‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات علي فريد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات علي فريد. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 7 أغسطس 2026

مِنْ (عُقدة الخواجة) إلى (عُقدة المُلَّا)

مِنْ (عُقدة الخواجة) إلى (عُقدة المُلَّا)



الشعورُ بالنقصِ والدُّونيةِ قاتلٌ في كل حال..
وأقتلُ أحواله أن تشعر بالنقص أمام ناقص، وبالدُّونيةِ أمام دُوْن!!

تبدو (عُقدةُ الخواجة) التي أُصيبَ بها العلمانيون العرب أقربَ معقوليةً وأكثرَ تفهماً مِن (عُقدة المُلَّا) التي أُصِيبَ بها الإسلاميون المتأيرنون!!

عقدة الخواجة كان لها ما يُسَوِّغُها في الواقع؛ فقد نتجت عن انسحاقٍ نفسيٍ أمام حضارةٍ حقيقيةٍ غالبة، أثبتت جدارتها قوةً ومعرفةً وتقانةً- على مدار أكثر من ثلاثة قرون- بما لم يدع مجالاً لأصحاب النفوس الهشة مِن السقوط فيما سماه ابنُ خلدون (وَلَعُ المغلوبِ بتقليد الغالب)، أو ما سماه مالك بن نبي (القابلية للاستعمار).. 
وبقليلٍ مِن الواقعية؛ تستطيع اتخاذ بعضِ العذر لهؤلاء المرضى المنبهرين بالغرب؛ لمعقولية أسباب المرض ومنطقية دواعي الانبهار..
أما (عقدة المُلَّا) التي أصيب بها مَن يزعمون أنهم أصحابُ نفوسٍ ممتلئةٍ بالعقيدة، أو جنودُ (معركة الوعي)، أو طليعةُ (أستاذية العالم)؛ فإنَّ العقل ليقف عاجزاً عن إيجاد مُسوغٍ منطقي لها، أو تفسيرٍ معقولٍ لأسبابها.. 
ومع بعض التجاوز؛ يمكن للمهمومين بتشخيص الأمراض النفسية والبحث عن أسبابها أن يجدوا تفسيراً لها- يحمل بعضَ المنطق- فيما سُمِّىَ (متلازمة ستوكهولم)؛ تلك التي يتعاطف فيها المخطوف مع خاطفه المجرم، وتنمو في نفسه- تباعاً- مشاعرُ الإعجاب به والولاء له؛ فَيُسوِّغٌ جرائمَه، ويتحالف معه ضد منقذيه منه..
وعلى الرغم من هذا التجوز؛ تظل عقدة المُلَّا هذه عقدةً غرائبية يَعجزُ العقلُ والمنطقُ عن قبولها قبولاً كاملاً (دِيناً ودُنيا)..
فإنْ كان بَهَرَ الإسلاميين في الملالي أنهم نجحوا فيما فشلوا هم فيه؛ فأنشؤوا دولةً وحافظوا عليها؛ فما أنشؤوها واللهِ أعلم بأنفسهم؛ وإنما سُلِّمْت لهم كما سُلِّمت لأمثالهم الدولُ في المنطقة.. 
وإنْ كانوا حافظوا عليها فما حافظوا عليها إلا كحفاظ (صدام) على دولته؛ بُسِطَ له الحبلُ على اتساعه ثم شُنق بحبله بعد وقوعه في الفخ.. 
وهاهم الملالي يُقتلون مجرماً تلو مجرم؛ بعدما أوقعوهم في الفِخاخ فخاً بعد فخ!!
وإن كان بَهَرَهم فيهم جعجعاتُ المُمَانَعة، وادعاءاتُ المقاومة، وخطاباتُ الصمودِ والتصدي؛ فما أكثر ما جعجع (عبد الناصر) وادَّعَى، وما أكثر ما أرغى وأزبد؛ حتى استيقظ في (يونيو 67) على أقلَّ مما استيقظ عليه الملالي في (فبراير 2026).
وإنْ كان بَهَرَهم فيهم أكاذيبُ نُصرة المقاومة، وأضاليلُ وحدة الساحات؛ فها هي (غزة) تشهد على طبيعة النُصرة، وحقيقة وحدة الساحات!!
وإن كان بَهَرَهم فيهم سَيطرتُهم على أربع عواصم عربية؛ فما فعلوا ذلك بقوتهم؛ بل مُهِّدَ لهم الطريق، وأُخليت لهم الملاعب، وفُرِّغتْ له الساحات..
وإذا ما خَلا الجبانُ بأرضٍ
              
 طَلبَ الطَّعنَ وحدَه والنِّزالا

وكعادتهم في تاريخهم كله؛ تعاونوا مع كل أعداء المسلمين لقتل المسلمين، وذبح المسلمين، وتهجير المسلمين.. 
ولا أدري واللهِ- إنْ كان هذا ما بَهَرَهُم فيهم- كيف ينبهر مسلمٌ عربيٌ بسيطرةِ مشركٍ أعجميٍ على بلاد العرب والمسلمين، وبلاده هي التي تُحتل، وعِرضه هو الذي يُنتهك، وإخوانه هم الذين يُقتلون ويُذبحون ويُهَجَّرون؟!!
وإنْ كان بَهَرَهُم فيهم طبيعةُ نظامهم أو رَفاهُ شعبهم؛ فما يعرف الناسُ في المنطقة نظاماً همجياً قمعياً مثل نظام الملالي، ولو أُحصِيَ عددُ الذين قُتلوا في ثورتي (تونس ومصر) مثلاً؛ فأغلبُ ظني أنهم لن يبلغوا عددَ الذين يُقتلون في مظاهرتين أو ثلاثة من مظاهرات الإيرانيين ضد نظام الملالي.. 
وحسبك أن تعرف أنَّ الأجهزة الأمنية في إيران بلغت سبعة عشر جهازاً أمنياً لا عَملَ لها سوى قمع الشعب، وإحصاء أنفاسه، وكبت حريته، وطمس هُويَّات أقلياته.. 
أما الرفاه والغِنى فهما كلمتان لم أرَ إيرانياً حتى الآن يعرف معناهما؛ اللهم إلا إنْ كان مِن طبقة الملالي أو محاسيبهم.. 
ولا بأس أن تنظر في قيمة عُمْلَتِهِم منذ مجيء الخميني إلى الآن، أو تَطَّلِعَ على إحصاءات مهاجريهم وطالبي اللجوء فيهم؛ لتعرف ماذا فعل الملالي في هذا البلد النفطي المتخم بالخيرات..
وإنْ كان بَهَرَهُم فيهم ما يُسَمُّونَه (العزة والكرامة)؛ فأين هي العزة والكرامة في إبادة الصف الأول والثاني وربما الثالث من قياداتهم (في ساعةٍ واحدة، في ساعةٍ واحدة، في ساعةٍ واحدة)، ثم سحق قواتهم البحرية والجوية في يومٍ أو بعض يوم؟! 
وأيَّة عزةٍ وكرامةٍ هذه وإيران في يدي أمريكا وإسرائيل كالمُنخَلِ في يدي حامله؟! 
إنْ كانت العزة والكرامة بالجعجعة والصراخ؛ فما أكثر ما يُوسِعُ المهزومُ أعداءَه سَبَّاً وهم يسيرون بالإبل!!
لا أدري والله أي شيء يمكن أن ينبهر به عاقلٌ فيمن هذا نظامه وهذه دولته.. جَبرٌ، وطغيانٌ، وفقرٌ، وتخلفٌ، وفسادٌ، وإفسادٌ، وانتهاكٌ لكرامة البشر، وإهدارٌ لثرواتهم؛ مع دعاوى عريضة لا أثر لها في الواقع ولا حاصل منها على الأرض!!

علامَ إذن يُفرِدُ الإسلاميون المتأيرنون الأنظمةَ العربية بالهجوم ونظام الملالي أشد سوءاً منها داخلياً وخارجياً، بل في أنظمة العرب مَن هو أفضل حالاً بمئات المرات من هذا النظام الذي ما دخل مكاناً إلا أفسده، ولا حَلَّ بأرض إلا خَرَّبها ولا تحالف معه مسلمُ إلا سَقطَ ديناً ودنيا!!

إنه لمِن المخجل حَقَّاً أنَّ القاع الذي وصل إليه العلمانيون العرب بـ(عقدة الخواجة) لم يكن هو القاع الأخير؛ فقد تجاوزهم الإسلاميون المتأيرنون بـ(عقدة المُلَّا) إلى قاعٍ أسفل؛ محققين رقماً قياسياً في السقوط لا يُدرى مَنْ سَيَحوزه بَعْدَهُم إلى الأدنى.. إنْ كان ثمة أدنى!!

***
(الآن، وهنا) هو ما يدور حوله العلمانيون، ولا شيء عندهم- غالباً- وراء ذلك.. هَمُّهُم الحياة الدنيا التي يعلمون ظاهراً منها "وهُم عن الآخرة هم غافلون".. 

منطقيُّ إذن أن ينبهر مَن هَمُّهُ الدنيا بعبيد الدنيا!!

أما الإسلاميون؛ فإنَّ الدنيا عندهم قنطرةٌ للآخرة (الآن، وهنا، لهناك)، أو هكذا يَدَّعون صادقين أو كاذبين.. فإذا كان هَمُّهُم الدين ليُصلحوا به الدنيا-كما يقولون؛ فأين هو المنطق في انسحاق (بعضهم) نفسياً أمام الملالي الذين إنْ نَظَرْتَ في (دينهم) و(دنياهم) معاً؛ لم يَسعْكَ سوى الاشمئزاز منهم، والترفع عليهم، وحمد الله على نعمة العقل والدين.

لقد اختطفهم الملالي بشعارات المقاومة، وادعاءات الممانعة، وخطابات الجعجعة بفلسطين والقدس؛ دون أن يكون لهذه الشعارات وتلك الادعاءات أي تطبيق واقعي ملموس على مدار أكثر من أربعين سنة؛ اللهم إلا قتل أكثر من أربعة ملايين مسلم في الشام والعراق واليمن، وتهجير أكثر من ثمانية عشر مليوناً آخرين!!

***
هل ينطلق الإسلاميون المتأيرنون من الدين حقاً؟!
إنْ كانوا ينطلقون من الدين فإنَّ ديانة الملالي الشيعية مِن أشد الديانات وثنيةً وانحطاطاً واستعباداً للبشر الذين خلقهم الله أحراراً فيما بينهم، وعبيداً له جل وعلا فقط..
فكما وَثَّنَ (بولس) النصرانيةَ، وَنَصْرَن الوثنية؛ وَثَّنَ الملالي الإسلامَ وأسلموا الوثنية.. 
على أنَّ (بولس) كان أحسن حالاً مِن الملالي- إنْ كان في الوثنية أحسن-؛ فقد أضل الموحدين الأوائل في فردٍ واحد؛ هو عيسى عليه السلام؛ فجعله رَبَّاً أو ابناً للرب- تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا-، أما الملالي فقد أضلوا الناس في اثني عشر فرداً "يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق"، وصرفوا لهم كل أنواع العبادة على حقيقتها، وجعلوا لهم ولاية تكوينية يتصرفون بها في الأكوان، ويُقَدِّرُونَ بها شؤونَ الأرض والسموات، ويعلمون بها علم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.. وما أكثر ما قرأنا كفرياتهم هذه وأمثالها في كتب علمائهم، وما أكثر ما أنكر أتباعُهم ذلك تقيةً وكذباً؛ حتى انفجرت- حديثاً- وسائلُ التواصل الاجتماعي بآلاف المقاطع المرئية والمسموعة لكفرياتهم وشركياتهم، وصار العوامُ يَرون ويَسمعون مُعَمَّمِيهم ومُنْشِدِيهم يقولون:
علي أول وآخر.. علي ظاهر وباطن.. علي رب المشارق والمغارب.. علي محيي العظام والجماجم.. علي منزل الكتب.. علي مُفَرِّق السُحبْ.. علي رَدَّ الشمس.. على قابض كل نفس.. علي العزيز الجبار.. علي الواحد القهار..
اللهُ لولا أنت يا حُسين ليس يُعبدُ
كلا ولم يُعرف ختامُ الأنبيا محمدُ

هذا عدا زعمهم تحريف القرآن، وكفر الصحابة، واتهام الطاهرة المطهرة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما بما برأها اللهُ منه مِن فوق سبع سماوات!!

أضف إلى هذا- واجعل الإضافة أصلاً- أنك إذا نظرت في الأساس الأعمق للديانة الشيعية وجدتَه مناقضاً ومضاداً لأيِّ مفهومٍ- قديمٍ أو حديثٍ- للحرية عموماً، وللحرية السياسية خصوصاً؛ فإنَّ مدار ديانتهم وجذرها الأساس الذي قامت عليه جذوعُها وفروعها هو (الإمامة) التي يزعمون أنها (نصٌ) مِن الله تعالى في كتابه الكريم، ثم (العصمة) التي منحوها لأولئك الاثني عشر رجلاً.. وهنا مربط الفَرَسِ الذي لا أعرف كيف يمكن للإسلاميين المتأيرننين، أو لليساريين الثورجيين تجاوزه أو التغاضي عنه؛ إنْ كانوا يملكون عقولاً تفهم أو قلوباً تعي أو بصائر ترى.. 
فإذا كان (الإمامُ) منصوصاً عليه مِن الله فأيّة حريةٍ للإنسان في اختيارِ إمامِهِ وحاكمه؟! 
وإذا كان معصوماً يَعلمُ عِلمَ ما كان وما سيكونُ وما لم يَكنْ لو كانَ كيف يكون؛ فأيَّة حريةٍ للإنسان في مساءلته أو مراجعته أو معارضته؟!
ولا يقولن مُسَفْسِطٌ إنَّ الإمامة والعصمة دينية فقط- وذلك كَارثيٌ أيضاً-؛ فإنَّ الإمامة في الديانة الشيعية دينيةٌ ودنيويةٌ؛ تماماً كما كانت سُلطة الكنيسة في عصور أوروبا المظلمة..
لقد أسقطوا الشورى بالنَّص، وأسقطوا المُساءَلةَ بالعصمة.. فلا مجال هنا للحديث عن حكومة راشدة يختارها الناسُ بإرادتهم الحرة؛ فيحاسبوها إنْ بَغَتْ، أو يسقطوها إنْ طَغَتْ.. وإنما هو الجبر والطغيان متكئاً على تأسيس ديني مزعوم، وتأصيلٍ ربانيٍّ مفترى..
المَلَكِيَّات الوراثيةُ- على شَرِّهَا- أخفُّ ضرراً مِن هذا؛ فإنها لا تعتمد على تأسيس ديني أو تأصيل رباني؛ بل على السيف والتغلب.. والسيف يَكسره السيفُ، والتغلب يُسقطه التغلب، أما التأصيل الديني فأيُّ شيءٍ يُسقطه إلا أنْ يخرج الإنسانُ مِن دينه المضادِ للفطرة والعقل والواقع!!
وأعجبُ مِن هذا الجبر والطغيان أنَّ هذه الشيعة ومَن شَايعها مِن أدعياء الفكر والثقافة؛ أقاموا الدنيا ولم يقعدوها ضد قضية (التوريث) التي اقتضت السياقات الواقعية تاريخياً دخولَ أمة الإسلام فيها.. 
بينما قامت ديانة الشيعة كلها على أبشع نوعٍ من أنواع (التوريث) الممكن وجوده في الدنيا؛ وهو التوريث الرباني أو الإلهي الذي لا يستطيع شيعيٌّ حُرٌّ- إنْ وُجد شيعيٌ حر- رفضَه أو الفكاكَ منه؛ إلا أن يخرج مِن شِيعيَّتِه ليصيرَ بشراً عاقلاً سَوِيَّ النفس عبداً لله فقط؛ وليس عبداً لاثني عشر رجلاً يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق!!
إنَّ الحرَّ الشريف لَيرضى- إنْ حَزَبَتهُ الأمورُ وأعوزته الحِيل- أن يبايع حاكماً متغلباً، أو ملكاً وارثاً بذل جهده في مقاومته، واستفرغ وُسعَهُ في مغالبته، ثم اقتضت مشيئةُ الله غير ما أراد؛ فهو معه إنْ عَدَل على الرغم من حزازات النفوس، وتحت سلطانه إن أحسن على الرغم من غيظ القلوب؛ مع إبقاء المساءلة ثم الرفض ثم الثورة في دائرة الإمكان إنْ طغى الوارث وتجبر.. ولكنْ أيّ حُرٍّ أو شريفٍ هذا الذي يرضى أن يقول له حاكمُه: 
إني حاكِمُك الذي اختاره الله لك فلا اختيار لك، وإمامٌك الذي عصمه الله فلا معارضة لي، وطفلي هذا- الذي يلعب بين يدي ويبول في ملابسه- اختاره الله وَعَصَمَهُ أيضاً؛ فهو حاكمك المُنَصَّبُ مِن الله وحاكمُ أبنائك وأحفادك من بعدي، لا يجوز لك ولا لهم معارضته أو الخروج عليه إلا أن تخرجوا مِن الدين وتفارقوا الجماعة!!
أيُّ حر يرضى بهذا، أو يخضع لهذا، أو تطيبَ نفسُه بالدخولِ في هذا؟!
وكيف يُمكن لشريفِ نفسٍ أن يرضى بحكم (سُلالةٍ)واحدةٍ تحكمه بـ(النَّصِ والعِصمة)- لا بالكتاب والسنة-؛ فيصيرَ أمرُها أمرٌ من الله، ونهيُها نهيٌ من الله، وتصبح مراجعتُها ضلالة، ومعارضتُها كفراً، والخروجُ عليها موجباً للخلود في النار؟!
هذه وثنية لا توحيدَ فيها، واستعبادٌ للبشر لا حرية معه..
والوثنيةُ أولُ درجات استعباد البشر للبشر؛ فلا حُرية دون توحيد؛ إذِ التوحيدُ رَبَّانِيُّ المصدر يُحرِّرُكَ مِن عبادة أمثالِكَ بعبادةِ واحدٍ أحدٍ مُطلقِ القوةِ والقدرةِ والهيمنة؛ لتصيرَ وأمثالُكَ تحت قُدرته وقُوته وهَيمنته سَواءً.. 
أما الوثنية فهي بشرية المنشأ طِينيةُ الأصل؛ وكلُّ ما هو بشريُّ المنشأ خاضعُ بالضرورة لاختلاف العقول وضلالات الأفهام وأهواء النفوس.. 
وإذا اختلفت العقولُ تَعَدَّدَت المصادر، وإذا تَعَدَّدَت المصادرُ تَعَدَّدَت القيود.. والأخذ عن مصدرٍ واحدٍ في العبادةِ أصلٌ في ثَباتِ العبادة، كما هو أصلٌ في السواء النفسي للعابد، فإذا كانت القيود مِن إنسانٍ مِثلكَ ناقصِ القَدْرِ والقُدْرَة؛ فقد استُعبدتَ لناقصِ قَدرٍ وقُدْرَة.. وأيَّةُ حريةٍ أو سَواءٍ نفسيٍّ في عُبوديتك لأمثالكَ مِن ناقصي القدر والقدرة؟!

إنَّ من أعجب العجب أن ينسحق دعاةُ التوحيد نفسياً أمام طُغاةِ وثنية، وأن يتضاءل مُنَظِّرو الحرية فِكرياً أمام عبيدِ سُلالة.. 
وقد كانوا يقولون قديماً:" الحرية مقدمةٌ على الشريعة"؛ خالطين بذلك بين السياقات المختلفة، والأوضاع الاجتماعية المتخالفة؛ وكأن الشريعة والحرية خصمان لابد من تقديم أحدهما على الآخر، ثم هَاهُم- بعد كل هذا الإعلاء مِن شأن الحرية المتوهمة-؛ يصل بهم الانسحاقُ والتضاؤل إلى حَدِّ التهليل لفكرةٍ شيعيةٍ استعباديةٍ بائسة؛ هي (ولاية الفقيه) التي سَمَّوها نظريةً، وزعموا- كما قرأتُ لأحدهم- أنها قفزةٌ نوعيةٌ في الدرسِ السياسي الشيعي؛ افتقر إليها الدرسُ السياسي السُّني!!

يا لَله للعقول.. لو نعرفُ أين تُباعُ هذه الجرأة التي يتحدثون بها، وتلك الموثوقية التي يتقلبون فيها؛ لفكرنا في الحصول عليها قبل غَلائِها، فإنَّ الواحد لَيَهُمُّ بكتابة عشر ورقات فيقرأ لها أكثرَ مِن مائة ورقة، ثم لا يكتب حين يكتب إلا وهو خائفٌ وجلٌ أنْ يكتبَ خَطَأً أو يختارَ سَقَطَاً أو يستدل شَطَطَا!!

ومَا حَاجةُ أهلِ السُّنة لولايةِ فقيهٍ أصلاً و(الخلافة) عندنا ليست نصاً مِن الله في كتابه الكريم، و(الخليفة) عندنا ليس معصوماً يَعلمُ عِلمَ ما كان وما سَيكون وما لم يَكن لو كانَ كيف يَكون.. إنما يحتاج إلى ولايةِ فقيهٍ مَن حصروا دينَ الله ودنياه في سُلالةٍ واحدة؛ فإذا غاب (الموعودُ) في تلك السلالة؛ سُقطَ في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا؛ فَعَطَّلُوا الجُمَعَ والجماعات، وأسقطوا الحدود والولايات؛ انتظارَ عَودةٍ مُتَوَهَّمَةٍ لغائبٍ مُتَوَهَّم.. 
أما نحن فقد أراحنا الله جل وعلا في (الخلافة) بقوله:" وأمْرُهُم شُورى بينهم"، وفي (الخليفة) بقوله:" وشَاورهم في الأمر"، وبقوله:" ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تُعَلِّمُونَ الكتابَ وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون".

***
مَا كانت (ولاية الفقيه) هذه إلا كِذْبةً سَتَرتْ كِذبة، وسَوأةً غَطَّت سَوْأَة، وحيلةً تداركت فضيحة.. 
مات الحسنُ العسكري (إمامهم الحادي عشر) سنة 260ه، وبحسب الروايات التاريخية الأقرب للعقل والنقل؛ لم يُعَقِّب الحسنُ ولداً ليكون إمامهم الثاني عشر الذي يرثهم ويعبدونه.. 
ولأنَّ مِن أُسِسِ دينهم ألا يخلو زمانٌ من إمام؛ كان لابد مِن تدارك الفضيحة قبل سقوط الديانة وانفراط عقد الخراف الضالة؛ فافتروا فِريَتَهم الأولى- في هذا السياق- مُدَّعِينَ أنَّ الحسن العسكري كان له طفل اسمه محمد- ذلك المهدي المزعوم-، وأنه دخل سرداباً في (سامراء) هرباً من العباسيين، ثم لم يُعثر له على أثر، وأنه سيعود آخر الزمان ليملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ولا يَتِمُّ ذلك العدلُ إلا بقتلِ العربِ، وإخراج جثمان عائشة رضي الله عنها وإقامة الحَدِّ عليها، ثم إخراج جثامين أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ومعهم جثامين خمسمائة رجلٍ من قريش؛ وإحراقهم جميعاً ثم ذَرّهم في الرياح!!.. 
وكان هذا الهرب المُدَّعى هو (الغيبة الصغرى) التي ما سُميت صغرى إلا لأنهم افتروا فِريَة أخرى للتغطية على فريتهم الأولى؛ فلأنَّ اختفاء الإمام كَعَدَمِه؛ كان لابد من إيجاد حيلة تضمن بقاء السيطرة على الأتباع، واستمرار تدفق أموال الخمس.. 
وكانت هذه الحيلة هي حيلة (السفراء أو النواب) التي اعتُبرت أساساً أولياً لولاية الفقيه؛ فالإمام غائبٌ نعم، ولكنه في غيبته تلك نَصَّبَ سفراءَ ليكونوا أبواباً له ونواباً عنه.. 
لا تسأل هنا: متى وكيف وما الدليل؛ فمنذ متى يسأل الشيعة هذه الأسئلة؟! هي أسئلة لا جواب لها إنْ سُمحَ بطرحها أصلاً.. حَسْبُ الشيعي أن يقال له: لقد نَصَّبَهُم الإمامُ المعصوم مِن داخل سِردابه؛ لتصل إليهم أموالُ الخمس مع رِقاع المؤمنين بأسئلتهم؛ فيحملونها للإمام الغائب، ويعودون بأجوبته عليها.. بالأجوبة فقط، أما الأموال فالسؤال عنها أيضاً كالسؤال عن المَتَى والكيف والدليل.. لا تخطر على بال الشيعي أصلاً..
لم تطل مدة السفارة هذه أكثر من سبعين سنة؛ تعاقب فيها على (البابِ الكَذِبِ) أربعةُ أفاكين: عثمان بن سعيد العمري، ثم ابنه محمد بن عثمان، ثم الحسين بن روح النوبختي، ثم علي بن محمد السمري.. 
وقد ادعى غيرُهُم هذه البابيةَ مثلَ ما ادعى هؤلاء؛ فالغنيمة دسمة لم يكن في الإمكان تَركُها دون عِراك، فكان كل مُدَّعٍ مِن هؤلاء يُخرج صحيفةً يزعم فيها أنَّ الإمام الغائب المنتظر المعصوم ثَبَّتَهُ باباً له، وَلَعَنَ المُدَّعِي الآخر وأخرجه مِن الملة.. وما أكثر ما تعارك وكلاءُ هؤلاء الأفاكين على شحم الغنيمة ولحمها-كما يتعارك الآن وكلاءُ المرجعيات في العراق-؛ حتى قال الشلمغاني ابن أبي العزاقر- أحدُ منافسي الأفاك الثالث ابن روح النوبختي:" ما دخلنا مع أبي القاسم بن روح في هذا الأمر إلا ونحن نعلم فيما دخلنا؛ لقد كنا نتهارش على هذا الأمر كما تتهارش الكلابُ على الجيف"!!

لا يَدري أحدٌ حتى الآن ما الذي دفع الأفاك الرابع (السمري) إلى غَلقِ باب مغارة الكنز هذه؛ فقد سألوه وهو على فراش الموت عن السفير بعده فقال:" إنَّ للهِ أمراً هو بالِغُه".. ربما شعر بعدم معقولية الفرية إنْ طَالت، أو عَلِمَ أنَّ المدَّعِين سيكثرون مع الزمن حتى تُفتضح الفريةُ برمتها، أو كان حقوداً حسوداً لا يحب الخير لمن بعده؛ فأغلق الباب، (وأخذ السُّلمَ معَه لفوق)؛ كما قال أحد عاهات هذا الزمان!!

بهلاك السمري سنة 329ه انتهى زمن (الغيبة الصغرى) ودخل الشيعةُ زمنَ (الغيبة الكبرى) المستمر حتى الآن، والذي سيستمر حتى قيام الساعة..

لا تظنن أنَّ (غيبة الإمام) هذه سارت بشكل هَيِّنٍ لَيِّنٍ كما هو عندنا نحن المسلمين حين يموتُ- مثلاً- رأسُ مذهبٍ من المذاهب، ويظل أتباع المذهب يتعاملون بما استقر عليه المذهب؛ بل مَثَّلَ ذلك صدمةً كبرى لهم وإرباكاً شديداً عندهم؛ جعلهم يُعَطِّلونَ ما أسموه (الولايات السبع) التي عليها مدار الحياة؛ كالولاية على أموال القُصَّرِ والأوقاف، وجباية الخمس والزكاة، وإقامة الحدود والقضاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإدارة السياسة والجيش وحفظ الثغور، والولاية العامة على النفوس والأموال، وحق التشريع ووضع القوانين؛ بل وحتى إقامة الجُمَعِ والجماعات- عند بعضهم-؛ معتقدين أنَّ هذه الولايات حقٌ حَصريٌ للإمام الغائب، وأنَّ التصرف فيها يُعتَبرُ عدواناً على الإمام نفسه؛ حتى قال بعضهم بوجوب دفن الأموال أو الاحتفاظ بها لحين عودة الإمام الميمونة؛ ما عَطَّلَ الحياة كلها التي تمثل هذه الولايات غالب تفاصيلها؛ لتدخل الجماعة الشيعية في حالة جمود فقهي، وانتظارٍ سلبي، وتقيةٍ مجتمعية.

وهنا مَكمنٌ مِن مَكامنِ (الوثنية) في الديانة الشيعية قد يغفل عنه كثيرٌ من المتعجلين؛ فإنَّ ارتباطَ المؤمنين- أيّ مؤمنين- بحياةِ إنسانٍ تتعطلُ حياتُهم بفقده؛ هو ارتباطٌ وثنيٌ خالص وإنْ لم يُدركوا ذلك.. 
وهذا الارتباط المُعَطِّل ينطلق من فكرةٍ تتوهمها الأذهان حين تخلط بين (صاحب الرسالة) الذي هو الله جل وعلا؛ وبين (حَامِلِهَا ومُبَلِّغِهَا) الذي هو الرسول البشري.. ومعروفٌ فطرةً أنَّ الله وحده هو الحي الذي لا يموت، وأنَّ كل ما عداه هالك.. بيد أنَّ غَلَبَةَ الإلف والعادة والمعايشة لهذا الرسول البشري، وغَلَبَةَ الربط التلقائي بين الرسالة وحاملها؛ يُحدثان شيئاً مِن التوهم بضرورة انزياح صفة البقاء والديمومة مِن الله الذي هو صاحب الرسالة إلى الرسول الذي هو مُبَلِّغُ الرسالة؛ رابطين بذلك بقاءَ الرسالة ببقاء الرسول، وغافلين عن كون الخلود إنما هو للرسالة دون الرسول؛ إذ هذه الرسالة هي التي تُشير إلى صاحبها الباقي لا إلى مُبَلِّغِها الفاني، فإذا مات الرسول أو قُتل؛ سُقط في أيديهم وذهلوا عن أنفسهم؛ لِتَوَهُّمِهِم أولاً أنَّ مُبَلِّغَ الرسالة هو صاحبها، وسَحْبِهِم ثانياً- دون قصد- بعضَ صفاتِ (الصاحب) إلى (المُبَلِّغ)؛ فيأتي الخطأ في النتيجة تابعاً للخطأ في التحديد..
وهذه حالةٌ إنسانيةٌ عامة تصيب أتباع الديانات كلها وقت الصدمات التي تذهل فيها النفوسُ عن الحقائق، وتزيغ فيها الأبصارُ عن الوقائع، ثم يعودُ مَن عَصَمَه اللهُ إلى بَرْدِ التوحيد، ويَرتَكِسُ غيرُه في حمأة الوثنية؛ فيظل ارتباطُه بالمُبَلِّغ ارتباطاً وثنياً يحول بينه وبين فهم حقيقة الرسالة التي حملها هذا الرسول، أو طبيعة البلاغ الذي جاء به هذا المبلغ.. وهو عين ما وقع فيه اليهود والنصارى والشيعة جميعاً؛ حين مَحْوَرُوا الرسالةَ عندهم حول المبلِّغ الذي صار رَبَّاً أو ابناً للرب في اليهودية والنصرانية، وإماماً معصوماً له- ولبعضِ نسله-كلُّ خصائص الإله في التشيع!!
ومَن عَرفَ هذا عَرفَ عِظَمَ يقينِ وفَهْمِ سَيّدِ المسلمين بعد رسولهم صلى الله عليه وسلم؛ أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ حين قال- بعدما رأى ذهولَ الصحابة رضوان الله عليهم بموتِ نبيهم-:" مَن كان يعبد محمداً فإنَّ محمداً قد مات، ومَن كان يعبد الله فإنَّ الله حي لا يموت".. وما أزال واللهِ كلما قرأت هذ الجملة أدهش لاختيار أبي بكر كلمةَ (العبادة) دَهشةَ قراءاتي لها أول مرة.. لقد حفظ اللهُ بأبي بكر الصديق دينَ المسلمين ودنياهم مرتين؛ هذه أولاهما، وحروب الردة أُخراهما؛ وكلتاهما كانتا لأبي بكر خاصةً دون الصحابة؛ فرضي الله عنه وأرضاه، ولعن مُبغضيه وشاتميه.
لاحقاً؛ وبسبب إكراهات الواقع؛ حاول بعضُ علمائهم- كالمفيد، والطوسي، وغيرهما- الخروجَ من مأزق الغيبة الكبرى هذه باستخدام ما اعتبروه أدوات نظر وآليات استنباط؛ متأثرين في ذلك بالوسط الفكري السُّنِّي؛ فأجازوا للفقيه- عبر فكرة (النيابة)- تَوَلِّي بعضَ هذه المهام حتى لو كان ذلك ضمن حكومة جائرة أو مخالِفة- ويقصدون بالمخالِفة هنا حكومات المسلمين-، ثم أجازوا له بعد ذلك توليها بنفسه دون ارتباطٍ بحكومة؛ بصفته نائباً عن الإمام كي لا يتوقف القضاءُ بين الناس، أو تتعطل الحدود، أو تضيع الأموال..
وقد ثَبَتَتْ (ولايةُ الفقيه) على هذا المنوال وأمثاله قروناً طويلة من أواخر القرن الثالث الهجري إلى أوائل القرن العاشر الهجري؛ مع كثيرٍ من الأخذ والرد، والمنع والإجازة، والتضييق والتوسع؛ وصل حَدَّ تكفير وتفسيق وتبديع بعضهم بعضاً.
ومع دخول القرن العاشر الهجري تحولت ولاية الفقيه تحولاً جذرياً على يد (علي الكركي العاملي) الذي استقدمه شاه الصفويين (طهماسب بن إسماعيل) مِن لبنان، وجعله مفوضاً عنه أو شِبهَ شريكٍ له في الحكم، وأصدر مرسوماً بوجوب طاعته وإثم مخالفته؛ فكسر الكَركيُّ الحاجز النفسي والديني الذي حال بين الفقيه والسلطة، وأسس لمبدأ أحقية الفقيه في التدخل المباشر في شؤون السياسة، وإمكانيةِ إصداره الأحكام مع وجوب تنفيذها..
ثم- وبالاعتماد على تأسيس (الكركي)- ؛ خطا (أحمد النراقي) في القرن الثاني عشر الهجري الخطوة الكبرى في (ولاية الفقيه)؛ ليؤسس لفكرة أن يكون الفقيه نفسُه هو صاحب النظام ومُؤَسِّسُه، ومديرُ شؤون البلاد والعباد في كافة المجالات الدينية والدنيوية، وأنَّ ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم وللأئمة المعصومين من بعده فهو للفقيه سواءً بسواء؛ إلا ما دل الدليل عليه من إجماعٍ أو نَصٍّ أو غيرهما!!
الغريب المدهش أنَّ كُلَّ هذه الاجتهادات والتخريجات التي أكلت مِن عُمر الشيعة أكثر من اثني عشر قرناً؛ كنا- نحن المسلمين- نمارسها بداهةً وفطرةً دون إعطاءِ الفقيهِ صفةً دينيةً مقدسةً، أو خصوصية كهنوتية وثنية؛ كقساوسة النصارى وأحبار يهود، وملالي الشيعة؛ بل كان- وما زال- الفقيهُ عندنا مسلماً عادياً ضمن الجماعة المسلمة؛ يُمكن أن يكون حاكماً (وقد كان)، ووزيراً (وقد كان)، ومجاهداً (وقد كان).. فهو ليس نائباً عن إمامٍ غائب، أو وكيلاً لإنسان معصوم، أو والياً على أحدٍ ولايةً كهنوتية ذات قداسة مفترضة أو متخيلة.. فكل هذه الاجتهادات والتخريجات التي أتعبوا أنفسهم في استنباطها على مدار ثلاثة عشر قرناً؛ كانت- أمام أعينهم عندنا- فطريةً أصلاً وتلقائية أساساً؛ يعرفها العقل بالواقع ويثبتها الدين بالضرورة؛ لأنَّ الخلافةَ عندنا شورى بيننا، والخليفةَ عندنا مثلنا لا قداسة له ولا تقديس.. بيد أنَّ إِصْرَ الوثنيةِ وأغلالَ الإمامةِ التي وضعها الشيعةُ على رقابهم، وشَابَهُوا بها اليهودَ والنصارى في الكهنوتية؛ جعلت التلقائيةَ اجتهاداً، والفِطريةَ استنباطاً، والعاديَّ بُعدَ نظر..
بمجيء الخميني أُسدِل الستارُ على آخر فصول المسرحية.. فقد كان الخميني مع ولاية الفقيه كالثور في متجر خزف، وكان الخزف هو كل تلك الألاعيب والتخريجات التي قُصد بها إنقاذ الديانة من السقوط بعد موت إمامها دون وارث، وإبقاء الفقيه مسيطراً على الخراف الضالة لحين عودة الوارث الذي لن يعود.. ذهب الخميني إلى الهدف مباشرة دون لفٍ أو دوران؛ فأغلق الدور وأنهى اللعبة.. وكما ثَبَّتَ النصارى ألوهيةَ عيسى عليه السلام رسمياً في مجمع نيقية سنة 335م، ثم انتظروا أكثر من ثمانية عشر قرناً ليمنحوا العصمةَ للبابا رسمياً سنة 1869م؛ حَوَّلَ الخميني (ولايةَ الفقيه) بعدما وسوس له بها الشيطان- أو تشاورا فيها معاً- إلى مزيجٍ وَثنيٍ جديد؛ جَمَعَ فيها للولي الفقيه- أيْ لنفسه-: (النيابةَ عن المعصوم، والولايةَ المطلقة، والوصايةَ الكاملة، والتشريع ولو بنقض التشريع)؛ مع احتفاظه بكل مقامات الإمام المعصوم-دون مقامه الروحي-؛ ليصبح مجرد انتقاده أو انتقاد آرائه- فضلاً عن معارضته أو الخروج عليه- "عملاً مِن أعمال الخيانة للدين والمذهب والإمام المعصوم"!!
لقد صار إماماً معصوماً بِجَسَدِ وليٍّ فقيه، وَوَلِّياً فقيهاً بِروحِ إمامٍ معصوم.. لا حاجة الآن لانتظارِ المهدي أمام سرداب سامراء بالعراق؛ فقد خرج مِن أكواخ (نوفل لوشاتو) بفرنسا!!
طَبيعةُ الخميني النفسية أَهَّلَتْهُ لتحطيم كلِّ هذه الألاعيب مع الاحتفاظ بأسمائها ومصطلحاتها لتسحر أعين الأتباع وتسترهبهم..كان فقيهاً تقليدي النظر، سطحي الفكر، ضيق العطن، محدود الرؤى، حقوداً، حسوداً، دموياً، عابداً لذاته، متمركزاً حول نفسه، جعلت منه الدعاية اليسارية قِدِّيسَاً نازلاً من السماء لهداية البشر؛ بينما هو دجال من الدجاجلة الذين امتلأ بهم فضاء التاريخ الشيعي، ومَهَّدَتْ مقالات الوجودي (سارتر) التي هاجم فيها سياساتِ (الشاه) الطريقَ للخميني ليسير فيها محفوفاً بمقالات مغتصب الأطفال(فوكو)؛ ليصل في النهاية إلى شيء أشبه بإله لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون!!
وكان أن طَبَّقَ الخميني هذه الإلهية الموهومة بحذافيرها من خلال تفرده المطلق بالحكم؛ تبعاً للعصمة التي وصلت إليه مِن الإمام المعصوم؛ دون خُضوعٍ لمشورة مختصين أو نزولٍ على رأي فقهاء.. وما أكثر ما رجاه أقطابُ نظامه القبول بوقف إطلاق النار بينه وبين (عراق صدام) وهو يأبى أشد الإباء؛ غير عابيءٍ بدماء الآلاف التي كانت تُسفك كل يوم في حربه العبثية التي شنها على العراق؛ ثم خضع بعد لأيٍ وحذاءُ صدام فوق رأسه؛ واصفاً خضوعه ذاك بتجرع السُّم!!
لا بأس أن تعرف- في النهاية- الطريقةَ التي اعتمدها (دِماغُ) الخميني لاختيار الولي الفقيه؛ فهي أعجوبةٌ مِن الأعاجيب، ومهزلةٌ مِن المهازل، وطُرفةُ عِلم النظريات السياسية كلها، وهي الطريقة التي سماها دراويشُه (نظرية الكشف)؛ وما أشد ضخامة المصطلحات عند الشيعة وما أشد هوائيتها.. فالولي الفقيه عند الخميني لا يختاره الشيعة؛ فالشيعة عند الخميني هَملٌ هامل أو خرافُ ضالة لا رأي لهم ولا نظر.. وإنما هو قد اختير أصلاً مِن الإمام المعصوم؛ وبالتالي مِن الله تعالى، ولأنَّ الناس لا تعرفه؛ فعلى الخبراء، أو مجالس القيادة، أو أهل الحل والعقد أن يكتشفوه اكتشافاً.. إي والله يكتشفوه اكتشافاً!!
وحين قيل لـ(محمد يزدي)_ وهو من تلاميذ الخميني ومعدودٌ من متفلسفيهم الإصلاحيين ضمن أُصوليي ولاية الفقيه-؛ حين قيل له: إنَّ مجالس الخبراء التي تكتشف الولي الفقيه منتَخبةٌ مِن الناس أصلاً؛ رَدَّ قائلاً:" هذا لا يعني أنَّ الشعب هو مصدر السلطة؛ بل هو وسيلة إجرائيةمِنْ (عُقدة الخواجة) إلى (عُقدة المُلَّا)
***
الشعورُ بالنقصِ والدُّونيةِ قاتلٌ في كل حال..
وأقتلُ أحواله أن تشعر بالنقص أمام ناقص، وبالدُّونيةِ أمام دُوْن!!
تبدو (عُقدةُ الخواجة) التي أُصيبَ بها العلمانيون العرب أقربَ معقوليةً وأكثرَ تفهماً مِن (عُقدة المُلَّا) التي أُصِيبَ بها الإسلاميون المتأيرنون!!
عقدة الخواجة كان لها ما يُسَوِّغُها في الواقع؛ فقد نتجت عن انسحاقٍ نفسيٍ أمام حضارةٍ حقيقيةٍ غالبة، أثبتت جدارتها قوةً ومعرفةً وتقانةً- على مدار أكثر من ثلاثة قرون- بما لم يدع مجالاً لأصحاب النفوس الهشة مِن السقوط فيما سماه ابنُ خلدون (وَلَعُ المغلوبِ بتقليد الغالب)، أو ما سماه مالك بن نبي (القابلية للاستعمار).. وبقليلٍ مِن الواقعية؛ تستطيع اتخاذ بعضِ العذر لهؤلاء المرضى المنبهرين بالغرب؛ لمعقولية أسباب المرض ومنطقية دواعي الانبهار..
أما (عقدة المُلَّا) التي أصيب بها مَن يزعمون أنهم أصحابُ نفوسٍ ممتلئةٍ بالعقيدة، أو جنودُ (معركة الوعي)، أو طليعةُ (أستاذية العالم)؛ فإنَّ العقل ليقف عاجزاً عن إيجاد مُسوغٍ منطقي لها، أو تفسيرٍ معقولٍ لأسبابها.. ومع بعض التجوز؛ يمكن للمهمومين بتشخيص الأمراض النفسية والبحث عن أسبابها أن يجدوا تفسيراً لها- يحمل بعضَ المنطق- فيما سُمِّىَ (متلازمة ستوكهولم)؛ تلك التي يتعاطف فيها المخطوف مع خاطفه المجرم، وتنمو في نفسه- تباعاً- مشاعرُ الإعجاب به والولاء له؛ فَيُسوِّغٌ جرائمَه، ويتحالف معه ضد منقذيه منه..
وعلى الرغم من هذا التجوز؛ تظل عقدة المُلَّا هذه عقدةً غرائبية يَعجزُ العقلُ والمنطقُ عن قبولها قبولاً كاملاً (دِيناً ودُنيا)..
فإنْ كان بَهَرَ الإسلاميين في الملالي أنهم نجحوا فيما فشلوا هم فيه؛ فأنشؤوا دولةً وحافظوا عليها؛ فما أنشؤوها واللهِ بأنفسهم؛ وإنما سُلِّمْت لهم كما سُلِّمت لأمثالهم الدولُ في المنطقة.. وإنْ كانوا حافظوا عليها فما حافظوا عليها إلا كحفاظ (صدام) على دولته؛ بُسِطَ له الحبلُ على اتساعه ثم شُنق بحبله بعد وقوعه في الفخ.. وهاهم الملالي يُقتلون مجرماً تلو مجرم؛ بعدما أوقعوهم في الفِخاخ فخاً بعد فخ!!
وإن كان بَهَرَهم فيهم جعجعاتُ المُمَانَعة، وادعاءاتُ المقاومة، وخطاباتُ الصمودِ والتصدي؛ فما أكثر ما جعجع (عبد الناصر) وادَّعَى، وما أكثر ما أرغى وأزبد؛ حتى استيقظ في (يونيو 67) على أقلَّ مما استيقظ عليه الملالي في (فبراير 2026).
وإنْ كان بَهَرَهم فيهم أكاذيبُ نُصرة المقاومة، وأضاليلُ وحدة الساحات؛ فها هي (غزة) تشهد على طبيعة النُصرة، وحقيقة وحدة الساحات!!
وإن كان بَهَرَهم فيهم سَيطرتُهم على أربع عواصم عربية؛ فما فعلوا ذلك بقوتهم؛ بل مُهِّدَ لهم الطريق، وأُخليت لهم الملاعب، وفُرِّغتْ له الساحات..
وإذا ما خَلا الجبانُ بأرضٍ
طَلبَ الطَّعنَ وحدَه والنِّزالا
وكعادتهم في تاريخهم كله؛ تعاونوا مع كل أعداء المسلمين لقتل المسلمين، وذبح المسلمين، وتهجير المسلمين.. ولا أدري واللهِ- إنْ كان هذا ما بَهَرَهُم فيهم- كيف ينبهر مسلمٌ عربيٌ بسيطرةِ مشركٍ أعجميٍ على بلاد العرب والمسلمين، وبلاده هي التي تُحتل، وعِرضه هو الذي يُنتهك، وإخوانه هم الذين يُقتلون ويُذبحون ويُهَجَّرون؟!!
وإنْ كان بَهَرَهُم فيهم طبيعةُ نظامهم أو رَفاهُ شعبهم؛ فما يعرف الناسُ في المنطقة نظاماً همجياً قمعياً مثل نظام الملالي، ولو أُحصِيَ عددُ الذين قُتلوا في ثورتي (تونس ومصر) مثلاً؛ فأغلبُ ظني أنهم لن يبلغوا عددَ الذين يُقتلون في مظاهرتين أو ثلاثة من مظاهرات الإيرانيين ضد نظام الملالي.. وحسبك أن تعرف أنَّ الأجهزة الأمنية في إيران بلغت سبعة عشر جهازاً أمنياً لا عَملَ لها سوى قمع الشعب، وإحصاء أنفاسه، وكبت حريته، وطمس هُويَّات أقلياته.. أما الرفاه والغِنى فهما كلمتان لم أرَ إيرانياً حتى الآن يعرف معناهما؛ اللهم إلا إنْ كان مِن طبقة الملالي أو محاسيبهم.. ولا بأس أن تنظر في قيمة عُمْلَتِهِم منذ مجيء الخميني إلى الآن، أو تَطَّلِعَ على إحصاءات مهاجريهم وطالبي اللجوء فيهم؛ لتعرف ماذا فعل الملالي في هذا البلد النفطي المتخم بالخيرات..
وإنْ كان بَهَرَهُم فيهم ما يُسَمُّونَه (العزة والكرامة)؛ فأين هي العزة والكرامة في إبادة الصف الأول والثاني وربما الثالث من قياداتهم (في ساعةٍ واحدة، في ساعةٍ واحدة، في ساعةٍ واحدة)، ثم سحق قواتهم البحرية والجوية في يومٍ أو بعض يوم؟! وأيَّة عزةٍ وكرامةٍ هذه وإيران في يدي أمريكا وإسرائيل كالمُنخَلِ في يدي حامله؟! إنْ كانت العزة والكرامة بالجعجعة والصراخ؛ فما أكثر ما يُوسِعُ المهزومُ أعداءَه سَبَّاً وهم يسيرون بالإبل!!
لا أدري والله أي شيء يمكن أن ينبهر به عاقلٌ فيمن هذا نظامه وهذه دولته.. جَبرٌ، وطغيانٌ، وفقرٌ، وتخلفٌ، وفسادٌ، وإفسادٌ، وانتهاكٌ لكرامة البشر، وإهدارٌ لثرواتهم؛ مع دعاوى عريضة لا أثر لها في الواقع ولا حاصل منها على الأرض!!
علامَ إذن يُفرِدُ الإسلاميون المتأيرنون الأنظمةَ العربية بالهجوم ونظام الملالي أشد سوءاً منها داخلياً وخارجياً، بل في أنظمة العرب مَن هو أفضل حالاً بمئات المرات من هذا النظام الذي ما دخل مكاناً إلا أفسده، ولا حَلَّ بأرض إلا خَرَّبها ولا تحالف معه مسلمُ إلا سَقطَ ديناً ودنيا!!
إنه لمِن المخجل حَقَّاً أنَّ القاع الذي وصل إليه العلمانيون العرب بـ(عقدة الخواجة) لم يكن هو القاع الأخير؛ فقد تجاوزهم الإسلاميون المتأيرنون بـ(عقدة المُلَّا) إلى قاعٍ أسفل؛ محققين رقماً قياسياً في السقوط لا يُدرى مَنْ سَيَجُوزه بَعْدَهُم إلى الأدنى.. إنْ كان ثمة أدنى!!
***
(الآن، وهنا) هو ما يدور حوله العلمانيون، ولا شيء عندهم- غالباً- وراء ذلك.. هَمُّهُم الحياة الدنيا التي يعلمون ظاهراً منها "وهُم عن الآخرة هم غافلون".. منطقيُّ إذن أن ينبهر مَن هَمُّهُ الدنيا بعبيد الدنيا!!
أما الإسلاميون؛ فإنَّ الدنيا عندهم قنطرةٌ للآخرة (الآن، وهنا، لهناك)، أو هكذا يَدَّعون صادقين أو كاذبين.. فإذا كان هَمُّهُم الدين ليُصلحوا به الدنيا-كما يقولون؛ فأين هو المنطق في انسحاق (بعضهم) نفسياً أمام الملالي الذين إنْ نَظَرْتَ في (دينهم) و(دنياهم) معاً؛ لم يَسعْكَ سوى الاشمئزاز منهم، والترفع عليهم، وحمد الله على نعمة العقل والدين.
لقد اختطفهم الملالي بشعارات المقاومة، وادعاءات الممانعة، وخطابات الجعجعة بفلسطين والقدس؛ دون أن يكون لهذه الشعارات وتلك الادعاءات أي تطبيق واقعي ملموس على مدار أكثر من أربعين سنة؛ اللهم إلا قتل أكثر من أربعة ملايين مسلم في الشام والعراق واليمن، وتهجير أكثر من ثمانية عشر مليوناً آخرين!!
***
هل ينطلق الإسلاميون المتأيرنون من الدين حقاً؟!
إنْ كانوا ينطلقون من الدين فإنَّ ديانة الملالي الشيعية مِن أشد الديانات وثنيةً وانحطاطاً واستعباداً للبشر الذين خلقهم الله أحراراً فيما بينهم، وعبيداً له جل وعلا فقط..
فكما وَثَّنَ (بولس) النصرانيةَ، وَنَصْرَن الوثنية؛ وَثَّنَ الملالي الإسلامَ وأسلموا الوثنية.. على أنَّ (بولس) كان أحسن حالاً مِن الملالي- إنْ كان في الوثنية أحسن-؛ فقد أضل الموحدين الأوائل في فردٍ واحد؛ هو عيسى عليه السلام؛ فجعله رَبَّاً أو ابناً للرب- تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا-، أما الملالي فقد أضلوا الناس في اثني عشر فرداً "يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق"، وصرفوا لهم كل أنواع العبادة على حقيقتها، وجعلوا لهم ولاية تكوينية يتصرفون بها في الأكوان، ويُقَدِّرُونَ بها شؤونَ الأرض والسموات، ويعلمون بها علم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.. وما أكثر ما قرأنا كفرياتهم هذه وأمثالها في كتب علمائهم، وما أكثر ما أنكر أتباعُهم ذلك تقيةً وكذباً؛ حتى انفجرت- حديثاً- وسائلُ التواصل الاجتماعي بآلاف المقاطع المرئية والمسموعة لكفرياتهم وشركياتهم، وصار العوامُ يَرون ويَسمعون مُعَمَّمِيهم ومُنْشِدِيهم يقولون:
علي أول وآخر.. علي ظاهر وباطن.. علي رب المشارق والمغارب.. علي محيي العظام والجماجم.. علي منزل الكتب.. علي مُفَرِّق السُحبْ.. علي رَدَّ الشمس.. على قابض كل نفس.. علي العزيز الجبار.. علي الواحد القهار..
اللهُ لولا أنت يا حُسين ليس يُعبدُ
كلا ولم يُعرف ختامُ الأنبيا محمدُ
هذا عدا زعمهم تحريف القرآن، وكفر الصحابة، واتهام الطاهرة المطهرة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما بما برأها اللهُ منه مِن فوق سبع سماوات!!
أضف إلى هذا- واجعل الإضافة أصلاً- أنك إذا نظرت في الأساس الأعمق للديانة الشيعية وجدتَه مناقضاً ومضاداً لأيِّ مفهومٍ- قديمٍ أو حديثٍ- للحرية عموماً، وللحرية السياسية خصوصاً؛ فإنَّ مدار ديانتهم وجذرها الأساس الذي قامت عليه جذوعُها وفروعها هو (الإمامة) التي يزعمون أنها (نصٌ) مِن الله تعالى في كتابه الكريم، ثم (العصمة) التي منحوها لأولئك الاثني عشر رجلاً.. وهنا مربط الفَرَسِ الذي لا أعرف كيف يمكن للإسلاميين المتأيرننين، أو لليساريين الثورجيين تجاوزه أو التغاضي عنه؛ إنْ كانوا يملكون عقولاً تفهم أو قلوباً تعي أو بصائر ترى.. فإذا كان (الإمامُ) منصوصاً عليه مِن الله فأيّة حريةٍ للإنسان في اختيارِ إمامِهِ وحاكمه؟! وإذا كان معصوماً يَعلمُ عِلمَ ما كان وما سيكونُ وما لم يَكنْ لو كانَ كيف يكون؛ فأيَّة حريةٍ للإنسان في مساءلته أو مراجعته أو معارضته؟!
ولا يقولن مُسَفْسِطٌ إنَّ الإمامة والعصمة دينية فقط- وذلك كَارثيٌ أيضاً-؛ فإنَّ الإمامة في الديانة الشيعية دينيةٌ ودنيويةٌ؛ تماماً كما كانت سُلطة الكنيسة في عصور أوروبا المظلمة..
لقد أسقطوا الشورى بالنَّص، وأسقطوا المُساءَلةَ بالعصمة.. فلا مجال هنا للحديث عن حكومة راشدة يختارها الناسُ بإرادتهم الحرة؛ فيحاسبوها إنْ بَغَتْ، أو يسقطوها إنْ طَغَتْ.. وإنما هو الجبر والطغيان متكئاً على تأسيس ديني مزعوم، وتأصيلٍ ربانيٍّ مفترى..
المَلَكِيَّات الوراثيةُ- على شَرِّهَا- أخفُّ ضرراً مِن هذا؛ فإنها لا تعتمد على تأسيس ديني أو تأصيل رباني؛ بل على السيف والتغلب.. والسيف يَكسره السيفُ، والتغلب يُسقطه التغلب، أما التأصيل الديني فأيُّ شيءٍ يُسقطه إلا أنْ يخرج الإنسانُ مِن دينه المضادِ للفطرة والعقل والواقع!!
وأعجبُ مِن هذا الجبر والطغيان أنَّ هذه الشيعة ومَن شَايعها مِن أدعياء الفكر والثقافة؛ أقاموا الدنيا ولم يقعدوها ضد قضية (التوريث) التي اقتضت السياقات الواقعية تاريخياً دخولَ أمة الإسلام فيها.. بينما قامت ديانة الشيعة كلها على أبشع نوعٍ من أنواع (التوريث) الممكن وجوده في الدنيا؛ وهو التوريث الرباني أو الإلهي الذي لا يستطيع شيعيٌّ حُرٌّ- إنْ وُجد شيعيٌ حر- رفضَه أو الفكاكَ منه؛ إلا أن يخرج مِن شِيعيَّتِه ليصيرَ بشراً عاقلاً سَوِيَّ النفس عبداً لله فقط؛ وليس عبداً لاثني عشر رجلاً يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق!!
إنَّ الحرَّ الشريف لَيرضى- إنْ حَزَبَتهُ الأمورُ وأعوزته الحِيل- أن يبايع حاكماً متغلباً، أو ملكاً وارثاً بذل جهده في مقاومته، واستفرغ وُسعَهُ في مغالبته، ثم اقتضت مشيئةُ الله غير ما أراد؛ فهو معه إنْ عَدَل على الرغم من حزازات النفوس، وتحت سلطانه إن أحسن على الرغم من غيظ القلوب؛ مع إبقاء المساءلة ثم الرفض ثم الثورة في دائرة الإمكان إنْ طغى الوارث وتجبر.. ولكنْ أيّ حُرٍّ أو شريفٍ هذا الذي يرضى أن يقول له حاكمُه: إني حاكِمُك الذي اختاره الله لك فلا اختيار لك، وإمامٌك الذي عصمه الله فلا معارضة لي، وطفلي هذا- الذي يلعب بين يدي ويبول في ملابسه- اختاره الله وَعَصَمَهُ أيضاً؛ فهو حاكمك المُنَصَّبُ مِن الله وحاكمُ أبنائك وأحفادك من بعدي، لا يجوز لك ولا لهم معارضته أو الخروج عليه إلا أن تخرجوا مِن الدين وتفارقوا الجماعة!!
أيُّ حر يرضى بهذا، أو يخضع لهذا، أو تطيبَ نفسُه بالدخولِ في هذا؟!
وكيف يُمكن لشريفِ نفسٍ أن يرضى بحكم (سُلالةٍ)واحدةٍ تحكمه بـ(النَّصِ والعِصمة)- لا بالكتاب والسنة-؛ فيصيرَ أمرُها أمرٌ من الله، ونهيُها نهيٌ من الله، وتصبح مراجعتُها ضلالة، ومعارضتُها كفراً، والخروجُ عليها موجباً للخلود في النار؟!
هذه وثنية لا توحيدَ فيها، واستعبادٌ للبشر لا حرية معه..
والوثنيةُ أولُ درجات استعباد البشر للبشر؛ فلا حُرية دون توحيد؛ إذِ التوحيدُ رَبَّانِيُّ المصدر يُحرِّرُكَ مِن عبادة أمثالِكَ بعبادةِ واحدٍ أحدٍ مُطلقِ القوةِ والقدرةِ والهيمنة؛ لتصيرَ وأمثالُكَ تحت قُدرته وقُوته وهَيمنته سَواءً.. أما الوثنية فهي بشرية المنشأ طِينيةُ الأصل؛ وكلُّ ما هو بشريُّ المنشأ خاضعُ بالضرورة لاختلاف العقول وضلالات الأفهام وأهواء النفوس.. وإذا اختلفت العقولُ تَعَدَّدَت المصادر، وإذا تَعَدَّدَت المصادرُ تَعَدَّدَت القيود.. والأخذ عن مصدرٍ واحدٍ في العبادةِ أصلٌ في ثَباتِ العبادة، كما هو أصلٌ في السواء النفسي للعابد، فإذا كانت القيود مِن إنسانٍ مِثلكَ ناقصِ القَدْرِ والقُدْرَة؛ فقد استُعبدتَ لناقصِ قَدرٍ وقُدْرَة.. وأيَّةُ حريةٍ أو سَواءٍ نفسيٍّ في عُبوديتك لأمثالكَ مِن ناقصي القدر والقدرة؟!
إنَّ من أعجب العجب أن ينسحق دعاةُ التوحيد نفسياً أمام طُغاةِ وثنية، وأن يتضاءل مُنَظِّرو الحرية فِكرياً أمام عبيدِ سُلالة.. وقد كانوا يقولون قديماً:" الحرية مقدمةٌ على الشريعة"؛ خالطين بذلك بين السياقات المختلفة، والأوضاع الاجتماعية المتخالفة؛ وكأن الشريعة والحرية خصمان لابد من تقديم أحدهما على الآخر، ثم هَاهُم- بعد كل هذا الإعلاء مِن شأن الحرية المتوهمة-؛ يصل بهم الانسحاقُ والتضاؤل إلى حَدِّ التهليل لفكرةٍ شيعيةٍ استعباديةٍ بائسة؛ هي (ولاية الفقيه) التي سَمَّوها نظريةً، وزعموا- كما قرأتُ لأحدهم- أنها قفزةٌ نوعيةٌ في الدرسِ السياسي الشيعي؛ افتقر إليها الدرسُ السياسي السُّني!!
يا لَله للعقول.. لو نعرفُ أين تُباعُ هذه الجرأة التي يتحدثون بها، وتلك الموثوقية التي يتقلبون فيها؛ لفكرنا في الحصول عليها قبل غَلائِها، فإنَّ الواحد لَيَهُمُّ بكتابة عشر ورقات فيقرأ لها أكثرَ مِن مائة ورقة، ثم لا يكتب حين يكتب إلا وهو خائفٌ وجلٌ أنْ يكتبَ خَطَأً أو يختارَ سَقَطَاً أو يستدل شَطَطَا!!
ومَا حَاجةُ أهلِ السُّنة لولايةِ فقيهٍ أصلاً و(الخلافة) عندنا ليست نصاً مِن الله في كتابه الكريم، و(الخليفة) عندنا ليس معصوماً يَعلمُ عِلمَ ما كان وما سَيكون وما لم يَكن لو كانَ كيف يَكون.. إنما يحتاج إلى ولايةِ فقيهٍ مَن حصروا دينَ الله ودنياه في سُلالةٍ واحدة؛ فإذا غاب (الموعودُ) في تلك السلالة؛ سُقطَ في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا؛ فَعَطَّلُوا الجُمَعَ والجماعات، وأسقطوا الحدود والولايات؛ انتظارَ عَودةٍ مُتَوَهَّمَةٍ لغائبٍ مُتَوَهَّم.. أما نحن فقد أراحنا الله جل وعلا في (الخلافة) بقوله:" وأمْرُهُم شُورى بينهم"، وفي (الخليفة) بقوله:" وشَاورهم في الأمر"، وبقوله:" ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تُعَلِّمُونَ الكتابَ وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون".
***
مَا كانت (ولاية الفقيه) هذه إلا كِذْبةً سَتَرتْ كِذبة، وسَوأةً غَطَّت سَوْأَة، وحيلةً تداركت فضيحة.. مات الحسنُ العسكري (إمامهم الحادي عشر) سنة 260ه، وبحسب الروايات التاريخية الأقرب للعقل والنقل؛ لم يُعَقِّب الحسنُ ولداً ليكون إمامهم الثاني عشر الذي يرثهم ويعبدونه.. ولأنَّ مِن أُسِسِ دينهم ألا يخلو زمانٌ من إمام؛ كان لابد مِن تدارك الفضيحة قبل سقوط الديانة وانفراط عقد الخراف الضالة؛ فافتروا فِريَتَهم الأولى- في هذا السياق- مُدَّعِينَ أنَّ الحسن العسكري كان له طفل اسمه محمد- ذلك المهدي المزعوم-، وأنه دخل سرداباً في (سامراء) هرباً من العباسيين، ثم لم يُعثر له على أثر، وأنه سيعود آخر الزمان ليملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ولا يَتِمُّ ذلك العدلُ إلا بقتلِ العربِ، وإخراج جثمان عائشة رضي الله عنها وإقامة الحَدِّ عليها، ثم إخراج جثامين أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ومعهم جثامين خمسمائة رجلٍ من قريش؛ وإحراقهم جميعاً ثم ذَرّهم في الرياح!!.. وكان هذا الهرب المُدَّعى هو (الغيبة الصغرى) التي ما سُميت صغرى إلا لأنهم افتروا فِريَة أخرى للتغطية على فريتهم الأولى؛ فلأنَّ اختفاء الإمام كَعَدَمِه؛ كان لابد من إيجاد حيلة تضمن بقاء السيطرة على الأتباع، واستمرار تدفق أموال الخمس.. وكانت هذه الحيلة هي حيلة (السفراء أو النواب) التي اعتُبرت أساساً أولياً لولاية الفقيه؛ فالإمام غائبٌ نعم، ولكنه في غيبته تلك نَصَّبَ سفراءَ ليكونوا أبواباً له ونواباً عنه.. لا تسأل هنا: متى وكيف وما الدليل؛ فمنذ متى يسأل الشيعة هذه الأسئلة؟! هي أسئلة لا جواب لها إنْ سُمحَ بطرحها أصلاً.. حَسْبُ الشيعي أن يقال له: لقد نَصَّبَهُم الإمامُ المعصوم مِن داخل سِردابه؛ لتصل إليهم أموالُ الخمس مع رِقاع المؤمنين بأسئلتهم؛ فيحملونها للإمام الغائب، ويعودون بأجوبته عليها.. بالأجوبة فقط، أما الأموال فالسؤال عنها أيضاً كالسؤال عن المَتَى والكيف والدليل.. لا تخطر على بال الشيعي أصلاً..
لم تطل مدة السفارة هذه أكثر من سبعين سنة؛ تعاقب فيها على (البابِ الكَذِبِ) أربعةُ أفاكين: عثمان بن سعيد العمري، ثم ابنه محمد بن عثمان، ثم الحسين بن روح النوبختي، ثم علي بن محمد السمري.. وقد ادعى غيرُهُم هذه البابيةَ مثلَ ما ادعى هؤلاء؛ فالغنيمة دسمة لم يكن في الإمكان تَركُها دون عِراك، فكان كل مُدَّعٍ مِن هؤلاء يُخرج صحيفةً يزعم فيها أنَّ الإمام الغائب المنتظر المعصوم ثَبَّتَهُ باباً له، وَلَعَنَ المُدَّعِي الآخر وأخرجه مِن الملة.. وما أكثر ما تعارك وكلاءُ هؤلاء الأفاكين على شحم الغنيمة ولحمها-كما يتعارك الآن وكلاءُ المرجعيات في العراق-؛ حتى قال الشلمغاني ابن أبي العزاقر- أحدُ منافسي الأفاك الثالث ابن روح النوبختي:" ما دخلنا مع أبي القاسم بن روح في هذا الأمر إلا ونحن نعلم فيما دخلنا؛ لقد كنا نتهارش على هذا الأمر كما تتهارش الكلابُ على الجيف"!!
لا يَدري أحدٌ حتى الآن ما الذي دفع الأفاك الرابع (السمري) إلى غَلقِ باب مغارة الكنز هذه؛ فقد سألوه وهو على فراش الموت عن السفير بعده فقال:" إنَّ للهِ أمراً هو بالِغُه".. ربما شعر بعدم معقولية الفرية إنْ طَالت، أو عَلِمَ أنَّ المدَّعِين سيكثرون مع الزمن حتى تُفتضح الفريةُ برمتها، أو كان حقوداً حسوداً لا يحب الخير لمن بعده؛ فأغلق الباب، (وأخذ السُّلمَ معَه لفوق)؛ كما قال أحد عاهات هذا الزمان!!
بهلاك السمري سنة 329ه انتهى زمن (الغيبة الصغرى) ودخل الشيعةُ زمنَ (الغيبة الكبرى) المستمر حتى الآن، والذي سيستمر حتى قيام الساعة..
لا تظنن أنَّ (غيبة الإمام) هذه سارت بشكل هَيِّنٍ لَيِّنٍ كما هو عندنا نحن المسلمين حين يموتُ- مثلاً- رأسُ مذهبٍ من المذاهب، ويظل أتباع المذهب يتعاملون بما استقر عليه المذهب؛ بل مَثَّلَ ذلك صدمةً كبرى لهم وإرباكاً شديداً عندهم؛ جعلهم يُعَطِّلونَ ما أسموه (الولايات السبع) التي عليها مدار الحياة؛ كالولاية على أموال القُصَّرِ والأوقاف، وجباية الخمس والزكاة، وإقامة الحدود والقضاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإدارة السياسة والجيش وحفظ الثغور، والولاية العامة على النفوس والأموال، وحق التشريع ووضع القوانين؛ بل وحتى إقامة الجُمَعِ والجماعات- عند بعضهم-؛ معتقدين أنَّ هذه الولايات حقٌ حَصريٌ للإمام الغائب، وأنَّ التصرف فيها يُعتَبرُ عدواناً على الإمام نفسه؛ حتى قال بعضهم بوجوب دفن الأموال أو الاحتفاظ بها لحين عودة الإمام الميمونة؛ ما عَطَّلَ الحياة كلها التي تمثل هذه الولايات غالب تفاصيلها؛ لتدخل الجماعة الشيعية في حالة جمود فقهي، وانتظارٍ سلبي، وتقيةٍ مجتمعية.
وهنا مَكمنٌ مِن مَكامنِ (الوثنية) في الديانة الشيعية قد يغفل عنه كثيرٌ من المتعجلين؛ فإنَّ ارتباطَ المؤمنين- أيّ مؤمنين- بحياةِ إنسانٍ تتعطلُ حياتُهم بفقده؛ هو ارتباطٌ وثنيٌ خالص وإنْ لم يُدركوا ذلك.. وهذا الارتباط المُعَطِّل ينطلق من فكرةٍ تتوهمها الأذهان حين تخلط بين (صاحب الرسالة) الذي هو الله جل وعلا؛ وبين (حَامِلِهَا ومُبَلِّغِهَا) الذي هو الرسول البشري.. ومعروفٌ فطرةً أنَّ الله وحده هو الحي الذي لا يموت، وأنَّ كل ما عداه هالك.. بيد أنَّ غَلَبَةَ الإلف والعادة والمعايشة لهذا الرسول البشري، وغَلَبَةَ الربط التلقائي بين الرسالة وحاملها؛ يُحدثان شيئاً مِن التوهم بضرورة انزياح صفة البقاء والديمومة مِن الله الذي هو صاحب الرسالة إلى الرسول الذي هو مُبَلِّغُ الرسالة؛ رابطين بذلك بقاءَ الرسالة ببقاء الرسول، وغافلين عن كون الخلود إنما هو للرسالة دون الرسول؛ إذ هذه الرسالة هي التي تُشير إلى صاحبها الباقي لا إلى مُبَلِّغِها الفاني، فإذا مات الرسول أو قُتل؛ سُقط في أيديهم وذهلوا عن أنفسهم؛ لِتَوَهُّمِهِم أولاً أنَّ مُبَلِّغَ الرسالة هو صاحبها، وسَحْبِهِم ثانياً- دون قصد- بعضَ صفاتِ (الصاحب) إلى (المُبَلِّغ)؛ فيأتي الخطأ في النتيجة تابعاً للخطأ في التحديد..
وهذه حالةٌ إنسانيةٌ عامة تصيب أتباع الديانات كلها وقت الصدمات التي تذهل فيها النفوسُ عن الحقائق، وتزيغ فيها الأبصارُ عن الوقائع، ثم يعودُ مَن عَصَمَه اللهُ إلى بَرْدِ التوحيد، ويَرتَكِسُ غيرُه في حمأة الوثنية؛ فيظل ارتباطُه بالمُبَلِّغ ارتباطاً وثنياً يحول بينه وبين فهم حقيقة الرسالة التي حملها هذا الرسول، أو طبيعة البلاغ الذي جاء به هذا المبلغ.. وهو عين ما وقع فيه اليهود والنصارى والشيعة جميعاً؛ حين مَحْوَرُوا الرسالةَ عندهم حول المبلِّغ الذي صار رَبَّاً أو ابناً للرب في اليهودية والنصرانية، وإماماً معصوماً له- ولبعضِ نسله-كلُّ خصائص الإله في التشيع!!
ومَن عَرفَ هذا عَرفَ عِظَمَ يقينِ وفَهْمِ سَيّدِ المسلمين بعد رسولهم صلى الله عليه وسلم؛ أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ حين قال- بعدما رأى ذهولَ الصحابة رضوان الله عليهم بموتِ نبيهم-:" مَن كان يعبد محمداً فإنَّ محمداً قد مات، ومَن كان يعبد الله فإنَّ الله حي لا يموت".. وما أزال واللهِ كلما قرأت هذ الجملة أدهش لاختيار أبي بكر كلمةَ (العبادة) دَهشةَ قراءاتي لها أول مرة.. لقد حفظ اللهُ بأبي بكر الصديق دينَ المسلمين ودنياهم مرتين؛ هذه أولاهما، وحروب الردة أُخراهما؛ وكلتاهما كانتا لأبي بكر خاصةً دون الصحابة؛ فرضي الله عنه وأرضاه، ولعن مُبغضيه وشاتميه.
لاحقاً؛ وبسبب إكراهات الواقع؛ حاول بعضُ علمائهم- كالمفيد، والطوسي، وغيرهما- الخروجَ من مأزق الغيبة الكبرى هذه باستخدام ما اعتبروه أدوات نظر وآليات استنباط؛ متأثرين في ذلك بالوسط الفكري السُّنِّي؛ فأجازوا للفقيه- عبر فكرة (النيابة)- تَوَلِّي بعضَ هذه المهام حتى لو كان ذلك ضمن حكومة جائرة أو مخالِفة- ويقصدون بالمخالِفة هنا حكومات المسلمين-، ثم أجازوا له بعد ذلك توليها بنفسه دون ارتباطٍ بحكومة؛ بصفته نائباً عن الإمام كي لا يتوقف القضاءُ بين الناس، أو تتعطل الحدود، أو تضيع الأموال..
وقد ثَبَتَتْ (ولايةُ الفقيه) على هذا المنوال وأمثاله قروناً طويلة من أواخر القرن الثالث الهجري إلى أوائل القرن العاشر الهجري؛ مع كثيرٍ من الأخذ والرد، والمنع والإجازة، والتضييق والتوسع؛ وصل حَدَّ تكفير وتفسيق وتبديع بعضهم بعضاً.
ومع دخول القرن العاشر الهجري تحولت ولاية الفقيه تحولاً جذرياً على يد (علي الكركي العاملي) الذي استقدمه شاه الصفويين (طهماسب بن إسماعيل) مِن لبنان، وجعله مفوضاً عنه أو شِبهَ شريكٍ له في الحكم، وأصدر مرسوماً بوجوب طاعته وإثم مخالفته؛ فكسر الكَركيُّ الحاجز النفسي والديني الذي حال بين الفقيه والسلطة، وأسس لمبدأ أحقية الفقيه في التدخل المباشر في شؤون السياسة، وإمكانيةِ إصداره الأحكام مع وجوب تنفيذها..
ثم- وبالاعتماد على تأسيس (الكركي)- ؛ خطا (أحمد النراقي) في القرن الثاني عشر الهجري الخطوة الكبرى في (ولاية الفقيه)؛ ليؤسس لفكرة أن يكون الفقيه نفسُه هو صاحب النظام ومُؤَسِّسُه، ومديرُ شؤون البلاد والعباد في كافة المجالات الدينية والدنيوية، وأنَّ ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم وللأئمة المعصومين من بعده فهو للفقيه سواءً بسواء؛ إلا ما دل الدليل عليه من إجماعٍ أو نَصٍّ أو غيرهما!!
الغريب المدهش أنَّ كُلَّ هذه الاجتهادات والتخريجات التي أكلت مِن عُمر الشيعة أكثر من اثني عشر قرناً؛ كنا- نحن المسلمين- نمارسها بداهةً وفطرةً دون إعطاءِ الفقيهِ صفةً دينيةً مقدسةً، أو خصوصية كهنوتية وثنية؛ كقساوسة النصارى وأحبار يهود، وملالي الشيعة؛ بل كان- وما زال- الفقيهُ عندنا مسلماً عادياً ضمن الجماعة المسلمة؛ يُمكن أن يكون حاكماً (وقد كان)، ووزيراً (وقد كان)، ومجاهداً (وقد كان).. فهو ليس نائباً عن إمامٍ غائب، أو وكيلاً لإنسان معصوم، أو والياً على أحدٍ ولايةً كهنوتية ذات قداسة مفترضة أو متخيلة.. فكل هذه الاجتهادات والتخريجات التي أتعبوا أنفسهم في استنباطها على مدار ثلاثة عشر قرناً؛ كانت- أمام أعينهم عندنا- فطريةً أصلاً وتلقائية أساساً؛ يعرفها العقل بالواقع ويثبتها الدين بالضرورة؛ لأنَّ الخلافةَ عندنا شورى بيننا، والخليفةَ عندنا مثلنا لا قداسة له ولا تقديس.. بيد أنَّ إِصْرَ الوثنيةِ وأغلالَ الإمامةِ التي وضعها الشيعةُ على رقابهم، وشَابَهُوا بها اليهودَ والنصارى في الكهنوتية؛ جعلت التلقائيةَ اجتهاداً، والفِطريةَ استنباطاً، والعاديَّ بُعدَ نظر..
بمجيء الخميني أُسدِل الستارُ على آخر فصول المسرحية.. فقد كان الخميني مع ولاية الفقيه كالثور في متجر خزف، وكان الخزف هو كل تلك الألاعيب والتخريجات التي قُصد بها إنقاذ الديانة من السقوط بعد موت إمامها دون وارث، وإبقاء الفقيه مسيطراً على الخراف الضالة لحين عودة الوارث الذي لن يعود.. ذهب الخميني إلى الهدف مباشرة دون لفٍ أو دوران؛ فأغلق الدور وأنهى اللعبة.. وكما ثَبَّتَ النصارى ألوهيةَ عيسى عليه السلام رسمياً في مجمع نيقية سنة 335م، ثم انتظروا أكثر من ثمانية عشر قرناً ليمنحوا العصمةَ للبابا رسمياً سنة 1869م؛ حَوَّلَ الخميني (ولايةَ الفقيه) بعدما وسوس له بها الشيطان- أو تشاورا فيها معاً- إلى مزيجٍ وَثنيٍ جديد؛ جَمَعَ فيها للولي الفقيه- أيْ لنفسه-: (النيابةَ عن المعصوم، والولايةَ المطلقة، والوصايةَ الكاملة، والتشريع ولو بنقض التشريع)؛ مع احتفاظه بكل مقامات الإمام المعصوم-دون مقامه الروحي-؛ ليصبح مجرد انتقاده أو انتقاد آرائه- فضلاً عن معارضته أو الخروج عليه- "عملاً مِن أعمال الخيانة للدين والمذهب والإمام المعصوم"!!
لقد صار إماماً معصوماً بِجَسَدِ وليٍّ فقيه، وَوَلِّياً فقيهاً بِروحِ إمامٍ معصوم.. لا حاجة الآن لانتظارِ المهدي أمام سرداب سامراء بالعراق؛ فقد خرج مِن أكواخ (نوفل لوشاتو) بفرنسا!!
طَبيعةُ الخميني النفسية أَهَّلَتْهُ لتحطيم كلِّ هذه الألاعيب مع الاحتفاظ بأسمائها ومصطلحاتها لتسحر أعين الأتباع وتسترهبهم..كان فقيهاً تقليدي النظر، سطحي الفكر، ضيق العطن، محدود الرؤى، حقوداً، حسوداً، دموياً، عابداً لذاته، متمركزاً حول نفسه، جعلت منه الدعاية اليسارية قِدِّيسَاً نازلاً من السماء لهداية البشر؛ بينما هو دجال من الدجاجلة الذين امتلأ بهم فضاء التاريخ الشيعي، ومَهَّدَتْ مقالات الوجودي (سارتر) التي هاجم فيها سياساتِ (الشاه) الطريقَ للخميني ليسير فيها محفوفاً بمقالات مغتصب الأطفال(فوكو)؛ ليصل في النهاية إلى شيء أشبه بإله لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون!!
وكان أن طَبَّقَ الخميني هذه الإلهية الموهومة بحذافيرها من خلال تفرده المطلق بالحكم؛ تبعاً للعصمة التي وصلت إليه مِن الإمام المعصوم؛ دون خُضوعٍ لمشورة مختصين أو نزولٍ على رأي فقهاء.. وما أكثر ما رجاه أقطابُ نظامه القبول بوقف إطلاق النار بينه وبين (عراق صدام) وهو يأبى أشد الإباء؛ غير عابيءٍ بدماء الآلاف التي كانت تُسفك كل يوم في حربه العبثية التي شنها على العراق؛ ثم خضع بعد لأيٍ وحذاءُ صدام فوق رأسه؛ واصفاً خضوعه ذاك بتجرع السُّم!!
لا بأس أن تعرف- في النهاية- الطريقةَ التي اعتمدها (دِماغُ) الخميني لاختيار الولي الفقيه؛ فهي أعجوبةٌ مِن الأعاجيب، ومهزلةٌ مِن المهازل، وطُرفةُ عِلم النظريات السياسية كلها، وهي الطريقة التي سماها دراويشُه (نظرية الكشف)؛ وما أشد ضخامة المصطلحات عند الشيعة وما أشد هوائيتها.. فالولي الفقيه عند الخميني لا يختاره الشيعة؛ فالشيعة عند الخميني هَملٌ هامل أو خرافُ ضالة لا رأي لهم ولا نظر.. وإنما هو قد اختير أصلاً مِن الإمام المعصوم؛ وبالتالي مِن الله تعالى، ولأنَّ الناس لا تعرفه؛ فعلى الخبراء، أو مجالس القيادة، أو أهل الحل والعقد أن يكتشفوه اكتشافاً.. إي والله يكتشفوه اكتشافاً!!
وحين قيل لـ(محمد يزدي)_ وهو من تلاميذ الخميني ومعدودٌ من متفلسفيهم الإصلاحيين ضمن أُصوليي ولاية الفقيه-؛ حين قيل له: إنَّ مجالس الخبراء التي تكتشف الولي الفقيه منتَخبةٌ مِن الناس أصلاً؛ رَدَّ قائلاً:" هذا لا يعني أنَّ الشعب هو مصدر السلطة؛ بل هو وسيلة إجرائية للوصول إلى الشخص الذي عَيَّنَهُ الله ورسوله بالوصف".. كان هذا الرد المذهل من فيلسوفهم العميق يزدي ترقيعاً بائساً وهروباً مفضوحاً مِن الأصل السهل الواضح الفطري الذي أنزله الله في كتابه للمسلمين حين قال:" وأمرهم شورى بينهم"؛ جاعلاً اختيار خليفة المسلمين شورى بين المسلمين.
***
هذا هو دين الشيعة، وهذه هي دنياهم؛ لا نعرفُ فيهما صَلاحاً ولا إصلاحاً؛ بل كل إصلاحٍ عندهم هو إفسادٌ لاحق، يُسَوِّغُ إفساداً سابقاً، تَرَتَّبَ على إفسادٍ أوليَّ، حتى صارت إصلاحاتُهم على مدار ثلاثة عشر قرناً سلسلةً من الألاعيب والأكاذيب والترقيعات؛ سيطروا بها على دين أتباعهم بالوثنية، وعلى عقولهم بالجنون، وعلى أموالهم بالخُمس، وعلى أعراضهم بالمتعة.. وإنه لمن العار واللهِ أن يَنبهرَ مسلمٌ أو عاقلٌ أو حُرٌ بدينٍ ودنيا لا إسلامَ فيهما ولا عقلَ ولا حُرية..
وما أحسن هنا ما قال البردوني.. وكثيراً ما كان يُحسن:
على لِحَاكُم يَبولُ العارُ مبتهجاً
إذْ عاشَ حتى رأى مَنْ يَعشقُ العَارا للوصول إلى الشخص الذي عَيَّنَهُ الله ورسوله بالوصف".. كان هذا الرد المذهل من فيلسوفهم العميق يزدي ترقيعاً بائساً وهروباً مفضوحاً مِن الأصل السهل الواضح الفطري الذي أنزله الله في كتابه للمسلمين حين قال:" وأمرهم شورى بينهم"؛ جاعلاً اختيار خليفة المسلمين شورى بين المسلمين.
***
هذا هو دين الشيعة، وهذه هي دنياهم؛ لا نعرفُ فيهما صَلاحاً ولا إصلاحاً؛ بل كل إصلاحٍ عندهم هو إفسادٌ لاحق، يُسَوِّغُ إفساداً سابقاً، تَرَتَّبَ على إفسادٍ أوليَّ، حتى صارت إصلاحاتُهم على مدار ثلاثة عشر قرناً سلسلةً من الألاعيب والأكاذيب والترقيعات؛ سيطروا بها على دين أتباعهم بالوثنية، وعلى عقولهم بالجنون، وعلى أموالهم بالخُمس، وعلى أعراضهم بالمتعة.. وإنه لمن العار واللهِ أن يَنبهرَ مسلمٌ أو عاقلٌ أو حُرٌ بدينٍ ودنيا لا إسلامَ فيهما ولا عقلَ ولا حُرية..
وما أحسن هنا ما قال البردوني.. وكثيراً ما كان يُحسن:
على لِحَاكُم يَبولُ العارُ مبتهجاً
إذْ عاشَ حتى رأى مَنْ يَعشقُ العَارا

الثلاثاء، 31 مارس 2026

ما الذي دفع شباب إيران ومثقفيها إلى العلمانية والإلحاد؟

ما الذي دفع شباب إيران ومثقفيها إلى العلمانية والإلحاد؟
 

خزعبلات شركية دفعت شباب إيران ومثقفيها إلى العلمانية والإلحاد

لو كان الدين منوطاً بالثريا لتناوله (الشاه محمد رضا بهلوي)؛ فهو فارسيٌ صَليبةً- كما يَدَّعُون؛ وليس أذَرِيَّاً كالمشرك المجرم خامنئي، أو هندياً كالمشرك المجرم خميني.. لا.. واسمه محمد أيضاً!!

إنْ رفضتم هذا المعنى فإلى أيِّ معنى تُشيرون؟!

ولماذا تُكثرون مِن ترديد هذا الحديث الشريف الآن، وتُحاولون إنزالَه على مشركي الشيعة في إيران؟!

هل تُريدون إقناع عوام المسلمين أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصد بكلامه الشريف هذا هؤلاء الذين اتهموا زوجَه الطاهرة المطهرة بالزنا، ووصفوا كتاب ربه الذي أنزله عليه بالتحريف، وكَفَّروا أصحابَه كلَّهم إلا ثلاثة أو ستة، واتهموهم بغصْب حق آل بيته المزعوم، وكسْر ضلع ابنته الشريفة، وإسقاط جنينها المفترض؟!

هل تريدون إقناع عوام المسلمين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصد بكلامه الشريف هذا هؤلاء الذين يتهمونه هو نفسه صلى الله عليه وسلم بالتقصير في تبليغ الرسالة، وبأنه ترك الأمة بعده هملاً لا راعي لها.. وحاشاه صلى الله عليه وسلم!!

هل تريدون إقناع عوام المسلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصد بكلامه الشريف هذا هؤلاء الذين يرون أنَّ الله جل وعلا يقضي الأمر ثم (يبدو) له أنَّ غيرَه أفضل منه؛ فيرجع جل وعلا عن قضائه لِما بدا له؟!

هل تريدون إقناع عوام المسلمين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصد بكلامه الشريف هذا هؤلاء الذين أسقطوا التوحيد وأعادوا الوثنية إلى أشد ما كانت عليه؛ مستبدلين باللات والعزى وهبل؛ علياً رضي الله عنه وأبناءه، وجاعلين (الإمامة) نصاً من الله عليهم؛ يتوارثونها كابراً عن كابر، دِيناً ودُنيا؛ ليصير دينُ الله لعبةً لأحفادهم، وعبادُ الله خَوَلاً لذراريهم.. فهم المعصومون الذين لا يُردُّ حكمهم، ولا يُناقش قضاؤهم، ولا يجوز عليهم (البداء) كما يجوز على الله جل وعلا.. وهم أصحاب الولاية التكوينية الذين يتحكمون في الأكوان ظاهراً وباطناً، ويعلمون الغيب، ويعلمون ما في الأرحام، ويعلمون متى يولدون ومتى يموتون؟!

هل تريدون إقناع عوام المسلمين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصد بكلامه الشريف هذا هؤلاء الذين ينتظرون (مهديَّ النقمةِ) الذي سيُعادي العرب والمسلمين، ويوالي اليهود والنصارى، ويُظهر القرآن الصحيح المزعوم، ويُخرج جثمان عائشة الطاهرة المطهرة رضي الله عنها ويجلدها حَدَّاً، ثم يُخرج جثامين أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ومعهم خمسمائة رجل من قريش فيحرقهم ويذروهم في الرياح، ويقطع أيادي (بني شيبة) الذين أعطاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مفاتيح البيت وقال لهم: “خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم”، ويعلق أياديهم المقطوعة على باب الكعبة!!

إنْ كان مَن يؤمنون بكل هذا الشرك، وكل هذا الكفر، وكل هذه الزندقة؛ هم مقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم- وحاشاه- فَعلامَ بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلاً، وبأي رسالة جاء؟! بل وعلام نُبِّئ الأنبياء، وأُرسل الرُّسُل، وأنزلت الكُتب؟!

مَا أبأسكم وأنتم تجعلون دينَ الله لعبةً تتلعبون بها لتسويغ مواقفكم الضالة، واختياراتكم المضلة!!

أما كان يكفيكم أن تقولوا: إنما هي السياسة التي ألجأتنا إلى اختيار أسوأ اختيارٍ، وأذلِّ موقفٍ، وأضلِّ سبيل؛ حتى رحتم تحرفون الكلم عن مواضعه، وتؤصلون بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم للسوء والذل والضلال!!

والله لَعَلمانِيةُ (الشاه) أخف شِركاً مِن دينية (خميني وخامنئي)؛ فلعله -لعلمانيتهِ- لم يكن يؤمن بتلك الخزعبلات الشركية التي دفعت كثيرين مِن شباب إيران ومثقفيها إلى العلمانية والإلحاد.. وإنَّ ديناً يدفعُ أبناءَه إلى العلمانية والإلحاد لخليق أن يكون أعظم شركاً وكفراً منهما!!

الثلاثاء، 3 مارس 2026

حرب اليهود والذين أشركوا

 حرب اليهود والذين أشركوا






علي فريد الهاشمي                                        الكاتب؛ إعادة نشر مرة أخرى..

"ومع كل هذه التفاصيل التي يسر الله شرحها وتوضيحها في هذا المقال وأمثالِه على مدار السنوات الماضية؛ إلا أننا لا ننسى قول الله تعالى:" فإنك لا تُسمع الموتى ولا تُسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين" 
***
العقلُ نعمة، واستخدامُه زينة..
واللهُ يُحبُّ أن يَرى أثرَ نعمتِه على عبده..
فإن عَطَّلتَ عقلك أوشكت أن تكون ممن "حَرَّمَ زينةَ الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق".. وذاك- لَعَمرُ الله- جُرمٌ في حق الله وجريمةٌ في حق نفسك..
***
أنشأ النظامُ العالميُّ كيانَ اليهود رسمياً سنة 1948م في فلسطين..
وأنشأ النظامُ العالميٌّ كيان الشيعة (الذين أشركوا) رسمياً سنة 1979م في إيران.. أو على الأصح.. في (نوفل لوشاتو) بفرنسا أولاً، ثم ثَبَّتَوه في إيران لاحقاً حين أعادوا دجال العصر الخميني إلى طهران على متن طائرة فرنسية، ومصحوباً بضباط مخابراتٍ فرنسيين..

كلا الكيانين (اليهود والذين أشركوا) جسمٌ غريبٌ عن المنطقة العربية دِيناً ولغةً.. يمنعُ الكيانُ اليهودي اتصالَ عرب المشرق برياً بإخوانهم عرب المغرب، كما يمنع الكيانُ الشيعيُّ اتصال عرب الجزيرة والعراق والشام برياً بإخوانهم المسلمين في شرق آسيا..
الإسلاميون الذين طمس الله وجوههم وردهم على أدبارهم يريدون إقناعك أنَّ خسارة كيان (الذين أشركوا) للحرب أمام كيان اليهود؛ هي خسارة للإسلام والمسلمين..
حسناً.. لا بأس.. ما كُل مَن وُهِب نعمة العقل يُحسن التزين بها.. ولكن..
لا أحد يستطيع ذِكر اسمِ حربٍ حقيقيةٍ واحدةٍ خاضها الكيانان (اليهود والذين أشركوا) منذ نشأتهما ضد أحدٍ غير العرب والمسلمين..
كما لا أحد يستطيع أيضاً ذكر اسم حربٍ حقيقية واحدة خاضها الكيانان ضد بعضهما قبل هذه الحرب؛ على الرغم من العداء الظاهري والجعجعات الإعلامية على مدار أكثر من أربعين سنة.. بل الثابت تاريخياً تعاون الكيانين اقتصادياً وتسليحياً في حرب الذين أشركوا ضد العرب والمسلمين.. وما فضيحة إيران جيت عنا ببعيد!!
إذن.. لا حرب حقيقية خاضها الكيانان منذ نشأتهما وحتى الآن ضد أحدٍ غير العرب والمسلمين..
ولا حرب حقيقية خاضها الكيانان ضد بعضهما البعض منذ نشأتهما وحتى الجمعة الماضية..
فإذا كان ذلك كذلك فأيُّ مصلحةٍ للإسلام والمسلمين في بقاء أو انتصار كيان لم يحارب أحداً غير العرب والمسلمين؟!
حسناً مرةً أخرى ولا بأس.. أَلغِ عقلكَ وحرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، وافترض- جدلاً- أنَّ هزيمة كيان الشيعةِ (الذين أشركوا) أمام كيان اليهود هي خسارة للإسلام والمسلمين..
الآن.. ما الذي يمكن أن يحدث للإسلام والمسلمين إن انتصر كيانُ الشيعةِ (الذين أشركوا) على كيان اليهود؟!
هذا هو السؤال الذي يَلُفُّ الذين طمس الله وجوههم وردهم على أدبارهم ويدورون حوله..
لا جواب لهذا السؤال عندهم لأن الجواب يُسقط فرضيتهم الحمقاء مِن أساسها..
ولأنهم كأحبار يهود؛ جعلوا الكتاب قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً؛ فسأتطوع أنا لأخبرك ما الذي يمكن أن يحدث للمسلمين إن انتصر كيان الذين أشركوا على كيان اليهود..
خُذْ نَفسَاً عميقاً وعُد لليوم الأول من فبراير سنة 1979م وافتح التلفاز- إنْ كنتَ تملك آنذاك تلفازاً- وشاهد مئات الآلاف من الإيرانيين الذين احتشدوا لاستقبال الخميني الخارج- كالمهدي المزعوم- من سردابه في (نوفل لوشاتو) بفرنسا، والقادم إلى طهران على متن طائرة فرنسية، وبحماية ضباط مخابرات فرنسيين..
طالع الصحف والمجلات.. ارصد فرحة الشعوب العربية والإسلامية.. اقرأ مقالات الإسلاميين الممجدة للمهدي المنتظر القادم من فرنسا.. استمع إلى خطب المنابر في الدول العربية وهي تدعو: اللهم انصر الخميني ومَن والاه.. لقد انتصرت الثورة وقامت للإسلام والمسلمين دولة..
الآن.. هَبْ أنَّ رجلاً تزين بما وهبه الله مِن عقل، ووقف في الناس ليخبرهم بما سيفعله هذا الخميني في المسلمين في السنوات العشر التالية، أو ما سيفعله نظامُه في المسلمين في الأربعين سنة التالية.. ما الذي كان يمكن أن يحدث له؟!
قلةٌ قليلة من العقلاء العقائديين فعلوا ذلك، وقالوه، وحذروا من الوقوع في فخ اعتقاد انتصار كيان (الذين أشركوا) انتصاراً للإسلام والمسلمين.. وكان على رأس هؤلاء الشيخ (محمد سرور زين العابدين) بكتابه (وجاء دور المجوس)، ثم تنبه- بُعيْدَ ذلك- إلى حقيقة الأمر رأسٌ من رؤوس الإخوان المسلمين في سوريا؛ (الإخوان المسلمون الذين يرفعون الآن راية الوهم ويدعون الناس لها).. كان هذا الرجل هو الشيخ الجليل (سعيد حوى)..
ذهب سعيد حوى ضمن وفدٍ من الإسلاميين إلى إيران لتهنئة الخميني بنجاح الثورة.. كانت الوفود تترى إلى طهران.. عربيةً وإسلاميةً وغربيةً.. كانت سنةً من سنوات العز الشيعي ربما لا يعادلها في التاريخ إلا سنة دخول البويهي الشيعي سلطاناً إلى بغداد، أو سنة دخول المعز الفاطمي خليفةً مزعوماً إلى القاهرة.. لم يُعامل الوفد معاملة طيبة.. تم تأجيل الخميني للمقابلة عدة مرات بدعوى ضيق الوقت وكثرة الوفود.. وحين قابلهم قابلهم دقائق معدودة وببرود شديد، وحرص على وجود مترجمٍ على الرغم من إتقانه العربية.. وفي المقابلة طلبوا منه التدخل عند حافظ أسد ليوقف اضطهاده للإسلام والمسلمين في سوريا؛ ظناً منهم- كما يظن الحمقى الآن- أنَّ انتصار كيان (الذين أشركوا) ممثلاً في الخميني الولي الفقيه هو انتصار للإسلام والمسلمين.. وعدهم بذلك ورحلوا..
لم يرتح الشيخ سعيد حوى للمقابلة.. وبعد تفاصيل كثيرة لا سياق لذكرها هنا؛ عاد ليكتب بعد ذلك كتيباً صغيراً يُحذِّرُ فيه الإخوانَ المسلمين خاصةً والمسلمينَ عامةً من الخميني وعقيدته الضالة، وأسماه: (الخمينية شذوذ في العقائد شذوذ في المواقف).. وأرسل أو سافر لمصر- لا أتذكر الآن- ليحذر إخوان مصر من الكوارث القادمة.. وعلى عادة الإخوان في كل مكان وزمان؛ لم يستمعوا لنصحه بدعوى الواقعية السياسة على الرغم من كونه كان رأساً فيهم..
هل تريد أن تعرف كيف كان انتصار الشيعة (الذين أشركوا) انتصاراً للإسلام والمسلمين؟!
خُذْ أولاً:
كانت أول مصلحة تحققت للمسلمين في سوريا وللإخوان خاصةً من انتصار كيان الشيعة (الذين أشركوا)؛ أنهم رأوا- حين بدأ حافظ ورفعت أسد مجزرتهما ضد مدينة حماة في أوائل الثمانينات- رأوا مبعوثَ الخميني جزارَ الثورة الإيرانية (آية الله صادق خلخالي) يحتضن حافظ أسد، ويُصَرِّحُ من قلب دمشق بوقوف جمهورية الولي الفقيه مع النظام السوري ضد (إخوان الشياطين).. إي والله هكذا سماهم مبعوثُ الخميني الذي وعدهم من سنتين فقط بالتوسط عند حافظ أسد لرفع الاضطهاد عنهم.. ثم انطلقت صحف الخميني ومنابر مساجده في طهران بعد ذلك في تكرار هذا الوصف وإلصاقه بالإخوان المسلمين.. كان هذا موقف الذين أشركوا من الإخوان والنظام السوري إبان مجزرة حماة في الثمانينات على الرغم من مواعيد (عرقوب الخميني) لهم بالنصرة أو التوسط.. فهل تغير شيء في موقفهم بعد أكثر من ثلاثين سنة إبان الثورة السورية الآن؟! وهل تحققت للإخوان المسلمين خاصة وللمسلمين عامة مصلحةٌ واحدة على مدار ثلاثين سنة من انتصار كيان (الذين أشركوا)؟! أم شارك هذا الكيان في قتل وتعذيب وتهجير وسحل المسلمين في سوريا بأبشع طرق القتل وأدواته؟!
خُذْ ثانياً:
سيبدأ الخميني بالتمهيد لتنفيذ أكبر هدف له في حياته، وأعظم هَمٍّ له كان يعتمل في صدره، وهو (احتلال العراق).. كل الذين عرفوا الخميني وصاحبوه كانوا يعرفون أنه لا يكره بلداً مثل العراق ولا شعباً مثل العراقيين.. وستندهش حين تعرف مبلغ إحسان العراقيين له- حكومة وشعباً- حين كان لاجئاً عندهم أكثر من عشر سنوات.. وهذه هي طبيعة (الذين أشركوا) عموماً وطبيعة الخميني خصوصاً؛ لا يَعضون إلا اليد التي امتدت إليهم بالإحسان..
سيبدأ الخميني في استفزار العراق والتعدي على حدوده مراتٍ ومرات ليجره إلى الحرب.. كان صدام خارجاً للتو من حملة تصفية كبيرة لمنافسيه في حزب البعث بغرض السيطرة على السلطة، ولم يكن من مصلحته فتح جبهة حرب خارجية مع ثورة وليدة.. بيد أنَّ كل الأدبيات الإسلامية التي تربينا عليها كانت تتهم صدام بإشعال الحرب بسبب بغضه للإسلام والمسلمين.. لم يشيروا مرة واحدة إلى حجم الاستفزازات والتعديات الخمينية على حدود العراق.. وكان الذي أشار إلى ذلك وركز عليه ثلةٌ كبيرة من أصدقاء الخميني نفسه أمثال (الموسوي صاحب كتاب (الثورة البائسة)، و(طالب الرفاعي) في أماليه التي جمعها العراقي الشيعي (رشيد خيون).. ولأن صدام لا يُعبثُ معه اشتعلت الحرب التي استمرت ثمان سنوات وأكلت الأخضر واليابس مصلحةً للمسلمين!! وعبثاً حاول صدام إنهاءها- من منطلق القوة- بإرسال وفود العلماء إلى الخميني وهو يرفض.. وحين اضطر أخيراً إلى إيقافها سمى ذلك تجرعاً للسم.. ثم هلك بعدها بقليل بعد أن كتب في سجله الأسود أن الرجل الذي رُوِّج له أنه المقاوم الأكبر للشيطان الأكبر أمريكا وإسرائيل تعاون مع الشيطان وأعطاه نفط إيران- في إيران جيت- مقابل السلاح الإسرائيلي ليقاتل به العرب والمسلمين.. وما أجملها مصلحة للإسلام والمسلمين!!
خُذ ثالثاً:
سيرتكب صدام حسين حماقته في غزو الكويت في أوائل التسعينات ليستغل الشيعة (الذين أشركوا) تلك الحماقة، ويضعوا أيديهم في أيدي أمريكا والتحالف الدولي لمساعدتها في إسقاط نظام صدام ثم استلام العراق بعد ذلك ليعيدوه إلى عهدٍ هو أسوأ من عهود البويهيين والقرامطة والفاطميين والمغول مجتمعين، ويعيثون فيه فساداً دينياً وأخلاقياً واقتصادياً وسياسياً منذ أكثر من عشرين سنة وحتى الآن..
ولا يمكن لإسلامي مهما بلغت درجة حماقته أن يملك الجرأة لمقارنة وضع العراق أيام صدام حسين بوضعه الآن تحت حكم (الذين أشركوا) وميليشياتهم..
ولكنه سيتفذلك ويتحامق ويقول: إنه من الطبيعي أو الفطري أن تستغل إيران الوضع وتحارب عدوها التقليدي العراق الذي هزمها وأذلها في الحرب.. وهذا رأي له بعض الوجاهة..
وسأتمسك به وأسأله: فعلام إذن تريد من المسلمين مناصرة إيران الآن والتغاضي عن جرائمها في العراق والشام واليمن وفي كل بلد مسلم دخلته.. وهي عدوتنا التقليدية التي هزمت العرب والمسلمين وأذلتهم بمساعدة أمريكا وروسيا.. بل وإسرائيل؟!
خُذْ رابعاً:
إذا كان من الطبيعي والفطري أن يتحالف الشيعة (الذين أشركوا) مع الشيطان الأكبر أمريكا في إسقاط نظام صدام والسيطرة على العراق بسبب هزيمتهم على يد العراق في الحرب.. فما هو الطبيعي والفطري في تحالف الشيعة (الذين أشركوا) مع الشيطان الأكبر أمريكا في إسقاط نظام طالبان الأولى في أفغانستان؟!
ما هي مصلحة المسلمين في التعاون مع الشيطان الأكبر لإسقاط دولة إسلامية وليدة كان يمكن أن تحقق للمسلمين شيئاً من نصر، أو مساحة للحركة، أو أملاً للمستضعفين المطاردين..
ماذا فعلت طالبان الأولى للشيعة (الذين أشركوا) حتى يتحالفوا مع الشيطان الأكبر لإسقاطها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر؟! ولماذا يخاف الشيعة (الذين أشركوا) من نشوء دولة للإسلام والمسلمين على حدودهم وهم يناصرون الإسلام والمسلمين؟!
لاحقاً.. وبمساعدة الشيعة (الذين أشركوا) أُسقطت طالبان الأولى، وقُصفت كابل وقندهار، وغالب المدن الأفغانية ودُكَّت تورا بورا، وقُتل آلاف المسلمين رجالاً ونساءً وأطفالاً، وتمت خيانة المجاهدين العرب، وسُلِّمَ المئات منهم إلى أمريكا لترحلهم إلى جوانتانمو.. وكان ذلك على يد خونة الأفغان (وعلى رأسهم الشيعة الهزارة)..
فهل كان ذلك مصلحةً للإسلام والمسلمين؟!
خُذْ خامساً:
في 2006م أشعل الهالك حسن حريقَ تموز في لبنان باختطافه بعض جنودٍ إسرائيليين ليفاوض بهم في فكاك أسراه.. ردت إسرائيل كعادتها بالقصف والتدمير والقتل والتخريب؛ تماماً كما تفعل في غزة الآن..
وقفت الشعوب العربية والمسلمة جمعاء خلف الهالك حسن في مغامرته الحمقاء التي صَرَّحَ- بعد ذلك- بندمه عليها.. أعلن مهدي عاكف مرشد الإخوان المسلمين آنذاك استعداده لإرسال عشرة آلاف مقاتل من الإخوان المسلمين لمناصرة حزب الشيطان اللبناني.. كانت صور حسن تملأ شوارع القاهرة ودمشق وبغداد وغالب العواصم العربية.. وكان العقلاء يحذرون من كارثة العلو الإعلامي للشيعة (الذين أشركوا)..
لم يستمع أحدٌ كالعادة، واتُهم المُحَذِّرُون بالغباء والحمق والوهابية والعقائدية والأصولية.. إلى آخر تلك الاتهامات التي يُتَّهمُ بها العقلاء الآن..
لقد أقنعوا الناس أنَّ مصلحة الإسلام والمسلمين آنذاك تكمن في الوقوف خلف حسن نصر الله ليوصلهم إلى طريق القدس..
وحين وقفوا خلفه منتظرين ردَّ الجميل على طريق القدس.. لم يطل انتظارهم كثيراً.. فقد سمعوه- بعد سبع سنوات كاملة من الوقوف خلفه على طريق القدس- سمعوه وهو يقول: طريق القدس يمر بالقلمون، والزبداني، وحمص، ودرعا، وحلب، والسويداء، والحسكة.. وقبل أن يستيقظوا من ذهولهم انسابت ميليشيات حسن إلى مدن وقرى سوريا ليمارسوا فيها الطبيعة الفطرية لأي شيعي على وجه الأرض؛ فيذبحون الأطفال، ويغتصبون النساء، ويقتلون الشيوخ، وينهبون البيوت، ويهدمون المساجد، ويدنسون القبور، ويتفننون في طرائق القتل التي لم تخطر في بال هولاكو أو جنكيز خان..
وكل ذلك كان رداً لجميل وقوف المسلمين خلفه، وحفظاً لمصلحة الإسلام والمسلمين!!
قبل ذلك بقليل تَقمَّص (قاسم سليماني) دورَ (بان كي مون) وشعر بالقلق لأنَّ الثورة السورية في سنواتها الأولى صارت قاب قوسين أو أدنى من دخول دمشق وإسقاط الحكم النصيري ممثلاً في بشار الأسد.. ولأن هذا ضد مصلحة الإسلام والمسلمين المزعومة؛ لم يكتفِ (سليماني) بالشعور بالقلق فقط؛ بل طار مصحوباً بالسلامة والعافية إلى موسكو ليقضي ساعتين مع الصليبي الروسي (بوتين) ليقنعه بالتدخل المباشر في سوريا لقتل المسلمين.. أقصد (لحفظ مصلحة المسلمين).. وسيعود مصحوباً بالسلامة والعافية أيضاً وعلى الطائرة الروسية ذاتها التي ستدك له مدينة حلب وتحيلها قاعاً صفصفاً ليدخلها هو وقواته فاتحاً منتصراً محققاً مصلحة الإسلام والمسلمين تحت حراب الروس الصليبيين.. لاحقاً- وبعد أن تمزقه القنابل الأمريكية رغبةً في قرص أذن كيان (الذين أشركوا) في إيران- سيحصل بطلُ الإسلام والمسلمين هذا على لقب (شهيد القدس) ثلاث مرات.. تماماً مثل: (تحيا مصر) ثلاث مرات!!
****
أنا تعبت.. تستطيع أنت الآن أن تتزين بنعمة الله وتستخدم عقلك وتضيف: سادساً، وسابعاً، وعاشراً، وألفاً.. وتأكد أنك لن تضيف رقماً في مخازي الشيعة (الذين أشركوا) وخطرهم على الإسلام والمسلمين؛ إلا ويناديك الرقمُ الذي بعده في دورة لا نهائية من الخزي والحقد والكراهية والتحالف مع الكفار.. بالإضافة إلى الشرك العقدي ذاته..
فأيُّ مصلحة للإسلام والمسلمين تُرجى من انتصار كيانٍ كهذا؟!
وأي خسارة للإسلام والمسلمين تُخشى من انكسار كيانٍ كهذا؟!
هل هناك إسلام شيعي آخر غير تحريف القرآن، والإمامة الوثنية، والعصمة الشركية، والصحابة الذين ارتدوا وكفروا، ورجعة المهدي الذي سيُخرج جثمان أبي بكر وعمر ويحرقهما، وجثمان عائشة ويرجمها حد الزنا؟!
هل هناك إسلام شيعي غير هذا وأنا لا أعرف؟!
هذا وأنا ذكرتُ لك شيئاً من تاريخهم الحديث الذي شاهدتَه بعينيك وسمعتَه بأذنيك ووعيته بقلبك.
ولو عدتُ بك إلى تاريخهم القديم لطال بنا الأمر مجلداتٍ ذواتِ عدد، وَلَهَالَكَ حجمُ جرائمهم وكفرهم وحقدهم..
وَلَلَعَنْتَ الإسلاميين الذين يكذبون على (ابن تيمية) الآن، ويقتطعون كلامه من سياقه، وينزلونه على واقع غير واقعه، ثم يخبئون كلامه الآخر الذي يُسقط أكاذيبهم عليك ويُظهر خِداعهم لك..
وأسوأ الخداع خداع الإسلاميين؛ لأنه يتكئ على نصوصٍ مقدسة وآثار مقدرة، تُنزَّلُ على غير واقعها، وتُرَحَّلُ إلى غير سياقها..
فهو انتهاكٌ للمقدس ابتداءً بتحريف أصله الثابت، وإسقاطٌ للمقدس في قلبك انتهاءً بإظهاره مناقضاً لواقعك المُعَاش.. وأي جريمة في حق الله- بعد الشركِ- أعظم من هذا؟!
***
سَيلتقطُكَ الآن خبثاءُ الثنائيات وحقراءُ الاصطفافات، ويقولون لك: هذه صهينة وعمالة للكيان اليهودي الذي إن انتصر تغول.. وأنا أقول لك ابتداءً: ضع هذا الكلام تحت حذائك فهو خُبثٌ تعودنا عليه، وشنشةٌ نعرفها من أخزم المتأيرن.. فاصبر واستمع إليَّ..
لقد تربينا جميعاً على أهمية ما يُسمى بالقضية الفلسطينية، وجعلها قضية العرب الأولى، وحُبِّ مَن يناصرها، وكره من يخذلها.. ثم- ويا للأسف- تحولت هذه القضية عندنا إلى مَعقدٍ للولاء والبراء؛ فأيُّ أحدٍ ناصر القضية ودافع عنها صادقاً أو كاذباً؛ فهو منا وعلينا حتى لو كان نصرانياً أو يهودياً أو شيعياً من (الذين أشركوا).. (هناك يهودٌ في أمريكا وأوروبا يناصرون القضية الفلسطينية وحماس ويُعرفون باسم ناطوري كارتا)..
ومن أجل ما تربينا عليه من مركزية القضية الفلسطينية؛ استخدم حكام العرب جميعاً تلك القضية ورقةَ توتٍ تستر عوراتهم وتخفي تخاذلهم وتُجَمِّلُ عمالتهم أحياناً.. وحصلوا بمناصرتها المدَّعَاة على المجد الإعلامي والسمعة الحسنة، ثم انكشف عوارهم مع تتابع الزمن وبقاء فلسطين بين براثن الكيان اليهودي..
الأرض ليست الأصل يا ابن أخي.. الأصل المنهج والعقيدة التي تحكم الأرض.. تؤخذ الأرض منا في المساء ونسترجعها في الصباح.. حتى لو كان بين المساء والصباح عشر سنوات أو عشرين أو مائة سنة.. أعاد خالد بن الوليد رضي الله عنه الجزيةَ لبعض نصارى الشام أو العراق- نسيت الآن- حين جاءه أمر أبي بكر رضي الله عنه بالتوجه إلى اليرموك.. ترك لهم الأرض التي أخذها بالدماء والأشلاء، وذهب إلى اليرموك فدعس على رأس الروم هناك.. ثم عاد للنصارى الذين أعاد لهم الجزية فاستردها مع الأرض..
الأرض لله يورثها من شاء من عباده.. وإذا جعلت عقيدتك الأرض فيا لحسرتنا وحسرتك حين تكتشف الآن أن كل المساحة التي فتحها الأمويون العظماء والعثمانيون الأشداء ليس في أيدينا منها كثير شيء.. بل تم احتلال القلب أيضاً باحتلال حكام القلب!!
صحيح أن الإنسان يحب أرضه ووطنه حباً فطرياً.. ولكن الحب شيء والتقديس شيء آخر.. وقد أخذتُ أنا زمناً طويلاً لأخرج من وطنية مقيتة وقومية عفنة وأومن أنَّ (الوطن الجنة، والغربة النار).. رغم حبي لوطني وفخري بقوميتي بعد فخري بديني!!
أنا وأنت وكلنا ضعفاء أمام من يرفع راية القدس ويجعجع بتحرير فلسطين؛ خاصةً إذا طال عليه الأمد فلم يُختبر اختباراً حقيقياً..
لم يكن القوميون العرب على منهج يرضاه الله ورسوله.. جعجعوا برمي إسرائيل في البحر ثم هلكوا وأهلكونا..
أفهانت عليك نفسك حتى تجرب الشيعة (الذين أشركوا) فتصدق جعجعتهم بتحرير فلسطين في الوقت الذي يذبحون فيه أخاك لأن جنازير دباباتهم لن تصل إلى القدس إلا على جمجمة أخيك؟!
أما آن لك أن تتزين بنعمة العقل التي أنعم الله عليك؟!!
يتفق الإسلاميون جميعاً- حتى أولئك الذين طمس الله وجوههم وردهم على أدبارهم- على أن إيران عدوٌ مضافٌ إلى عداوة إسرائيل.. يختلفون فقط في ترتيب مربعات العداء.. دعك من اختلافهم وابنِ على ما اتفقوا عليه: إيران عدو وإسرائيل عدو..
افترض الآن أننا في الطريق إلى عدونا الأصلي إسرائيل.. مَن هو الذي يقف عقبةً بيننا وبينه؟!
ستجيبني منتفضاً: حكامنا العرب طبعاً.. وسأقول لك: عظيم.. هذا صحيح تماماً.. إذن حكامنا العرب هم العدو الأول الذي يحول بيننا نحن الشعوب العربية المسلمة وبين تحرير فلسطين..
الآن.. مَن هو العدو الثاني الذي شعر بالقلق بعد انتصار الثورة المصرية في بداياتها، ثم شعر بالقلق أكثر بعد انتصار الثورة السورية في بداياتها أيضاً، وطار إلى روسيا واستدعى الصليبي بوتين؛ ليحول بين الشعب السوري- وهو أقرب شعب مسلم لفلسطين- وبين التحرر من براثن حاكمه (العدو الأول)؟!
ستحك رأسك قائلاً: إيران.. ممثلة في قاسم سليماني.. وسأقول لك أيضاً: نعم عظيم.. ولكني سأضيف: قصدك الشيعة (الذين أشركوا)..
الآن.. عدونا الأول حكامنا، يليهم الشيعة (الذين أشركوا).. كلاهما يقف عقبةً بيننا وبين الوصول إلى عدونا الثالث لتحرير فلسطين من بين براثنه..
فكر جيداً.. إن جاء عدونا الثالث إسرائيل فحارب عدونا الثاني (الذين أشركوا) وأسقطه أو أضعفه أو قصقص أجنحته.. ألن يكون ذلك مصلحة للمسلمين السائرين إلى القدس؟!..
لقد خفف عنا عدونا الثالث هَمَّ عدونا الثاني الذي استخدمه مِن قبل لقتلنا.. لم يبق لنا الآن إلا عدونا الأول (حكامنا).. وحرب عدو واحد في طريقنا إلى العدو الأصلي أخف وأهون من حرب عدويين.. خاصةً إذا كان العدو الثاني (الذين أشركوا) عدواً عقدياً حاقداً يقول له دينُه إنَّ قَتَلَ المسلم وذبح أطفاله ونهب ماله وهتك عرضه من أعظم القُربات إلى الله ومن أكبر أسباب دخول الجنة.. وهو ما لا يراه عدونا الأول (حكامنا)؛ فهم في النهاية منا وإن ارتدوا، وجنودُهم منا وإن خافوا وجبنوا، ويوشك إن وقعت الواقعة وطمَّت الطامة أن ينحاز كثيرٌ منهم إلى أهليهم الذين هم نحن!!
فأين هي الخسارة التي سيخسرها المسلمون إن انكسر الشيعة (الذين أشركوا) أو زال نظامهم المشرك المجرم؟!
إنَّ العقلَ الذي هو نعمةُ الله وزينةُ الإنسان لَيَقول: انكسارُ الشيعة (الذين أشركوا) سَيُنقص أعداءنا واحداً.. وانتصارهم أو بقاؤهم سيبقى أعداءنا ثلاثة!!
فأيُّ الطريقين أهدى سبيلاً وأقوم قيلا؟!
***
أتعرف يا ابن أخي.. إنَّ أكثر ما يُحزنني في هذه الحرب الدائرة بين اليهود (والذين أشركوا) الآن هو أنَّ إسقاط نظام (الذين أشركوا) ليس هدفاً حقيقياً من أهداف اليهود..
قد يَجِدُّ هذا الهدف أو يظهر على السطح في مرحلةٍ تالية؛ إذ الحرب والسياسة لا ثوابت لها أو فيها.. بيد أنه- حتى الآن على الأقل- ليس هدفاً حقيقياً أو محورياً أو مركزياً من أهداف اليهود والنصارى المتحكمين في النظام العالمي..
هذا محزن.. نعم.. محزنٌ بشدة.. لكن الدنيا مراحل.. وإضعاف الشيعة (الذين أشركوا)، وقصقصةُ أجنحتهم، وإشغالهم بأنفسهم، وحصرهم داخل دوائرهم المتفق عليها، حتى لو جاء ذلك على يد عدونا الثالث؛ أفضل للإسلام والمسلمين- في هذه المرحلة- مما كان عليه الأمر قبل عشر سنوات أو عشرين سنة..
يعلم الجميع- عدا أولئك الذين طمس الله على وجوههم وردهم على أدبارهم من الإسلاميين- أنَّ الهدف الأساس لليهود والنصارى في حربهم الساخنة والباردة مع الشيعة (الذين أشركوا) هو منعهم من امتلاك السلاح النووي وتحجيم صناعاتهم الصاروخية ومُسَيَّرَاتِهم الآلية.. عدا ذلك فإنَّ بقاء الشيعة (الذين أشركوا) من أعظم مصالح اليهود والنصارى في العالم العربي خاصةً والإسلامي عامةً.. وما ذاك إلا لأنَّ الشيعة (الذين أشركوا) كانوا هم الهراوة الغليظة أو الخنجر المسموم في يد اليهود والنصارى ضد الإسلام والمسلمين..
ولأنَّ اليهود والنصارى هم صانعوا هذه الهراوة وذلك الخنجر؛ فهم يحرصون- حتى الآن على الأقل- على رفع الهراوة لا تحطيمها، وعلى غَمْدِ الخنجر لا كسره، فإنهم إن أسقطوا نظام الشيعة (الذين أشركوا) خسروا الهراوة وكسروا الخنجر، وإنْ خسروا الهراوة وكسروا الخنجر فمن هو المجرم العَقَدِي الذي يمتلك القوة والعقيدة والمشروع ويدفعه ذلك كله لأن يقتل لهم- بأريحيةٍ بالغة- أكثر من أربعة ملايين مسلم في الشام والعراق واليمن، ويُهَجِّرَ لهم أكثر من عشرين مليوناً في العراق والشام واليمن، ويهدم لهم مدن المسلمين وقُراهم، ويذبح لهم مستقبل المسلمين وشرفهم بذبح أطفالهم، واغتصاب نسائهم؟!
ثم هو يفعل ذلك كله- ويا للذهول- وسط تهليل وتصفيق كثيرٍ من الإسلاميين الذين طمس الله على وجوههم وردهم على أدبارهم؛ فرأوه قلعة للإسلام والمسلمين، وسيداً للمقاومة، وفيلقاً على طريق القدس!!
مَن هو المجرم العَقَدِي الذي يمتلك القوةَ والعقيدة والمشروع فيتحالف معهم لإسقاط (كابل) و (بغداد)، والسيطرة على (دمشق) و (صنعاء)، وإقناع الصليبي الروسي بوتين بالتدخل المباشر لقتل المسلمين في الشام.. ثم الحصول بعد كل تلك الجرائم على لقب (شهيد القدس) ثلاث مرات؟!
مَن هو المجرم العَقَدي الذي يمتلك القوة والعقيدة والمشروع ليجعل لهم قوته وعقيدته سداً من نار بينهم وبين المجاهدين الذين أذاقوهم الويلات، أو بينهم وبين الشعوب العربية المتعطشة للتحرر والحرية؟! ثم يُظهرُه الإسلاميون الذين طمس الله على وجوههم وردهم على أعقابهم في صورة البطل المناضل ضد الشيطان الأكبر أو ضد الاستكبار العالمي!!
مَن هو المجرم العقدي الذي يمتلك القوة والعقيدة والمشروع فيضرب لهم أسسَ الإسلام (قرآناً وسنةً وصحابةً)، ويُعيدَ لهم عوامَ العرب والمسلمين إلى وثنيةٍ أشد مِن الوثنية الأولى؛ ليستبدلوا بـ(اللات والعُزَّى وهُبل) (علياً والحسن والحسين) رضي الله عنهم، ويَفتِنَ لهم حمقى الإسلاميين فَيُكَبِّلَهُم عن الفهم الحقيقي لطبيعة المشروعين العدوين، ويُعيقَهم عن العمل الحقيقي لمجاهدة المشروعين العدوين؟!
***
كل هذا وغيره كثيرٌ وكثير سيخسره اليهود والنصارى إنْ أسقطوا نظام الشيعة (الذين أشركوا)..
وما لم تتغير الأحداث إلى شيء آخر يعلمه الله ونجهله؛ فسيظل هدف اليهود والنصارى الدائم هو إبقاء الشيعة (الذين أشركوا) عاجزين أمامهم قادرين علينا.. تماماً كحارسٍ مُقْعَدٍ أمام مزرعتهم وفي يده بندقية!!
لا تنسَ أنهم تركوا البقايا العاجزة لحزب الهالك حسن في الجنوب اللبناني؛ ليظل موجوداً وفاعلاً في (حدود الجنوب اللبناني) شمال الليطاني فقط.. كما تركوا البقايا المهلهلة لمليشيات الحشد الشيعي في العراق لتعيث فساداً في العراق فقط..
كما تركوا الحوثي- حتى الآن- ضمن النطاقات التي يريدون لبُعده المكاني عنهم، ولعلمهم أنَّ فعالية صواريخه التي باعتها له إيران ليست خطراً من الدرجة الأولى أو الثانية، وأنهم قادرون على تحييده تماماً حين يأتي وقتُه..
وحدها غزة لم يتركوا فيها حجراً على حجر.. وذلك لسببين اثنين؛ الأول: معرفتهم بالأصل (السُنَّي) لأهلها وحكامها، وإن انحرف عنه حكامُها والتحقوا بمحور الشيعة (الذين أشركوا)، والثاني: لقربها من كيانهم المحتل أو وقوعها أصلاً ضمن كيانهم المحتل.. وهذا ما لا يُسمح ببقائه واستمراره، وإنْ طاولوه مُدةً من الزمن تحت أعينهم وبين أنيابهم..
لا يُسمح للمسلم السُّني- ولا مسلمَ غير السُّني- بامتلاك قطعة أرض والبقاء فيها جيلاً كاملاً- (بين عشر سنوات إلى عشرين سنة).. حدث هذا في العراق والشام، كما حدث في أفغانستان أيام طالبان الأولى، كما سيحدث في كل مكان حتى يأتي الله- قريباً إن شاء الله- بقوم يملكون أداةَ تهديدٍ حقيقية، ويملكون القدرةَ على استخدامها والمطاولة بها.. صحيح أنَّ المتأسلمين ووعاظ السلاطين سيسمونهم حينئذٍ خوارج وبغاة وكلاب نارٍ طوبى لمن قتلهم وقتلوه.. ولكن أغلب ظني أنَّ الأوضاع حينئذٍ ستكون قد تجاوزت أوباش المتأسلمين ووعاظ السلاطين بمراحل..
***
إن هذه الحرب الدائرة الآن حربٌ حقيقية بين اليهود (والذين أشركوا)، وهي تختلف عن المناوشات الكرتونية السابقة التي كان يَحفظُ بها (الذين أشركوا) ماءَ وجوههم ضمن طُرفةِ (الصبر الاستراتيجي)..
وليس لهذه الحرب مِن هدف- حتى الآن- سوى منع الذين أشركوا من امتلاك السلاح النووي وتحجيم صناعة صواريخهم ومسيراتهم..
وما دخلها (الذين أشركوا) من أجل القدس أو غزة، أو وهم المقاومة أو أكذوبة الدفاع عن الإسلام والمسلمين- كما يحلو لكثيرٍ من الإسلاميين خداعك بذلك- بل دخلوها مُجبرين بعدما وصل السكين إلى العظم، واستُهدف مشروعهم النووي، ووقعت عاصمتهم تحت القصف اليهودي المنظم والمستمر حتى الآن.. تماماً كما فعلوا هُم مِن قبل وتعاونوا مع اليهود والصليبيين في قصف كابل، وبغداد، ودمشق، وصنعاء..
ولأنَّ ما يحدث حقيقي هذه المرة؛ فأغلب ظني- ولا بأس أن أكون مخطئاً- أنه ليس أمام (الذين أشركوا) سوى طريقين أحلاهما مٌر: العودة للمفاوضات، وتفكيك المشروع النووي- أو التغاضي عن ضربه-، وخسارة المليارات التي دُفعت فيه، والسنوات والدماء التي بُذلت من أجله مقابل بقاء نظامهم.. أو إسقاط نظامهم بالكلية بعد تدخل أمريكا، أو إنشاء تحالفٍ دولي لإسقاطه؛ كالتحالف الذي أنشأه اليهود والنصارى لإسقاط نظام طالبان الأولى في كابل، أو نظام صدام حسين في بغداد، أو نظام الدولة الإسلامية في الموصل.. وكل هذه التحالفات الثلاثة كان (الذين أشركوا) في إيران فاعلاً محورياً فيه!!
****
هل بقي شيء؟!
آه.. علو اليهود وتغولهم..
يا ابن أخي.. دَعَكَ من هذا السَّفَه.. هل نظام (الذين أشركوا) وهو بهذا الخواء والاختراق الذي وصل حد تصنيع الموساد طائراتٍ مسيرة في قلب أرضه لاستخدامها في قصفه، واصطياد قادته وعلمائه واحداً تلو الآخر على مدار سنوات، وقتل الصف الأول من قادته العسكريين في ليلةٍ واحدة وهم نيام في أحضان زوجاتهم، و(بَيْجَرَةِ) ميليشاتهم المجرمة في لبنان، وقتل ضيوفهم في عاصمتهم.. هل هذا النظام هو الذي سيمنع تغول اليهود وعلوهم؟!
ثم ما قصة التغول هذه؟!
قيلت قبل نكسة عبد الناصر.. وقبل قادسية صدام.. وقبل السادس من أكتوبر وما تلاه من كامب ديفيد.. وقبل الحادي عشر من سبتمبر.. وقبل الانتفاضة الأولى والثانية.. وعلا اليهود وتغولوا- وهم متغولون أصلاً منذ إنشاء كيانهم-؛ فماذا حدث؟!
مَنَّ الله على الأمة بمجاهدي أفغانستان، وفلسطين، والعراق، والشام، واليمن، وجمعت جبالُ تلك البلاد وكهوفُها وصحراؤها ووديانُها خيرة شباب العرب والمسلمين بين جنباتها بعدما تخلوا عن دعة العيش تلبية لنداء الله، ثم تخالفوا واختلفوا وتقاتلوا، ثم عادوا، وسيعودون ضمن الأخطاء البشرية التي لا يخلو منها بشر.. ثم دخلت الأمة كلها في سياق التدافع الرباني والصراع البشري؛ فانفجرت الثورات في العالم العربي بسبب (صفعة شُرَطِيَّة وعود كبريت)، ودخلت الشعوب أيضا في سياق التدافع والصراع، واقتربت شيئاً فشيئاً من أكناف بيت المقدس، وسقطت حكومات وأنظمة، وعادت حكومات وأنظمة، وانتكست ثورات، وتعطلت ثورات، واختطفت ثورات..
اليهود متغولون منذ أُنشئ كيانُهم، وسيتغولون أكثر وأكثر في وجود نظام (الذين أشركوا) وفي عَدَمِه.. هذا وعد الله لهم ولنا؛ ليرى الله مِنَّا ما قَدَّره عليهم وعلينا.. لا تنهضُ الأمم إلا بعد مِحنٍ وشدائد، ولا تسود إلا ببذل الجهد والجهاد.. تغولٌ يُدخلكَ طريق النصر بالمآسي خيرٌ مِن توازن يُبقيك خاملاً تحت هزيمة..
إنْ كان المستقبل يُخيفك؛ فهل الحاضرُ يُرضيك؟! أتظن أنك قادمٌ إلى الدنيا في رحلة؟!
لكلِّ جيلٍ بلاؤه يا ابن أخي.. ولن يترك اللهُ الناس للناس.. والدنيا لم تُبن على الراحة والكسل.. ومِن كلِّ شيءٍ يخاف الخامل.. وتغول العدو- أياً كان- دافعٌ للعملِ لإسقاطِ تغوله.. والعدو هَشٌ في أصله، ولكن المدافعين أكثر هشاشة لتخليهم عن أعظم سلاح يملكونه (سلاحِ العقيدة)؛ فإن عادوا إليه عاد إليهم النصرُ بأسبابه.. وإن ظلوا بعيدين عنه فستتغول عليهم حتى أنفسهم التي بين أجنابهم.. وشتان بين "الذين قال لهم الناسُ إنَّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل"، وبين الذين "يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة"..
فاحذر أن يخدعك المتأسلمون المتأيرنون عن عقلك؛ فيزينون لك الباطل، ويُقَبِّحُون لك الحق، ويُخَدِّرونك بالأباطيل حتى تجد شِرْكَ الشيعيِّ في قلبك، وسِكِّينَه في رقبتك، وخنجره بين ضلوعك..
وقد نصحتُ لك حين سألتني.. فإن اقتنعتَ فبها ونعمت، وإن لم تقتنع فحسبي أن بينت لك..
وأنا والله على بينةٍ من ربي في هذا الأمر منذ أكثر مِن عشرين سنة.. ولو حدث المحالُ ورأيتَ أهلَ الأرض كُلَّهُم في كفة واحدة مع الشيعةِ (الذين أشركوا)، ورأيتَ رجلاً واحداً في الكفة الأخرى؛ فاعلم أنه أنا.
شَهِدَ على ذلك لَحْمُ (عليٍّ بنِ فريدٍ الهاشميِّ) وَدَمُه.