لقد تقدَّمتُ كثيرًا في مسيرتي العمليَّة، أجريتُ بعض التعديلات في أفكاري.. مثلًا: حوَّلتُ الوقت الذي أقضيه في التَّبرير، إلى وقت أبحث فيه عن التَّغيير..
ثمَّ غيَّرتُ الوقت الذي أبحث فيه عن الأعذار، إلى وقت أقضيه في تحقيق التَّنمية والازدهار.. ثمَّ بدَّلتُ دقائق الأسف على التَّقصير، إلى التَّفكير في التَّطوير.. وأخيرًا؛ تركتُ الحديث عن المشكلات والمصاعب والضرَّاء، إلى الحديث عن نِعم الله، وخيرات النَّعيم والثَّراء..!
# ناصية (2) أجدُ الحياة سهلةً يسيرةً، حين أتغلَّبُ على هذه المناطق الأربع: أوَّلًا: منطقة المرونة؛ لأنَّ الحياة متقلِّبة ومتغيِّرة، وهذا التَّغيير يحتاج إلى المرونة، وقد قال المفكِّرُ ستيفن هوكينغ: «الذكاءُ هو القدرةُ على التكيُّف مع أيِّ تغيُّر محتمل».
ثانيًا: السكن في فضاء التَّفاؤل؛ لأنَّ التَّفاؤل محفِّزٌ، مثمرٌ، وفعَّالٌ. ثالثًا: التمسُّك بضوء الأمل؛ لأنَّ الدنيا ضعيفة، إذا لم تتلامس مع مساحات الأمل. رابعًا: السَّعي نحو العمل؛ لأنَّ الذين آمنُوا يعملُون الأعمال الصَّالحة.
#ناصية (3) هجمَ عليَّ شيطانُ الشِّعر، وأنا في مرحلة التَّغيير، فقُلتُ حول علاقة النَّجاح بالتغيُّر:
لو كانت لجنة جائزة نوبل للسلام دولة لغزاها دونالد ترامب واعتقل رئيسها، أو على الأقل حشد قواته لمحوها من الوجود، فالرجل يناصب هذه الجزاء العداء منذ أطل على مسرح السياسة العالمية رئيساً للولايات المتحدة مرتين في عشر سنوات.
يريد دونالد ترامب الجائزة إلى حد الحقد والكراهية للأرض التي يوجد عليها، والبشر الذين يحدّدون وجهتها، وكلما فاز بها أحد غيره تحوّل الحالم بجائزة السلام إلى مفاعل من الغل والكراهية والحنق على كل ما هو إنساني وحضاري. ...
هذه المرّة، مع إعلان فوز الجائزة بالسيدة العظيمة نافي بيلاي، القاضية السابقة في المحكمة الجنائية الدولية، عن "جهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي"، قرّر مواصلة الحرب الجنونية على المحكمة نفسها، لتضاف إلي قائمة أعدائه المرتبطين بالجائزة، ومنهم النرويج مقر اللجنة الدولية المانحة لأرفع جائزة للسلام في العالم، والتي كانت تحوم حولها شبهات الانحياز السياسي في مرّات سابقة، ويبدو أنها قرّرت هذه المرة أن تغتسل مما التصق بها من موروث سيء، وتتطهر من خضوعها للتجبر السياسي، وتتعطر وتتأنق وتذهب إلى الذي يستحقها وتستحقه في التوقيت الصحيح، لتستقر عند القاضية النزيهة القادمة من جنوب أفريقيا نافي بيلاي، التي أشرفت على تقرير للأمم المتحدة خلص إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزّة. وجاء في حيثيات حصولها على الجائزة أن منظومة القانون الدولي تتعرّض لضغوط هائلة، وتتعرّض مؤسّساتها لهجمات، إذ نشهد تحوّلا نحو سياسة القوة على حساب الأطر القانونية والاحترام العالمي للقانون والعدالة. وكلما طغت القوة على الحق، فإنها تقوض الاستقرار والثقة والتعايش السلمي".
فور إعلان الجائزة، فرض الرئيس الأميركي عقوبات جديدة علي المحكمة الجنائية الدولية، ثم راح يطلق رشقة جديدة من التصريحات المثيرة للسخرية من المستويين، العقلي والثقافي، لشخص يترأس أكبر امبراطورية. قال "كان يجب أن تنال الولايات المتحدة، ممثلة بي، أنا رئيسكم، جائزة نوبل للسلام، لكن هذا لم يحدث". وأضاف: "إنها وصمة عار لا تُمحى على النرويج والذين اتخذوا هذا القرار المخزي والمحرج"، ثم قال عن الفائزة إنها "شخصية ليبرالية تعمل في الأمم المتحدة ولم يسمع عنها أحد من قبل".
في اليوم نفسه، كان داعية الإبادة وإزالة الأمم من الوجود الحالم ب"نوبل للسلام" يعلن "إما أن تعطينا إيران كل ما نريده أو تكون غير موجودة". هكذا بكل سهولة يريد الرجل أن يكون قاتلاً وحاصلاً على أكبر جائزة للسلام والتعايش والحفاظ علي قيم العدالة في الوقت نفسه، وهي حالة لا تفسير علميّاً لها إلا في مناهج الطب النفسي، والبحث في إشكالية البارانويا التي تصيب الشخص فينشطر إلي نقيضين، أحدهما يتلذذ بالقتل والدم والإبادة والآخر يطالب بمكافأته على كل هذه الأعمال الإجرامية، وخصوصاً حين يصل به الحال إلى القول إنه لا يستحق جائزة نوبل واحدة فحسب، بل واحدة عن كل حرب من الحروب الثمانية التي أوقفها، وإنه قد ينال قريباً نوبل للسلام التاسعة لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية. هكذا يطلبها لنفسه وكأنه يطلب وجبات من الهامبرغر ولا يدفع ثمنها.
في العام الماضي، ذهبت الجائزة إلى الفنزويلية الترامبية المتصهينة الداعمة للإبادة الجماعية في غزّة، ماريا ماتشادو، وهي منتمية إلى كل القبح القيمي الذي يجسّده دونالد ترامب، بل منحازة حد الهوس بالرئيس الأميركي نفسه. وعلى الرغم من هذا، استشاط ترامب غضباً كالعادة، وأعلن أنه الأجدر بالجائزة، ثم صاح "أنهيت بمفردي ثمانية حروب.. والنرويج (عضو الناتو) اختارت، بحماقة، ألّا تمنحني جائزة نوبل للسلام". وكتب رسالة تهديد إلى رئيس الوزراء النرويجي جوناس غار: "عزيزي جوناس، نظراً إلى أن بلدكم قرّر عدم منحي جائزة نوبل للسلام عن جهودي في وقف ثمانية حروب وأكثر، لم أعد أشعر بالالتزام بالتفكير في السلام فقط، مع أنه سيظلّ دائماً هو السائد، ولكن يمكنني الآن التفكير فيما هو لصالح ومناسب للولايات المتحدة".
تبقى القيمة الأعلى في جائزة نوبل للسلام هذا العام أنها ذهبت إلى النقيض الشامل لكل ما يمثله دونالد ترامب، بوصفه الشخص الذي لا يترك مناسبة من دون أن يؤكد فيها أنه يحتقر القانون الدولي والإنساني، وبات الضمير العالمي يسخر منه، ويدرك أنه يجسّد الخطر الأكبر على سلام العالم، فمتى يتوقف العرب الرسميون عن الإذعان والخضوع لهذا الشخص، إلى حد تسليمه مصائر البلاد والعباد، والإنفاق ببذخ سفيه على آلته العسكرية الإجرامية، التي تقتل العرب بيد العرب، وتدمر المسلمين بيد المسلمين، بينما يقف الحالم بجائزة السلام يضحك صحبه شريكه الصهيوني. .
قراءة في كتابالنكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة
اسم الكتاب: النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة
الكاتب: مصطفى صبري
عرض كتاب
النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة
لشيخ الإسلام مصطفى صبري رحمه الله
• تحقيق: د. مصطفى حلمي.
يقول شيخُ الإسلام "مصطفى صبري" في مقدِّمة كتابه الهام "النَّكير على منكري النعمة؛ من الدِّين والخلافة والأمَّة"؛ متحسِّرًا على حال المسلمين بعد سقوط الخلافة العثمانيَّة، ومعلقًا على هوان شأنهم، وتخاذُلِ علمائهم عن الصَّدْع بالحق:
"ثم إنِّي قبل الشُّروع في المقصود، أرى من الواجب أن أَذكر بالأسف كونَ أمر المسلمين منذ زمنٍ بعيد بِيَد غيرهم؛ فأكثَرُ من خمسة وتسعين في المائة منهم في حكم الأجانب، والباقي الأقلُّ من خمسة في المائة، وهو من تعدُّ أزِمَّتُهم بأيديهم تحت غلبة اللادينيِّين، ممن تَسمَّى بأسماء المسلمين... واللادينيِّين أشدُّ عداوةً لدين الإسلام من سائر أعدائه، وأدقُّ مكيدة في تخريبه وتحريفه؛ كما قال الشيخ رشيد رضا:
"إنَّ المتفرنِجين من المسلمين أعدى وأضرُّ للإسلام والمسلمين المخلِصين من غير المسلمين"، والمتديِّنون من المسلمين أصلَحُهم سجينٌ في بيت عزلته وعبادته وراحته؛ حتى تخرِجَه يَدٌ أبادَتْ إخوته قبله، وهو قاصِرٌ عن إغاثتهم وإعانتهم، فكأنَّ الغافل في سلمِه، والجاهل في علمه يتمثَّل بأحاديث الفِتَن التي عدَّ فيها القاعد خيرًا من القائم، وهيهات؛ فذلك لا ينجيه من مسؤوليته بين يدَي الله تعالى على تَهاوُنِه في واجبه وتوانِيه؛ فإنَّ ما ذكر في تلك الأحاديث مقصورٌ على الآونة التي يلتبِس فيها الحقُّ بالباطل، ولا يُميَّز ذَوو أحدهما من ذوي الآخر؛ فعند ذلك يَصير الاعتزال من الجميع أسلمَ من الخطأ وألَحَّ.
هذا حال خواصِّ المؤمنين أجمعين، إلاَّ مَن ندر منهم من المجاهدين المنتبهين لواجبهم، وفضلاً عمَّن شايع اللادينيِّين ووقف بجانبهم، يُحارب معهم الدِّين وأهله ويشادُّهما، وأمَّا حال عوامِّ المؤمنين، فحيادٌ يلزمهم الرُّقاد، أو ضُلاَّل يرجح بهم الباطل على الحقِّ، والأعداء على الأولياء، أو معذرة كمعذرة الباخلين، وهِمَّة في أسفل سافلين، وقد اطَّلَعت - عندما لُذتُ بالعالم الإسلامي في خارج تركيا لأفرَّ بديني وحياتي - على أحوالٍ عجيبة كادت تُوئِسُني اجتناءَ النَّصر، وتجعلني كالمُستجير بعمرو، فرأيتُ علماء الدِّين، وحُلَماء بلادهم يخافون أن يَجهروا ببعض الحقِّ؛ لا خوفًا من سلطانٍ جائر، أو حكومة قاتلة وخانقة، بل إحجامًا منهم أمام الجريان الفِكريِّ الذي حصل في العامَّة.
وما درَوْا أنِّي لو أسكتَني مثلُ ذلك السبب عن الحقِّ، فلِماذا وقع هذا الاغترابُ من أوطاننا، والاضطراب في حياتنا ومعيشتنا؟
وكيف يجوز لنا إهدارُ الشدائد التي مضَتْ علينا في هذه السَّبيل، مما نَرْضاه من وضع سلاحنا في آخر الأمر والعمر؛ لأسبابٍ اقتحمَتْنا ما هو أعظمُ منها وأكثر؟
وهل وظائف العلماء والعقلاء مُماشاة الجُهَّال في مَذاهبهم وعقائدهم، أو إرشادهم إلى ما لا يَهتدون له بأنفسهم؟
ويا للأسف! إنْ كان يأتيني الأذى من المسلمين عندما أُجاهر بالسعي لدفع الأذى عن الدِّين؛ إذًا فالحياة ذميمة، والدَّاء عياء؛ حيث إنَّ الطبيب يتبع سقيمه، ولا يبلغ من الدِّين الإسلامي أعداؤه القديمة الظَّاهرةُ ما يبلغ منه أعداؤه "السرِّية" الجديدة، وأصدقاؤه (الحمقاء)، أو (الجُبَناء)"؛ انتهى كلام الشيخ - رحمه الله[1].
فيا لله! ما أشبه اليومَ بالبارحة! وما أشدَّ هوان الإسلام وأهلِه بين الأمم! بل ما أشدَّ هوان الإسلام بين أهله والمنتسِبين إليه، فما زال صوت شيخ الإسلام "مصطفى صبري" يتردَّد صداه في أنَّات كلِّ مسلم غَيُور على رِفعة هذا الدِّين، وسَواد شأنه، وعلُوِّ رايته، حتَّى وقتِنا هذا، وحتى ساعتنا تلك.
وما زال المسلمون - سادتهم وعوامهم - يُلدَغون من نفس الجُحر - الذي أسقط آخِرَ خلافة إسلاميَّة شهِدَها الناس، ونَعِموا بها وعاشوا في ظلِّها قرونًا - مرَّاتٍ ومرَّات ومرات، فكأنَّ سذاجة الرأي وعلَّة التفكير قد غلبَتْ على ألباب المسلمين، وتوارثَتْها الأجيال جيلاً بعد جيل، فما مَللْنا من تسليم زمام أمرنا، وقِيَاد حُكمِنا لأعدائنا، وعُملاءِ أعدائنا، وأذنابِ الغرب المتسلِّط.
وقد غاب عنَّا أنَّ المسلم "ليس بالخِبِّ، ولا يَخْدعه الخِبُّ"، فوجد "الخِبُّ" بغيتَه في أوطاننا وديارنا، وكلَّ وملَّ من خِداعنا ليلَه ونهاره، حتى آمنَ أنَّنا أموات رقودٌ، ما لنا من فَواق، وأنه مهما صرخ المُخلِصون، ونادى الخَيِّرون، فإنَّ الموتى لا يَسمعون، ولو سمعوا لا يَعقلون، فلا حول ولا قوة إلاَّ بالله العليِّ العظيم!
والناظر في رسالة شيخ الإسلام يكاد يُعاين ما نحن فيه من ضعفٍ وتشرذم، وشرِّ حالٍ وصلت إليه بلدانُنا الإسلاميَّة؛ من تسلُّط واستِعْباد واستذلالٍ من عدوِّ الداخل قبل عدوِّ الخارج، وكأنَّ الأيام تدور دورتَها، وتُعيد كَرَّتَها، والمسلمون يُساقون لِخُدع السَّاسة، وألاعيب أبطالهم "الكارتونيِّين"، حتَّى ينخلعوا من رِبْقَة الدين، ويخسروا أيضًا دُنياهم العاجلة، كما فعل أتباعُ "أتاتورك" من قَبْل، وأسقطوا الخلافة العثمانيَّة اسمًا ومسمًّى، وسط استحسان حمقى المسلمين وغُفَّالهم، ومباركتهم وتمجيدهم فعال "الكماليِّين"؛ ظنًّا أنَّها تَحمل الخير لهم في قابلِ الأيَّام، وقد نَدِموا، ولكن بعد فوات الأوان، وانقضاء وقت النَّدم، فهل نَعتبر، ومتى نُفيق؟!
وشيخ الإسلام "مصطفى صبري" هو آخِر شيوخ الخلافة العثمانيَّة في عهدها، أخذَ العلم في "توقاد"، ثم سافر لـ"قيصريَّة"؛ لتلقِّي العلم، وسافر بعدها إلى الأستانة؛ لاستكمال دراسته الدينيَّة، ثم عُيِّن في سنِّ الثانية والعشرين في جامع السُّلطان "محمَّدٍ الفاتح"، وحاز على شهادة "العالميَّة"، ثم تدرَّج في توَلِّي المناصب الدينيَّة، حتَّى تم تنصيبُه لرئاسة المشيخة الإسلاميَّة في الدولة العثمانيَّة بعدما ذاع صيتُه وعِلمُه.
وقد عاصر الشيخُ "مصطفى صبري" صعودَ نفوذِ جمعية "الاتِّحاد والترَقِّي" في الدولة العثمانيَّة، وتدخُّلها في الشؤون الداخليَّة للخلافة، وبروز نجم "الكماليِّين" الذين تَظاهَروا بالإسلام في بداية أمرهم، وزعموا أنَّهم أرادوا خدمة الدِّين، وإصلاحَ أوْجُه القصور في الدولة العثمانيَّة، ولكن أمرهم لم يَخْفَ على بصيرة الشيخ، فظلَّ يُظهِر لهم العداء، وانضمَّ لِمُعارضيهم بدءًا من سنة 1908، وكان نائبًا لرئيس أحد الأحزاب المعارضة لسياسة "الكماليِّين" في تركيا، ولكن لَمَّا استفحل نفوذُهم، وإظهارُ عَدائهم للعلماء، فرَّ الشيخ من تركيا سنة 1913، فتنَقَّل بين دول أوروبا حتَّى عاد للأستانة مقبوضًا عليه عند دخول جيوش الكماليِّين "بوخارست"؛ حيث كان لاجئًا هناك، وظلَّ معتقَلاً إلى أن انتهَت الحرب بهزيمة تركيا، وفرار زعماء الاتِّحاديين، فعاد لنشاطه السياسيِّ في الأستانة، وناب عن الصَّدر الأعظم أثناء غيابه في أوروبا للمفاوضات، وظلَّ في منصبه إلى أن استولى الكماليُّون على العاصمة ثانية، ففرَّ إلى مصر سنة 1923، وظلَّ يتنقَّل بين دول أوروبا يُصدِر كتبه الهامَّة عن مُعاصَرتِه لفترة سُقوط الخلافة وهَدْم الدِّين على أيدي "الكماليِّين"، إلى أن تَمَّ التَّضييق عليه من أتباع "أتاتورك" في تلك الدُّول، فاستقرَّ في مصر إلى أن توُفِّي بها سنة 1953م/ 1373هـ.
وللشيخ عدَّة كتب هامَّة، يشرح فيها موقفه مما حدَث في أواخر فترات الخلافة العثمانيَّة، وموقفه من أحداث العَصْر التي كانت تصبُّ في هدم بيضة الإسلام، واقتلاع جذوره وأصوله من شعوب الدول الإسلاميَّة، والتي دخلَتْ في غمرتها البلدانُ العربيَّة بعد تنفيذ مخطَّط الدُّول الغربية، في موجات عاتية من الاستغراب والاستعمار لم يتخلَّصوا منها إلاَّ بعد تضحيات جسيمة في المال والعتاد والأرواح.
وكل ذلك ركَّز عليه الشيخ في كتاباته ساعتَها، ونبَّه إليه المسلمين، ولكن صرخات الشيخ وقتَها لم تَجِد أذنَ مستمِع واعٍ، وكان ما كان، ومن أهمِّ كتاباته المطبوعة بالعربيَّة: "موقف العقل والعلم والعالَم من ربِّ العالمين وعباده المرسلين"، "مسألة ترجمة القرآن"، "قَوْلي في المرأة"، "تحت سُلطان العقل"، "القول الفصل بين الذين يؤمنون بالغيب والذين لا يؤمنون" (وقد ألَّفَه الشيخ في بداية الأمر ككتابٍ منفصِل، ثمَّ جعله أحدَ فصولِ كتابه الكبير "موقف العقل").
كتَب الشيخ "مصطفى صبري" كتابه هذا إبَّان تسلُّط "الكماليِّين" على الدولة العثمانيَّة، وقد كانت بعد نهاية الحرب في أشدِّ فترات ضعفها وأُفولها، وقامت الدُّول الغربيَّة بالتَّكالب على الخلافة العثمانيَّة، والاستيلاء على كثيرٍ من ولاياتها العربيَّة والإسلاميَّة؛ فهاجمَت فرنسا الجزائرَ وتونس ومراكش، واحتلَّت إيطاليا ليبيا، وهاجمت فرنسا مصرَ في عهد نابليون، ثم احتلَّتْها بريطانيا، وكانت روسيا منذ عهد أباطِرَتِها يُداومون على الهجوم على أملاك الخلافة في الجوار، وقام الغربيُّون بإشعال الثَّورات الانفصاليَّة داخل الدولة العثمانيَّة، وحَرَّضوا شعوب البلقان على الثورة عام 1804، حتى تمَّ لهم الانفصال عن الخلافة، وكذلك فعلَتْ مع اليونان حتى انفصلت عن الخلافة أيضًا عام 1830، بل وشجعوا الخلافات والقلاقل العنصريَّة بين عنصُرَي العرب والتُّرك، وانتهت حركات التطويق والتَّفتيت بإنهاء وجود الخلافة الإسلاميَّة على يد "مصطفى كمال أتاتورك" و"الكماليِّين".
وكتب الشيخ "مصطفى صبري" كتابَه هذا في بداية أمر "أتاتورك" وأتباعه، وقد أظهروا الإسلامَ والخير للدَّولة العثمانية الذبيحة بعد انتهاء الحرب العالميَّة، وسايرَهم كثيرٌ من الدُّول العربيَّة، وعلى رأسهم مصر، مُبارِكين خطواته؛ ظنًّا أنَّه يَحمل الخير لدولة الإسلام، حتَّى تم له التمكين، فقام بِنَقْض عُرَى الدِّين عروةً بعد عروةٍ داخل تركيا.
وقد كتب الشيخ يحذِّر من "لادينيَّة" حكومة "أتاتورك"، ويحلِّل الدَّوافع الكامنة وراء الأحداث التي بدَتْ في ظاهرها إصلاحية جزئيَّة، أو انتصاراتٍ برَّاقة، محذِّرًا المسلمين من خطر "الطورانيِّين والكماليين" في تركيا، حتَّى جاءت الحوادث مصدِّقةً حدْسَ الشيخ وتوقُّعاتِه. خديعة التمكين:
يُشير الشيخ "مصطفى صبري" في كتابه إلى كثيرٍ من الكُتَّاب الذين شنَّعوا عليه مهاجمته "الكماليِّين" في بداية أمرِهم، أو عتبوا عليه كتاباته "المتحاملة" عليهم، وقد خُدِعوا في مَرام "أتاتورك" في بداية الأمر، ومِن أبرزهم الشيخ الفاضل "محمد رشيد رضا"، الذي ظنَّ خيرًا بإصلاحات "أتاتورك"، وأيَّده بقوة في خطواته، فلمَّا تبيَّنت له الحال المرَّة، هاجمَه بشدَّة بعد ذلك، ومِثْله الكثير من الكُتَّاب المصريين الأزهريِّين الذين أطنَبوا في الردِّ على الشيخ "مصطفى صبري" في الكثير من الرسائل، مُنادين بالإصلاح، مُقرِّظين صنيعَ "أتاتورك" والكماليين في بداية حكمهم، وما دَرَوا حقيقة دعوى الكماليِّين.
يقول الشيخ: "وأمَّا كِتاب صاحب "المنار"، ففي غاية الإفادة والإجادة، كما يتوقَّع من مؤلِّفه الذي هو فارسٌ خطير في أمثال هذا الميدان، وقد وجَّه إلى الحكومة التركيَّة الحاضرة انتقاداتٍ ووصايا، ودعاهم إلى الصَّلاح والإصلاح، وقدَّمهم في الاستعانة والاستخدام لِرُقيِّ الإسلام، فله دورٌ في تحقيق المقام، واجتهاده في إحياء منصب الخلافة الصحيحة... لكن المهم المقدَّم على كلِّ شيء، وما يليق أن أقولَ في كتابه، وأَلْفِت الأنظارَ إليه، أنَّه لم يصرِّح بأصل الدَّاء حقَّ صراحته، وإنْ بالغ في تعريف الدَّواء، والدَّليل على ذلك استمدادُه في إحياء منصب الخلافة من الذين خرَّبوها، وسعَوْا في خرابها، وهو نفسُه معترفٌ بتخريبهم لا بالسَّعي في الخراب"؛ صـ 80.
ويقول الشيخ متحسِّرًا على حال إخوانه من الكُتَّاب المسلمين الذين انطلَتْ عليهم تلك الخدعة، وتَجاوزوا شرْحَ العلَّة للخلاف حولها، وحول دوافعها، قائلاً: "من المعلوم ما سبق للنَّاس في تلَقِّي حادثة الخِلافة، والتفريق بينها وبين السُّلطة من أصوات التَّنفيذ والتأييد، وقد دام صخب الخِلاف فيما يقرب من مدى سنة، حتَّى حُقَّ أن يُقال تعريضًا على مُحْدِثي تلك الحادثة، ومُوقِعي تلك الجناية: يا أسفًا على الخلافة! قطَعوا دابرها، وأبدلوا بها خِلافًا"؛ صـ 79.
فصل الدين عن السياسة، صورة فصل السُّلطة عن الخلافة:
كان الشيخ "مصطفى صبري" سبَّاقًا بنور بصيرته في إدراك أنَّ فَصْل "الكماليِّين" - في بداية مكرهم وخداعهم - للسُّلطة عن منصب الخلافة هو مَدْعاةٌ لفصل الدِّين عن السياسة، تلك الدعوة التي نعاني منها في أيامنا تلك من الأقلام المأجورة والأصوات المستغرِبة داخل بلداننا الإسلاميَّة، فالكماليُّون لم يُجاهروا أول الأمر بعدائهم للإسلام، وكلِّ ما ينتمي للدِّين، بل قاموا رُوَيدًا رويدًا بإصلاحاتٍ ظاهريَّة، يعتقد فيها أثرتهم للصالح العامِّ؛ كمسألة التَّفرقة بين منصِبَي الخلافة والسُّلطة؛ حيث قاموا بِنَزع سلطة الحكم عن الخليفة "عبدالمجيد"، وجعَلوه مجرَّد رمزٍ ديني، لا يملك أن يُبْرِم أمرًا أو نهيًا، وادَّعَوْا أنَّ ذلك من أجل إصلاح الهيكل العامِّ للدولة. يقول الشيخ "مصطفى صبري": "
وليس مرمى الكماليِّين فيما فعَلوه سوى غَرضين، أحدهما:
(نَشْل) السُّلطة من آل عثمان، ونَقْلها إلى "مصطفى كمال"، والتَّفريق بين الخلافة والسُّلطة، ثم نَقْل السلطة أوَّلاً إلى المَجلس الوطني، كان عبارة عن التستُّر والإبهام، في المغزى والمرام، والغرَض الثاني إلغاء الخلافة وإبطالها على التَّدريج، ورَمي لإخراج حكومتهم من أن تكون حكومةً إسلاميَّة"؛ صـ86.
ويردُّ الشيخ على قول القائل بأنَّه "لا علاقة بين فَصْل إحدى السُّلطات عن الأخرى، وبين الانصراف عن الدِّين الإسلامي، وهل إذا أخذَت الأُمَّة سلطة الحكم في يَدِها؛ حرصًا على مصلحة البلاد، وقطعًا لدابر النَّوايا والدَّسائس التي طالَما كان مقام الخِلافة مَحُوطًا بها، واستئصاله لشأفة شيخ الإسلام السابق وزمرته؛ حتَّى لا يستعملوا نفوذَهم الدِّيني على الخليفة لتحقيق مآرِبَ وأغراض لا تتَّفِق مع الإسلام في شيءٍ ولا هي في مصلحة البلاد"،
بما يلي: • إذا كان مقام الفساد مرتبطًا بالأشخاص أو السِّياسات، فالإسلام يحثُّ على استبدال تلك السياسات الفاسدة والأشخاص، لا استبدال نعمة الخلافة كليَّة؛ "فإنْ كان مقام الخلافة محوطًا بدسائس شيخ الإسلام السَّابق؛ فالواجب في قَطْع تلك الدَّسائس تبديلُ شخصِ هذا الشَّيخ وحده، أو تبديل الخليفة، وهذه غاية لا يتخطَّى إلى ورائها بتبديل قاعدة الخلافة التي أسمعت في الشَّرع مقترنةً بالحكومة والسُّلطة، ولو كان ذلك التَّبديل حرصًا على مصلحة البِلاد، وإلاَّ كان كالقول بتبديل دين الإسلام حرصًا على مصلحة البلاد"؛ صـ 91.
• فَصْل السُّلطات يتبعه بالتَّالي التَّفريق بين الخلافة والحُكومة، والفرقة الكليَّة بينهما بمثابة إخراج الدِّين عن الحكومة، والحكومة عن الدِّين، "ولِهذا فرَّقوا بين الخلافة والحكومة، وكانتا من قبلُ متَّحِدتَيْن، وكانت الخلافة عبارةً عن الحكومة الدِّينية النائبة مناب حكومة الرَّسول -صلى الله عليه وسلم- في أمَّته، وإذا كانت الحكومة هي القوَّةَ العاملة، والخلافة عبارة عن اتِّصاف تلك الحكومة بصفة دينيَّة، فلا جرم صار إخراجُ الحكومة عن الخلافة إخراجًا لها عن الدين؛ إذْ لم يبق في الخلافة بعدَ إخراج الحكومة عنها غيرُ صفتِها الدِّينية؛ فإن انتقلَت الحكومةُ إلى ما انتقلت إليه مع صفتها الدينيَّة، لَزِم أن لا يَبقى في الخليفة شيءٌ؛ لا حكومته، ولا دينه، وإن انتقلت الحكومة فقط، افترقت عن الدِّين"؛ صـ 96. • يرى الشيخُ أنَّ تجريد كلٍّ من الخلافة والحكومة عن الأخرى أفسدَهما معًا؛ "لأنَّهم نقلوا الحكومة النَّافذة إلى مجلسهم الذي سمَّوه مجلسًا وطنيًّا، واختاروها لأنفسهم، وتركوا الشَّريعة الإسلاميَّة مع الخلافة في الخليفة مجرَّدةً عن النُّفوذ الذي ذهبَ مع الحكومة إلى ما ذهبت إليه؛ لأنَّ النُّفوذ يدور مع الحكومة والسُّلطة، فإن لم يتركوا الشَّريعة في الخلافة، ونقَلوها أيضًا من الحكومة؛ كيلا تحرم نفوذها، لزم ما قُلناه آنفًا من تفرُّغ الخليفة من الدُّنيا والدين معًا"؛ صـ97.
• يَلتزم الشيخُ الأمانةَ والإنصاف حين المقارنة بين تُركيا في عهد الخلافة العثمانيَّة، وتركيا في عهد الكماليِّين، ويَعترف بوجود أوجُهِ قصورٍ كانت أحدَ أسباب انهيار الخلافة العثمانيَّة، وتناقُص عظَمتِها في قلوب النَّاس، ولكن بكلِّ حال ليس هذا سببًا ومُبَرِّرًا لإلغاء الخلافة ككلٍّ، فيقول: "... يأبى بنا الحقُّ والإنصاف إلاَّ أن نعترف بأنَّ الحكومة التركيَّة كانت قبل الكماليِّين والاتِّحاديين أيضًا لا تَمْشي تمامًا على الصِّراط السَّوي، والنَّهج الشرعي، بل كانت لا تَحْكم بِما أنزل الله في كلِّ الأمور، وتقلِّد الحكومات الزمنيَّة الأوربائية.
لكن الحق مع ذلك يأمرنا أن نَشْهَد أوَّلاً بعدم بلوغها في إهمال الشَّرع، وإعمال التقليد مبلغَ الحكومات الاتِّحادية والكماليَّة؛ ولا سيَّما أنَّها لم يقَعْ منها تصريحٌ ما بكونِها حكومةً لا دينيَّة... وثانيًا أنَّ تلك الحكومات - التُّركية - لم تكن لِتَسْلَم في أدوارها الأخيرة من تغلُّب الحكومات الأوربائية عليها"؛ صـ190. • كان الشيخ يرى أنَّ "أتاتورك" في سعْيِه لفصل السُّلطتين: الدِّينية والسياسيَّة، إنَّما مرَدُّه إلى كره خفيٍّ لِسُلطة الخلافة، في وقتٍ كان أغلب الكُتَّاب والمفكِّرين يَعتبرونه بطلاً للإسلام، وحاميًا للخلافة، فقطع الشيخُ عليهم افتراءاتهم قائلاً أنَّه "لو رامها مصطفى كمال لنفسه - أي: الخلافة - لسارع المسلمون الآمِنون باستحقاقه للسَّلطنة في تصديق استحقاقه للخلافة أيضًا، وكيف يَستكثرون - ذلك - لمن سمَّوْه بطلَ الإسلام، ومنجي مَجْدِه... لكنَّ الكماليين نقَلوا ما أحبُّوه من السلطة إلى مَن أحبوه، وترَكوا ما كرهوه من الخلافة فيمن كَرِهوه، نعَم، إنَّهم لم يُلْغوها دفعةً؛ تحرُّزًا عن إنكار عالَمِ الإسلام في الخارج، وتمشِّيًا على قاعدة التدريج، ولئلاَّ يستفيد منها حكومةٌ من الحكومات الإسلاميَّة، مع كونها مما يَكْرهونها لحكومتهم"؛ صـ101.
ويؤكِّد الشيخ في موضعٍ آخَر أنَّ حديثه ليس لمعاضدة شخصٍ من أشخاص الخلفاء، ومعاندة آخَر؛ لأنَّ "مكان الشخص يسَعُ المناقشات"، "فلو عدل المسلمون إلى خلافة أحد ليس مِن آل عثمان؛ كمصطفى كمال مثلاً، وكان أهلاً لها، ولم يَكرهها من حيث كونُها صفة دينيَّة، وأعطوه نفوذها وحقوقها، لما أنكرت عليهم ذلك"؛ صـ 108.
• ثم ينبِّه الشيخ على الغرض الحقيقيِّ لحكومة "أتاتورك" من فصل السُّلطة عن الخلافة وهو وَأْدها كليَّة، وترويج مذهبهم اللاَّديني، ويكتب في ذلك محذِّرًا: "ولكنِّي أرى مِن أهَمِّ الواجبات وأقدَمِها في هذا الزَّمان كشْفَ القناع عن بِطانة الاتِّحاديين والكماليين، وتنبيه المسلمين على خطرٍ يُصيبهم منهم، ولا يخصُّ ضرره بالأتراك، وأدنى المضارِّ إعانتهم وتشجيعهم على ترويج مبدئهم اللاديني في بلادنا"؛ صـ 94.
ويقول الشيخ "مصطفى صبري" تعليقًا على فصل الخلافة عن السُّلطة، ومؤكِّدًا أنَّ هذا الأمر سيَفتح الباب لِنَقض عُرى الدِّين كلها بعد ذلك: "فتبيَّن أنَّ هذا الافتراق من حيثُ تقيّدُ الخلافة بأحكام الدِّين؛ كيلا تتقيَّد بها، حتى إنَّهم للتخلُّص من هذا القيد؛ اقتحَموا احتمال نكير المسلمين، وهذا أيضًا ما أفضى بنا إليه منطقيَّة في قضية الفصل بين الخلافة والسلطة؛ نظرًا إلى مجرَّد تلك القضيَّة، وإرغامًا لمن استوصى بها أو استخفَّ ببأسها في الدِّين، ورُبَّما وقع منهم بعد ذلك تصريحٌ بافتِراق الدُّنيا عن الدِّين، يغنينا عن هذه الاستدلالات المنطقيَّة، وإن كانت هذه الدلائلُ أغنى عندنا من تلك الصِّراعات"؛ صـ 98.
فسبحان الله! كيف تنبَّه شيخُ الإسلام في زمانه أنَّ فصل الخلافة عن السُّلطة، بل إلغاءها في حقيقة الأمر هو مَدْعاة بعد ذلك لحصر الإسلام في مجال العبادات، وإرغام المُسلمين على فَصْلِ دُنياهم عن دينهم، بل وإنْ لزِم الأمر الانخلاع من نعمة الدين كلها.
حكومة لا دينية:
أكَّد الشيخ مرارًا طوال رسالته أنَّ مسألة تجريد الخِلافة عن السُّلطة هو أمرٌ يَرجع إلى ارتداد الحكومة التركيَّة بقيادة "الكماليِّين"، وانتزاعها عن لباسها الدِّيني، وصدقَ ظنُّ الشَّيخ حينما صرَّح مندوبُ الكماليين "رضا نور بك" في مؤتمر "لوزان" للدُّول الأوروبية أنَّ الحكومة التركيَّة الحاليَّة تفخر بأنَّها حكومة "لا دينيَّة"، وقد ناقش الشيخُ في رسالته عدَّةَ دلائل وبراهين تدلِّل على صِدق رأيه، وقد غفل عنها كثيرٌ من الكُتَّاب والعلماء ساعتَها في غمرة التَّهليل والمديح لزمرة الإصلاحات المزعومة التي تشدَّقَ بها "أتاتورك" وأعوانُه من الكماليين، ومنها: • إلغاء المَحاكم الشرعيَّة: يقول الشيخ "مصطفى صبري": "وحادثة إلغاء المَحاكم الشرعيَّة وإن كانت مسألة مستقلَّة - ذات خطورة عظيمة، بحيث تَكْفي وحْدَها في تغيير الدَّولة الإسلاميَّة وإخراجها عن أصلها، إلا أنَّها من مستتبعات التفريق بين الحكومة والخلافة؛ لأنَّهم لما نزعوا الحكومة من الخليفة؛ لأجْل كونه خليفةً له رئاسةٌ دينيَّة، ومن واجبه أن يجعل دين الإسلام حاكمًا في حكومته قاعدًا لها بالمرصاد، حتَّى يستقِلُّوا برأيهم، ويفلتوا من قيد ذلك الحكم والرَّصد، فلا جرم التزموا إلغاء المحاكم الشرعيَّة الممثِّلة لحاكمية الدِّين في المَمْلكة"؛ صـ140.
• قام الكماليُّون بإلغاء بيع المُسْكِرات بين الشَّعب، مع قصر بَيْعِها على من يختصُّونه من البائعين، ويقول الشيخُ في ذلك:
"ومن المُضحِكات تصديقُ المصريِّين، وثقتُهم بصحَّة وجدِّية ما سنَّه الكماليُّون من قانونِ منع المسكرات، ظانِّين أنَّ ذلك وقعَ منهم لوجه الله، أو مصلحة الأمَّة، وعادية من مَحاسنهم ومناقبهم، مع أنَّهم نَهوا أن يبيع (الكحول) مَن شاء من الناس؛ ليكونوا هم البائعين، فيختص ربْحُها بهم، وهو عظيم جدًّا، وكثير ممن في تركيا يَعلم اشتِغال بعض أعضاء المجلس الوطنيِّ بهذه التِّجارة، واتخاذ بيوتهم مَعامل المسكرات ومَخازِنَها، وكذا يعلم كلُّ من في تركيا أنَّ "مصطفى كمال" أشهر مدمني الخمر، لا يمرُّ عليه وعلى أصحابه وأحبابه وماسطيه يومٌ وليلة بلا مسكر"؛ صـ 121، 122. • إباحة اختلاط النِّساء بالرجال:
يقول الشيخ في بوادر مَسألة الاختلاط التي بدأها الكماليُّون على تخوُّف، ثم سعَوْا فيها بكلِّ قوَّتِهم ونشاطهم: "وألَم يكفِكُم بعد مسألة الخلافة ما قد أفتَى مصطفى كمال لنفسه ولحكومته في مسألة اختلاط النِّساء بالرجال، ومقابلتهن، ممن يلقين من الرِّجال بِزيِّهن أو زيِّهم؟ وقد أمرَتْ حكومته بإزالة الحواجز الفاصلة بين مقاعد الرجال والنِّساء في التِّرامات والسُّفن وسائر المراكب والسينمات و(التياتر)، فأُزِيلت، فاستاء النَّاس منه، وسأل عنه بعض النُّواب فتهكَّم وزيرُ الداخلية في الجواب قائلاً: إنَّ الحكومة لاحظَتْ في رفع الستائر فائدةً صحِّية"؛ صـ128. • سَنُّ قوانين اجتماعيَّة يُقصَد بها ضرب أحكام الدِّين:يقول الشيخ تعليقًا على هذا: "ثُمَّ ألم يكفكم مشروعُهم النَّاهي عن تعدُّد الأزواج، وقد أحلَّه الله في كتابه على مثنى وثلاث ورباع، ومشروعهم الناهي عن زواج أبناء وبنات سنين أقلَّ من سبع عشرة أو ثماني عشرة؟"؛ صـ129. • إعلاء النَّزعة القوميَّة، وإحياء العِرْقيَّات العصَبِيَّة: كتب أحدُ الكتَّاب المصريين عن أحد رجالاتهم ونشاطه في إحياء النَّزعة الطورانيَّة التُّركية قائلاً: "فيوسف أقشورا بك مثلاً ما بَرِح قبل إعلان الدُّستور العثماني بسنين يَنْشر دعوته - بين رجال تركيا الفتاة - إلى نَبْذِ الجماعة الإسلاميَّة، وإضمار العدوان والأخذ بفكرة الجامعة الطورانيَّة، المبنية على التأليف بين الناطقين باللهجات التُّركية أولاً، ثم تكوين اتِّحاد حلفي منهم ومن الأمم التي أصلُها طوراني؛ مثل المجر (هنجاريا)، والبلغار، وفنلندا، فهو يَرى الاتِّفاق مع هؤلاء طبيعيًّا ومفيدًا أكثر من فكرة الجامعة الإسلاميَّة، وهذا الرَّجل وأمثاله يعتقدون أنَّ الدِّين الإسلامي هو عبارة عن احتلالٍ عرَبِي بسَطَ سُلطانَه على التُّرك، ودخل بيوتَهم، ومِن الواجب الخلاصُ منه بأيِّ حال"؛ صـ 130.
اتِّخاذ الرُّموز الوثنيَّة القديمة كشعارات، وإحياؤها: ومنها شعار "الذِّئب الأبيض" الذي وُضِع على طوابع البَريد وأغلب مرفقات الدَّولة، والذي ارتقَت الرِّوايات إلى كونه معبودًا مقدَّسًا قديمًا عند الأتراك، يقول شيخ الإسلام: "إنَّما مَرْماهم في إعادتنا إلى شعائر آبائنا القُدَماء الذين قطعَ الإسلامُ انتسابَنا إليهم وعلاقتنا بهم، إلى تبعيد الأمَّة - بأيَّة صورة كانت - عن شعائرها الإسلاميَّة، وروابطِها التي يَكرهونها قدْرَ ما يحبُّون منفعتهم الماديَّة الذاتية، وإلى تعويدها بشعائر الجنسيَّة (العصبيَّة) وعواطفها؛ لما يرون في إحيائها من أقوى ذريعة إلى إنساء الشَّعائر الإسلامية وعواطفها"؛ صـ151.
• إثارة الخلافات بين المسلمين الأتراك والأقَلِّيات:
مثل النَّصارى والأرمن والشَّركس وغيرهم، يقول شيخ الإسلام: "ولم يُهْمِلوا وسيلةً في تهييج البَغْضاء وإثارة الفتنة بين الفريقين - أعني: المسلمين والنَّصارى - وكل خَسَارٍ يحلُّ بهما فلَيْس بِخارجٍ عن مَقاصدهم ومطالبهم؛ لا سيَّما إذا تضمَّن ما يزيد في مكاسبهم"؛ صـ198.
ويقول الشيخ أيضًا في موضعٍ آخر: "... فلِهذا لم يَسْلَم من اعتدائهم في تركيا ما بين ألبانها وعرَبِها وأكرادها وأرمنها وأروامها وشَراكسِها وأتراكها، إلاَّ اليهود"؛ صـ 204.
فتح أزمير.. وهدم الدين:
يرى الشَّيخ "مصطفى صبري" أنَّ فَتْح "أزمير" المزعومَ الذي تباهى به الكماليُّون كان مُبرِّرًا لهدم عُرَى الخلافة العثمانيَّة وأواصرها وسط تخاذلٍ عربي واضح، وصل إلى حدِّ المُبارَكة للكماليِّين على جلِّ أفعالِهم التي بدَتْ في ظاهرها "إصلاحيَّة"؛ وذلك ذريعة هذا النَّصر الذي عُدَّ "أتاتورك" بعده من "الفاتحين المظفَّرين".
يصف الشيخُ فتْحَ "أزمير"، فيقول: "وكان فتحُ أزمير عملاً واجتهادًا في سبيل تلك الدُّنيا التي جرَّدوها عن الدِّين لا في سبيل الدِّين، وليس في ذلك الفتحِ نصيبٌ للدِّين إلاَّ تجريده عن نفوذه، وتبعيده عن حكومته، فهم بما أفادهم فتح أزمير من القدرة والجراءة، أظهَروا خلَّتَهم اللادينيَّة، والغافل يستدلُّ به على دفاعهم عن بيضة الإسلام، مع أنَّهم الذين ترقَّبوا فرصةً لافتراس دين الإسلام بادِّعاء احتراس الإسلام، وقد وجَدوها في فتح أزمير"؛ صـ176.
وقد كانت بصيرةُ الشيخ نافذةً حينما وصفَ فتح "أزمير" بأنَّه بِمثابة ذريعةٍ لِهدم الدين؛ فقد أثبتَتْ حوادثُ التاريخ أنَّ الانتصارات العسكريَّة المزعومةَ وصناعة "الأبطال الورقيِّين" كانت سياسةَ الأمم الغربيَّة لِمُحاربة هذا الدِّين وتسليط الطُّغاة على رقاب العباد والبلاد، ومن خير ما كتبَه أحدُهم أنَّه لكي تصنع بطلاً قوميًّا في الشرق؛ يكفيك أيُّ انتصار وهمي للبطل المزعوم، ثم الدَّندنة عليه ليل نهار، وتهويله في عيون النَّاس؛ ليصير هذا الشخصُ هو المخوَّلَ بالحق الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه، ولَكُم في أزمير "أتاتورك" وسُوَيس "ناصر" خيرُ عبرةٍ وعظة.
يقول الشيخ "مصطفى صبري": "لئن كانت أزميرُ شرَّ ذريعة وشرَّ قوة في أيدي الكماليِّين لِهَدم ما كان للدِّين من الحُكْم على الحكومة في تركيا، فلعنة الله على أزمير وعلى فَتْحها واستردادها: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 36]، وإنَّ قَومي الأتراك إنْ نالوا شوكةً وقوَّة، وعُدِموا دينهم، فلا تُؤَسِّيني قوَّتُهم، بل تُضاعف أسفي؛ لأنَّهم ليسوا إذًا بِقَومي، بل أعداء ديني، ولا يسرُّني قوَّةُ الأعداء"؛ صـ 176.
نعمة الدين والخلافة والأمة:
يقول الشيخ في خاتمة رسالته مُخاطبًا المسلمين في عهده، وقد أبان لهم عن مكر الغرب الأوروبِّي بهم، وبِدَولة خلافتهم، وعن الطُّغاة الذين تسلَّطوا على الإسلام وأهله، وما زادهم ذلك - أي: المسلمين - إلاَّ ركونًا ورِضًا بمصيرهم:
"فكأنَّ المسلمين ليس لديهم أساسٌ ولا قسطاس يُوزَن به كلُّ من يريد أن يتقدَّم عليهم، ويُسلمون قِيَادَهم إلى هديه؛ فلذلك تراهم يومًا يلبسون الشَّرع الأنوَر بشرع "الأنور"، ويومًا يَخضعون لحكم "مصطفى كمال"، أكثر من خضوعهم لأحكام الربِّ المتعال"؛
صـ207.
ثم يُذكِّر شيخُ الإسلام المسلمين في نهايةِ كلمات رسالته المتفجِّعة بنعمة الخلافة الضَّائعة على الدِّين والعباد والأمَّة، فيقول:
"هذا، وما ذكَرْنا طيلة الصفحات بعضٌ مِمَّا اكتسبَتْه أيدي الاتِّحاديين والكماليِّين الذين قبَضوا على زمام الدَّولة العثمانية منذ ستَّ عشرةَ سنة، فارْجِع البصَر إلى ما قبلها؛ كيف تجدها عند القياس بحالتها التي هي عليها اليوم من حيثُ فسحةُ المَمْلكة وضيقُها، وعَمارُها وخَرابُها، ومن حيثُ كثرةُ نفوسِ الأمَّة وقِلَّتُها، ومن حيث معيشتُهم وثَرْوتُهم، وأمنهم وراحتهم، ثم ارجِع البصر كرَّتين؛ حتَّى تهتدي إلى إدراك الفرق بين ما كانت عليه الدولة؛ أَعنِي:
(الدَّولة المعظَّمة الجامعة للسَّلطنة العثمانية والخلافة الكبرى الإسلاميَّة، مقترنة إحداهما بالأخرى، مع ما استتبعَتْه تلك المقارنة التي هي أزهى وأبهى من قِران السَّعدين عند الثَّقَلَين من حالات وعادات وملَكات دينيَّة وأدبية واجتماعية، توارَثْناهن من آبائنا، وكُنَّ كالمشخِّصات لأمَّتنا، تمتاز بهن، ولكلٍّ منهن قيمةٌ عظيمة لا تَعْدلُها فوائد العالم عند أقوام ذوي السَّجايا الرَّزينة التي تقوم بها حياةُ الأمم، وتدوم على قدر ما يحظَوْن منها)، وبين ما آلت إليه اليوم، وأعني به الدَّولة الصغيرة اللادينيَّة القوميَّة!!"؛ صـ209.
نهاية الإنترنت البشري.. كيف يغير وكلاء الذكاء الاصطناعي الويب؟ ألطاف موتي
كاتب، مدون، باكستاني
نهاية الإنترنت البشري؟ كيف يعيد وكلاء الذكاء الاصطناعي بناء الويب حول الآلات
على مدى ثلاثة عقود، بني الإنترنت على افتراض أساسي واحد: أن البشر هم من سيستخدمونه. كان الناس يبحثون عن المعلومات، ويقرؤون المقالات، ويشاهدون مقاطع الفيديو، ويقارنون بين المنتجات، وينقرون على الإعلانات، ويزورون المواقع الإلكترونية. ولذلك، صمم جزء كبير من الاقتصاد الرقمي حول جذب انتباه البشر. لكن هذا الافتراض بدأ يواجه تحديا مع الصعود السريع لوكلاء الذكاء الاصطناعي.
ووكلاء الذكاء الاصطناعي لا يكتفون بالإجابة عن الأسئلة؛ فهم يستطيعون البحث، وتصفح المواقع، ومقارنة المعلومات، وملء النماذج، وإدارة المهام، بل وتنفيذ المعاملات بصورة متزايدة نيابة عن المستخدمين. وفي سبتمبر/أيلول، طرحت شركة "أوبن إيه آي" قدرات جديدة للوكلاء المستقلين، صممت لتمكينهم من متابعة أهداف وتنفيذ مهام عبر تطبيقات مختلفة، فيما تعمل شركات أخرى على تطوير أنظمة قادرة على التخطيط للرحلات، وشراء المواد الغذائية، وإدارة الاشتراكات.
الويب أصبح يضم جمهورا آخر سريع النمو. وهذا الجمهور لا يتصفح الإنترنت بالطريقة التي يتصفح بها البشر؛ فهو لا يهتم بتصميم الصفحة أو الإعلانات أو التمرير بين المحتويات. إنه برمجيات تعمل نيابة عن البشر
من محركات البحث إلى المستخدمين الآليين
كانت محركات البحث التقليدية تنقل الناس من موقع إلكتروني إلى آخر. وكان المستخدمون يفتحون الروابط، ويقرؤون مصادر مختلفة، ثم يقررون بأنفسهم ما الذي يصدقونه أو يشترونه. أما أنظمة الذكاء الاصطناعي، فتغير هذه العملية من خلال جمع المعلومات وعرضها داخل الواجهة نفسها. وقد يحصل المستخدم على إجابة مركبة دون أن يزور معظم المواقع التي استقيت منها المعلومات.
لكن المرحلة التالية أكثر أهمية؛ فالوكلاء القائمون على الذكاء الاصطناعي يستطيعون التفاعل مباشرة مع المواقع الإلكترونية وتنفيذ إجراءات فيها، بدلا من الاكتفاء باسترجاع المعلومات. وتصف شركة "كلاودفلير" هذه الأنظمة الآن بأنها جمهور ثان للإنترنت، وتقول إن الطلبات الصادرة عن وكلاء الذكاء الاصطناعي على شبكتها ارتفعت بأكثر من 1700% خلال العام الماضي. كما أفادت بأن أكثر من نصف حركة المرور على شبكتها أصبحت، للمرة الأولى، غير بشرية.
وهذا لا يعني أن البشر اختفوا من الإنترنت، لكنه يعني أن الويب أصبح يضم جمهورا آخر سريع النمو. وهذا الجمهور لا يتصفح الإنترنت بالطريقة التي يتصفح بها البشر؛ فهو لا يهتم بتصميم الصفحة أو الإعلانات أو التمرير بين المحتويات. إنه برمجيات تعمل نيابة عن البشر.
أزمة الويب المفتوح
يخلق هذا التطور مشكلة اقتصادية خطيرة أمام المؤسسات الصحفية. فإذا قرأ نظام للذكاء الاصطناعي مقالا، ثم قدم للمستخدم المعلومات الأساسية الواردة فيه، فقد لا يزور المستخدم الموقع الأصلي على الإطلاق. وهنا يخسر الناشر زيارة الموقع، وربما يخسر أيضا إيرادات الإعلانات أو الاشتراكات أو الأنشطة التجارية المرتبطة بها.
وتظهر الضغوط بالفعل؛ فقد أظهرت بيانات شركة "تشارتبيت"، التي أوردتها "أكسيوس" (Axios)، تراجعا ملحوظا في حركة الإحالة القادمة من محركات البحث التقليدية، ولا سيما بالنسبة إلى المؤسسات الصحفية الأصغر. ولم تتمكن حركة الوصول الناتجة عن أدوات الذكاء الاصطناعي حتى الآن من تعويض هذه الخسائر بالكامل. كما أفادت "أكسيوس" في وقت لاحق بأن حركة المرور إلى المواقع الإخبارية تتراجع مع انتقال المستخدمين من محركات البحث والمنصات الاجتماعية التقليدية إلى واجهات الذكاء الاصطناعي.
وهذا يطرح سؤالا جوهريا: من سيدفع ثمن الصحافة والخبرة اللتين تستخدمهما أنظمة الذكاء الاصطناعي؟ فإذا كانت ملايين المواقع تقدم المعلومات للآلات، لكنها لا تحصل في المقابل إلا على قدر ضئيل من الزيارات أو الإيرادات، فقد تتعرض القاعدة الاقتصادية التي يقوم عليها الويب المفتوح للضعف.
قالت شركة "فيزا" إن المعاملات التي يبدأها وكلاء الذكاء الاصطناعي يمكن أن تتحول إلى فئة رئيسية في عالم المدفوعات، فيما تختبر شركات البيع بالتجزئة طرقا مختلفة للسماح بعمليات الشراء المستقلة أو تقييدها
المواقع الإلكترونية تقاوم
بدأ أصحاب المواقع الإلكترونية يطالبون بقدر أكبر من السيطرة على وصول الآلات إلى محتوياتهم. فبعضهم يريد لأنظمة الذكاء الاصطناعي اكتشاف محتواه، انطلاقا من الفرص الجديدة التي يمكن أن توفرها هذه الأنظمة في مجال التوزيع والوصول إلى الجمهور، بينما يريد آخرون منع الوصول الآلي لأن نموذج أعمالهم يعتمد أساسا على الزوار البشر.
واستجابت "كلاودفلير" لذلك من خلال توفير أدوات منفصلة لأصحاب المواقع للتحكم في الوصول المرتبط بالبحث، وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وحركة وكلاء الذكاء الاصطناعي. كما طرحت نظاما يمكن أن يتيح للناشرين الحصول على مقابل مالي عندما تستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي محتواهم.
وقد يقود ذلك إلى إنترنت مختلف تماما؛ فقد تظل بعض المواقع متاحة للبشر بصورة مجانية، لكنها تفرض قيودا على الآلات. وقد تسمح مواقع أخرى للوكلاء بالدخول فقط بعد المصادقة أو الدفع. وهكذا، يمكن أن يكتسب الويب المفتوح تدريجيا طبقة اقتصادية جديدة، تصبح فيها للمعلومات أسعار مختلفة باختلاف نوع المستخدم.
تجارة من دون متسوق
قد يصبح هذا التحول أكثر وضوحا في مجال التجارة الإلكترونية. ففي الوقت الحالي، يبحث المستهلكون عن المنتجات، ويقارنون الأسعار، ثم يقررون ما يريدون شراءه. أما غدا، فقد يقوم وكيل للذكاء الاصطناعي بمعظم هذه الخطوات.
والتقنية تتحرك بالفعل في هذا الاتجاه؛ فشركات تطوير وكلاء الذكاء الاصطناعي تعمل على أنظمة قادرة على التخطيط للرحلات، وشراء السلع، وإدارة الاشتراكات. وقالت شركة "فيزا" إن المعاملات التي يبدأها وكلاء الذكاء الاصطناعي يمكن أن تتحول إلى فئة رئيسية في عالم المدفوعات، فيما تختبر شركات البيع بالتجزئة طرقا مختلفة للسماح بعمليات الشراء المستقلة أو تقييدها.
وإذا انتشر هذا النموذج على نطاق واسع، فقد يصبح المتسوق التقليدي على الإنترنت أقل ظهورا. وقد يكتفي الشخص بتحديد ميزانية واحتياجات معينة، ثم يتولى الوكيل البحث في مئات المنتجات ومقارنتها وتقديم توصية. وسيظل القرار النهائي بيد الإنسان، لكن جزءا كبيرا من النشاط على الإنترنت سيجري بين الآلات.
يمكن أن تنتقل سلطة تصفية المعلومات تدريجيا من محركات البحث والمنصات الاجتماعية إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي
من يسيطر على الإنترنت الجديد؟
القضية الأعمق ليست ببساطة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيستخدم الويب، بل تتعلق بمن سيسيطر على العلاقة بين البشر والمعلومات.
اليوم، يختار الناس ما الذي يبحثون عنه والمصادر التي يريدون الاطلاع عليها. لكن في إنترنت يقوده الوكلاء، قد تصبح البرمجيات هي التي تحدد بصورة متزايدة الصفحات التي ينبغي قراءتها، والمنتجات التي ينبغي مقارنتها، والمعلومات التي ينبغي عرضها. وقد يصبح الوسيط نفسه مهما بقدر أهمية المواقع التي ينقل عنها المعلومات.
وهذا يثير أسئلة تتعلق بالشفافية والمنافسة والمساءلة. فإذا أوصى وكيل بمنتج معين بدلا من منتج آخر، فقد لا يعرف المستخدم السبب الحقيقي وراء هذه التوصية. وإذا لخص وكيل عدة مصادر إخبارية، فقد لا يرى المستخدم التقارير الأصلية. وبذلك، يمكن أن تنتقل سلطة تصفية المعلومات تدريجيا من محركات البحث والمنصات الاجتماعية إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي.
خطر الويب من آلة إلى آلة
هناك خطر آخر يلوح في الأفق؛ فالمحتوى الذي تنتجه أنظمة الذكاء الاصطناعي يتزايد بسرعة، بينما يستهلك الوكلاء بصورة متزايدة معلومات تنتجها أنظمة ذكاء اصطناعي أخرى. وقد يؤدي ذلك إلى دورة متكررة تنتج فيها الآلات المعلومات، وتلخصها، ثم تعيد توزيعها مع تراجع تدريجي لدور الإنسان في هذه العملية.
والنتيجة المحتملة هي إنترنت يحتوي على كميات هائلة من المواد، لكنه يصبح أقل ارتباطا بالمصادر الأصلية. وقد تصبح معرفة أصل المعلومة ومصدرها أمرا لا يقل أهمية عن المعلومة نفسها. وسيحتاج المستخدمون إلى معرفة ليس فقط ما يقوله لهم نظام الذكاء الاصطناعي، بل أيضا من أين جاءت المعلومة، وكم مرة جرى تحويلها أو إعادة صياغتها قبل أن تصل إليهم.
قد لا يكون أعظم تحول في تاريخ الإنترنت هو أن الذكاء الاصطناعي ينتج مزيدا من المحتوى، بل قد يكون التحول الأكبر هو أن يصبح الذكاء الاصطناعي الوسيط الرئيسي بين البشر والويب
النهاية أم مجرد تحول؟
الإنترنت البشري لا يختفي. وسيواصل البشر إنتاج المعلومات والتواصل واستهلاك المحتوى عبر الإنترنت، لكن بنيته تتغير بسرعة.
والسؤال الحاسم هو ما إذا كان وكلاء الذكاء الاصطناعي سيظلون مساعدين يعملون داخل إنترنت يتمحور حول الإنسان، أم أن الويب نفسه سيعاد تصميمه بصورة متزايدة ليتناسب مع مستخدمين من الآلات.
وقد وصفت "كلاودفلير" الإنترنت الوكيلي الناشئ بأنه إنترنت يجب أن يكون قابلا للقراءة، والاكتشاف، والاستدعاء، والدفع. ويشير هذا الوصف إلى تحول جوهري في الطريقة التي يمكن أن تعمل بها المواقع والمعلومات والتجارة في المستقبل.
ولذلك، قد لا يكون أعظم تحول في تاريخ الإنترنت هو أن الذكاء الاصطناعي ينتج مزيدا من المحتوى، بل قد يكون التحول الأكبر هو أن يصبح الذكاء الاصطناعي الوسيط الرئيسي بين البشر والويب.
وإذا حدث ذلك، فسيظل الإنترنت ملكا للبشر من حيث المبدأ، لكن الآلات ستكون، بصورة متزايدة، هي التي تقوم بالتصفح.
حكم قادم بشأن إبادة الروهينغيا وعلى "التعاون الإسلامي" أن تقرر كيف ستتعامل معه
كياو وين ناشط حقوقي بارز يشغل منصب المدير التنفيذي لشبكة حقوق الإنسان في بورما.
لقد جعلت منظمة التعاون الإسلامي التضامن الإسلامي محورا أساسيا في الطريقة التي تقدم بها نفسها، وعلى مدى تسع سنوات، تعرض الروهينغيا في ميانمار للقتل، والطرد من ديارهم، وتجريدهم من جنسيتهم، ودفعهم إلى البحر.
وقد عقدت منظمة التعاون الإسلامي قمما وأصدرت قرارات طوال تلك السنوات، وأمضيت 14 عاما في توثيق ما حدث، وخلال تلك الفترة، ازدادت الأوضاع التي يواجهها الروهينغيا سوءا في الغالب.
تحتفل شبكة حقوق الإنسان في بورما هذا العام بمرور 14 عاما على تأسيسها، وعندما أنشأتها، كنت أؤمن بأن التوثيق سيكون ذا أهمية، كنت أؤمن بأنه إذا جمعنا الأدلة بعناية وعرضناها على المؤسسات التي تملك سلطة التصرف، فإنها ستتحرك.
لقد جمعنا شهادات من الناجين من المذابح، ووثقنا التدمير المنهجي لقرى الروهينغيا، وحرمانهم من الجنسية، وتجويع شعبهم بشكل متعمد.
لقد نشرنا أدلة لم ترغب الحكومات في مواجهتها، واستخدمنا العبارات التي استلزمتها تلك الأدلة، وإذا ما قضت المحكمة بمسؤولية ميانمار عن ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، فستكون هذه هي المرة الأولى في تاريخ محكمة العدل الدولية الممتد على مدى 80 عاما التي تحمل فيها دولة مسؤولية ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية
لقد سألت نفسي أحيانا ما الذي سيفعله هذا الحكم لوقف الفظائع؛ عاش الناجون من الروهينغيا الذين أدلوا بشهاداتهم فيلاهاي أسوأ لحظات حياتهم مرة أخرى أمام القضاة الدوليين لأنهم وثقوا بأن شهاداتهم ستكون ذات أهمية.
ولا يزال الكثير منهم في بنغلاديش، ولا يزالون في حالة من عدم اليقين، ويعيشون على أقل من 13 دولارا في اليوم.
واحد من كل 7 أشخاص حاولوا الوصول إلى ماليزيا العام الماضي لقي حتفه أثناء محاولته عبور الحدود، ولا تزال أوضاع الناس على ما هي عليه، فهم غير محميين، والحكومات التي كان بإمكانها بذل المزيد من الجهد لم تفعل ذلك.
كثيرا ما يسألني الناس لماذا نواصل عملنا؟ لم أحصل قط على إجابة مرضية. ما أعرفه هو أنه إذا لم تجمع الأدلة، فإنها لا تعتبر موجودة، وإذا لم تكن موجودة، فيمكن إنكار ما حدث.
اتخذت هذا القرار وأنا أدرك ما يعنيه، وأواصل عملي لأنني، بعد سماع هذه الروايات ورؤية الأدلة، لا أعرف كيف أتجاهل الأمر.
لقد نشرنا أدلة لم ترغب الحكومات في مواجهتها، واستخدمنا العبارات التي استلزمتها تلك الأدلة، وإذا ما قضت المحكمة بمسؤولية ميانمار عن ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، فستكون هذه هي المرة الأولى في تاريخ محكمة العدل الدولية الممتد على مدى 80 عاما التي تحمل فيها دولة مسؤولية ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية.
وقدم الناجون من الروهينغيا إلى المحكمة أدلة على ما تعرضوا له هم وأسرهم، وقد فعلوا ذلك بعد سنوات عديدة فشلت خلالها الحكومات في حمايتهم.
وأوجه كلامي الآن إلى الوزراء الذين سيجتمعون في بغداد في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
لقد أيدت منظمة التعاون الإسلامي هذه القضية، ودعمت حكوماتكم الجهود الرامية إلى محاسبة ميانمار على معاملتها للروهينغيا، وحضر ممثلون عن دول منظمة التعاون الإسلامي جلسات المحكمة في لاهاي بينما كان الناجون يصفون ما تعرضت له عائلاتهم.
وعندما يصدر الحكم، أتوقع صدور بيانات ترحب به ووعودا متجددة بالمساءلة، لكن إصدار بيان آخر لن يحمي أحدا.
يجب على حكومات منظمة التعاون الإسلامي أن ترفض العودة القسرية إلى ميانمار، وأن تحمي الروهينغيا الذين يصلون إلى أراضيها، وأن تواصل دعم اللاجئين في بنغلاديش، وأن تتفق على اتخاذ تدابير دبلوماسية واقتصادية ضد المسؤولين عن اضطهادهم؛ هذه خيارات يمكن لحكوماتكم اتخاذها.
لقد تحدثت حكومات منظمة التعاون الإسلامي لسنوات عن واجبها في الوقوف إلى جانب المسلمين المضطهدين، وظهر الروهينغيا مرارا وتكرارا في تلك التصريحات.
يجب على حكومات منظمة التعاون الإسلامي أن ترفض العودة القسرية إلى ميانمار، وأن تحمي الروهينغيا الذين يصلون إلى أراضيها، وأن تواصل دعم اللاجئين في بنغلاديش، وأن تتفق على اتخاذ تدابير دبلوماسية واقتصادية ضد المسؤولين عن اضطهادهم؛ هذه خيارات يمكن لحكوماتكم اتخاذها
فقد أيدت قضية غامبيا أمام محكمة العدل الدولية، ودعت إلى المساءلة والحماية والعودة الآمنة لأولئك الذين طردوا من ميانمار، وقد أخذ العديد من الروهينغيا والعديد منا ممن يعملون معهم تلك الالتزامات على محمل الجد.
يصعب التوفيق بين الطريقة التي يعامل بها الروهينغيا في جميع أنحاء المنطقة وبين تلك الالتزامات، فقد واجه اللاجئون والمحتجزون عمليات إعادة قسرية، ورحلات بحرية محفوفة بالمخاطر، وتهديدا بإعادتهم إلى بلد لا يزال الصراع مستمرا فيه.
وبعض الحكومات التي تتحدث عن الروهينغيا في الاجتماعات الدولية لا توفر لهم نفس الحماية عند وصولهم إلى حدودها، فلا يمكن لحكومة ما أن تطالب ميانمار بالمساءلة وتقوم في الوقت نفسه بإعادة الناس إلى الخطر.
وعندما يغادر الوزراء بغداد، ستصدر بيانات، وقد تظهر كلمة "إبادة جماعية " فيها، لكن ذلك لن يغير وضع أي أسرة من الروهينغيا في بنغلاديش.
تستضيف بنغلاديش 1.2 مليون من الروهينغيا، وتواجه ضغوطا منذ سنوات لإعادتهم، وفي أماكن أخرى من المنطقة، واجه الروهينغيا الاحتجاز، والعودة القسرية، والرحلات البحرية المميتة.
ففي عام 2025، أجبرت الهند الروهينغيا على النزول من سفينة حربية في بحر أندامان، وطلبت منهم السباحة إلى الشاطئ بالقرب من سواحل ميانمار.
وإذا لم تصدر منظمة التعاون الإسلامي أي تصريح عندما تعرض الحكومات الروهينغيا لهذا النوع من الخطر، فلن يكون لدى تلك الحكومات سبب وجيه لتغيير مسارها.
إلى المنظمات المجتمعية الروهينغية التي واصلت العمل، والصحفيين الذين أعدوا تقاريرهم رغم القيود المفروضة على الوصول، وأولئك الذين ساعدوا الناجين في إيصال شهاداتهم إلى المحافل الدولية، والمدافعين الذين ظلوا ملتزمين بهذه القضية عندما تحول اهتمام السلطات الرسمية إلى أمور أخرى، لا يسعني إلا أن أقول إنه كان الأولى أن تقوم بهذا الجهد حكومات لديها مؤسسات عسكرية ومالية قوية.
الأدلة التي حافظتم عليها أصبحت الآن جزءا من السجل التاريخي.
لقد علمنا النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه يجب علينا مساعدة أخينا سواء كان ظالما أم مظلوما، وعندما سئل عن كيفية مساعدة الظالم، قال: "بمنعه من الظلم".
والحكومات الـ57 المجتمعة في بغداد تعرف هذه التعاليم، ولن يحمي الحكم الصادر عن لاهاي الروهينغيا بمفردهم.
وما ستفعله تلك الحكومات بعد صدور الحكم هو ما سيظهر ما إذا كان دعمها لهذه القضية سيكون له تداعيات تتجاوز قاعة المحكمة.
لماذا تستهدف أمريكا السعودية ومكة؟ سؤال في الصميم، من أجل فهم أعمق وأوسع مضر أبو الهيجاء
نجحت الإدارات الأمريكية في تجسيد رؤية وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس، وترجمة مشروع «الفوضى الخلّاقة» إلى واقع سياسي في المنطقة.
ولعل ما شهدته ثورات الربيع العربي من تدخلات أمريكية وعبث بمساراتها ونتائجها يمثل دليلًا بارزًا على ذلك؛
فعلى الرغم من عظمة هذه الثورات وعدالة مطالب الشعوب التي خرجت فيها، فإن النتائج لم تحقق ما أرادته الشعوب، ولم تصب في مصلحة الأمة.
فحال مصر اليوم أسوأ مما كان عليه، وكذلك ليبيا والسودان وتونس وغيرها من بلدان الربيع العربي. وحتى في سورية، فرغم أهمية تفكيك الأجهزة الأمنية الأسدية -حامية إسرائيل- وفتح أرض الشام أمام الدعوة والعمل الإسلامي،
فإن الضعف الكبير في المنظومة السياسية والعسكرية السورية يمثل أحد المظاهر التي تكشف حجم التعقيدات والتدخلات التي أحاطت بالمسار السوري، وفي مقدمتها العبث الأمريكي بالساحة السورية.
ومن هنا، فإن من يتوهم أن فلسطين ستتحرر، وأن الأقصى سيعود إلى حضن المسلمين، قبل أن تتعافى عموم الديار الشامية وخصوص السورية والمصرية، يغفل عن الترابط العميق بين ساحات الصراع في المنطقة ويعمى عن حقيقة الأمة.
ولذلك، فإن من البديهي أن تظل السياسة الأمريكية حاضرة في تفاصيل المشهد السوري والمصري والعراقي، وأن تعمل على منع تعافي هذه الدول واستعادة قدرتها على النهوض والاستقلال بقرارها.
وإذا كان تعافي سورية شرطًا أساسيًا لاستعادة إقليم الشام عافيته، فإن الخليج بدوره لا يمكن أن ينعم بالاستقرار إذا تعرضت المملكة العربية السعودية للتفكيك والانهيار. فكما تمثل سورية مركز إقليم الشام، تمثل المملكة العربية السعودية اليوم مركز الثقل في إقليم الخليج. ومن هذا المنطلق، فإن استهداف الخليج وبعثرته وتمزيقه يرتبط باستهداف المملكة نفسها، باعتبارها الركيزة المركزية في تماسك الإقليم واستقراره سياسيا واجتماعيا وثقافيا وعسكريا.
تخادم خبيث بين الإدارة الأمريكية والمشروع الإيراني
وهذا ما يفسر طبيعة الاستخدام والتخادم العميق والخبيث بين الإدارة الأمريكية والمشروع الإيراني الذي يقوده الملالي؛ إذ يوظف هذا المشروع أدواته الإقليمية القاتلة، وفي مقدمتها المكوّن الحوثي، الذي يعتبر امتدادًا للمشروع التخريبي الطائفي الإيراني، وهو الصورة والدور المعاصر لعبد الله بن سبأ المفسد واللعين.
لقد استطاع الغرب إخراج مصر، بما تمثله من ثقل وتأثير، من معادلة الصراع، وإضعاف المنطقة العربية عمومًا، وانتقل بعدها إلى تفكيك العراق المجيد، ثم توالت حلقات التفكك، وكأنها حبات مسبحة انفلت خيطها. وبعد العراق، جاء الدور على سورية التي احترقت بنيران المشروع الأسدي الطائفي المتخادم مع أمريكا وحامي كيان إسرائيل، ثم اليمن الذي دخل بدوره في دوامة الصراع. وفي هذه الساحات جميعها، وظّف الغرب قوى المنظومة الإيرانية الملالية، واستفاد من تحركاتها وتداخل معها مدا وجزرا في حالتي السلم والحرب، بما أدى إلى تعميق الانقسامات وإضعاف الدول والمجتمعات.
ومع ذلك، لا تزال في الخليج العربي قوة كامنة وصامتة، تتمثل في تماسك المجتمعات والروابط الإقليمية، وهو ما يجعل المنطقة ساحة مهمة في حسابات المشاريع المعادية لعموم الأمة.
ومن هنا فأن أمريكا المتصهينة تسعى إلى العبث بموازين الخليج، بدءًا بالمملكة العربية السعودية، لما تمثله من ثقل مركزي، مستخدمةً في ذلك الخنجر الإيراني الحوثي اللئيم.
معادلة مهترئة
إن المعادلة القائمة في ساحة الاحتراب المصطنع في اليمن والجزيرة العربية لا يمكن فهمها من خلال العقل القُطري القميء الذي استوطن بعض عقول النخب العربية، وخصوصًا النخب الفلسطينية، التي حصرت قضيتها المركزية في أرض فلسطين، بدلًا من أن تنظر إلى الأمة والدين باعتبارهما الإطار الأشمل للقضايا، وإلى التوحيد باعتباره جوهر هذا الانتماء ومرتكزه الأساسي.
فأي نقاش في قضايا الأمة، العامة منها والجزئية، لا ينطلق من مفهوم الأمة ومصالحها الكلية، لن يصل إلى تفسير صحيح للأحداث، ولن يفضي إلى تقدير سليم للمواقف، ولن يقود إلى اتخاذ الموقف الصحيح.
وقد رأينا نموذجًا واضحًا لهذا الخلل حين تنكّر بعض أبناء الأمة لفلسطين، متأثرين بمواقفهم من حكامها أو من قياداتها السياسية، في ظل العلاقة والتحالف الآثم بين قيادات المقاومة السياسية وملالي إيران المعتدين.
وها نحن نرى اليوم بعض الأطراف يتنكرون للاعتداء على بلاد الحرمين، انطلاقًا من مواقفهم السياسية تجاه حكام المملكة.
وفي كلتا الحالتين، يتكرر موطن الضعف ذاته: تضخيم القضايا الفرعية والقطرية حتى تطغى على قضية الأمة الجامعة، وتقديم الخصومات السياسية والحسابات الضيقة على مصلحة الأمة والدين، بما يؤدي إلى تغييب مفهوم الأمة وإضعاف القدرة على إدراك الترابط بين ساحات الصراع ومخاطر تفكيك المنطقة.