القرآن والسنة والتراث .. ودعاوى التحديث (3 من 4)
مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي
الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..
بَيْنَ اتجاهين متعاكسين يحَارَ الخلْقُ في قضية التجديد، تلك القضية التي تأرجحت بين أقوام متخشبين ظلوا دهرهم رابضين فوق تلال التراث، بلا محاولة لتنقيحه وتوضيحه، كأنّهم يخشون أن تتخطفهم الطير أو تهوي بهم الريح في مكان سحيق، وبين آخرين يبغونها عوجا ويريدونها هَرَجًا وَمَرَجا؛ ويمارسون تحريف الأحكام وتزييف شرائع الإسلام؛ باسم التجديد، ويمضون في طريقهم هذا غير عابئين ولا مكترثين! إلى هذين الفريقين النَّكِدين أشار الأمير شكيب أرسلان بقوله: "فَقَدْ أَضَاعَ الإسلامَ جامدٌ وجاحدٌ"([1]).
إنّنا لنعلم علم اليقين أنّ تراثنا من الفقه والتفسير وعلوم الدين يُعَدُّ - بين موروثات الأمم - "شَامَة"؛ وإنّه لمن الشرف أنّ ننتمي إليه ونحافظ عليه، ولكن من الذي قال إنّ الانتماء إليه يعني الجمود فوق تلاله؟! وإنّ المحافظة عليه تكون بإبقائه على حاله والنسج على منواله؟! ولو أنّ قائلا قال: إنّ هذا الجمود إهمال وتضييع، وتفريط في الأمانة التي تحملها العلماء؛ إذْ إنّ الحفاظ على القديم لا يتمُّ إلى بتعهده وفعل كل ما يلزم لصيانته وإطالة أمد بقائه؛ ألا يكون لقوله وجاهة ولحجته سلطان؟
لقد أرسل الله تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم للناس كافّة، وجعل رسالته خاتم الرسالات، فلا رسول ولا نبيّ بعده، ولا طريق لأحد من خلق الله إلى الله إلا من خلال ما جاء به، فإذا كان الأمر كذلك والناس يختلفون من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان، وتختلف باختلافهم الحاجات والعادات، أفلا يكون من الواجب على العلماء أن يقوموا على تجديد الخطاب الديني بما يلبي الحاجات ويواكب المستجدات؟! ألم يقم بهذا الواجب على مدى التاريخ الإسلاميّ رجال أفذاذ صدقوا ما نبأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»([2]) ؟! ألم تكن رواية الحديث مرسلة فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم؛ فَسَعِدَت الأمّة قبل انصرام الجيل الأول بميلاد الإسناد، الذي لولاه لقال من شاء ما شاء؟ ثم لما طال السند واحتاج إلى تمحيص وتنقيح: ألم ينهضوا بعلم الرجال والجرح والتعديل؟ وبعد أن طال الزمان وخُشي من طول السند أن يصيبه الوهن وظهرت الحاجة إلى التدوين المنظم ألم يقوموا به خير قيام؟ أليس هذا المسار كله عملية تجديد مستمرة؟
وفي الفقه كانت المسائل الفقهية روايات وفتاوى تُنقل عن الصحابة والتابعين، فلما توسعت الدولة على أثر الفتوح وظهرت أمور جديدة استدعت اجتهاداً جديداً قامت المدارس الفقهية، التي بدأت بمدرسة السنة بالحجاز ومدرسة الرأي بالعراق، ثم تطورت إلى المذاهب الأربعة الكبرى، ووضع علم أصول الفقه لينظم الاجتهاد على قواعد راسخة راسية، ثم بعد ازدهار الفروع وتشعبها وضعوا القواعد الفقهية الناظمة لهذه الفروع، وكذلك النظم والنظريات الجامعة لها والمنظمة لعملها، أليست هذه مسيرة تجديد تتابعت مراحلها وتواصلت حلقاتها؟ فما بالنا نحن نحجم عمّا أقدموا عليه وندبر عما أقبلوا إليه؟!
لكن ماذا يعني تجديد الدين؟ أهو - كما يراه الطرح الاستشراقيّ والعلمانيّ والحداثي - التدخل بالتغيير في الأحكام لتوافق الزمان وتتآلف مع تطور العمران؟ أهو تجديدٌ لمضامين الدين نفسه بزعم أنها لم تعد ملائمة لتطور البشرية؟ أهو عملية تطوير للدين ومعطياته نتجاوز بها التراث ونتخطى بها الشريعة والأحكام؟ إن كان المقصود بالتجديد شيء من هذه المعاني فهو مرفوض قطعاً ومنبوذ قولا واحداً؛ لأنّه في حقيقته تبديل للتنزيل وتحريف لخطاب الله تعالى الذي تَعَبَّدَنا بالتسليم لحقائقه والانقياد لأحكامه.
إنّ وظيفة العباد تجاه ما جاءهم من الوحي والرسالة هي التلقي والتنفيذ، وليس المناقشة والتفنيد، وإنّ التجديد بالمفهوم ذاك تشريع، والتشريع لا يكون إلا لله وحده: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (الشورى 10) (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الشورى 21) (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف 40) (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) (النساء 105)، وإنّ أخطر ما يوقع الخلق في الضياع والبوار هو قيامهم بالرد لحكم الله تعالي، ذلك السلوك الأسوأ الذي تسبب في طرد إبليس من رحمة الله، عندما اعترض على حكم الله قائلا: "خلقتني من نار وخلقته من طين".
ولو كان حكم الله تعالى يقبل التعديل أو الردّ لكان أولى أحكامه بهذا أَمْرُه لإبراهيم عليه السلام أن يذبح ولده إسماعيل؛ إذ لا مصلحة فيه في ظاهر العقل وبادي الرأي، لكنّ الذي جرى واستحق به إبراهيم وولده التكريم كان هو الانقياد والتسليم: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (الصافات 102) (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) (الصافات 103) ولولا أنّ الله تعالى تولى من جهته نسخ الحكم لما كان للعرب العدنانية بما فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجود في هذه الحياة: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) (الصافات 107) وقد وقعت هذه الحادثة لتكون مثلا حيًّا نابضًا يجسد حقيقة الاسلام، وهي أنه الاستسلام والانقياد لحكم الله تعالى، مهما بدا لظاهر العقل أنّه ينافي الحكمة والمصلحة.
لذلك يجب أن نجزم بأنّ التجديد إذا قصد به تغيير الأحكام الثابتة فإنّه يكون خروجاً على حكم الله تعالى ومروقاً وفسوقاً لا يصح إقراره ولا السكوت عنه، حتى ولو كان العوض عن تغيير الأحكام إبقاء المقاصد التي أثمرتها الأحكام، فإنّ البعض يدعو إلى تجاوز الالتزام بالأحكام إلى مراعاة المقاصد، بزعم أنّها الأهم والأجدى، وهي دعوى باطلة؛ لإنّ المقاصد لا يمكن تحقيقها إلا بالأحكام، ثم إنّنا متعبدون بالأحكام لا بالمقاصد، وهذا مما لا ينازع فيه عاقل فضلا عن عالم.
وما يدَّعونه من نسبية الحقيقة لا حقيقة له؛ لأنّ الاستقراء يثبت أنّ في الكون والحياة حقائق ثابتة لا تقبل الجدل، فما الذي يمنع أن يكون في الدين المنزل من عند الله تعالى خالق الكون والحياة حقائق ثابتة؟! إنّ الله تعالى قد أعلن في كتابه عن هذه المسَلَّمة القاطعة الساطعة: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (آل عمران 7) ولعل الإمام الطبري رحمه الله قد مال إلى تفسير "أم الكتاب" بأنه معظم الكتاب([3])، وهو ما رجحه الشاطبي رحمه الله في الاعتصام([4]) والموافقات([5]) حيث أثبت أن المحكمات معظم الدين وليس العكس، حتى المتشابهات لا تقبل التغيير الذي يأتي على وجه التبديل لأحكام الله، وإنما تقبل التغيير الذي يأتي عن طريق إعادة الالتماس للحكم الشرعيّ من مصادر الشرع على وجه يظهر رجحانه.
وإذا كانت الدعوة إلى تبديل أحكام الشريعة خطر على دين الله فإنّ الخطر الأكبر يتمثل في قعود العلماء في عصرنا عن تجديد الخطاب الشرعيّ بما يحقق صلاحية الدين الإسلاميّ لكل زمان ومكان، وبما يمهد للبعث الحضاريّ المنتظر لهذه الأمة، وبما ينفي عن دين الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وهذا هو واجب العلماء الراسخين في العلم من خلال الاجتهاد الجماعيّ المؤطر بالشورى.
إنّ تراثنا في الفقه والتفسير والتاريخ وما يسمى بعلم الكلام - ذلك التراث العظيم - مُثْقَل بكثير مما يحتاج إلى إعادة النظر، ولا يشعر بهذا إلا من يعاني البحث فيها والاطلاع عليها، هذا بالرغم من أنّه بالنسبة إلى غيره من موروثات الأمم يُعَدُّ مفخرة للمسلمين لا عورة يزففون عليها ويستحيون من إبدائها، ومن كان في ريب من هذا فليطالع ما خلفه أهل الكتاب - وهم أرشد من غيرهم بمراحل - مما سطروه - ليس في تفاسيرهم وشروحهم ومروياتهم وحسب - بل في أناجيلهم ذاتها.
فالدعوة إلى التجديد ليست دعوة إلى نبذ التراث، ولا إلى تخطيه وتجاوزه جملة، وإنّما هي دعوة إلى نفض ما علق به مما لم يعد ممناسبا لزماننا؛ لكونه لم يكن من الأصل متسقًا مع قواعد الشريعة، والتجديد عمل فقهي اجتهادي شرعيّ يتخذ من صريح الكتاب وصحيح السنة معيارا وميزانا، ويستأنس بما تقرر من مقاصد الشرع الكلية العامّة، وينتهج الطريقة السالمة من الزيغ؛ برد المتشابه إلى المحكم، ويستنير باجتهادات السلف ومن سار على نهجهم، ولا يخرج عن التراكمية العلمية المتواترة في الأمة جيلًا عن جيل.
فإذا نظرنا إلى الجانب الآخر - جانب الحداثيين ودعواتهم للتجديد - وجدنا محمد عابد الجابري يعرض مقترحه كالآتي: ثلاث خطوات للتعامل مع النص: الأولى: المعالجة البنيوية، ويجب التحرر من الفهم الذي تؤسسه المسبقات التراثية أو الرغبات الحاضرة، واستخلاص معنى النّص من النص ذاته من خلال العلاقات القائمة بين أجزائه، الثانية: التحليل التاريخي وذلك بربط النص بمجاله التاريخي بكل أبعاده الثقافية والاجتماعية والسياسية، الثالثة: الكشف عن المضمون الأيديولوجي للنص([6]).
ويهدف الجابري من وراء كل هذه الخطوات إلى إزالة كل ما جاء عن العلماء السابقين من طريق الباحث، فهو يعتبر أنّ أول وأهم خطوة منهجية يجب القيام بها تكمن في إحداث قطيعة مع الفهم التراثي للتراث (القطيعة الأبستمولوجية) حسب "باشلار"([7])، وقد سبقه - وبصورة أوقح - محمد أركون، فإنّ ركيزة المشروع الأركوني تكمن في القراءة التاريخية للتراث، أو في تطبيق المنهج التاريخي ذي الأبعاد المتعددة على الفكر العربي الإسلاميّ ... هذا هو جوهر المشروع النقديّ الذي انخرط فيه([8])، ويلاحظ عندهم جميعًا التركيز الشديد على القراءة التاريخية (التورخة)، وقد صرح أحدهم "هشام جعيط" في كتابه "تاريخية الدعوة المحمدية في مكة" بقوله: "إنّ أهم شيء أتى به العلم الحديث بخصوص القرآن هو تورخته؛ إنّ هذه التورخة تعين كثيرا على فهم تطور المعاني التي أتَتْ بها الدعوة المحمدية"([9]).
أمّا حسن حنفي فقد اقترحَ ثلاث خطوات لتحقيق هدف وضع العصر الحاضر في بؤرة اهتمام ودلالة النصّ بدلا من العصر القديم، الأول: إعادة بناء الفكرة القديمة في الشعور بعد إطلاق معناها إلى أقصى حد، الثاني: إدراك روح العصر من الأمثال الشعبية والنكات العامة وأشعار وآداب الشباب وملاحظة سلوك الجماهير وهمومهم ومعاناتهم، الثالث: إيقاف الفكرة الأولى على أحد أوجهها المحتملة بما يتم تركيب الفكرة الثانية المعاصرة عليها([10])؛ فالغرض هو حمل النص على أيّ وجه يحتمله بحيث يوافق روح العصر التي سيسهل معرفتها من الأمثال والنكات الشعبية وغير ذلك مما يسري في حياة الشباب!
وبعد أن أطال عبر صفحات حول فكرة توحيد العلوم الإسلامية قال حسن حنفي: "... فكل ما يتفق مع الصالح العام في التراث القديم يبقى ويثبت، وكل ما يخالف الصالح العام يرفض وينقد؛ فالصالح العام هو الأصل وأحد مصادر الشرع، بل إنّ الشرع ذاته قائم على أساس المحافظة على المصلحة التي سماها الأصوليون الضرورات الخمس ..."([11])، فالتجديد قائم هنا على أساس الإبقاء على ما يراه العقل مصلحة، وما لا يراه العقل مصلحة فلا بقاء له مهما كانت أدلة ثبوته في الشرع، وهذه صورة من صور التورخة، إن لم تكن هي حقيقة التاريخانية؛ لأنّها تقوم على أساس أنّ قديم الأحكام مرتبط بتاريخه فقط.
ولا يقف نصر حامد أبو زيد عند حدّ تاريخية الأحكام، بل يجاوزه إلى تاريخية الدلالات بتاريخية المفاهيم الاجتماعية التي كانت مناسبة للواقع القديم ولم تعد من الواقع الجديد في شيء، فيقول: "إنّ التمسك بالدلالات الحرفية لمفاهيم اجتماعية تاريخية في لغة النصوص يؤدي لا إلى إهدار الواقع والنص فقط إنّما يؤدي إلى تزييف مقاصد الوحي الكلية، تناقضًا مع ظاهر ما يعلنه الخطاب الدينيّ، وربما مع ما يقصده كذلك" ويحاول أن يجد لذلك مثالا من إشكالية افتعلها افتعالا، حيث اتخذ من استعمال الفقهاء للفظ الحرية في أبواب الرق ذريعة للادعاء بأنّ المفاهيم القديمة تختلف عن الجديدة اختلافا يستدعي اختلاف الأحكام، فيقول: "ويتم هذا التزييف على خطوتين، أولاهما: الزعم أنّ الإسلام جاء ليحرر البشر من العبودية (بالمعنى القديم) لبعضهم البعض، ويردهم جميعا إلى العبودية لله وحده، وهذا هو المعنى الذي أدركه العرب الذين خاطبهم الوحي، الخطوة الثانية: أنّ العبودية الحقة معناها - كما فهم العرب أيضا - رفض حاكمية البشر والاحتكام إلى الله وحده بالاحتكام إلى النصوص ... وتستقيم الخطوة الأولى مع الثانية لو أنّ الإسلام كان مجرد حركة تحريرية لإلغاء الرق والعبودية وتحرير العبيد"([12]).
وإذا تتبعنا أقوال الحداثيين العرب من أمثال: محمد عابد الجابري وأحمد أمين وحسن حنفي ونصر حامد أبو زيد ورضوان السيد وغيرهم، فلن نجد اختلافا يذكر بينها وبين أقوال رموز الاستشراق من أمثال: جولدتسيهر ونيللينو وشاخت وبروكلمان ومرجليوث وفان إس وكريمر وغيرهم، ولم يختلف الفريقان إلا في بعض الأدوات والتقنيات التي استحدث الكثير منها على يد المدرسة البنيوية المعاصرة، مثل الفيلولوجيا، وهي البحث في النصوص عبر وضعها في سياقها التاريخيّ مع مقارنتها بما سبقها من نصوص، والهرمنيوطيقا وهي التأويل للنصوص تأويلا ينحى بها منحى لاهوتي، والفينومينولوجيا وهي الظاهراتية، وأهم وأخطر هذه الأدوات تقنيات التحليل الفيلولوجي للنصوص والتراث، ولاسيما التوفيد الفيلولوجي للأصول، والتسييس الفيلولوجي، هذه الأدوات التي إن صلحت لدراسة نصوص كنصوصهم التاريخية لا تصلح لدراسة النصوص الإسلامية؛ لأسباب عادلة وواقعية.
والحقيقة أنّ أزمة الحداثيين العرب أنّهم نَقَلَةٌ مقلِّدون، تدفعهم عَجَلَةٌ ليست بريئة باتجاه التعميم الذي لا يفرق بين التراث الغربي وما يلزم لنقده من آليات، وبين التراث الإسلاميّ وما يلزم لتجديده من آليات مختلفة، فالتراث الإسلاميّ مدعوم بالأسانيد محفوف بموانع التحريف، أمّا التراث الغربيّ فَلِكَثرة ما تعرض له من انكسارات حادّة مع كونه عاريًا عن الأسانيد؛ يحتاج إلى نقد فيلولوجيّ وتفكيك بنْيَوِيّ عوضًا عن النقص في مستوى الأمان النقليّ عبر التاريخ، فإذا كان لهذه الآليات وجاهة وصلاحية فإنّ ميدان عملها هو النصوص الدينية التي لا يعرف لها سند، ومرّت عبر الزمن البعيد من ثقوب معتمة.
إنّ الدعوات المحمومة لتطبيق نظريات الهرمنيوطيقيا والنقد الأدبي الغربي ونحوها في تفسير الشريعة الإسلامية دعوات فيها سذاجة دعائية مفلطحة؛ فهذه النظريات الهرمنيوطيقية والنقدية والمابعد حداثية لم يطبقها الغربيون أنفسهم في تفسير تشريعاتهم؛ فكيف نطبقها نحن في تفسير شريعة الله؟! بل لم تطبقها عامة الكنائس الغربية في تفسير كتابها المحرف؛ فكيف يراد منا نحن تطبيقها في تفسير كتاب الله المحفوظ؟! بل إنّ عامّة الباحثين الغربيين أنفسهم الذين يدرسون التراث الإسلاميّ يرون هذه النظريات التأويلية الغربية "زيًّا أو موضة عابرة" فكيف يوجد فينا من يستبدل علميّ الدلالة (أصول الفقه والبلاغة) وما فيهما من الانتاج الجاد المتبحر والاختبار الزمني الطويل بهذه الموضات التأويلية غير المبرهنة؟([13]).
([1]) لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ - الأمير شكيب أرسلان - دار مكتبة الحياة – بيروت – لبنان - بدون تاريخ - صــــ88
([2]) سنن أبي داود برقم (4291)
([3]) جامع البيان في تأويل القرآن - أبو جعفر محمد بن جرير الطبري - مؤسسة الرسالة - ط: الأولى، 1420 هـ - 2000 م 6/ 170
([4]) الاعتصام - إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي الشاطبي - دار ابن عفان، السعودية - ط: الأولى، 1412هـ - 1992م - 1/ 71
([5]) راجع: الموافقات - إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي الشاطبي - دار ابن عفان - الطبعة: الطبعة الأولى 1417هـ/ 1997م 3/ 307-308
([6]) ر: التراث والحداثة دراسات ومناقشات - د. محمد عابد الجابري - مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت - لبنان - ط أولى 1991م صـــ 32
([7]) التراث والمنهج بين أركون والجابري - د. نائلة جابر - الشبكة العربية للأبحاث والنشر - بيروت - ط أولى 2008م صــــــ243
([8]) التراث والمنهج بين أركون والجابري - د. نائلة جابر - الشبكة العربية للأبحاث والنشر - بيروت - ط أولى 2008م صــــــ81
([9]) نقلا عن: موقف الفكر الحداثي العربي من أصول الاستدلال في الإسلام - د. محمد بن حجر القرني مرجع سابق صــــ140
([10]) التراث والتجديد "موقفنا من التراث القديم" - حسن حنفي - المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر - القاهرة ط الرابعة 1992م صـــ145
([11]) التراث والتجديد "موقفنا من التراث القديم" - حسن حنفي - المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر - القاهرة ط الرابعة 1992م صـــ173
([12]) نقد الخطاب الديني - د. نصر حامد أبوزيد - سيناء للنشر - القاهرة - ط ثانية 1994م صـــــ133
([13]) التأويل الحداثي للتراث (التقنيات والاستمدادات) - إبراهيم السكران - دار الحضارة - الرياض - ط أولى 2014م صـــــ38


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق