الأحد، 25 أغسطس 2019

الريسوني غاضب وهكذا رد علينا.. الهوينى مولانا


الريسوني غاضب وهكذا رد علينا.. الهوينى مولانا

ياسر الزعاترة

في حين توقعنا أن يخرج علينا الشيخ أحمد الريسوني؛ رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بموقف مختلف حيال القضية التي أثارها مؤخرا، جاء رده غاضبا ومؤكدا على ما ذهب إليه.


موقع مغربي سأل الشيخ السؤال التالي: "في تصريح لكم قلتم بأنه ليس كل من زار القدس مطبّعا أو داعيا للتطبيع، وأوضحتم بأن "الغرض والمقصد من الزيارة كفيل بمعرفة الموقف الشرعي والسياسي منها". 
وفي هذا الإطار تساءل صحفي فلسطيني (المقصود هو كاتب هذه السطور) ما الذي تغيّر في وضع الاحتلال والموقف منه حتى يتغيّر الرأي في الموقف من الزيارة وجعلها تطبيعا أحيانا، وغير ذلك أحيانا أخرى، ومن سيفرز الناس وفق نواياهم؟! خاصة وأن الاتحاد العالمي والأزهر وغيرهما سبق وعبرا عن رفضهما لذلك، فما تعليقكم؟".

جاء رد الشيخ نصا كالتالي: "الذي تغيّر ويجب أن يتغيّر هو طريقة التفكير، يجب أن نحرر أولا عقولنا من العقد ومن التحجر، وأن نفكر بطلاقة وبدون خوف، وأن نفسح لصاحب الرأي المخالف ونستمع إليه، بدل أن نرجمه ونشوّهه قبل أن يُتمّ جملته. وأنتم أيضا -سامحكم الله- نشرتم مقالا يرد عليّ ويشوّه كلامي قبل أن تنشروا كلامي".

قبل أن نكمل مع كلام الشيخ الفاضل، ولأنه يتحدث عن  مقاليالذي نشر هنا (نقله تاليا الموقع المغربي)، ويمكن العودة إليه لمن أحب، أتعجّب في واقع الحال من حديثه عن تشويه كلامه، وأنا لم أنقل سوى نصه الحرفي من موقع الشيخ نفسه. وفعلت ذلك مع كل التأكيد على احترامه وعلمه ومكانته.

يتابع الشيخ إجابته قائلا: "وأما موضوع زيارة الأقصى، فقد قلت فيه ما قلت، وأبرأت ذمتي وانتهت مهمتي. ومعركتي الدائمة مع العدو لا مع بعض الفلسطينيين أو بعض الصحفيين، ولو أنهم حرّفوا كلامي وتزيّدوا عليه وأولوه بما يحلو لهم".

مرة أخرى يواصل الشيخ هجومه على العبد الفقير، مضيفا إليّ "بعض الفلسطينيين أو بعض الصحفيين"، ويتهمنا بالتحريف والتزيّد، من دون أن يقول لنا كيف حرّفنا وكيف تزيّدنا والقصة أبسط من ذلك، ولخّصها سؤال الموقع على نحو واضح؟!!



دخول انتخابات الكنيست كان أكثر ضررا من المقاطعة، ويكفي أنه جعل فلسطينيي 48 حالة خاصة لا صلة لها بنضال الشارع الفلسطيني إلا من باب التعاطف

هذا عن السؤال المتعلق بزيارة القدس. 
أما الجزء الثاني من كلامه المتعلق بانتخابات الكنيست الصهيوني، فسأله عنه الموقع المغربي قائلا: "أبديتم أنكم شخصيا لا تفضّلون سياسة المقعد الفارغ، وقلتم "يمكن استعمال المشاركة في الانتخابات كورقة للضغط على الاحتلال"، فهل معنى هذا أنك تجيز دخول انتخابات (الكنيست) الصهيوني؟".

جاءت إجابة الشيخ كالتالي: "في موضوع المشاركة من عدمها في الانتخابات الإسرائيلية، ذكرت قاعدتين: 
الأولى أن أهل مكة أدرى بشعابها، والثانية أنني مبدئيا مع الحضور الفاعل والتأثير في مجريات الأحداث، بدل سياسة الانكماش والمقعد الفارغ. 
وكما جاء في الذكر الحكيم: {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. 
وأما تطبيق ذلك والتقدير الظرفي له فمتروك لأهله في الميدان، لا أقول، ولم أقل، فيه شيئا. ومن تزيّد عليَّ فالله حسيبه".

تعليق ضروري هنا، وهو أن النص المنشور في موقعه ليس فيه كلام عن قاعدة "أهل مكة أدرى بشعابها"، مع أنني لست مع هذه القاعدة في زمن (غوغل)، ولأنه لا وجود (غالبا) لمدينة يتفق أهلها على كل شيء، ونعلم أن الحركة الإسلامية عام 48، قد انشقت بسبب هذه القضية. وهو حين ينتصر لرأي فئة، فإنما يتدخل لصالح طرف دون الآخر، وهذا ما ذكرته في مقالي المنشور. 
ودعك بعد ذلك من تجربة طويلة أثبتت أن دخول انتخابات الكنيست كان أكثر ضررا من المقاطعة، ويكفي أنه جعل فلسطينيي 48 حالة خاصة لا صلة لها بنضال الشارع الفلسطيني إلا من باب التعاطف، كحال البعيدين من العرب والمسلمين، باستثناء فئات تتصدرها الحركة الإسلامية الرافضة للمشاركة، بخاصة في سياق الدفاع عن القدس والأقصى، وهي تدفع ويدفع شيخها (رائد صلاح) ثمنا كبيرا بسبب ذلك.


جحافل من المسلمين من تركيا وأندونيسيا وماليزيا قد زاروا بالفعل ويزورون، ولم يوقف ذلك مسيرة الاستهداف للقدس ومقدساتها، بل زادت وتيرتها تباعا


أخيرا، سأل الموقع المغربي الشيخ السؤال التالي، وواضح أن اللقاء تمّ بأسئلة مكتوبة: "ألا ترى أستاذي الكريم أن تصريحكم في ظل حملة تطبيع كبيرة جدا تتزعمها دول كانت في وقت سابق ممانعة للكيان الصهيوني يخدم الطرح الإسرائيلي لا الفلسطيني؟".

أجاب قائلا: "إذا أصبحنا لا نميّز بين التطبيع والمقاومة، وبين من يذهب إلى المسجد الأقصى لعمارته ونصرة أهله، ومن يذهب إلى المحتلين المغتصبين ليأخذ منهم ويأخذوا منه، فعلينا حينئذ أن نسأل عوامَّ المسلمين وعجائزهم، فعندهم الفطرة والبراءة والصدق". ولا ندري بالطبع كيف سيتم التمييز، مع أن ذلك لن يغير في الأمر شيئا، لأن النوايا وحدها لا تكفي لتغيير الواقع، بدليل أن هناك جحافل من المسلمين من تركيا وأندونيسيا وماليزيا قد زاروا بالفعل ويزورون، ولم يوقف ذلك مسيرة الاستهداف للقدس ومقدساتها، بل زادت وتيرتها تباعا.

في ضوء ذلك (وقد نقلنا كامل كلامه بالنص)، هناك ملاحظات ضرورية يجب طرحها هنا، بجانب ما ورد في المقال السابق، والذي لا تكتمل الصورة بشأن طرحنا من دون الاطلاع عليه، لكننا نضيف هنا بعض الأشياء، لا سيما أنه في مقابل كثيرين كتبوا منتصرين للرأي الذي يمثل كل القوى الحيّة في الأمة، وقوى المقاومة منذ احتلال عام 67، هناك قلة ذهبوا مذهب الشيخ (قبله وبعده) ووضعوا مبررات متهافتة لأجل ذلك.

ما ينبغي قوله قبل كل شيء هو أن الشيخ الريسوني بعد أن أصبح رئيسا للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لم يعد يمثل نفسه، بخاصة في القضايا ذات الطابع السياسي، ومن تابع تغطية قناة "العربية" لكلامه، لا بد أنه لاحظ كيف تم التعامل معه بوصفه موقفا للاتحاد (أضيفت قطر بوصفها من يقف وراء الموقف!!)، وليس موقفا شخصيا.

كان حريا به أن يتشاور مع إخوانه العلماء في الأمر، وإذا ما حدث وطرح رأيا جديدة دون تشاور، فالأصل أن يقول إنه رأي شخصي ولا يمثل الاتحاد، وهو لم يفعل.

أما الأسوأ، فهو أن الاتحاد نفسه، وحتى كتابة هذه السطور، لم يُصدر شيئا يرد به على كلام الشيخ، أو يؤكد أن ما ذهب إليه موقف شخصي منه، وهذا لا يليق بحال، لا سيما أنه طرح قضيتين لهما بُعد سياسي، وليستا من الفقه التقليدي.


لو ثبت عمليا أن فوائد الزيارة أكثر من أضرارها، فلن تصرّ عليها قوى المقاومة والقوى الحيّة في الأمة، لا سيما أن المواقف السياسية لا تتوقف عن التغير


وإذا جئنا إلى التوقيت، فستكتمل الكارثة، بخاصة في الجزء المتعلق بزيارة القدس، إذ أنه يتزامن مع موجة تطبيع، بل وتبرير للتطبيع يشنّها إعلام دول تتواطأ مع "صفقة القرن" لتصفية القضية الفلسطينية، ولعمري كيف يستوي أن يتساوق رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين مع حملة من هذا النوع، وإن لم يقصد ذلك بكل تأكيد؟!

ألم يسأل الشيخ نفسه كيف سيتحرّك أبناء الأمة نحو القدس كسيّاح؟! ألا ينطوي كلامه على تبرير لإعادة العلاقات وفتح السفارات التي ستمكّن الناس من الذهاب إليها لأخذ تأشيرة لزيارة المدينة المقدسة؟!! أليس هذا (فتح السفارات أعني) ما يبشّر به أسوأ المنبطحين والمطبّعين في فضائنا العربي؟!!

لافت بالطبع هو رده على سؤالنا حول ما تغير كي يخرج بموقف يخالف موقف الاتحاد، حيث قال: "الذي تغيّر ويجب أن يتغيّر هو طريقة التفكير، يجب أن نحرر أولا عقولنا من العقد ومن التحجر".

لا أدري في واقع الحال ما علاقة العُقد والتحجر بقضية كهذه يدور الجدل حولها منذ عقود، وهي سياسية، ولا مجال للتحجّر فيها. ولو ثبت عمليا أن فوائد الزيارة أكثر من أضرارها، فلن تصرّ عليها قوى المقاومة والقوى الحيّة في الأمة، لا سيما أن المواقف السياسية لا تتوقف عن التغير، بل حتى الانقلاب إلى الضد في بعض الأحيان.

لم يرد الشيخ على أي من القضايا التي طرحناها، وسوانا، وفي مقدمتها، موقف الكيان الصهيوني، ولماذا يشجّع هذه الزيارة إذا كانت لصالح القدس وفلسطين، وهل هو غبي ونحن الأذكياء، وما الذي يمنعه في حال رأى أنها أصبحت ضارة (إذا رأى تقديره الأول خاطئا) من منعها من جديد، أو جعلها انتقائية كما يفعل مع الغربيين الذي يمنع منهم من يراهم مناهضين له؟!!

المقال السابق قال الكثير في السياق، ولا حاجة للإعادة، وما أردناه هو الرد على الشيخ الغاضب علينا بلا مبرر، مع مطالبة الاتحاد بموقف من القضية يتساوق مع موقفه السابق، ويتساوق مع رأي قوى المقاومة، والقوى الحيّة في الأمة، وعدم ترك الأمر دون تعليق، بجانب التفاهم مع الشيخ على ضرورة التشاور مع رموز الاتحاد في القضايا ذات البعد السياسي، كي لا تتكرر المعضلة بين حين وآخر.

ذات صلة 

الريسوني وزيارة القدس.. وإضافة غريبة أخرى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق