ستعود غزلان الفاشر ويماماتها
د. أسامة الأشقر
لا أكاد أصدّق حتى الآن مزاعم سقوط الفاشر حاضرة ولاية شمال دارفور بيد الميليشيات المسلحة التي هاجمتها أكثر من 260 هجوماً خلال عامين من ملاحم الصمود الأسطوري لهذه المدينة التي كانت حاضرة مملكة الفور التي حكمت قروناً عديدة قبل أن يغتال الإنجليز آخر سلاطينها الأقوياء السلطان علي دينار عام 1916م.
زرت هذه المدينة عدة مرات، وكنتُ ضيفاً مع رفاقي في رحلات أرض السُّمُر على ولايتها، وتجوّلنا في قصر السلطان الراحل الكبير، وشهِدنا مجلس قضائه، ودخلنا منزله العامر، ورأينا ما تبقّى من آثاره وأوراقه، واطّلعنا على قصة أوقافه في الحرمين، ولمسنا واحدة من قماش كسوة الكعبة التي كان يرسلها مع المحفل المصري.
وأكلنا من نبق السدرة التي أتى ببذورها من المدينة النبوية، وهي شجرة وارفة عامرة قديمة تخلّت عن أشواكها منذ دهر فصارت الناس تأكل من ثمارها دون أذى.
تجولنا في سوقها العامرة، وأكلنا من مناصيصها، وطفنا بين غزلانها وغرانيقها التاجية، ورأينا يماماتها الماسيّة الكحلاء المنقّطة تنتقر الحبّ من عشبها الأخضر، وشربنا من مائها العذب، ورأينا طِيب أهلها، وحلاوة معشرهم.
هذه السودان جنّة حقيقية رأيناها بأم أعيننا، ولكن الأوغاد الطامعين في خيراتها العجيبة من الذهب الرسوبي والمنجميّ، ومن صمغها العربيّ بهَشابه وطَلْحه الذي لا يوجد له مثال في التداوي الحيويّ، وفي صناعة المشروبات الغازية العالمية، ومن ثروتها الحيوانية الهائلة، ومن معادنها النفيسة التي لم تستثمر إلى الآن، ومن آثارها المخفيّة…
هؤلاء الأوغاد لم يتركوها ولم يتركوا أهلها، وظلّوا يزرعون بينهم الفتنة، حتى تشظّى الأهلون، وافترقت القبائل، ودُقّ بيهم عِطرُ منشم الفاسد.
لا يعلم كثيرون أن هذه الفاشر اليوم كانت أسطورة صمود في عامَي الطوفان الأخيرَين، وظلّت تقاتل تحت الحصار بشرفٍ وعزّة حتى آخر طلقة.
أيها السودانيون!
كما استعدتُم الخرطوم والجزيرة وسنّار من قبل، فلابد أن يعود ملايين النازحين إلى ديارهم، ولابد أن ينتهي هذا الظلام القاسي الطويل، ولابد أن ينكسر هذا العدوان الأثيم، ولابد أن ينتصر الحقّ والأمان، فكونوا على قلب رجل واحد، واستنفِروا غاية النفير، فأنت شعب واحدٌ، ولا تنظروا إلى وجه واشنطن وعملائها، فإنها كانت عدوّاً منذ عقود طويلة، ولم تنفكّ عن إضعافكم وإرهاقكم وتمزيق شعبكم، حتى يرثوا أرضكم ودياركم وأموالكم
وكلنا يعلم أن الله آتى السودانيين صبراً عجيباً وشجاعة فائقة، ولن تستطيع دولة ٌ مارقة أرسلت أوغادها إليكم أن تهدم بنيانكم العزيز، فاستكملوا ما بدأتم به من تطهير أرضكم، ولا تكفّوا عن الصبر والإقدام حتى تبلغوا مرادكم، وتعود أرضكم حرّة طاهرة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق