في يوم 29 من أغسطس من عام 1966، أعدَم أشهر وأهم رئيس عربي في التاريخ المعاصر، جمال عبد الناصر، صاحبَ «الظلال» والقطبَ سيد قطب رحمه الله، متخذًا من كتابه «معالم في الطريق» ذريعةً لشنقه وقتله وإخماد صوته وتغييب فكره، وكما شهد سيد قطب على مهرجانات الفرح الأمريكية حين تم اغتيال الإمام حسن البنا رحمه الله، فقد فرحت كل المشاريع الإجرامية السياسية المعادية للإسلام بإعدام سيد قطب.
وكما أعدم النظام العربي الرسمي الداعيةَ المصلح سيد قطب، فقد أعدم الوحشُ العلماني التركي الأشد وحشيةً في التاريخ المعاصر رئيسَ الوزراء المصلح عدنان مندريس.
وكذلك قتلت وكالة المخابرات الأمريكية الإمامَ الداعيةَ المصلح والمجاهد عبد الله عزام رحمه الله.
وكذلك فعلت إسرائيل بقتلها الداعيةَ المصلح والمجاهد أحمد ياسين رحمه الله.
وهكذا سارت جميع المشاريع المعادية لله ولرسوله ولأمة المسلمين، فبدأت بقتل العلماء والمصلحين وإعدامهم واغتيالهم.
وقد أقدم النظام الإيراني الذي يقوده الملالي على إعدام الشيخ عادل محمد صقر التميمي، والشيخ خليل الله زارعي، والشيخ شهرام أحمد ورفاقه وكثير من علماء المسلمين على طول البلاد وعرضها في الداخل والخارج.
ومثل هذا كثير، غير أن أحدًا لم يفق وحشيةَ النظام الباطني الطائفي الأسدي، الذي قتل وأحرق وأعدم واغتال أكبر عدد من العلماء والمصلحين والدعاة والمجاهدين خلال القرنين الأخيرين، وذلك لصالح أمريكا وإسرائيل وإيران والعلمانية المتوحشة.
الخوف من الخوف
إن حديثي اليوم ليس عن القطب سيد قطب الذي أُعدم في مثل هذا اليوم، فقد قدّم روحه، كما قدّمها عشرات ومئات وآلاف ممن لا يخفون على الله، رحمهم الله وتقبلهم أجمعين.
إن مناسبة إعدام سيد قطب، هي فرصة للتفكير الجماعي بوسائل جديدة وخطاب متقدم يردع الأنظمة الوكيلة وأجهزتها القمعية الرخيصة، كما يمنع المناوئين من خطوة قتل العلماء والدعاة والمصلحين بل وكل المعارضين.
إن رصيد شعوب الأمة الإسلامي هو الرصيد الأكبر في واقع العرب والكرد والترك والأمازيغ المسلمين، فكيف يُستخف بهم إلى تلك الدرجة من قبل أنظمة الحكم التي لا تملك شرعية حقيقية، ومن قبل أجهزة أمنية جمعت واستزلمت شياطين الإنس؟
والسؤال يقول:
كيف يمكن للمسلمين أن يرفعوا من مستوى خطابهم وأن يتجردوا من حساباتهم الحزبية والسياسية وأن يسعوا لصناعة وسائل تأخذ على يد الظلمة وترعبهم وتخوِّفهم من الإقدام على قتل العلماء والمصلحين والمعارضين من خلال خامة الشعوب وقواها الكامنة والمتوفرة؟
الجواب:
إن الحراك الشعبي العربي والإسلامي في الدفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ورفض العبث بتعليق صوره، كما الهبة الشعبية الإسلامية الرافضة لحرق المصحف، أشارتا لقوة كامنة حقيقية وفاعلة في ردع الخصوم والمشاريع السياسية المعادية، فهل يمكن أن يصبح قتل العلماء والمصلحين وسجنهم واغتيالهم أمرا مرفوضا كرفض حرق المصحف ورفض تعليق صور النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لاسيما والذين يقتلون من العلماء لا يستهدفون لدنيا يسعون إليها بل لإعلاء كلمة الله وإتباع طريق محمد صلى الله عليه وسلم والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
نعم إن هذا ممكن التحقق، وشرطه أن يتخذ العلماء والمصلحون والمجاهدون أنفسهم موقفاً شرعيا أخلاقيا وسياسيا عمليا ونظريا يرفض المسّ بالدماء، لا سيما والتجارب الإسلامية المعاصرة تشهد على استباحة بعض الحركات الإسلامية السياسية والجهادية لدماء المسلمين بالعشرات والمئات وحتى الآلاف في سياق التنافس على التموضع والرئاسة والنفوذ.
إن خفوت صوت الإنكار والمواجهة من قبل العلماء الحركيين لظاهرة القتل السياسي والتنظيمي جعلت سلوك جمال عبد الناصر وإعدامه للداعية المصلح سيد قطب، أمرا مشابها في شكله ومنطلقاته ونتائجه للإعدام والاغتيال والتسميم في إطار عمل بعض الحركات الإسلامية العاملة – وعلى وجه الخصوص التي تم اختراقها من قبل المشاريع المعادية -.
وحتى يأتي اليوم الذي يصوغ فيه علماء المسلمين خطابا شرعياً أخلاقيا وسياسيا عالي السقف في مواجهة ظاهرة القتل والإغتيال والاعدام للعلماء والمصلحين، وحتى يأتي اليوم الذي تصدح فيه جميع منابر المسلمين في المساجد بهذا الخطاب والتوجه.. حينها سيرتدع الظلمة ومشاريعهم السياسية وأنظمتهم الوكيلة ويحسبوا ألف حساب قبل الإقدام على قتل وإعدام العلماء.
وبكلمة يمكنني القول وبوضوح:
إن سيد قطب قد مات وبات تراباً منذ ستة عقود، ولكن فكره وطرحه باق ويتمدد -مع ملاحظة وجوب المراجعة نتيجة واقع عاشه وواقع مغاير نعيشه-
وإن القيمة العملية التي تنتفع بها الأمة اليوم ليست في دموع النساء التي تصدر عن بعض الدعاة، ولا في نحيب الرداحين والموالين، بل في منع قتل إخوانه الأحياء كالشيخ عبدالعزيز الطريفي وإخوانه في مصر واليمن والعراق.
فأين صوت وموقف العلماء؟
مضر أبو الهيجاء، بلاد الإسلام 29/8/2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق