زملاء نتنياهو في مجلس السلام
بعد طول تمنع واستعلاء، وبعد هرولةٍ مبكّرة من حكام عرب للانضمام، تنازل مجرم الحرب بنيامين نتنياهو وتواضع أخيراً، وتفضَّل بالتوقيع رسميّاً على عضويته فيما يسمى "مجلس السلام" الذي سوف يحكم غزّة، ويتصرّف فيها تصرّف المالك الحصري، برئاسة شريكه وداعمه وراعيه في حرب الإبادة، دونالد ترامب.
اختار نتنياهو البيت الأبيض، لكي يعلن منه الموافقة الرسمية على دخول المجلس، شريكاً استراتيجيّاً للرئيس الأميركي في إدارة غزة وعموم منطقة الشرق الأوسط، وطرفاً رئيساً في قرارات ضرب إيران، والتفاوض معها، والتحايل عليها بعروض سلام تخفي في طياتها نيات العدوان والتدمير.
والحال كذلك صار بنيامين نتنياهو زميلاً لمجموعة من حكام الدول العربية والإسلامية في حكم غزّة، التي دمر كل شبر فيها وأحرق الأخضر واليابس، ولا يزال، وقتل أكثر من 72 ألف شهيد، ولم يترك مبنىً قائماً في القطاع إلا قصفه، ولم يترك خيمة لضحايا عدوانه إلا وأغار عليها، الأمر الذي رشّحه للقب "مجرم حرب" على مجمل أعماله الإرهابية، بحكم صادر من المحكمة الجنائية الدولية التي أصدرت في 20 نوفمبر/ تشرين ثاني 2024 مذكرات اعتقال بحق كل من بنيامين نتنياهو، ويوآف غالانت وزير دفاع الكيان الصهيوني السابق. بحسب القرار، وجدت المحكمة أسبابا معقولة للاعتقاد بأن كلاً منهما يتحمل المسؤولية الجنائية عن الجرائم التالية، باعتبارهما مشاركين في ارتكاب الأفعال بالاشتراك مع آخرين: جريمة الحرب المتمثلة في التجويع من أساليب الحرب؛ والجرائم ضد الإنسانية المتمثلة في القتل والاضطهاد وغيرهما من الأعمال اللاإنسانية.
ووجدت أيضاً أسبابا معقولة للاعتقاد بأن نتنياهو وغالانت يتحملان المسؤولية الجنائية باعتبارهما مسؤولين مدنيين عن جريمة الحرب المتمثلة في توجيه هجوم متعمد ضد السكان المدنيين.
بمقتضى هذا القرار، كان من المفترض أن يبقى مجرم الحرب الصهيوني منبوذاً ممنوعاً من الذهاب إلى أي مكان في العالم يحترم قرارات المحكمة الجنائية الدولية، والأهم أن يكون تصنيفه رسميّاً مجرم حرب مانعاً أية حكومة من التعاون معه سياسيّاً واقتصاديّاً وتجاريّاً، وهو الموقف القانوني والأخلاقي المحترم الذي كان من المفترض أن تكون الدول العربية والإسلامية أجدر باتخاذه.
الآن، وبقرار ترامب الذي هو أمضى وأقدس عند جل الحكومات العربية من قرارات الهيئات الأممية صار بنيامين نتنياهو زميًلاً وشريكاً لحكام من هذه الدول في حكم غزّة، في أوقات فراغه من ارتكاب مزيد من جرائم القتل الجماعي والاغتيال الفردي، على نحو متواصلٍ لا يقطعه شيء، بما في ذلك اجتماعات ما يسمى "مجلس السلام" نفسه، إذ ليس ثمّة ما يمنع من خروج نتنياهو دقائق معدودة من الاجتماعات، يعطي فيها إشارة الهجوم على مدينةٍ عربيةٍ بالطائرات المقاتلة والمسيّرة، أو يصدّق على عملية اغتيال قيادي مقاوم داخل غزّة نفسها، ثم يعود مبتسماً لاستئناف الاجتماع.
من المقرّر أن دونالد ترامب سوف يدعو مجلس السلام للاجتماع الموسع الأول في غضون أيام أو أسابيع، بعد استكمال تشكيله، قد يكون الاجتماع في غزّة نفسها، أو يستضيفه الكيان الصهيوني على أرض فلسطين المحتلة، أو قد يقترح ترامب أن يكون في عاصمة عربية لدولة من المشاركين في المجلس، أو قد يتمنّى أحدهم على الرئيس أن يمنحه شرف استضافة اجتماع المجلس على أرضه، وأيًا ما يكون المكان فأن نتنياهو، مجرم الحرب، سوف يلتقي زملاءه بالمجلس من حكّام عرب ومسلمين، في اجتماعات تنعقد على مائدة مصنوعة من عظام 72 ألف شهيد، وأمام أنظار أكثر من مليون إنسان فلسطيني يتكدسون في خيم مهترئة، ينهشها البرد ولا يدفئها سوى انبعاثات القنابل الحرارية التي قد يلقي نتنياهو بعضها على رؤوسهم في الوقت المستقطع للاستراحة من جلسات "مجلس السلام"، قبل أن يعود ليتابع مداولات الزملاء حول القضية المحورية في فلسفة مجلس ترامب ويمينه الصهيوني: نزع السلاح وإنهاء زمن المقاومة وقتل أي مشروع قد يسبّب إزعاجاً للاحتلال الإسرائيلي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق