نهاية لعبة الوكلاء… وبداية قرار الدولة
مكاوي الملك
كاتب ومفكر
نهاية لعبة الوكلاء… وبداية قرار الدولة
مكاوي الملك | Makkawi Elmalik
ما جرى في الرياض خلال الساعات الماضية لم يكن بروتوكولًا عابرًا كمّا اشرنا سابقا..ولا محاولة إسعاف دبلوماسية متأخرة بل كان إعلان انتقال ملف السودان من مرحلة العبث الدولي إلى مرحلة الضبط الإقليمي المنظّم…هذا التحول لا يُقرأ من بيان واحد بل من تلاقي ثلاثة مسارات في لحظة واحدة: السياسة..الأمن..واللوجستيات
أولًا: كسر العطب الأميركي… وإغلاق ثغرة “سوء الفهم”
تقرير Ayin Network كشف جوهر المشكلة مع مقترح مسعد بولس: خطأ إداري تحوّل إلى شرخ ثقة .. وصول وثيقتين مختلفتين للقيادة السودانية—إحداهما قديمة من “الرباعية”—لم يكن مجرد ارتباك؛ بل غذّى شكوكًا متراكمة داخل المؤسسة العسكرية حول نوايا الوساطة..خصوصًا مع تجاهل واضح لجرائم المليشيا وداعميها
النتيجة؟ تعطّل المسار الأميركي وتقدّم خطاب “الضغط السياسي” على حساب الواقع الميداني…هنا تحديدًا دخلت الرياض: لا لتكرار الخطأ، بل لتصحيح المسار
ثانيًا: لماذا الرياض؟ لأن الأمن هنا… لا في جنيف
السعودية لا تنظر إلى السودان كـ“ملف تفاوضي”بل كـامتداد مباشر لأمن البحر الأحمر..وخطوط الطاقة…ومشاريع رؤية 2030..ولهذا جاءت زيارة البرهان بحضور كامل ثقل الدولة السعودية: دفاع..خارجية.أمن وطني..مالية…هذه ليست وساطة؛ هذه إدارة ملف سيادي متعدد الأبعاد
الرسالة واضحة:
• لا تقسيم
• لا مليشيا تتحكم في الساحل
• لا فراغ أمني يعبر البحر
ومن هنا يتبدّل وزن الجيش السوداني في الحسابات الإقليمية: من طرف محاصر إلى شريك في الضبط
ثالثًا: المنافسة مع أبوظبي… حين تنقلب المعادلة
تقرير Al-Monitor امس كان صريحًا: السعودية لا تقبل هيمنة أي طرف على السودان أو ساحله..هذا وحده يفسّر التباين مع أبوظبي..فبينما راهنت الأخيرة على المليشيا كوكلاء فوضى..اختارت الرياض الدولة—حتى وهي تضغط لإنهاء الحرب
وهنا المفصل الأخطر:
كلما ضاق هامش الوكلاء زادت هستيريا الضخ العسكري..لكن حين ينتقل الملف إلى طاولة “الدول الثقيلة”تتحول المليشيا من أداة إلى عبء
رابعاً : اللوجستيات لا تكذب
التزامن بين اجتماعات الرياض وكثافة الجسر الجوي إلى بورتسودان ليس تفصيلًا..ست رحلات شحن خلال ~30 ساعة ليست “صدفة طيران” إنها إشارة جاهزية: دعم..إعادة تموضع.وتثبيت ميزان—لا إعلان حرب..بل إغلاق باب الابتزاز (الضغط الدبلوماسي والعسكري معا)
خامسًا: ماذا يعني هذا للسودانيين؟
يعني ببساطة:
• المسار لم يعد مفروضاً بوثائق ملتبسة
• الثقة تُعاد عبر ضمانات إقليمية لا وعود إعلامية
• السودان لم يُعزل؛ صبر حتى تغيّر ميزان الإقليم وأجبر العالم
• الدولة عادت لاعباً..والمليشيا تُسحب من شرعية الوكالة
الخلاصة
ما بعد الرياض ليس “نهاية الحرب” فورًا..لكنه نهاية مرحلة:
• نهاية إدارة السودان عبر الفوضى
• نهاية خلط الوثائق والضغوط الرمادية
• بداية هندسة استقرار تقودها دولة إقليمية تعرف أن أمنها يبدأ من الضفة الأخرى للبحر
السودان اليوم ليس ساحة… بل مفتاح
ومن يقرأ المشهد بغير ذلك..سيصل متاخراً إلى حقيقة واحدة:
قرار الدولة عاد… ولعبة الوكلاء انتهت

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق