حرب السودان.. المجتمع الدولي من التجاهل إلى الاهتمام
بهجماتها الأخيرة التي شنتها مليشيا الدعم السريع على قوافل إغاثة إنسانية ومنشآت طبية ومدنية وقوافل نازحين بولايتي شمال وجنوب كردفان تكون الدعم السريع قد أطلقت الرصاصة الأخيرة في الحرب- لكن على نفسها هذه المرة- مثلما أطلقت الرصاصة الأولى قبل نحو ثلاث سنوات في محاولة منها للاستيلاء على السلطة في السودان باءت بفشل ذريع وتسببت في حرب ارتكبت فيها مليشيا الدعم السريع فظائع ومجازر ومذابح مروعة وممنهجة، كان جُلها بحق المدنيين.
كما استهدفت فيها المنشآت والأعيان المدنية والمرافق الحيوية وبشكل أساسي المرافق الخدمية كالكهرباء والمياه والاتصالات ومحطات الوقود والمنشآت النفطية والمستشفيات والمراكز الصحية والمدارس ودور العبادة والبنى التحتية.
ما كان أمام الحكومة السودانية سوى الاستمرار في خططها الدفاعية وبرنامجها في تطهير المناطق التي تسيطر عليها المليشيا وطردها منها دون انتظار أي فعل من قبل المجتمع الدولي الذي اكتفى بالتنديد فقط
مهاجمة الدعم السريع المدنيين والأعيان المدنية، والمنشآت الصحية ظلت نمطا متكررا انتهجته ومارسته مليشيا الدعم السريع طيلة سنوات الحرب، ما خلف وراءه أكبر كارثة إنسانية شهدها السودان، وأكبر موجة نزوح ولجوء غير مسبوقة شهدتها القارة الأفريقية خلال نصف القرن الماضي.
وقد ظلت الحكومة في السودان ومنذ بداية الحرب ووقوع الانتهاكات من قبل الدعم السريع تنبه المجتمع الدولي بإطلاق النداءات والمناشدات للتدخل للحيلولة دون وقوع المزيد منها، ومنع تمدد رقعة الانتهاكات التي ترتكبها الدعم السريع، وذلك بوقف كافة أشكال الدعم الذي تقدمه بعض القوى الإقليمية لمليشيا الدعم السريع.
وقد مضت الحكومة السودانية أبعد من مجرد إطلاق المناشدات والنداءات، إلى الإشارة بأصابع الاتهام المباشر، وعلى سبيل التعيين، إلى قوى إقليمية بعينها، مستندة في ذلك لأدلة موثقة ومدعومة بصور أقمار صناعية توضح بشكل قاطع مسارات لرحلات جوية تنقل أسلحة ومؤنا وذخائر، ومرتزقة للدعم السريع داخل الأراضي السودانية، وغيرها من الوثائق والأدلة التي عثر عليها الجيش السوداني داخل المنشآت التابعة لمليشيا الدعم السريع في المناطق التي كانت تسيطر عليها بعد طردها منها وتحريرها، وبعضها أسلحة متقدمة وإستراتيجية لا تمتلكها حتى الجيوش النظامية في القارة الأفريقية.
كل ذلك لم يجد الصدى المناسب والاهتمام اللازم لدى المجتمع الدولي، وقوبل بتجاهل وتفاعل فاتر من قبل القوى الإقليمية؛ بسبب تقاطع المصالح بين هذه القوى فيما بينها من جهة، وما بينها وبين القوى الدولية الفاعلة ذات المصالح الأكثر حيوية في المنطقة والتي تربطها علاقات إستراتيجية مع القوى الإقليمية المتورطة في دعم مليشيا الدعم السريع.
وقد أدى هذا التجاهل إلى إظهار الحرب السودانية وكأنها حرب منسية رغم فداحة ما خلفته من آثار كارثية، وما ارتكب فيها من جرائم وفظائع وانتهاكات جسيمة امتلأت بها الوسائط، وشاهدها الملايين حول العالم.
وقد ساعد هذا التجاهل للأزمة السودانية من قبل المجتمع الدولي والقوى الفاعلة فيه، في تحفيز القوى الإقليمية الداعمة للدعم السريع على التمادي في تقديم الدعم للمليشيا على مستويين؛ كمي ونوعي:
- فعلى المستوى الكمي زادت القوى الداعمة للدعم السريع من كمية قطع السلاح والذخائر والعربات القتالية والمسيرات الانتحارية، ورفعت من عدد المقاتلين باستجلاب مرتزقة من كولومبيا وبعض دول جوار السودان، ونوعيا بتمليك الدعم السريع طائرات مسيرة إستراتيجية متطورة ذات مدى بعيد، ومنظومات مضادات جوية، وأجهزة تشويش، ومنظومات اتصال متطورة تم استخدامها بالفعل في عدة مواقع، واستهدفت بها مرافق ومنشآت خدمية وعسكرية.
ويمكن القول إن نتيجة هذا التجاهل الدولي للحرب السودانية، تمثلت في تمكن مليشيا الدعم السريع من اقتحام مدينة الفاشر بعد أكثر من عام ونصف العام من حصار خانق فرضته مليشيا الدعم السريع على المدينة، ومنعت خلاله دخول أي مساعدات ومؤن غذائية عبر سياسة تجويع متعمدة مارستها على الأهالي في المدينة، وقامت خلالها بقصف المدينة بصورة متكررة، ومحاولات اقتحامها التي بلغت 260 محاولة، استطاعت بعدها دخول المدينة، وارتكبت في حق سكانها مجازر شديدة الفظاعة، وثقتها كاميرات قادة وأفراد مليشيا الدعم السريع، روعت الضمير العالمي بسبب بشاعتها.
ورغم التعاطف الكبير مع أهالي الفاشر حول العالم، ورغم الإدانات التي وجهت للدعم السريع من قبل مؤسسات ومنظمات إنسانية وحقوقية أممية وغير أممية، فإن ذلك لم يتبعه أي عمل إيجابي على الأرض لوقفه ووضع حد له، ولم تحرك أي قوى دولية ساكنا، أو تخطو خطوات جادة للضغط على القوى الإقليمية التي تدعم المليشيا لوقف جرائمها وانتهاكاتها.
ولم تتعدّ الاستجابة مربع الأقوال والإدانات والمناشدات والتعبير عن القلق والأسى، وما شابه ذلك، مما أغرى الدعم السريع وداعميها الإقليميين بتوسيع دائرة انتهاكاتهم وتمددهم في مناطق أخرى في إقليم كردفان غربا وجنوبا، وارتكاب مزيد من المجازر فيها.
وما كان أمام الحكومة السودانية سوى الاستمرار في خططها الدفاعية وبرنامجها في تطهير المناطق التي تسيطر عليها المليشيا وطردها منها دون انتظار أي فعل من قبل المجتمع الدولي الذي اكتفى بالتنديد فقط.
وقد استطاع الجيش السوداني تحقيق تقدم على الأرض ظل آخذا في الازدياد، فحرر كل المدن الرئيسية في جنوب كردفان والقرى التي حولها والطرق المؤدية إليها.
وترافق ذلك مع تطورات الأحداث في كل من اليمن، والصومال، وإقليم أرض الصومال الانفصالي، وجيبوتي، وما خلفته من تقلص شديد لنفوذ القوى الإقليمية الداعمة لمليشيا الدعم السريع في منطقة القرن الأفريقي، وفي المنطقة الساحلية الواقعة ما بين باب المندب جنوبا وحتى قناة السويس شمالا، مضافا إليه خسارة هذه القوى الإقليمية الداعمة للمليشيا علاقاتها الحيوية مع كبريات القوى الفاعلة في هذه المنطقة ذات الأهمية الإستراتيجية في العالم؛ بسبب تماديها في دعم ومساندة مليشيات وتشكيلات شبه عسكرية تحاول رسم واقع جديد من شأنه تهديد الأمن القومي لهذه القوى الإقليمية الكبرى، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، وذلك بصورة مباشرة وبذات النهج الذي انتهجته في السودان.
قيادة المملكة العربية السعودية التي تشاطئ السودان عبر حدود بحرية طويلة، أدركت مبكرا خطورة ما تخطط له القوى الداعمة لمليشيا الدعم السريع، وأيقنت أن كرة النار المشتعلة في السودان إن لم يتم إخمادها ستتدحرج لتطال نيرانها المنطقة كلها، فألقت الرياض بكل ثقلها لمنع وقوع الكارثة عبر مساعٍ دبلوماسية وتحركات في كل الاتجاهات، بدأت نتائجها تظهر في ردود الأفعال الإقليمية والدولية المنددة بانتهاكات وممارسات الدعم السريع، وهجماتها على المدنيين، وقوافل المساعدات الإنسانية والإغاثية.
هذه التطورات ساعدت بشكل واضح وجلي في تقوية موقف السودان على الصعيدين؛ الدبلوماسي، والعسكري، وبالمقابل أضعفت موقف مليشيا الدعم السريع عسكريا وسياسيا، خاصة بعد هجومها الأخير على قافلة الدعم الإنساني في شمال كردفان، وقصفها قوافل النازحين، وتدميرها أحد المراكز الصحية في كادوقلي، ووقوع ضحايا من بينهم أطفال.
وقد قوبل هذا الهجوم بعاصفة تنديد واسع النطاق إقليميا ودوليا، وما ميز هذا التنديد الأخير أنه وجه الاتهام لمليشيا الدعم السريع وسماها بالاسم، وهو تطور لافت لا يمكن تجاوزه في أي تحليل للأحداث، فقد كان في السابق توجه الاتهامات مبنيةً على المجهول، أو إلى (طرفي النزاع) دون تسمية الدعم السريع صراحة.
هو تطور مهم يشي بأن المجتمع الدولي بدأ يتجه نحو إنهاء الحرب في السودان عبر مقاربة (Approach) تقوم على تفكيك الأزمة من منطلق إقليمي، وبناء على ما وقع من زلزال سياسي وأمني في الإقليم كان من خصائصه أنه حدث على نحو مفاجئ كحال الزلازل لا تأتي إلا بغتة، وكان (مركزه) اليمن، وهو ما أعطى وسيعطي حرب السودان دفعة قوية ودقيقة نحو حل مُرضٍ ليس فقط للسودان، وإنما أيضا للقوى الإقليمية الفاعلة المحبة للسلام في منطقة القرن الأفريقي، وساحل البحر الأحمر.
والحل المرضي لهذه القوى الإقليمية يقوم على وقف الدعم الإقليمي لمليشيا الدعم السريع؛ إما بحمل القوى الداعمة للمليشيا على وقف دعمها بضغط مباشر من حلفائها الدوليين، وإما بالقضاء على المليشيا ميدانيا بعمليات عسكرية وعبر قطع خطوط الإمداد عنها في كل المنافذ ودول العبور، وإما بنزع سلاحها بعد استسلامها، ومن ثم تسريح أفرادها، وتقديم قياداتها لمحاكمات عادلة.
والحل المرضي للسودان وللقوى الإقليمية بالمنطقة التي يتأثر أمنها القومي بالحرب في السودان يتضمن أيضا ألا يكون للدعم السريع دور في سودان ما بعد الحرب، ففضلا عن كونها قوات غير نظامية وتضم في صفوفها مرتزقة، فهي قد ارتكبت جرائم حرب وإبادة جماعية، ومارست انتهاكات مروعة بحق المدنيين، وخرقت قواعد القانون الدولي، وكل مواثيق الأمم المتحدة والأعراف الدولية والإنسانية، مما يجعلها غير مؤهلة أخلاقيا ولا مهنيا لإعادة دمجها في القوات النظامية الحكومية.
والحل المرضي للسودان وللقوى الإقليمية المتضررة من حرب السودان يتضمن أيضا ألا يكون للجناح السياسي للدعم السريع دور في الحياة السياسية في سودان ما بعد الحرب.
وهو جناح مؤلف من عدد من الكيانات السياسية ساهم بصورة أساسية بالاشتراك مع الدعم السريع في التخطيط للاستيلاء على السلطة باستخدام بندقية الدعم السريع، وظل هذا الجناح يدعم المليشيا سياسيا ودعائيا طيلة سنوات الحرب، ولا يزال يقدم الدعم لها، وقدم عدد من كوادره ليكونوا وزراء فيما عرف بحكومة (حميدتي) غير المعترف بها.
ومن اللافت لنظر أي مراقب أن حرب السودان التي كان يُنظر إليها إلى وقت قريب على أنها حرب داخلية تدور رحاها بين جنرالين يتنافسان على السلطة، اتضح الآن أنها ليست كذلك، وأنها في الأصل حرب ذات طابع إقليمي، وأن نطاقها يتجاوز حدود السودان، وأن التحذيرات التي كانت تطلقها قيادة الجيش السوداني بأنها ستكون لها تأثيراتها على الإقليم بأسره، كانت تحذيرات حقيقية وصحيحة وقراءة استباقية وواقعية لمآلاتها، وأن الحلول التي ظلت القيادة السودانية تدعو للأخذ بها أصبحت أمرا حتميا في الوقت الراهن أمام المجتمع الدولي لا مناص له من الأخذ بها، لكن بعد قتل عشرات الآلاف من المدنيين، ونزوح الملايين من مدنهم وقراهم، وعبور الملايين الحدود إلى دول الجوار القريبة والبعيدة، وتدمير مئات المستشفيات والمرافق الحيوية ومنشآت البنى التحتية ومؤسسات التعليم الأساسي والعالي، وتخريب طال كل مناحي الحياة، حتى المرافق السياحية والثقافية والآثار والمتاحف لم تنجُ من عدوان وعسف وعبث مليشيا الدعم السريع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق