الجمعة، 13 فبراير 2026

ما لم يظهر في وثائق إبستين

 ما لم يظهر في وثائق إبستين

يوسف الدموكي
صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة

3 ملايين صفحة ما زال الخلق يقرؤونها منذ 10 أيام، كانت توجههم الأوراق إلى حيث شاءت، وتصدمهم كيفما شاءت، لا أحد قرأ شيئًا يريد أن يقرأه فعلًا، من أفرج عنها أو القائم بأمره هو من قرر ماذا على الجميع أن يقرأ، عن كسوة الكعبة التي على الأرض، أم الوايت صوص الذي فوق اللحم البشري، أم الدبلوماسية التي تغزلت إليه بأختها، أم ما هو أكثر بكثير. على كل حال، لن يستطيع إنسانٌ قراءة كل هذه الأوراق ولا البحث المنهجي فيها بما يكشف له حقائق واضحة، لأن الحقائق قد لا تكون ببساطة في ما أفرج عنه، بغرض الإغراق -في رأيي-، أو تكون فيها من حيث لا يصل الناس إليه، أو لا تكون قابلة للظهور أبدًا. فهل كنتم ترجون أن يفرج عن آلاف الوثائق؟ هاكم هي بين أيديكم بالملايين، ثم اليوم تريدون "متعة" إضافية؟ سنزيل العلامات السوداء من بعض النصوص، لنمنحكم شيئًا "تصعيديًّا" تتفاوضون عليه.

ذلك السيناريو، من نظير المؤامرة، يملك حصة في التحليلات فعلًا، وله زاوية معتبرة في المنطق، وإذا جمعنا الأحداث بالترتيب، وفلسفة الإدارة الأميركية مع رصيدها "الأخلاقي"، يمكننا تخيل كم هو قريب هذا السيناريو إلى الحقيقة أكثر من غيره، حيث لا مانع لدى النخبة بأن يضحَّى بالرجل ذي الجلباب الأبيض الذي يطهو لإبستين في بيته، ولا بعض الساسة الذين دعتهم نزواتهم لأبشع القذارات والقاذورات، ولا بعض الأكاديميين المثيرين للشفقة والقرف بشهواتهم المعقدة، كل ذلك إلهاء مناسب للغوغائيين الذين يريدون أن يغوصوا في ذلك الوحل من باب الفضول لسنتين قادمتين، لكن أحدًا لن يسأل عن شيء معين في الوثائق نبرزه إليه، ببساطة لأنه لا أحد يعرف ما يراد إخفاؤه في الوثائق فعلًا.

والتكلفة الآنية؟ بعض الخجل للطبقة السياسية والنخب المتورطة؟ بعض التضحية بآخرين؟ بعض الضجيج الذي سيصدره من يعتقدون أنهم كانوا كبش الفداء؟ 

لا بأس، فإبستين نفسه لم يعد موجودًا -بغض النظر عن فرضية أنه ما زال على قيد الحياة أصلًا-، ولن يتمكن أحد من الوصول في عهد الإدارة الأميركية الحالية إلى ما يدينها ويهدد بقاءها، وقد تجذرت في كثير من المفاصل، وأنهكت المؤسسات بتوغل موحش، والشارع نفسه لا يعول عليه كثيرًا حتى اللحظة، حيث لا مانع من استبدال هؤلاء "المهووسين جنسيًّا" في الدورة القادمة، في أفضل الأحوال، أما بقاؤهم فهو جزء من وجه أميركا الذي لا مانع من بقائه، ليس لأنه إن طلع العيب من أهل ميبقاش عيب، ولكن لأن ذلك "التوحش" جزء من القناع الذي يفضله مجانين السلطة أحيانًا، من قبيل منطق "أنا بعمل وبعمل وهعمل.."، فما يعيبني لو صح هذا كله؟

لن يستطيع إنسانٌ قراءة كل هذه الأوراق ولا البحث المنهجي فيها بما يكشف له حقائق واضحة، لأن الحقائق قد لا تكون ببساطة في ما أفرج عنه، بغرض الإغراق

والحقيقة الجلية هنا أن وثائق إبستين ليست إثباتًا صادمًا بعكس الخيالات التي كانت مرسومة، وإنما هي توكيد لها لا أكثر، مع أمثلة مقتضبة، لأن الذين بقروا بطون الحوامل في العراق وأفغانستان وغزة، والذين تقربوا بأشلاء الأطفال شلوًا شلوًا وطفلًا طفلًا، والذين اغتصبوا الذكران في سديه تيمان وغوانتانامو وأبو غريب، والذين استحلّوا نفط العراق وليبيا وفنزويلا وفيتنام، لم يكن ينقصهم أن يغتصبوا الفتيات القاصرات، أو أن يقوموا بطقوس يتقربون خلالها بأفعال لا ترد على عقل أو دين أو جنون أو انعدام دين وفطرة، لأن ما لم يظهر في وثائق إبستين ببساطة كان قد ظهر بالفعل على مدار 50 سنة مضت، بالتزامن مع المراسلة بالإيميل وما قبله، حين كانت لحوم "الشرقيين"، وثروات "الجنوب العالمي" حِلًّا للاغتصاب الجماعي، من قبل الرجل الأبيض الوسيم، الذي يرى العالم كله جزيرة معزولة يمارس فيها ما لذ له وطاب، ولا يعكر صفوه إلا هؤلاء الـ8 مليارات من البشر، الذين يرفضون أن يؤكَلوا صامتين على عشاء الليلة.

ترامب ورفاقه أدركوا فعلًا.. من أين تؤكل الكتف!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق