نهج مواجهتها بقوة استراتيجياً. وسيستغرب كثيرون من سرعة تراجع ترامب عن أفكاره الخطيرة، عندما يشعر بقوة (وصلابة) الرفض والتصدّي لها، فهو، في نهاية المطاف، رجل أعمال يجرّب بالتنمّر والترهيب الحصول على المكاسب، ويتراجع إن شعر أن خسائره ستفوق مكاسبه.



الشهيد رائد جاد الله وبدعة "تحسين ظروف الاحتلال"



الثلاثاء، 7 سبتمبر 2021

الشهيد رائد جاد الله وبدعة "تحسين ظروف الاحتلال"

 الشهيد رائد جاد الله وبدعة "تحسين ظروف الاحتلال"


بقلم: د. مصطفى البرغوثي

رائد يوسف جاد الله، عامل فلسطيني، وحيد أبويه، كان في التاسعة والثلاثين من عمره، عندما أعدمه بدم بارد جنود الاحتلال يوم الثلاثاء 31 الشهر الماضي (أغسطس/ آب) على حاجز الجيش الإسرائيلي على مدخل بلدة بيت عور التحتا.

قضى رائد عشرين عاماً من حياته يعمل بستانياً لدى المحتلين، وكان يقوم بعملين في اليوم نفسه، لتأمين لقمة العيش لأطفاله الخمسة، أكبرهم يوسف في الخامسة عشرة من عمره، وأصغرهم لم يكمل عامه الثالث بعد، تُركوا جميعاً يتامى بعد استشهاد والدهم... كان مواطناً فلسطينياً بسيطاً، ولم يكن له أي نشاط سياسي، ولم يكن هناك أي مبرّر لإعدامه، سوى رغبة جندي إسرائيلي مجرم في ممارسة هواية قنص الفلسطينيين وقتلهم، فقتله وهو عائد إلى منزله في التاسعة ليلاً، بعد يوم عمل مرهق، وتركه ينزف على الأرض حتى الموت. 

وهو الشهيد الثامن الذي اغتاله جنود الاحتلال بدم بارد على الحواجز العسكرية في هذا العام، ومن بين هؤلاء الشهداء مي عفانة التي اغتيلت على حاجز حزما، وابتسام كعابنة التي اغتيلت على مدخل مدينة أريحا.

حديث متواصل ومخادع من حكام إسرائيل، ومن يناصرونهم، عن تحسينٍ مزعومٍ لأحوال الفلسطينيين، بديلاً لحقهم في الحرية وإنهاء الاحتلال

وعلى الرغم من أن رائد كان ضحية بطش الاحتلال من دون سبب، فإن إسرائيل ستصنّفه مثل كلّ الشهداء الفلسطينيين إرهابيا، وكذا الذين يدعمونها، وكل المنظمات "الإنسانية" التي تخاف من نفوذها ومن نشاط اللوبي الصهيوني، فإسرائيل تصر على سلب كل حقوق الفلسطينيين، بما في ذلك حقهم في أن يصنّفوا ضحايا لإرهابها.

كان رائد الشهيد الخامس والستين الذي يُقتل برصاص الاحتلال في هذا العام (2021)، في الضفة الغربية، والشهيد رقم 352 في الضفة الغربية وقطاع غزة. 

وجرائم قتل الفلسطينيين على الحواجز، والتي تضاعف عددها هذا العام بالمقارنة مع العام الماضي، تعكس نهجاً متصاعداً في شعور الجنود الإسرائيليين والمستعمرين المستوطنين بأنهم فوق أي قانون، وأنهم غير خاضعين للمساءلة، وأنّ حكومتهم وجيشهم على استعداد لاختراع أي كذبة، مهما بلغت تفاهتها، لحمايتهم من المحاسبة. ويعبّر هذا النهج عن جوهر نظام التمييز العنصري (الأبارتهايد) الإسرائيلي الذي لا يعترف بحق الفلسطينيين في الحياة أسوة بسائر البشر. 

وذلك كله يجري في حين يتواصل الحديث المخادع من حكام إسرائيل، ومن يناصرونهم، عن تحسينٍ مزعومٍ لأحوال الفلسطينيين، بديلاً لحقهم في الحرية وإنهاء الاحتلال.

رصاصتان أطلقهما جندي عنصري حاقد خلال أقل من نصف دقيقة غيّرت مسار حياة عائلة بأكملها

قبل رائد استشهد سبعة فلسطينيين على جبل صبيح في بيتا، وهم يتظاهرون سلمياً لحماية أرضهم من المستعمرين المستوطنين، وانضمّوا جميعاً إلى حوالي مائة ألف فلسطيني استشهدوا منذ النكبة عام 1948... وقد وصف لي يوسف، ابن الشهيد رائد، وعمره 15 عاماً، وهو يحاول حبس الدموع في عينيه، كيف هاتف والدُه والدته قبل استشهاده بدقائق، وقال لها إنّه سيصل إلى البيت خلال ربع ساعة، ومرّت ساعتان من دون أن يصل، فخرج الفتى يبحث في عتمة الليل عن أبيه، وسار في الطريق التي يسلكها والده عادة بعد اجتياز الحاجز العسكري الإسرائيلي، ووصف كيف استخدم ضوء هاتفه لإنارة الطريق، حتى شاهد آثار دماء على الأرض، فاتصل بهاتف والده، ومن خلال رنينه اكتشف مكان جسد والده الملقى على قارعة الطريق، مصاباً برصاصتين، وسط بركة دماء نزفها حتى الموت.

رصاصتان أطلقهما جندي عنصري حاقد خلال أقل من نصف دقيقة غيّرت مسار حياة هذا الفتى، وأمه، وأربعة أشقاء وشقيقات، إلى الأبد، سيعيشون يتامى من دون أب، وسيبقى هذا الجرح غائراً في نفوسهم طوال حياتهم. ومع تقدير تضامن أهل بلدهم وتكافلهم معهم، إلّا أن لا شيء سيعوّض من فقدوه، ولا شيء سيعيد حياتهم إلى مسارها الطبيعي، بل قد يحاسبون ويلاحقون، طالما استمر الاحتلال، لأنّهم أبناء وبنات شهيد سقط ضحية لرصاص الاحتلال ذاته، وتُرك ينزف حتى الموت.

ما جرى لرائد جاد الله وعائلته أبلغ تعبير عن سخافة ما يتشدّق به بعض الدبلوماسيين المستريحين في مكاتبهم عن إجراءات بناء الثقة، وعن إجراءات اقتصادية تافهة بديلا لإنهاء الاحتلال، لأنّهم يتبنّون الرواية الإسرائيلية، أنّ الوضع غير مناسب لحلّ حقيقي ينهي معاناة الفلسطينيين، وآلامهم، ويخلّصهم من احتلال أصبح الأطول في التاريخ البشري الحديث، ومن نظام الأبارتهايد العنصري الأسوأ في عصرنا.

69 طفلاً، كانوا يحلمون بأن يصبحوا أطباء، ومهندسين، وعلماء، ومعلمين، وانقطع حبل حياتهم، وأحلامهم إلى الأبد

ليس في وسع الكاتب في هذا المقال القصير وصف ما جرى لكل واحد وواحدة من 352 شهيدا فلسطينيا، استشهدوا هذا العام وحده. ولكن من الممكن التذكير بما جرى لـ69 طفلاً استشهدوا في قطاع غزة خلال عدوان إسرائيل في شهر مايو/ أيار الماضي، ومنهم حمادة ابن الـ13 عاماً، وعمّار ابن السنوات العشر اللذان استشهدا وهما عائدان من مدرستيهما، ويحيى الطفل الذي استشهد وهو يحاول شراء مثلجات من دكّان مجاور لمنزله، أو الأشقاء أميرة (ست سنوات) وإسلام (ثماني سنوات) ومي التي لم تكمل تسعة أشهر من عمرها، وجميعهم وجدوا شهداء تحت ركام منزلهم الذي قصفته الطائرات الإسرائيلية... 69 طفلاً، كانوا يحلمون بأن يصبحوا أطباء، ومهندسين، وعلماء، ومعلمين، وانقطع حبل حياتهم، وأحلامهم إلى الأبد.

هل هناك ما هو أشد وقاحة من اقتطاع حكومة إسرائيل ملايين الدولارات من ضرائب الفلسطينيين التي يدفعونها من عرق جبينهم، بما يساوي ما يقدّم من دعم لعائلات الشهداء والأسرى، ثم تقديم الأموال المسروقة نفسها قروضاً بفائدة للسلطة الفلسطينية، واعتبار ذلك كله مؤشّراً على النيات الحسنة وإجراءات بناء الثقة... 

صدق من قال:

 "شرّ البلية ما يضحك".