الثلاثاء، 27 أغسطس 2019

الصراع القومي في الشرق.. المعالجة الصعبة

الصراع القومي في الشرق.. المعالجة الصعبة


مهنا الحبيل
مبكراً توقع المفكرون المسلمون، والحديث عن مئات السنين، أي قبل تشكّل جماعات الإسلام السياسي، عن الأزمة المتفاقمة بين أمم الشرق، وتسخير الفارق القومي في أتون الصراع الصعب، والذي تعود جذوره إلى الإخلال بمفاهيم إسلامية أصلية، عبر زخم تقديسٍ للعنصريات تسلل لهذه القوميات التي أصيبت بمقتل، عندما أسقطت ممارسة سياسية استراتيجية موثقة، أقرّها النبي صلى الله عليه وسلم. 
والتي أعطت مساحة واسعة لكل الأمم والقوميات، لتصنع إطارها الاجتماعي مستقلة، مع بقاء الرابطة الإسلامية، وهذا الإشكال كان يواجه حملاتٍ كبرى من أمم الفرنجة، لم تورّث خططها إلا الدماء وتشظّي الشرق، والصراع بين الأمم والطوائف داخل الشرق.
واعتمد تفاقم هذه القضية على تغول الاستبداد قديما في الحالة الأممية للشرق، على الرغم من أن مفهوم نبذ الظلم وتكريس الشورى أساس رئيس في فكر الرسالة الإسلامية، لكن فقهاء الاستبداد فرّغوا هذه المعالم الكبرى في الرسالة، منذ العهد الأموي إلى العثماني، وهو ما صنع أرضيةً كارثية، انتهت إلى عجز مجتمعات المسلمين، من تطوير حركة النهضة الأولى التي جاء بها خطاب الرسالة في تحرير الإنسان، وحركة العلوم المبدعة التي دشّنها فلاسفة وفقهاء وأطباء، ترعرعت تجربتهم، حتى تعرّفت عليها أوروبا، وبنت عليها عصرها العلمي الجديد، 
 من منطلق الفلسفة حتى علوم البصريات.
ومن ذلك التداخل الأممي لعلاقة الساحل العربي في الخليج، مع القوميات الإيرانية، سواء في قومية فارس الكبرى، أو في بقية القوميات، فهذه الإمبراطورية تاريخيا مثلت علاقتها إشكالات مزدوجة، فيها ما هو حيوي، وكان من الممكن أن يتطوّر إلى علاقة إيجابية، كتكتل إقليمي، كون أن فارس انضمت للأمة الإسلامية.

وأضحت إيران من عناصر الشرق الكبرى، ولكن الغرب نجح في زرع مشاريع انشقاق كبرى، لا تُعفي المسلمين من مسؤوليتهم الذاتية، فالصراع الصفوي العثماني هو في الحقيقة كما حرّره الإصلاحيون الإسلاميون الأوائل، هو دلالة أزمة مروّعة في إدارة علاقة قوميات المسلمين. 
المشكلة أنه تمّت صناعة أرضية فكرية خطيرة بين العرب وفارس، أخذت قالباً طائفياً، أقنع جزءًا من الأمة الفارسية، أن العرب خانوا الرسالة الإسلامية، وظلموا آل البيت. وبالتالي، فالأمة الفارسية تنتصر للمظلومين من آل البيت، وهي معادلة اختراق شعوبي خطيرة، تعتمد أفكارا غير صحيحة، حين يُحرّر التاريخ، ويُفهم فكر الرسالة، سيعرف موقف الأئمة الفقهاء المستقلون عن سلطة التوريث. والذين أثبتوا مظلمة آل البيت، ولكن فرزوا، ما نحل باسمها كمعتقد جديد، حمل تأثّراً بعقيدة الصلب المسيحية، وأن العالم خلق لهذه المحنة التي تمثلت في استشهاد الإمام الحسين، وبين الفجور الذي مارسه يزيد بن معاوية، والنظر إلى موقف الفقه الإسلامي الصحيح، والتصحيح التاريخي العظيم الذي بعثه الخليفة عمر بن عبدالعزيز. 
ومع الأسف، تعود الفكرة الشعوبية ضد العرب اليوم إلى الأتراك مجدّداً، في ظل الخلط بين الطورانية التركية المتجذّرة في المجتمع التركي، وذات الحساسية في إطار الصراع الحالي مع الأكراد، وبين عودة العثمانية الجديدة التي تروّج خيانة العرب بالفطرة، وأن العثمانيين هم من أعادوا العرب إلى الإسلام، ولكن عبر مرتبة وضيعة، تناسب ذاتهم القومية.
من دون مراجعة التاريخ المشترك للأتراك والعرب، ومعرفة أين كان الانحطاط، وأين كان الجانب الإيجابي في تاريخ الدولة العثمانية، وهو أمرٌ يحتاج حلقات نقاش عاجلة يعاد بثّها  
للجمهورين، العربي والتركي، يحقق توازنا معرفيا وتفاهما أخلاقيا، يوحد أمم الشرق من دون عاطفة محمومة تصدمها الأحداث الكبرى. 
وهنا نقاط مهمة:
أولا، في علاقة الخليج العربي مع إيران، استدعيت ثقافة الصراع، سواء عبر المشروع الطائفي الإيراني الذي كفل لها أرضية مهمة للزحف الاستراتيجي، واستخدام كتل عربية لصالحها باسم الطائفة المظلومة، سياسياً وثقافياً وعسكرياً، أو عبر مشروع الرد الذي أطلقته الدولة السعودية، عبر الحركة الوهابية، فهذا الصراع تطوّر إلى أسوأ مصير لعلاقات الشرق. 
ثانيا، لكن ذلك كله لم يُسقط معادلة المصالح المباشرة، للعلاقة بين فارس ودول الخليج العربي، وكانت السياسة الإيرانية تكسب في كل محطّاتها، ويتراجع الاستقلال العربي أمامها، لمصلحة طهران ومصلحة تل أبيب أيضاً، وهذا ممكن رصدُه ومشاهدتُه على الواقع اليوم، كمصالح استراتيجية كبرى، لتراجع العرب وانهيارهم من سورية إلى اليمن.
ثالثا، وتلاحظ هنا قضية مهمة جداً، أن هذا التقدّم الإيراني، أو حتى التركي، في قضية
تصفية الثورة، لإسقاط الإقليم الكردي في شمال سورية، لم يتم عبر توافقٍ بين أمم الشرق ولا دولها، ولكن عبر فرض الإرادة الدولية الذي تكرّر في العراق وسورية وغيرهما.
رابعا، أي أن مفهوم التضامن الإسلامي لم يُعتمد، بل عكسه، والخطاب الإعلامي للدفاع عن أي مشروع إقليمي، باسم الحرص على الإسلام، هو في الحقيقة مجرّد مبرّر للمشاريع القومية الإقليمية، وقل ذلك في مشروع الدولة السعودية باسم التحالف الإسلامي الذي تفكّك بعد كارثة اليمن، وكان بالوناً وهمياً، استخدم في تأجيج الصراع بين دول الشرق المسلم نفسه، ومهمته 
 

المعلنة لمواجهة "داعش"، مجرد لافتة إعلامية، لم يقتنع بها الغرب ذاته.
أمام هذه المعضلة، من غير الممكن وضع أي أفق لمعالجة سياسية قد تُبعث مستقبلا، من دون أرضية ثقافية يتعاون فيها مفكرو الشرق، وهي مهمة قد تستغرق ثلاثة عقود، ولكن البدء بها ضرورة، حتى يوضع مسار تفاهم، يقوم على إيمان رسالي إسلامي، وفهم ثقافي عميق لطبيعة القوميات والواقع السياسي الاجتماعي، يؤسس على التعاضد، لا التبعية، ويضع سكة طريق لإيجاد ممانعة، ترفض على الأقل تمكين الحروب في أرض القومية الأخرى، وهو ما يحتاج إلى الخروج من أسلمة الصراعات بين القوميات، كالحرب بين العرب والفرس، أو الأكراد والأتراك، باسم الإسلام، حتى تبقى الرسالة الخالدة فوق العصبيات، وتثبت مرجع حضارة ووحدة للأمة الممتحنة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق