بين كتمان الإيمان والجهر بالدعوة
وقفةٌ مع موقف مؤمن آل فرعون
كاتب وداعية إسلامي متخصص في التاريخ والفكر الإسلامي
بعد أن حكى الله تعالى عن موسى عليه السلام أنه ما زاد -في دفع شر فرعون الذي عزم على قتله- على الاستعاذة بالله، أبان الله تعالى أنّه قيّض له رجلاً من آل فرعون يدافع عنه لتسكين الفتنة وإزالة الشر، فكان أن وصف الله تعالى بقوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨].
هذه الآية تبين أن رجلاً مؤمناً من آل فرعون وقع الحق في قلبه، ولكنه كتم إيمانه، انتدب نفسه ليدافع عن موسى وعمله، على دفع القوم عنه، وسلك في خطابه لفرعون وملئه مسالك شتى، وتدسس إلى قلوبهم بالنصيحة، وأثار حساسيتها بالتخويف والإقناع، وجال هذا الرجل جولة ضخمة مع المتآمرين من فرعون وملئه، واستخدم منطق الفطرة والعقل والحكمة في حذر ومهارة وقوة كذلك (سيد قطب، 2003، 5/3079).
ونلاحظ أن الله تعالى وصف هذا الرجل بأمرين رئيسيين قبل الشروع بسرد ما قاله لقومه، وهما أنه رجلٌ (مؤمن)، وأنه (يكتم إيمانه)، ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: ٢٨].
أ- ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: أخبر القرآن عن مؤمن آل فرعون بأنه ﴿رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، والوصف بالرجولة هنا وصف تكريم وتشريف، ويراد بالرجولة المعنى المادي والمعنى النفسي.
المعنى المادي: وهو كونه رجلاً فهو رجل ذكر ليقابل الوصف المقابل في الجنس الآخر، يقال: هذا رجل ذكر، وهذه امرأة أنثى.
والمعنى النفسي: هو كونه يقف مواقف الرجال، القائمة على قوة الإرادة والعزيمة والهمة والجرأة والشجاعة والإقدام، فهذه المعاني تحتاج إلى رجولة، ولا يقدر عليها كل الذكور، إنما يقدر عليها الرجال من الذكور، وكل رجل ذكر، لكنه ليس كل ذكر رجلاً، فهناك ذكور لا يعرفون معاني الرجولة، ولا يقفون مواقف الرجال.
– إنه ﴿رَجُلٌ مُؤْمِنٌ﴾: والتنوين هنا مقصود، إنه تنوين للتكريم، كما أنه تنوين للإبهام، وهذا الإبهام دعوة لنا كي لا نحاول تجديد وتعيين اسمه، وتحديد اسمه لا يقدم فائدة جديدة، ولا يضرّ الجهل به، ووصفه القرآن بأنه: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: وهذا تحديد قرآني لنسبه، وهو رد على من يزعم أنه “إسرائيلي”، وكونه من آل فرعون يعني أنه كان من قادة النظام الفرعوني، ومن المقرّبين عند فرعون، والمتنفذين في قومه (سيد قطب، 2003، 5/3079).
ب- ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾: وإيمان هذا القائد بموسى عليه السلام شهادة لموسى في نجاحه الدعوي، حيث تمكن من إيصال الدعوة إلى هذا الزعيم الفرعوني، وإقناعه بالدخول في دين الله، كما أن إيمانه شهادة له، فرغم أنه مقرّب عند فرعون إلا أنه فتح قلبه للإيمان وأنواره، فاختار ما عند الله، إن البيئة الفرعونية الكافرة لم تفسده، ولم تطمس على فطرته، إنه آمن بالله، وكفر بفرعون، وهذا دليل على جرأته وشجاعته، فهو يعلم من هو فرعون، وما هو بطشه وطغيانه، ومع ذلك آمن بالله، واستعد لدفع ثمن هذا الموقف.
وقد أخبر القرآن أن هذا الرجل كان: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾، ويشير إلى هذا أن دعوة موسى في بعض مراحلها كانت سرية، وأن بعض المؤمنين به كانوا “سريّين”، يكتمون إيمانهم.
لقد كانت دعوة موسى عليه السلام تأخذ جانبين:
الأول: الجانب العلني: وهو المتمثل في إمام الدعوة موسى عليه السلام، حيث كان يتحرك تحركاً علنياً ويدعو ويحاور ويناقش فقد قابل فرعون، وكانت المباراة في يوم الزينة بينه وبين السحرة، وتحدّث مع الملأ من قوم فرعون.
الثاني: الجانب السري: حيث كان بعضهم يؤمنون به، ويكتمون إيمانهم، وقد عرفنا ثلاثة من هؤلاء كانوا مقربين من عند فرعون:
– امرأة فرعون.
– والذي أخبر موسى عن ائتمار الملأ به لقتله، وهناك من العلماء من يقول إنه مؤمن آل فرعون.
– ومؤمن آل فرعون.
إن كتم هؤلاء وغيرهم إيمانهم دليل على جواز كتمان إيمان بعض المؤمنين في بعض الحالات الخاصة، وعلى جواز سرية الدعوة في بعض الظروف والأجواء، فإذا ما أسرّ بعض الدعاة دعوتهم؛ وإذا ما كتم يعضهم انتماءهم؛ فلا بد أن يعلن آخرون إيمانهم، وأن يظهروا دعوتهم ليعرف الناس الدعوة من خلال بعض “رموزها” وقادتها، فيقتدوا بهم، ويستعد هؤلاء المجاهدون لدفع الثمن الباهظ المترتب على ذلك، ففي قصة مؤمن آل فرعون كان موسى عليه السلام يجهر بإعلان دعوته، وإظهار إيمانه، بينما كان مؤمن آل فرعون يكتم إيمانه (الخالدي، 2016، 2/491).
ومع أن هذا الرجل المؤمن كان يكتم إيمانه إلا أنه اضطر الآن إلى إظهار إيمانه، إن حياة موسى عليه السلام في خطر، وإن فرعون يريد أن يقتله، ولا يمكن لهذا القائد الفرعوني أن يحول دون ذلك إلا بإظهار إيمانه، وإذا أظهر إيمانه سيكشف أوراقه أمام فرعون، فماذا يفعل؟ هل يبقى كاتماً إيمانه حريصاً على مركزه ومنصبه؛ ولو قتل موسى فعليه رحمة الله؟ أم يقوم بواجبه وينتصر لموسى عليه السلام، ويدافع عنه، ويظهر إيمانه، وليكن بعد ذلك ما يكون؟
أخذ بالخيار الثاني المتفق مع إيمانه ورجولته وشجاعته، وقدّم مصلحة الدعوة على مصلحته هو، بل إن مصلحته هو لا تكون إلا مع مصلحة الدعوة، وهذا درس بليغ للدعاة في وجوب تقديم مصلحة الدعوة على مصالحهم الشخصية المادية، وفي وجوب التضحية بالمنافع الشخصية من أجل دعوتهم ودينهم، وعندما اضطر مؤمن آل فرعون للدفاع عن موسى عليه السلام والوقوف أمام فرعون، خطا خطوات منهجية في غاية الحكمة والترتيب والتخطيط، وقدّم “بياناً” دعوياً حكيماً، وتمكن من إحراج فرعون وهزيمته، وأقام الحجة عليه وعلى قومه، وكان في ذلك كله ناجحاً نجاحاً كبيراً، فقد أنكر الرجل على قومه القتل، وبيّن أنه لا ذنب على موسى إلا إيمانه بالله، وهذا ليس ذنباً (الكردي، 2010، ص 217).
المصادر والمراجع:
(1) سيد قطب، (2003)، في ظلال القرآن، القاهرة، دار الشروق، ط32، 1423ه – 2003م.
(3) الخالدي، عبد الفتاح، (2016)، القصص القرآني.. عرض وقائع وتحليل أحداث، دمشق، دار القلم، ط4، 2016م.
(4) الكردي، زينب بنت عبد اللطيف، (2010)، بلاغة الاحتجاج العقلي في القرآن الكريم، تحقيق: محمد بن علي الصامل، السعودية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1431ه – 2010م، ص٢١٧.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق