السبت، 17 أغسطس 2019

عام في القصر: [الحلقة 12]

عام في القصر: أسرار تنشر لأول مرة عن الرئيس مرسي 

[الحلقة 12]

لا شيءَ يبقَى على حالهِ، فالزخمُ الثوريُّ الذي أحدثَه قرارُ الإطاحةِ بحكمِ العسكرِ، بدأ في التبخُّرِ بعدَ شهرينِ من اتخاذِ هذا القرارِ.
تقرير| سليم عزوز
ساعدَ على ذلك التواضعُ المُفتعلُ من قِبلِ أهلِ الحكمِ، الذينَ ظنُّوا أنَّهم لابدَّ أنْ يَظهرُوا كذلكَ بعدَ هذا الانتصارِ، وفاتَهم أنَّ هذه الخطوةَ كانَ ينبغِي أنْ تتبعَها خطواتُ السيطرةِ على مؤسساتِ القوةِ في الدولةِ، وكانَ هذا متاحاً في البدايةِ!
لقد ابتعدَ الجيشُ عن الحكمِ بما حدثَ، ونَطقَ اسمَ الرئيسِ لأولِ مرةٍ بصفتِهِ القائدَ الأعلى للقواتِ المسلحةِ منذُ تولّيهِ منصبَهُ، وذلك بمناسبةِ انتصاراتِ أكتوبر 1973، وفي بيانٍ صدرَ من الجيشِ، ذكرَ أنَّ "الفريقَ أوّل عبد الفتاح السيسي القائدَ العامَّ للقواتِ المسلحةِ وزيرَ الدفاعِ والإنتاجِ الحربيِّ، بعثَ برقيةَ تهنئةٍ إلى السيدِ الرئيسِ محمّد مرسي رئيسِ الجمهوريةِ القائدِ الأعلى للقواتِ المسلحةِ بمناسبةِ الاحتفالِ بذكرَى نصرِ أكتوبر المجيدةِ"، وقالَ السيسي في برقيتِهِ: "يسعدُني أنْ أبعثَ إلى سيادتِكُم بأصدقِ آياتِ التهانِي مقرونةً بأطيبِ أمنياتِ التوفيقِ بمناسبةِ الاحتفالِ بالذكرَى المجيدةِ لنصرِ أكتوبر، الذي أعادَ للوطنِ عزتَهُ ولشعبِ مصرَ العظيمِ وقواتِهِ المسلحةِ الكرامةَ، داعياً اللهَ أنْ يعيدَ هذه الذكرَى على سيادتِكُم بموفورِ الصحةِ، وعلى الوطنِ المفدّى باليُمنِ والبركاتِ".
وأضافَ عبد الفتاح السيسي في برقيتِهِ: "إنَّ رجالَ القواتِ المسلحةِ وهم يهنِّئونكَ بهذه الذكرَى يؤكدونَ لسيادتِكُم وقوفَهم خلفَ قيادتِكم للوطنِ حماةً لهُ أمناءَ على المسؤوليةِ الوطنيةِ".
وربّما وصلتِ الرسالةُ للرئيسِ فزادتْهُ تأثراً وتواضعاً، والذي لم تكنْ لديهِ رغبةٌ في أنْ يعلمَ الناسُ بتفاصيلِ القراراتِ الشجاعةِ التي اتخذَها، فكانَ الصمتُ المسكونُ بالتواضعِ هُو البابَ الذي دخلتْ منه الشؤونُ المعنويةُ.
إنَّ عبد الفتاح السيسي في هذه المرحلةِ، وإنْ كانَ قد أسعدَهُ أنْ تتمَّ الإطاحةُ بالمشير طنطاوي وعنان- لأنَّ هذا كان سبباً في أنْ يتولّى منصبَ وزيرِ الدفاعِ- إلا أنّه حريصٌ على هيبةِ المؤسسةِ، لأنّه يستمدُّ حصانتَهُ من هذه الهيبةِ، فمن عيّنهُ يملكُ قرارَ عزلِهِ، فإذا كانَ اختيارَ الضرورةِ في مرحلةِ عزلِ طنطاوي، فإنَّه قد لا يكونُ لاستمرارِهِ في موقعِهِ ضرورةٌ، والرئيسُ عزلَ مَن هو أشدُّ منه بأساً وأعزُّ نفراً.
فكانتِ الرسالةُ التي تمَّ ترويجُها، أنَّ مرسي لم يقُمْ بعزلِ طنطاوي، لكنَّه استقالَ، وأنَّ السيسي لمْ يتآمرْ على المشيرِ محمد حسين طنطاوي وليِّ نعمتِهِ، ومَن كانَ وراءَ تصعيدِهِ داخلَ الجيشِ، فهو مَن رشّحَهُ وزيراً للدفاعِ، وذلكَ اعتماداً على ذاكرةِ السمكةِ، ثمَّ إنَّ تسارعَ الأحداثِ التي تمرُّ بها مصرُ في هذه الفترةِ، يُنسِي بعضُها بعضاً، فلمْ تكنْ هناكَ فرصةٌ لالتقاطِ الأنفاسِ، وقد كانَ العالمُ كلُّهُ في البدايةِ يدركُ أنَّ عزلَ طنطاوي وعنان هو قرارُ الرئيسِ، على النحوِ الذي مثّلَ صدمةً لإسرائيلَ، وقد قدّمْنا الأدلةَ والقرائنَ على ذلكَ في حلْقةٍ سابقةٍ، لكنْ لم تصدرْ بياناتٌ إعلاميةٌ ولو استناداً لمصادرَ عَليمةٍ بما جرَى، فتآكلَ هذا الإنجازُ مع قوةِ الدعايةِ المضادةِ!
الجيشُ غاضبٌ:
وإذَا كانَ الرئيسُ بحُكمِ إحساسِهِ بتواضعِ المنتصرِ، يجدُ حرجاً في إذاعةِ ما جرَى، وربما صوّرَ لهُ السيسي - لحاجةٍ في نفسِهِ – أنَّ هذا من شأنِهِ أنْ يزعجَ الجيشَ، فقد كانتْ هناكَ وسيلةٌ أخرَى، وهو أنْ يتمَّ اختيارُ كاتبٍ كبيرٍ في وسيلةٍ إعلاميةٍ كُبرى لنشرِ تفاصيلِ ما جرَى، لاسيّما أنَّ المؤسساتِ الصحفيةَ القوميةَ يتولَّى قيادتَها مَن اختارَهم الحكمُ الجديدُ، عبرَ مَن كلفُوهُ بهذا الملفِ، وإنْ كانتْ خياراتٍ بائسةً، سياسياً ومهنياً.
لقد تقدّمَ المحامِي سمير صبري ببلاغٍ تلوَ البلاغِ ضدَّ المشيرِ محمد حسين طنطاوي والفريقِ سامي عنان للنائبِ العامِّ، مرةً يتهمُهما بالفسادِ، ومرةً يطالبُ بمنعِهما من السفرِ، وبلاغٍ آخرَ طالبَ فيه بمحاكمتِهما على عملياتِ قتلِ المتظاهرينَ في محمد محمود ومجلسِ الوزراءِ!
وهي البلاغاتُ التي تمّتْ إحالتُها للنيابةِ العسكريةِ بدلاً من حفظِها، ونشرتْ جريدةُ "الجمهورية" أنَّ النيابةَ ستكلفُ قاضيَ تحقيقٍ للقيامِ بمَهمةِ استدعاءِ طنطاوي وعنان وبدءِ التحقيقِ معَهما!
وتصدرُ القواتُ المسلحةُ بياناً دعتْ فيه إلى تحرِّي الدقةِ والحذرِ بخصوصِ ما يتمُّ نشرُهُ لما لهُ من أثرٍ سلبيٍّ على الأمنِ القوميِّ، ونُشِرَ الخبرُ في جريدةِ المجلسِ العسكريِّ "المصري اليوم"، بعد أنْ انتقلتْ لها الصفةُ بانتقالِ ياسر رزق من "الأخبار" إليها، تحتَ عنوانِ "الجيش غاضب من حملات تشويه قادته"!
ولماذا لمْ يغضبِ الجيشُ من قرارِ عزلِ قادتِهِ؟، وماذا تبقَّى لقائدٍ معزولٍ من صفةٍ ليمثّلَ الجيشَ أو يعبرَ عن رمزيتِهِ؟
لقد سجنَ أنور السادات، الفريقَ محمد فوزي بعدَ أيامٍ قليلةٍ من تقديمِ استقالتِهِ من منصبِ وزيرِ الحربيةِ، وقتلَ عبدُ الناصر، المشيرَ عبد الحكيم عامر قائدَ الجيشِ، ووضعَ رئيسَ المخابراتِ العامةِ صلاح نصر في السِّجنِ.
وسجنَ مبارك، الفريقَ سعد الدين الشاذلي قائدَ حربِ أكتوبر بحكمٍ صادرٍ من القضاءِ العسكريِّ، ولم يغضبِ الجيشُ لحملاتِ تشويهِ قادتِهِ، والشاذلي أُهينَ بحكمٍ قضائيٍّ في عهدِ السادات اتهمَه بالخروجِ على قيمِ المجتمعِ، وأنَّه ارتكبَ من الأفعالِ ما يمسُّ أمنَ الدولةِ ومصالحَها العُليا، وعرّضَ الوحدةَ الوطنيةَ للخطرِ، وغلبَ على طبعِهِ الخيانةُ، وسيطرَ عليه الفكرُ المسمومُ، وامتلأَ قلبُهُ بالحقدِ الأسودِ. ولمْ يتأثرِ الجيشُ!
(راجعْ حكمَ محكمةِ القضاءِ الإداريِّ برئاسةِ المستشارِ جلال عبد الحميد وعضويةِ المستشارَينِ الدكتورِ أحمد موسى، ورائد النفراوي)
إنَّ المحامِي الذي تقدمَ بالبلاغاتِ معروفٌ بأنَّه لا يتحركُ إلا بتوجيهٍ أمنيٍّ، واعترفَ - كمَا ذكرْنا - بأنَّه تربّى مع السيسي في منطقةِ الجمّاليةِ، وأنّه صديقُهُ إلى الآنَ، فإذا كانَ جهازُ الأمنِ الوطنيِّ هو مَن دفعَ بهِ لتقديمِ هذه البلاغاتِ، كتصفيةِ حساباتٍ مع المجلسِ العسكريِّ، فقد كانَ يمكنُ الطلبُ منه سحبَ بلاغِهِ الذي استُخدمَ تقديمُه مادةً للنشرِ في الصحفِ، لكنّه استمرَّ في تقديمِ بلاغاتِهِ؛ البلاغِ تلوَ البلاغِ، دونَ أنْ يمنعَه أحدٌ.
وقد حقّقَ وزيرُ الدفاعِ الجديدُ بهذا البيانِ أكثرَ من هدفٍ:
أولاً: أنَّه قدّمَ نفسَه لأستاذِهِ السابقِ المشيرِ طنطاوي بأنّه مَن يحميهِ من التطاولِ عليه، مُستخدماً اسمَ المؤسسةِ العسكريةِ في هذا كلِّهِ، لاسيّما أنَّه قد نُشرَ أنّ الرجلَ يُعاني حالةَ اكتئابٍ من جرّاءِ عزلِهِ بدونِ استشارتِهِ. وقالَ مهاب مميش إنَّه يتصلُ بهِ لكنّهُ لا يردُّ عليه ولا يردُّ على أحدٍ، وفي أوّلِ تصريحٍ صحفيٍّ له بعدَ عزلِهِ كانَ الفريق سامي عنان غاضباً من الحملاتِ التي تستهدفُ تشويهَهُ ولا يعرفُ مَن يقفُ خلفَها؟
وعنان لا يعنِي شيئاً للسيسي لكنْ يهمُّهُ كسبُ رضاءِ طنطاوي، لاسيّما بعدَ أنْ حصلَ على ما يريدُ، وهو منصبُ وزيرِ الدفاعِ.
ثانياً: إنَّ هذا الدفاعَ يجعلُ طنطاوي يستشعرُ أنّه في حاجةٍ لحمايةِ تلميذِهِ القديمِ، فإذا كانَ قد خسرَ منصبَهُ، فليحافظْ على ما تبقَّى منهُ وهي سمعتُه، فلا يتمُّ استباحتُها في النياباتِ ووسائلِ الإعلامِ.
ثالثاً: إنَّ الهدفَ من هذا البيانِ تبديدُ ما علقَ في الأذهانِ أنَّه خانَ الرجلَ الذي صنعَهُ على عينِهِ منذُ أنْ كانَ ضابطاً صغيراً.
رابعاً: إنَّه بهذا البيانِ يوحِي للقوى السياسيةِ، أنَّ ولاءَه لطنطاوي قائمٌ؛ بما يعنِي كذِبَ ما تردّدَ أنَّه اختيارُ مرسي، أو أنَّ مرسي عزلَ، فعلاً، طنطاوي، فليسَ في مصلحتِهِ المباشرةِ أنْ يتمَّ النظرُ للرئيسِ على أنَّه الحاكمُ القويُّ، وإنّما لابدَّ أنْ يواجهَ تحدياتٍ تجعلُ من انحيازِهِ للرئيسِ معنًى عندَه، لأنَّ مَن يملكُ قرارَ التعيينِ يملكُ قرارَ العزلِ.
الاستغلالُ الإخوانيُّ للبيانِ:
ورغمَ أنَّ بيانَ القواتِ المسلحةِ كانَ فضفاضاً، إلا أنَّه كانَ في مصلحةِ جماعةِ الإخوانِ في مجلسِ الشورَى، لاستغلالِ البيانِ في الإطاحةِ بجمال عبد الرحيم رئيسِ تحريرِ جريدةِ "الجمهورية"، الذي خصصَ صفحةً كاملةً في العددِ الأسبوعيِّ لحواراتٍ صحفيةٍ مع قياداتِ الجماعةِ الإسلاميةِ، وهي في النهايةِ اقتربتْ أو ابتعدتْ تعدُّ منافساً سياسياً على ذاتِ الأرضيةِ الإسلاميةِ، ثم إنَّه لمْ يقبلْ فكرةَ تسلُّطِ قياديٍّ بمجلسِ الشورَى من الجماعةِ كانَ يتدخلُ في عمليةِ نقلِ مُحرِّرٍ من قسمٍ إلى قسمٍ، متجاوزاً حدودَ صلاحياتِهِ؛ فمجلسُ الشورَى ينوبُ عن الشعبِ في ملكيةِ الصحفِ القوميةِ لكنَّه يملكُ ولا يديرُ، وهذه التدخلاتُ الصغيرةُ ضدُّ القواعدِ المستقرةِ في تعاملِ مجلسِ الشورَى معَ رؤساءِ تحريرِ الصحفِ القوميّةِ.
وقبلَ هذا وبعدَه، فإنَّه مَن أفقدَ الاجتماعَ الأولَ للمجلسِ الأعلى للصِحافةِ هيبتَه، عندَما انسحبَ من الجلسةِ الأولى، عندَمَا اكتشفَ أن نقيبَ الصحفيينَ ممدوح الولي شكّلَ هيئةَ المجلسِ قبلَ الاجتماعِ، وأنّه فُوجئَ بها كَما نُشرتْ في موقعِ "اليوم السابع"، وأنَّ الاجتماعَ هو لتمريرِ التشكيلِ المقرّرِ سلفاً، ولم يُراعَ فيه تمثيلُ مؤسستِهِ "دار التحرير"، في الوقتِ الذي مُثّلتْ فيه مؤسساتٌ أخرَى، ليستِ "الأهرام" و"الأخبار" فقطْ، وإنّما مؤسساتٌ أخرَى صغيرةٌ مثلُ "دار المعارف" التي اخْتيرَ السكرتيرُ العامُّ منْها.
وكانتِ الجلسةُ قد شهدتْ مشاداتٍ بينَ رئيسِ تحريرِ الوفدِ محمد مصطفى شردي، ورئيسِ مجلسِ الشورَى أحمد فهمي، عندما أصرَّ الأخيرُ على طردِهِ خارجَ الاجتماعِ، لأنَّ رئيسَ حزبِ الوفدِ لم يرسلْ لهُ خطاباً يؤكّدُ له فيه أنَّه هو رئيسُ تحريرِ جريدةِ الوفدِ!!
لقد استغلُّوا البيانَ في تأكيدِ غضبِ الجيشِ من حملاتِ تشويهِ قادتِهِ، وأنَّ المقصودَ به هو جمال عبد الرحيم ومن ثمَّ تمَّ عزلُهُ، ولم يُلتفتْ للأحكامِ القضائيةِ التي صدرتْ لتلغيَ قرارَ العزلِ، والتي نفَّذَها الانقلابُ العسكريُّ بعدَ 3 يوليو، بعدَ تأكيدِ المجلسِ الأعلى للقواتِ المسلحةِ أنَّه لم يكنْ طرفاً في موضوعِ إقالتِهِ.
ومن أجلِ هذا الهدفِ الصغيرِ، كانتِ المساهمةُ في تبديدِ الإنجازِ المهمِّ في سنةِ حكمِ الرئيسِ محمد مرسي. فمنْ قالَ إنَّ الجيشَ غاضبٌ؟!
لقد كانتْ ليلةُ عزلِ طنطاوي ليلةَ عيدٍ في الوَحداتِ العسكريةِ، لاسيّما من شبابِ الضباطِ، فهل وصلتِ الأفراحُ إلى مؤسسةِ الرئاسةِ؟ أمْ أنّها كانتْ منغلقةً على نفسِها، وتتصرّفُ على أنّها تنظيمٌ دينيٌّ، ينبغِي أنْ يكونَ بعيداً عن هذه الأصداءِ داخلَ المؤسسةِ العسكريةِ؟!
وفي المقابلِ، كانَ هناكَ رمزانِ للتياراتِ السياسيةِ، هما حمدين صباحي، والدكتورُ محمد البرادعي، يزعجُهما أنْ يبدوَ الرئيسُ قوياً في أذهانِ الناسِ، فحمدين يحلمُ بالرئاسةِ، وهو من جديدٍ يعودُ فيصرّحُ بأنّه رئيسُ مصرَ القادمُ عندَ أولِ انتخاباتٍ رئاسيةٍ، ومن ثَمّ طالبَ بأنْ ينصَّ الدستورُ على أنْ تُجرَى الانتخاباتُ الرئاسيةُ بعدَ الاستفتاءِ على الدستورِ. أما البرادعي فهو يتحرّكُ من بابِ "المكايدةِ" لسلطةٍ لم تخترْهُ رئيساً للوزراءِ، وقد طُلبَ لهُ من الرئيسِ صراحةً وعبرَ الدكتورِ سعد الكتاتني أن يعيّنوهُ في أيِّ منصبٍ!
في هذه الأثناءِ كانتِ الجمعيةُ التأسيسيةُ لوضعِ الدستورِ تواجُهُ مشكلاتٍ عدةً، وأزماتٍ من كلِ جانبٍ، واستقالتْ ممثلةُ حزبِ "غد الثورة": "منال الطيبي" من الجمعيةِ، وتمَّ قَبولُ استقالتِها على الفورِ، ونشرتِ الصحفُ بيانَها، وعلى طولِهِ لا يمكنُ إمساكُ أيِّ مبررٍ منطقيٍّ للاستقالةِ، إلا من كلامٍ مثلِ أنَّ الدستورَ يعدُّ ليرسّخَ مفهومَ الدولةِ الدينيةِ (دونَ ذكرِ النصِّ)، وأنّه دستورٌ لا يحققُ أهدافَ الثورةِ (دونَ أن تقولَ ما هي أهدافُ الثورةِ وكيفَ تتحققُ بموادِ الدستورِ)، وأنَّه دستورٌ يحافظُ على ذاتِ ركائزِ النظامِ الذي قامتْ عليه الثورةُ، وأنَّ تجرِبتَها في الجمعيةِ التأسيسيةِ كانتْ مريرةً، وكيفَ أن موقفَها "السياسيَّ المبدئيَّ" قد تمثلَ في مقاطعةِ الانتخاباتِ البرلمانيةِ والرئاسيةِ في سياقِ مقاطعتِها لكلِّ العمليةِ السياسيةِ الفوقيةِ الجاريةِ.." وقد أثبتتِ التجرِبةُ صحةَ موقفِي".. فقد أنتجتِ الانتخاباتُ البرلمانيةُ برلماناً رجعياً، وأنتجتِ الانتخاباتُ الرئاسيةُ الاختيارَ بينَ كابوسَينِ!
أمّا حزبُ النورِ السلفيِّ، فقدَ كانَ لا يمرُّ اجتماعٌ للجمعيةِ التأسيسيةِ دونَ مزايدةٍ منهُ فيما يختصُّ بموضوعِ الشريعةِ، ثمّ وجدَ في الأمرِ فرصةً ليقدمَ نفسَه للمؤسساتِ الرسميةِ، فيذهبُ وفدٌ منهُ لمقابلةِ شيخِ الأزهرِ، ووفدٌ كبيرٌ للجلوسِ في حضرةِ رئيسِ نادِي القضاةِ، للاستماعِ لوجهةِ نظرِ رئيسِ النادِي المُستشارِ أحمد الزند في معرفةِ مطالبِهِ فيمَا يختصُّ بالجانبِ الخاصِّ بالسلطةِ القضائيةِ، وكأنَّهُ بديلٌ للجانِ الاستماعِ واللجانِ المعاونةِ لهَا التِي تطلبُ رأيَ الجهاتِ والمؤسساتِ في التعديلاتِ الدستوريةِ، لقد كانَ يتقرّبُ للمؤسساتِ زُلفَى، وإنْ أثارتْ تصرفاتُهُ مزيداً من البلبلةِ في الحياةِ السياسيةِ، فقد كانَ كلُّ ما يشغلُ السلفيينَ أنْ يقدمُوا أنفسَهم على أنَّهم البديلُ للإخوانِ، ثمَّ إنَّهم بمواقفِهِم المتشددةِ يُحسبونَ على معسكرِ الرئيسِ!
وكانتْ هناكَ أزماتٌ كثيرةٌ داخلَ الجمعيةِ التأسيسيةِ، ويحاولُ المرءُ أنْ يفهمَ أسباباً موضوعيةً لهذِه الجلبةِ، فلا يجدُ على النارِ هدًى، حمدين صباحي المنتظرُ على أحرِّ من الجمرِ إجراءَ انتخاباتٍ رئاسيةٍ جديدةٍ، يُعلنُ رفضَهُ لوضعِ مادةٍ تمكنُ الرئيسَ من إكمالِ دورتِهِ، والبرادعي لا يجدُ ما يقولُهُ، فيستنكرُ عدمَ تضمينِ الدستورِ أيَّ نصوصٍ خاصةٍ بانتقالِ السلطةِ في حالِ عدمِ قدرةِ رئيسِ الدولةِ على ممارسةِ صلاحياتِهِ لأيِ سببٍ!، وإنْ كانَ عَمرو موسى عضوُ الجمعيةِ التأسيسيةِ أكّدَ رفضَه مقاطعتَها، داعياً إلى إعطائِها فرصةً جديدةً، وكانَ موقفُهُ الأكثرَ اعتدالاً في هذه المرحلةِ، لقد تجاوزَ أزمةَ الانتخاباتِ الرئاسيةِ، كمَا تجاوزَها الفريقُ أحمد شفيق، لكنْ مَن لمْ يتجاوزْها هو صباحي، وبدرجةٍ أقلَّ الدكتورُ عبد المنعم أبو الفتوح، الذي كانَ لهُ رأيٌّ سلبيٌّ أيضاً من الجمعيةِ التأسيسيّةِ.
خَطَا صباحي خطوةً للأمامِ فطالبَ بحلِّ الجمعيةِ التأسيسيةِ وإعادةِ تشكيلِها بمَا يضمنُ تمثيلَ كلِّ القوى الوطنيةِ فيها، دونَ أنْ يُعلنَ ما هي مشكلتُهُ في النصوصِ!
وقال الرئيسُ إنَّه لنْ يحلَّ الجمعيةَ التأسيسيةَ إلا بحكمٍ قضائيٍّ، وأنَّهُ يدعُو القوَى المدنيةَ لحوارٍ حولَ الدستورِ بعدَ العيدِ (الأضحى)، وأعلنَ البرادعي رفضَهُ الدعوةَ، وقالَ صباحي إنَّه لنْ يقبلَ الدعوةَ إلا بعدَ حلِّ الجمعيةِ التأسيسيةِ.
وكانَ قد انُتخبَ الدكتورُ سعد الكتاتني رئيساً لحزبِ "الحرية والعدالة"، وقالَ إنَّ على رأسِ أولوياتِهِ إجراءُ حوارِ لمِّ الشملِ مع المعارضةِ. وقالَ حمدين صباحي: لا لمَ للشملِ إلا بحلِّ الجمعيةِ التأسيسيةِ!
وفي المقابلِ، كانتْ قضيةُ الفريقِ أحمد شفيق تتفاعلُ، وبعدَ إبلاغِ الإنتربولِ بالقبضِ عليه، تغيّرَ خطابُهُ، وقالَ إنَّ انتخاباتِ الرئاسةِ مزوّرةٌ، وتقدّمَ ببلاغٍ في تزويرِها، وقالَ إنَّ ضررَ "حكمِ الإخوانِ في المئةِ يومٍ يعادلُ 30 عاماً من النظامِ القديمِ"، وذلكَ في اليومِ التالي لصدورِ قرارٍ من جهازِ الكسبِ غيرِ المشروعِ بمنعِهِ وبناتِهِ من التصرُّفِ في أموالِهِم، وكانَ الرئيسُ محمّد مرسي قد عزلَ عاصم الجوهري رئيسَ جهازِ الكسبِ، وعيّنَ رئيساً جديداً هُو المُستشارَ يحيى جلال، وإذا كانَ من رشّحَهُ لهُ هو وزيرُ العدلِ، فإنَّ الرسالةَ وصلتْ للفريقِ شفيق بأنَّ اتّخاذَ رئيسِ الجهازِ الجديدِ هذا القرارَ ضدَّهُ في أولِ يومِ عملٍ لهُ، لابدَّ أنْ تكونَ السلطةُ مسؤولةً عمّا يجرِي معَه، وليسَ لأنَّ الأمرَ مرتبطٌ ببلاغٍ قدمَهُ محامونَ حلفاءُ للحكمِ!
إنَّ بناتِ الفريقِ شفيق لسنَ قاصراتٍ، فلهنَّ ذمةٌ ماليةٌ مستقلةٌ، فمَا الذِي يجعلُهُنَّ طرفاً في إجراءٍ كهذا، والأزمةُ كلُّها تدورُ حولَ عشرةِ آلافِ مترٍ من أرضِ الطيارينَ منحَها لنجلَي الرئيسِ المخلوعِ بجانبِ ثلاثِ قضايا أخرَى بدَا واضحاً افتقادُ الأدلةِ فيهنّ!
وصرّحَ الدكتورُ سعد الدين إبراهيم بأنَّ الإخوانَ يعملونَ على تدميرِ أحمد شفيق.
وإلى الآنَ عندَما أطالعُ تفاصيلَ هذه المرحلةِ، لا أستطيعُ أنْ أستوعبَ هذا الاستهدافَ، وإنْ كنتُ لا أسايرُ سعدَ الدين إبراهيم فيما قالَ. إنّها كرةُ الثلجِ التي كانتْ تتدحرجُ وتكبرُ، دونَ الانتباهِ لهَا، من مُخرجٍ حصيفٍ يوقفُ كلَّ ما يجرِي وأنْ يصيحَ في أيِ مرحلةٍ قبلَ النهايةِ "اِسْتُوبْ"!
مليونيةُ حمدين والبرادعي:
وقد أصبحتِ الحربُ على المكشوفِ، من رجلٍ رأتْ فيه الدولةُ العميقةُ أنّهُ مُمثلُها في الانتخاباتِ الرئاسيةِ، فضمَّ أنصارَهُ إلى القوى المدنيةِ، عندَ أوّلِ دعوةٍ لمليونيةٍ، كانتْ في اليومِ التالِي لقرارٍ جديدٍ، كانَ يمكنُ أن يكونَ اتخاذُه حدثاً كبيراً يأتِي استمراراً لقرارِ الإطاحةِ بطنطاوي وعنان، لولا أنَّ النفوسَ كانتْ قد تغيّرتْ، وبدأ تجريدُ الرئيسِ من هذا الإنجازِ، وساعدَ هُو في عمليةِ التجريدِ هذه، فليسَ هو من عزلَ طنطاوي، فطنطاوي استقالَ ورفضَ أن يستمرَّ معَ رئيسٍ مدنيٍّ، وهُو من اختارَ السيسي وزيراً للدفاعِ، ولمْ يكنِ الرئيسُ سِوى مُعتمدٍ لأوامرِ المشيرِ، هكذَا تقولُ الدعايةُ، ولم يتمَّ الردُّ عليها بالحقائقِ!
وقد كتبتُ أكثرَ من مرةٍ بالأدلةِ أنَّ قرارَ الإطاحةِ بحكمِ العسكرِ خاصٌّ بالرئيسِ، لكنّي كنتُ كمَنْ يُؤذِّنُ في مالطة، وهذَا من سوءِ تقديرِ أهلِ الحكمِ للأمورِ!
كانَ القرارُ هو عزلَ النائبِ العامِ، لكنْ قبلَ ذلكَ كانَ قد بدأ الحديثُ عن إنجازاتِ الرئيسِ في مئةِ يومٍ، بعدَ أنْ توقفَ الجميعُ بعد قرارِ الإطاحةِ بحكمِ العسكرِ عن محاسبةِ الرئيسِ بالساعةِ واليومِ!
لقد أعلنَ الرئيسُ كشفَ حسابِهِ عن المئةِ يومٍ الأولَى لهُ في الحكمِ، وذلكَ في 6 أكتوبر، في كلمةٍ ألقاهَا أمامَ عشراتِ الآلافِ في استادِ القاهرةِ بمناسبةِ ذكرَى انتصاراتِ أكتوبر 1973، وقال إنَّهُ يتحمّلُ المسؤوليةَ كاملةً "معَكم وأمامَكم"، مُوضحاً أنَّ برنامجَه تحققَ في المئةِ يومٍ بنسبةِ 70 % في الأمنِ، والوقودِ 75%، والنظافةِ 40%، والخبزِ 80%، والمرورِ 60%.
ولأنَّه لو حقّقَ برنامجَهُ بنسبةِ مئةٍ في المئةِ، فلنْ يُريحَ اثنَينِ: البرادعي وحمدين، فقدْ كانتِ الدعوةُ إلى جُمعةِ كشفِ الحسابِ بتاريخِ 12 أكتوبر 2012، الأوّلِ لأنّهُ "يريدُ أيَّ منصبٍ"، والثانِي لأنَّهُ يعتبرُ إفشالَ الإخوانِ غايةً لهُ، لأنَّه هو رئيسُ مصرَ القادمُ، وكانَ لا يتورّعُ أنْ يُعلنَ هذَا في خطبِهِ بدونِ كللٍ أو مللٍ، ولأنَّ المصائبَ يجمعْنَ المُصابينَ، فقدْ حدثَ بينَهما تنسيقٌ كاملٌ، وبينَ التيارِ الشعبيِّ الذي يرأسُهُ حمدين، وحزبِ الدستورِ الذي أسّسَهُ البرادعي!
وكانَ الإخوانُ قد دعَوا للاحتشادِ أيضاً في ميدانِ التحريرِ، لتأييدِ قرارِ الرئيسِ بعزلِ النائبِ العامِّ، الذي صدرَ يومَ 11 أكتوبر، وأيضاً للاحتفالِ بنجاحِهِ في مَهمةِ المئةِ يومٍ، وهناكَ حدثتْ مناوشاتٌ بينَ الجانبَينِ، وجدَها الفريقُ المعارضُ فرصةً، ليصبَّ جامَ غضبِهِ على الرئيسِ، ويمثلُ قوةَ إضعافٍ للرئيسِ في معركةِ النائبِ العامِ، ودعا حمدين والبرادعي "رأسَا الفتنةِ" إلى "جُمعة مصر مش عزبة للإخوان" في 19 أكتوبر، والعنوانُ لهُ دلالةٌ خاصةٌ، فهو يصوّرُ أنَّ قرارَ عزلِ النائبِ العامِ، أصدرتْهُ الجماعةُ من منطلقِ كونِها عِزبةً، وليسَ لتنفيذِ قرارٍ خاصٍ بالثورةِ، لكن بطبيعةِ الحالِ لم يكنْ في إمكانِهما أنْ ينحازا للنائبِ العامِ، إذن لفقدَا الثقةَ والاعتبارَ الثوريَّ، فقد كانَا أذكَى من ذلكَ، لكنَّهما أيضاً لم يثمّنَا قرارَ عزلِ النائبِ العامِ، وجاءتْ فعاليتُهما لتقوّيَ مركزَ الثورةِ المضادةِ!
لقد صدرَ بيانٌ مشتركٌ بينَ التيارِ الشعبِيِّ، وحزبِ الدستورِ، يفتعلُ مبرراً للدعوةِ لـ "مليونية مصر مش عزبة للإخوانِ"، مُستنداً للمناوشاتِ التي جرتْ بينَ مؤيدِي الرئيسِ ومعارضِيهِ في "جمعة كشف الحساب"، وأكدَّ البيانُ علَى أنَّ مطالبَهم هي حقُّ الشهداءِ والمُصابينَ عن طريقِ إعادةِ التحقيقاتِ في كلِّ الأحداثِ الدمويةِ منذُ اندلاعِ الثورةِ مروراً بموقعةِ الجملِ، وأحداثِ مسرحِ البالونِ، ومجلسِ الوزراءِ، وماسبيرو، وبور سعيد، مروراً بأحداثِ الجمعةِ الأخيرةِ، والتي أخذتْ في البيانِ عنواناً جديداً، فلمْ يعدِ اسْمُها هو "جمعة كشف الحساب"، ولكنْ "جمعة الغدر"، بما يعنِي أنَّ الإخوانَ غدرُوا بالثورةِ وبهِم باعتبارِهم هم الثورةَ!
وتمدّدَ البيانُ من مطالبَ ثوريةٍ كبيرةٍ إلى إلغاءِ قرارِ الإغلاقِ المبكرِ للمحالِ والمقاهِي والمطاعمِ، مروراً بتحقيقِ العدالةِ الاجتماعيّةِ والاهتمامِ بالمُشكلاتِ اليوميّةِ للمصريّينَ، ليصلُوا إلى "بيت القصيد" وهو حلُّ الجمعيةِ التأسيسيّةِ الحاليةِ وإعادةُ تشكيلِ الجمعيةِ التأسيسيةِ "بشكلٍ مُتوازنٍ لكتابةِ دستورٍ يمثلُ كلَّ المصريّينَ"!
إنَّ كلَّ مطالبِهم من الجمعيةِ التأسيسيةِ هو أنْ تضعَ نصّاً واحداً طالبَ به حمدين أكثرَ من مرةٍ، وهو إجراءُ انتخاباتٍ رئاسيةٍ مبكرةٍ، بعدَ الاستفتاءِ على الدستورِ، ولمْ يقدمْ أيَّ اعتراضٍ موضوعيٍّ على نصوصِ مشروعِ الدستورِ الذي يتمُّ إعدادُهُ، أو نصوصِهِ بعدَ الانتهاءِ منهُ، فقد كانَ لديه تصوّرٌ قلقٌ بأنّهُ رئيسُ مصرَ القادمُ عندَ أوّلِ انتخاباتٍ تُجرَى، وقامَ بتسخيرِ البرادعي في حملتِهِ، والذِي كانَ يعتمدُ المُكايدةَ أسلوبَ حياةٍ، لعلّهُ يلفتُ الانتباهَ لضرورةِ الاستعانةِ بِهِ.
فتنةُ عزلِ النائبِ العامِ:
ولمْ يثمّنِ البيانُ- الذِي صدرَ في أجواءِ فتنةِ عزلِ النائبِ العامِ - قرارَ العزلِ، معَ أنَّ الثورةَ المصريةَ رفعتْ مطلبَ عزلِ النائبِ العامِ، الذي وصفتْه بأنَّه نائبُ عامِ مبارك!
في ميدانِ التحريرِ، ومنذُ الثورةِ، ومعَ كلِّ مليونيةٍ بعدَ تنحِّي مبارك، كانتْ تَرفعُ صوراً لشخصياتٍ مرتبطةٍ بالنظامِ البائدِ، من أكثرَ من قطاعٍ وتطالبُ بالإطاحةِ بِهِم، وفيما يختصُّ بمرفقِ العدالةِ، كانتْ تَرفعُ صورَ المُستشارِ عبد المجيد محمود النائبِ العامِ، والمستشارِ هشام بدوي رئيسِ نيابةِ أمنِ الدولةِ العُليا.
وعندَما كانتِ الدعوةُ لمليونيةِ 12 أكتوبر، كانَ قد صدرَ حكمٌ ببراءةِ كلِ المتهمينَ في قضيةِ موقعةِ الجملِ، ما مثّلَ استفزازاً لقوَى ثوريةٍ عدّةٍ، قررتِ المشاركةُ في المظاهراتِ على أنْ تكونَ مشكلتُها محصورةً في النائبِ العامِ، باعتبارِهِ مَن أسّسَ لهذهِ البراءةِ، فلمْ يكنْ كثيرونَ يشغلُهم نجاحُ الرئيسِ أو فشلُهُ في المئةِ يومٍ، فقد كانَ يشغلُ هذا الإخوانَ والقوى المناهضةَ لهم، مُمثلةً في حمدين صباحي، ومحمد البرادعي، وكانَ مُقدراً أنَّ القوى الثوريةَ هي مَن ستقودُ في اتجاهِ عنوانٍ واحدٍ هو الإطاحةُ بالنائبِ العامِ. وقد تأخذُ على النظامِ الحاكمِ الإبقاءَ على النائبِ العامِ في موقعِهِ إلى الآنَ، ولا يمكنُ تفسيرُ الأمرِ على أنّه ضعفٌ، بعدَ قدرةِ هذا النظامِ على الإطاحةِ بوزيرِ الدفاعِ، ورئيسِ أركانِ الجيشِ!
وفي الحقيقةِ أنَّ النائبَ العامَّ بعد الثورةِ، كانَ مُتعاوناً بشكلٍ كبيرٍ، وعندَما قُدمتْ لهُ بلاغاتٌ ضدَ رموزِ النظامِ السابقِ، ووجدَ البلاغاتِ تفتقدُ للأدلةِ القانونيةِ، أرادَ إبراءَ ذمتِهِ، فاتصلَ بأحدِ الصحفيينَ الكبارِ هاتفياً وأبلغَهُ أنَّها كلّها قضايا براءةٍ، وأنّهُ يطلبُ منه أنْ يخبرَ الثوارَ بذلكَ، ليُعينُوهُ في جمْعِ الأدلةِ ودعمِ البلاغاتِ، وربما اتصلَ بغيرِهِ، لكنّ هذا الاتصالَ هُو ما علمتُ بهِ، وكانتِ الثورةُ تفتقدُ للتنظيمِ، وتفتقدُ للعقولِ الكبيرةِ، وتُركَ الأمرُ بيدِ الشبابِ الذي شكّلَ ائتلافاتِ "الوجاهةِ الاجتماعيةِ" والذينَ كانُوا في حالةِ طربٍ، وقد صارُوا نجوماً في الإعلامِ وقياداتٍ تجالسُ مُديرَ المخابراتِ الحربيةِ، وخصصَ لهم الدكتورُ عصام شرف غرفةً في مجلسِ الوزراءِ، بعدَ أنْ منحُوهُ لقبَ رئيسِ الحكومةِ القادمِ من ميدانِ التحريرِ!
وبذكائِهِ، فإنَّ النائبَ العامَّ لم يباشرِ التحقيقَ في هذه القضايا بنفسِهِ، ولكنّهُ في معظمِها طلبَ تكليفَ قاضِي تحقيقٍ للقيامِ بالمَهمةِ، وكانتْ قضيةُ موقعةِ الجملِ من بينِ هذه القضايا التي أَوكلَ أمرَها لقاضِي تحقيقٍ، لكنَّ هذه التفاصيلَ القانونيةَ لا يلمُّ بها كثيرٌ من الناسِ، وكانتِ الدعايةُ الرائجةُ هي أنَّ نائبَ عام مبارك وراءَ هذه البراءاتِ، ومن بينِها براءةُ جميعِ المُتهمينَ في قضيةِ موقعةِ الجملِ!
وكانَ النائبُ العامُّ عندَ كلِّ مليونيةٍ تَرفعُ صورَهُ وتطالبُ بعزلِهِ، يُبدي رغبتَهُ في تقديمِ استقالتِهِ، وقد عرضَ على وزيرِ العدلِ المُستشارِ أحمد مَكِّي أنْ يُعينَ رئيساً لجهازِ التنظيمِ والإدارةِ، واقترحَ عليهِ وزيرُ العدلِ أنْ يعودَ لمنصةِ القضاءِ رئيساً لإحدَى دوائرِ محكمةِ الاستئنافِ، لكنَّه أبدَى عدمَ رغبةٍ في ذلكَ. وربّما لم يكنِ الوزيرُ يعلمُ أنَّ المستشارَ عبد المجيد محمود لم يجلسْ على المنصةِ قاضياً أبداً، لأنَّه بدأ عملَهُ وكيلاً للنائبِ العامِ واستمرَّ في سلكِ النيابةِ إلى أن صارَ نائباً عامّاً!
ويبدُو أنَّ الرئاسةَ لم يكنْ قد اتخذتْ قراراً بشأنِهِ، فجعلَ حواراتِهِ معَ وزيرِ العدلِ تبدُو أقربَ للتفكيرِ بصوتٍ مسموعٍ.
وفي الحقيقةِ أنَّ رجلَ الدولةِ يكونُ مريحاً لأيِّ نظامٍ، وقد بالغَ المُستشارُ عبد المجيد محمود أكثرَ ممّا ينبغِي في إثباتِ أنَّه عندَ حسنِ الظنِّ، لاسيما في قضيةِ الفريقِ أحمد شفيق، فهو مَن وضعَهُ على قوائمِ ترقُّبِ الوصولِ، وهُو مَن أبلغَ الإنتربولَ الدوليَّ بضرورةِ القبضِ عليهِ وتسليمِهِ لمصرَ، ولمْ يقصرْ أحدٌ في هذه القضيةِ، سواءٌ النائبُ العامُ، أو قاضِي التحقيقِ المُنتدبُ، أو رئيسُ جهازِ الكسبِ غيرِ المشروعِ المستشارُ عصام الجوهري، الذي معَ ذلكَ صدرَ قرارٌ بعزلِهِ وتعيينِ بديلٍ لهُ هو الذي استكملَ إجراءاتِ هذه القضيةِ!
وإزاءَ هذه الرغبةِ (أو قلْ عدمَ الممانعةِ) في التنحِّي، معَ التهديدِ برفعِ مطلبِ عزلِهِ بعدَ الحكمِ بالبراءةِ في قضيةِ موقعةِ الجملِ في جمعةِ 12 أكتوبر، واستمراره يؤكدُ تواطُؤَ الحكمِ معَه، بهذا الأداءِ في قضيةٍ تهمُّه وهي قضيةُ الفريقِ شفيق، كانَ لابدَّ من خطوةٍ تخلِي مسؤوليةَ الرئيسِ عن هذا الاتّهامِ، وربّما اعتقدتْ دائرةُ الرئيسِ أنَّ قرارَ العزلِ سيكون مردودُهُ هو نفسَ مردودِ عزلِ طنطاوي وعنان، من تأييدٍ ثوريٍّ عبّر عنهُ شبابُ الثورةِ بهستيريا، فليقلبِ المنضدةَ على من دعَوا لمعارضتِهِ في هذه الجمعةِ بادعاءِ فشلِهِ في المئةِ يومٍ!
والأمرُ بطبيعةِ الحالِ، لا يحتاجُ إلى قوةٍ في اتخاذِ القرارِ، فالنائبُ العامُ لديهِ رغبةٌ في ذلكَ أو قلْ عدمَ ممانعةٍ، واتصلَ المستشارُ أحمد مَكِّي وزيرُ العدلِ، بالمستشارِ عبد المجيد محمود، هاتفياً وعرضَ عليه الاستقالةَ مقابلَ أنْ يكونَ سفيرَ مصرَ في الفاتيكانِ، كانَ ذلكَ يومَ الخميسِ 11 أكتوبر!
وكانَ من رأيِ النائبِ العامِ أن يُعينَ سفيراً في أيِ دولةٍ عربيةٍ لأنّه لا يجيدُ أيّاً من اللغاتِ الأجنبيةِ، وأخبرَه وزيرُ العدلِ بأنَّ هذا يستدعِي الانتظارَ إلى فترةٍ لن تقلَّ عن ستةِ شهورٍ انتظاراً لحركةِ وزارةِ الخارجيةِ، وأنَّ الموقعَ الشاغرَ الآنَ هو سفيرُ مصرَ في الفاتيكانِ، وكانتِ المكالمةُ وديةً، لكنْ بعدَ هذا حدثَ ما لمْ يكنْ في الحسبانِ!
من الواضحِ أنَّ المستشارَ عبد المجيد محمود وافقَ في البدايةِ، لكنَّه تراجعَ واتصلَ به المُستشارُ الغرياني رئيسُ مجلسِ القضاءِ الأعلى السابقُ ليقنعَه بضرورةِ القَبولِ!
كانَ عبد المجيد محمود قد اتّصلَ بالمستشارِ أحمد الزند رئيسِ نادِي القضاةِ، ليخبرَه بالعرضِ، والذي حذّرَهُ من قَبولِهِ، مؤكّداً أنّه في حالةِ قَبولِ التنحِّي قد يكونُ تعيينُهُ سفيراً لشهورٍ بعدَها تبدأُ محاكمتُهُ، وأنَّ عليهِ ألا يضحِّي بحصانتِهِ كنائبٍ عامٍ!
والزندُ نفسُهُ، عرضَ أنْ يتعاونَ مع الحكمِ الجديدِ، وكانَ خطابُهُ معتدلاً في البدايةِ، ثمّ فُوجئَ ببلاغاتٍ تتهمُهُ بالفسادِ، من المؤكدِ أنّ الإخوانَ ليسُوا طرفاً فيها، ومعَ عدمِ قَبولِ عرضِهِ ومعَ هذه البلاغاتِ التي لم يحمِهِ منها سوى رفضِ مجلسِ القضاءِ الأعلى رفعَ الحصانةِ عنْه، فقد تغيرتْ لغةُ الخطابِ، وها هو يجدُ فرصةً لإحداثِ زخمٍ ضدَّ الرئاسةِ، بحشدِ القضاءِ كلِّه معَه في هذه المعركةِ.
النائبُ العامُ يذهبُ بعيداً:
قالَ عبد المجيد محمود لوزيرِ العدلِ في اتصالٍ تالٍ، أنا تراجعتُ لأنّكم قمتُم بالإخلالِ بالاتفاقِ، وأرجعَ الوزيرُ ذلكَ إلى تصريحاتٍ من قبلِ قياداتٍ إخوانيةٍ قالتْ بمحاكمتِهِ، وفي العلنِ ذهبَ النائبُ العامُ بعيداً..
فقالَ إنّهم كانُوا يريدونَ إجبارَهُ على التنحِّي تحتَ التهديدِ، وأنَّ المُستشارَ الغرياني هدّدهُ بمصيرِ المُستشارِ السنهوري، في واقعةٍ شهيرةٍ عندَما اقتحمَ عليه الغوغاءُ مكتبَهُ وبتحريضٍ من جمال عبد الناصر فاعتدَوا عليهِ بالأحذيةِ في مكتبِهِ بمجلسِ الدولةِ، بعدَ أزمةِ مارس 1954، وانحيازِ السنهوري لمحمد نجيب في عودةِ الحياةِ الديمقراطيةِ.
ونفَى حسام الغرياني ذلكَ، وفي اللجنةِ التأسيسيةِ سألَهُ عضوُ اللجنةِ عَمرو موسى، بصفتِهِ رئيسَ اللجنةِ إنْ كانَ بالفعلِ هدّدَ عبد المجيد محمود بمصيرِ السنهوري إنْ لمْ يستقلْ؟ والذي قرّرَ تشكيلَ لجنةٍ سياسيةٍ تضمُّ محمد محيي الدين، وأنور السادات، والدكتور محمد كامل لزيارةِ النائبِ العامِ والتحققِ ممّا أُثيرَ حولَ تهديدِهِ النائبَ العامَ، وقالَ: ولو أدانتني اللجنةُ ولو بنسبةِ 30 في المئةِ سأتركُ منصبِي وأجلسُ في بيتِي. وأضافَ: "لقد مكثتُ 40 عاماً أدافعُ عن استقلالِ النائبِ العامِ، ولو فعلتُ ما قالَهُ عبد المجيد محمود لا أصلحُ للبقاءِ هُنا".
كانَ واضحاً أنَّ النائبَ العامَّ يبحثُ عن وسيلةٍ للتراجعِ عن الموافقةِ، فأحدثَ كلَّ هذا اللغطِ، وتسلّمَ أحمد الزند الملفَ فأقامَ الدنيا وأقعدَها ودعا لمؤتمراتٍ صحفيةٍ وجماهيريةٍ في نادِي القضاةِ، شاركَ فيها خصومُ الإخوانِ من غيرِ القضاةِ ومن سامح عاشور إلى مصطفى بكري!
واحتشدَ القضاةُ، ويومَ 13 أكتوبر 2012، تمّتْ دعوةُ عبد المجيد محمود معَ رئيسِ مجلسِ القضاءِ الأعلى للرئاسةِ حيثُ عقدَ معَهما الرئيسُ اجتماعاً بحضورِ الأخوَينِ مَكِّي، محمود نائبِ الرئيسِ، وأحمد وزيرِ العدل، وتمَّ تصفيةُ الموقفِ على قاعدةِ لا غالبَ ولا مغلوبَ، وباعتبارِ أنَّ ما حدثَ هو نتيجةٌ لسوءِ فَهْمٍ، من تصورِ المستشارِ الغرياني أنَّه قبلَ بمنصبِ سفيرِ مصرَ في الفاتيكانِ، وحاولتِ الرئاسةُ أنْ تنتصرَ بالتماسٍ قدّمَهُ النائبُ العامُ يؤكّدُ على رغبتِهِ في الاستمرارِ في منصبِهِ وأنَّ الرئيسَ قبلَ الالتماسَ!
بَيدَ أنَّ عبد المجيد محمود وصلَ إلى مكتبِهِ بدارِ القضاءِ العالي ليُستقبلَ استقبالَ الأبطالِ المُنتصرينَ، وتبخّرَ أثرُ الالتماسِ بمجردِ الانتهاءِ من كتابتِهِ!
وفِي هذه المعاركِ وعندَما تكونُ النتيجةُ هي التعادلَ، فإنَّ الأعلى سلطةً يكونُ في حكمِ المهزومِ!
وقد هُزمتِ الرئاسةُ في هذه المعركةِ، وقالَ أحمد الزند ليسَ من بينِ قضاةِ مصرَ مَن هو مثلُ طنطاوي وعنان ليُطيحَ بهِ محمد مرسي!
وبعدَ هذا بأسبوعَينِ اجتمعَ مجلسُ شورَى جماعةِ الإخوانِ وقرّرَ إرسالَ قياداتٍ من الجماعةِ لتدريبِ السوريّينَ سياسيّاً في تركيا.

لمتابعة الحلقة الأولى يرجى الضغط 

عام في القصر [الحلقة الأولى]

لمتابعة الحلقة الثانية يرجى الضغط

عام في القصر:  [الحلقة الثانية]

لمتابعة الحلقة الثالثة يرجى الضغط

عام في القصر [الحلقة الثالثة]

لمتابعة الحلقة الرابعة يرجى الضغط 

عام في القصر:  [الحلقة الرابعة]

لمتابعة الحلقة الخامسة يرجى الضغط 
لمتابعة الحلقة السادسة يرجى الضغط 
لمتابعة الحلقة السابعة يرجى الضغط 
لمتابعة الحلقة التاسعة يرجى الضغط 
لمتابعة الحلقة العاشرة يرجى الضغط 

عام في القصر [الحلقة العاشرة]

لمتابعة الحلقة الحادة عشر يرجى الضغط 
المصدر

الجزيرة مباشر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق