الأربعاء، 11 فبراير 2026

القرآن والسنة والتراث .. ودعاوى التحديث (2 من 4)

 القرآن والسنة والتراث .. ودعاوى التحديث (2 من 4)

د. عطية عدلان

مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

قَرِينَان لا يفترقان: الكتاب والسنة، هذه هي الحقيقة الأولى في سياق إبطال دعاوى الحداثيين أدعياء (الهرمنيوطيقا)، أمّا الحقيقة الثانية فهي أنّ التراكم العلميّ والعمليّ الذي تواتر في الأمة دون انقطاع يحيل التنكر للتراث، وهذا ما يجب أن نناقشه في هذا المقال، ونردّ فيه على الحداثيين العرب، ونردّ على شبهاتهم.

العقل الإسلاميّ والتجديد

هل صحيح أنّ العقل العربيّ الإسلاميّ تمت صناعته وتم تأطيره على يد الشافعيّ أو في عصر التدوين؟ وهل صحيح أنّ هذا العقل لا يستطيع بطبيعته أن يقوم بتجديد الدين إلا إذا تخلص من أمراضه الموروثة؟ وهل صحيح أنّنا بحاجة إلى آليات الحفر الحديثة المجتلبة من المدرسة البنيوية الغربية لكي نستطيع دراسة التراث وتجديد الدين؟ أسئلة نحتاج لأنْ نقف عندها ونجيب عنها وعن جميع الأسئلة التي تحيط بها.

تأطير العقل الإسلاميّ

في ضوء ربانيّةِ منهج المعرفة، وفي ظلّ القطيعةِ الأبيستمولوجية التي أحدثها القرآن مع الجاهلية؛ تم تأطير العقل الإسلاميّ؛ ليصير عقلًا واعيًا ناضجًا فاعلًا ناهضًا وثَّابا، تم تأطيره وتمت صناعته ليقدم للإنسانية أنموذجًا فذًّا في الحضارة والمدنية، القائمة في كل الميادين على أسس إسلامية؛ تحقق الغاية من خلق الإنسان ليكون عبدًا لله وخليفة في أرض الله، فتحققت للأمّة - بذلك وبغيره من المقومات - صفة الخيرية: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: 110)، وتحققت لها كذلك صفة الوسطية التي تكون بها شهيدة على كل الأمم في الدنيا ويوم الدين: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة: 143)، وتأهلت لذلك كله بالكتاب والميزان: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (الحديد: 25).

    تمّ ذلك التأطير على عين الله تعالى والقرآن يتنزل هدًى وبيّنات وفرقانا، وعلى عين رسول الله وهو يتلوه على الناس على مكث ويربيهم به على تؤدة، وبذلك - وبما ترتب على ذلك من الاستقامة - رضي الله عن الصحابة ورضوا عنه، ثم تمّ على أعين الصحابة والخلفاء، الذين لم يغيروا ولم يبدلوا، بل كانوا كما أخبر القرآن عنهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ) (الْمَائِدَةِ: 54)؛ ليستمر وصفهم السابق في هذه اللوحة القرآنية الباهرة: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح: 29).

    ولو كانوا مفتقدين للمنهج الصحيح في النظر أو منحرفين عنه، أو مخالطين به مناهج من مناهج الجاهلية غير عابئين بخطورة اتباع سنن اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا؛ ما اهتدوا ولا استحقوا أن يثني الله عليهم ويرضى عنهم، ولا كانوا أهلًا لأن يأمر الرسول باتباع سنتهم وطريقتهم، فتقرر بذلك ضمن ما تقرر وترسخ في المرحلة الأولى منهج المعرفة، وجميع ما تقرر في هذه المرحلة الأولى من معارف وأفكار وعقائد وسلوكيات وأخلاق انطلق بقوة الدفع الأولى فعبر القرون وجاوز عقبات الزمن، فمنه ما لا يزال محتفظًا بنضارته وتماسكه إلى يوم الناس هذا، ومنه ما لا يخشى عليه إلى يوم الدين، ومنه - وهو القليل - ما بدأ في التعثر بعد القرون المفضلة الأولى، ومن تتبع "قطار" المنهجية العلمية خلال المراحل التي مرت بها الأمة يجده قد استمر منطلقًا بقوة واتزان إلى أنّ جاوز عصر التدوين وطعن في القرون التالية له، ثم وقع له ما وقع من اهتزازٍ واختلال؛ بسبب الوافد الغريب الذي بدأ هجومة مع الترجمة.

    صحيحٌ أنّ هناك انحرافًا قد وقع، وأنّه قد وقع في وقت مبكر من المسيرة العلمية للأمّة، وأنّ الأمة لا تزال تعاني منه، وأنّنا لازلنا - برغم مابذل من محاولات للإصلاح والتجديد - بحاجة إلى المزيد من التجديد، كل ذلك صحيح بلا أدنى جدال، لكن ليس صحيحًا - ولا حتى قريبًا بأيّ درجة من الصحة - الاعتقادُ بأنّ هذا الانحراف بدأ مع عصر التدوين، ولا أنّه نشأ في فراغ مجدب من المعرفة ناضب من المنهجية، ولا أنّ طبيعة اللغة أو تطور الحياة السياسية كان السبب وراء ذلك الانحراف، ولا أنّ الأمّة فوتت على نفسها فرصة التجديد يوم أن أعرضت عن التجربة الاعتزالية وناهضتها، ولا أنّها حرمت المنهجية العلمية في البحث والنظر لكونها لم تتعلم أرسطو، أو لكونها عندما تعلمته أخذته من الغزالي لا من ابن رشد، لا شيء من ذلك كله يسعد ولو بقدر قليل من الصحة أو يحظى ولو بقدر ضئيل من الموضوعية، إنْ كل ذلك إلا جعجعات الحداثيين والعلمانيين وأبواقهم من أشباه الإسلاميين، وعلى العكس من كل ما يدعون؛ فإنّ سبب الانحراف في مناهج النظر عند المسلمين كان سببه الرئيس هو ما أدخله المسلمون على المنهج الإسلاميّ من ضلالات الفكر اليونانيّ في شقيّ الثقافة الوافدة: المنطق والفلسفة، وهذا تحديدًا أول ما تحتاج الأمة ودوائرها العلمية لأن تتخلص منه.

    لكنّ الحداثيين والعلمانيين وأذنابهم وأبواقهم من أشباه الإسلاميين لهم رأي آخر، والحقيقة أنّهم لا ينتقدون فقط الجانب الأبيستمولوجي في تراثنا الإسلاميّ، ولا يقفون في حملتهم عند النظرية المعرفية، لكنّهم يتخذون منها منطلقًا لهدم ثوابت الدين كله؛ إذْ كيف يتسنى لهم نقض عرى الدين بمنهج معرفيّ جاء به هذا الدين؟! فلابد إِذَنْ من التشكيك في المصدر لتنهار بعد ذلك كل الثوابت والمحكمات، فلننظر كيف عالجوا هذه القضية، وكيف انطلقوا منها إلى كثير مما يريدون.

الشافعيّ وعصر التدويين وتهمة التأطير

في سياق الحملة المسعورة التي تستهدف تجديد الخطاب الديني يحتل النقد الأبيستمولوجي موقع الصدارة في أعمال الحداثيين العرب، وهؤلاء لا يريدون أن يعترفوا لهذا الدين بأنّه جاء للناس بنظرية في المعرفة غاية في الرشد، وفي الوقت ذاته لا يجرؤون على مواجهة الإسلام نفسه بما لديهم من نظرية أبيستمولوجية مناهضة لمنهاجه الحكيم؛ فآثروا أن تكون المعركة مع رمز كبير يحمل التُّهمة عن الإسلام؛ وهنا يبرز الشافعيّ؛ أليس هو من وضع علم أصول الفقه في كتابه "الرسالة"؟ ألم يكن هو المؤطر للأصول المنهجية في ميدان الفقه؟ فليحمل هو عن الإسلام اللوم والتسفيه، لاسيما وقد اشتُهر من بين الأئمة الأربعة بإعراضه عن الاستحسان والاستصلاح، إضافة إلى كونه أسس وكرَّس للإجماع الذي يثير ويلهب غدة تسكن في مناخيرهم، أمّا كراهيته لعلم الكلام - الذي تأثر كثيرا بالمنطق الأرسطيّ - ونهيه عنه، وحكمه فيمن يتعاطونه أن يضربوا بالجريد والنعال فتلك عند القوم سوأة لا تغتفر؛ فليتخذوه غرضًا بديلا عن الإسلام نفسه، وليسرفوا في الحطّ من شأنه بعد أن يوهموا الخلق أنّه هو من أطر العقل العربيّ المريض!

    ولنبدأ بأحدث نموذج وأقربه، فهذا أحد أبناء مؤسسة "مؤمنون بلا حدود!" وهو "حاج دواق"، يقول في مقطع مسجل له: "العقل الذي لا يزال يتكئ على الشافعيّ في القرن الثاني هو عقل يعيش أزمة نوعية ... الشافعيّ الذي ينتمي إلى شرطية تاريخية هي شرطية القرن التاسع للميلاد القرن الثاني للهجرة، الشافعي الذي أطَّر للوعي الإسلامي في زمان مضى وفق جهده وإمكاناته وأدواته الاجتهادية ... ألا يزال العقل الإسلاميّ يعتاش على تلك الآلية إلى يوم الناس هذا؟! ... إنَّ إنسانا مات منذ قرون لا يزال يؤطر عقلا يفترض فيه أن يكون حيًّا! ... يجب على العقل الإسلاميّ أن يُسْتَفزّ استفزازا جذريا ..."!

    وإنّه لمن العجيب أن ينسب إلى الشافعي أنّه هو الذي أطّر العقل العربيّ أو الإسلاميّ لمجرد أنّه وضع كتابه "الرسالة" في أصول الفقه، مع أنّ الشافعيّ لم يبتكر هذه الأصول كلّها ولا جُلّها، وإنّما أكثر هذه الأصول كان موجودا، وأغلب ما قام به الشافعي هو الجمع والترتيب، ومن لديه أدنى اطلاع على أقوال وفتاوى السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم يدرك أنَّ الأسس والركائز لم تكن غائبة عنهم ولا نائية عن مداركهم، تلك الأسس والركائز التي تشكل ما يمكن أن يسمى بنظرية المعرفة التي أطَّرت العقل الإسلاميّ قبل الشافعي وإخوانه من أصحاب المذاهب، والتي منها أنّ الكتاب والسنة هما مصدر التشريع، وأنَّ السنة حجة في العقائد والأحكام تلي الكتاب العزيز، وأنَّ العقل ليس بشارع استقلالًا رغم كونه أداة الاجتهاد، وأنَّ النصّ القرآنيّ - وإن كان منه المحكم والمتشابه - بيان للناس، وأنّ المتشابه فيه يُرَدُّ إلى المحكم، كل هذه الركائز كانت ولا تزال تنظم المعرفة وتؤطر للوعي من لدن الصحابة رضوان الله عليهم، وجميعها مصدرها الوحي، وليس فيها ما هو دخيل على الثقافة الإسلامية.

    وإذا كان الشافعيّ قد توسع في صدر رسالته في الحديث عن "البيان" كمنطلق لربط أصول الفقه بالكتاب العزيز؛ فإنّ "محمد عابد الجابري" سيتخذ من هذا مدخلا إلى "نقد العقل العربيّ" في سلسلة مطولة قلب فيها التراث العربيّ والإغريقي والفارسي رأسا على عقب؛ ليخرج بنتيجة مفادها: أنّ البيان مرتبة في مناهج المعرفة دون البرهان، وأنّ هذه الأمة ظلت مترددة بين البيان (الشافعي) والعرفان (الهرمسي!) طوال عهود نهضتها الفقهية؛ فلم تنعم بالبرهان، وعلى الرغم من سقوط المنطق الآرسطيّ تحت مطارق الأورجانون الجديد إلا أنّه يرى أنّ الأمة الإسلامية نُكِبَتْ بسبب عزوفها عن هذا المنطق، والعجيب أنّه في سياق التكريس لأسطورة انفراد أوربا بالرشد يَدَّعي أنّ سبب نهضة أوربا هو ارتباط العلم بالفلسفة من لَدُنْ الحضارة الإغريقية ارتباط المعلول بعلَّتِهِ، بينما يقرر فحول الفكر الغربي المعاصرون - مثل "برتراند رسل" في كتابه "حكمة الغرب" - أنّ الارتباط بين العلم والفلسفة لم يدم طويلا!

    وإذا كان الشافعيّ قد اتكأ على العربية في الإبداع الأصوليّ، ولاسيما فيما يتعلق بدلالة الألفاظ على المعاني، وبيان العام الذي أريد به العموم والعام الذي أريد به الخصوص والعام المخَصَّص وغير ذلك مما تَفنَّنَ فيه؛ فإنّ هذه اللغة التي برع فيها الشافعيّ وأتقنها ستكون في نظر "حسن حنفي" عقبةً كَأْداءَ في طريق التجديد، وسيقول في كتابه "التراث والتجديد": "يسيطر على هذه اللغة القديمة الألفاظ والمصطلحات الدينية مثل: الله، الرسول، الجنة، النار، الدين، الثواب، العقاب؛ كما هو الحال في علم أصول الدين، أو القانونية مثل: الحلال، الحرام، الواجب، المكروه؛ كما هو الحال في علم أصول الفقه، هذه اللغة لم تعد قادرة على التعبير عن مضامينها المتجددة طبقًا لمتطلبات العصر نظرا لطول مصاحبتها للمعاني التقليدية الشائعة التي نريد التخلص منها، ومن ثم أصبحت لغة عاجزة عن الأداء"([1])!

    أمّا نصر حامد أبو زيد فقد أسرف في هذا الادعاء حتى بلغ بإسرافه عنان السماء، وذلك في كتابه المسمى: "الإمام الشافعيّ وتأسيس الأيديولوجية الوسطية"، والقارئ لكتابه يشعر بأنّ المؤلف على عجلة من أمره، ويلمس بين السطور توترًا ظاهرًا، كأنّ الكلماتِ كراتٌ من اللهب اصطفَّتْ وتصاعدت منها أدخنة سوداء، وكأنك وأنت تقرأ ترقب المؤلف وهو يذهب ليغترف من الرسالة ثم يعود بما اغترفه مغضبًا قد علا وجهه السواد وتصاعدت من شعر رأسه الأدخنة، فتنزعج وتذهب للمصدر وتعيد تركيب الجمل في مكانها من السياق؛ فلا ترى إلا كل خير؛ فتوقن عندئذ أنّ نفس المؤلف هي مصدر الشرّ.

    فانظر مثلا ماذا يقول الشافعيّ عن بيان القرآن: "فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها، قال الله تبارك وتعالى: (كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد) وقال: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) وقال: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) وقال: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا، ما كنت تدري ما الكتاب، ولا الإيمان، ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم)"([2]).

    ثم انظر بماذا عقب المؤلف: "يبدأ الشافعيّ حديثه عن  الدلالة بتقرير مبدأ على درجة عالية من الخطورة، فحواه أنّ الكتاب يدل بطرق مختلفة على حلول لكل المشكلات أو النوازل التي وقعت أو يمكن أن تقع في الحاضر أو في المستقبل على السواء، وتكمن خطورة هذا المبدأ في أنّه المبدأ الذي ساد تاريخنا العقليّ والفكريّ، وما زال يتردد حتى الآن في الخطاب الديني بكل اتجاهاته وتياراته وفصائله، وهو المبدأ الذي حول العقل العربيّ إلى عقل تابع، يقتصر دوره على تأويل النص واشتقاق الدلالات منه"([3]).

     إنّك إن تأملت الأصل والتعقيب عليه؛ سيتأكد لك أنّ التشنج سيد الموقف هنا، فما زاد الشافعيّ رحمه الله على أنْ بيَّنَ أنّ كتاب الله تعالى منبع كل هدى، وأنّ حياة الناس لا يقع فيها شيء إلا وفي كتاب الله تعالى سبيل الهدى لحلّ معضلته، وليس في كلامه عبارة ولا إشارة فيها ادعاء أنَّ الكتاب العزيز ينصُّ نصًّا على الحل لكل نازلة، ولايزال العلماء في كل جيل يرددون المعنى الذي يفهم من الآيات التي أوردها الإمام، ويؤكدون مرّة بعد مرّة على أنّه لا يشترط لكي يكون القرآن تبيانًا لكل شيء أن ينصّ على كل شيء نصًّا، وهذا من بدهيات الخطاب في اللغة العربية، بل وفي كل لغة يتحدث بها خلق من خلق الله، لكنّ المزعج لنصر حامد أبو زيد وأضرابِهِ هو مجرد الانطلاق من القرآن في عصرنا الذي تجاوز الإلهَ أصلًا، فالأمر عندهم كما ادعى حليفهم "خلف الله" أنّ البشرية قد بلغت الرشد؛ وينبغي للسماء أن ترفع وصايتها عن الأرض! ولكنّ الفرق بينهم وبينه كالفرق بين معارضي الإسلام في المدينة وبين معارضيه في مكة قبل الهجرة، هذا يواري ويداري ويلف ويدور، وذاك يتبجح ويتوقح.

    هكذا فعل الشافعيّ بزعمهم، قام بتأطير العقل العربيّ وصياغته صياغة تكرس تبعيته الدائمة للنص، وتربطه بالكتاب والسنة ربطًا يشل حركته ويوصد في وجهه آفاق المدنية والحضارة، لأجل ذلك اعتنى بالدلالات التي تشع من الألفاظ العربية، لكن لماذا صنع الشافعيّ هذا؟ وما الدافع الذي توفر لديه ووجهه هذه الوجهة التي تضر بالإسلام وهو الفقيه الإمام؟ لا يعجز أبو زيد وأضرابه عن فك هذا اللغز، الحلّ هناك في المنهج "الفليلوجي"، لابد من الكشف عن الأيديولوجيا، أجل؛ هي الأيديولوجيا السياسية، فالشافعيّ منحاز للعربية لأنّه منحاز إلى العروبية ضد الشعوبية وللقرشية ضد منافسيها، وقد دفعه إلى ذلك دفعًا موالاتُهُ لبني أميّة! هي إِذَنْ السياسة تفعل ما تشاء ولا مشيئة للخلق إلا ما تشاء!

    انظر ماذا قال بعد أن ساق أقوال الشافعي في العام الظاهر الذي يتفاوت في وضوحه وغموضه لكونه من حيث الوضوح والغموض درجات، وفي كون العربي الخالص يدرك الواضح منه والغامض، انطلق يقول: "يتبين مما سبق أنّ الشافعيّ وهو يؤسس عروبة الكتاب بالمعنى والدلالات السابقة كان يفعل ذلك من منظور أيديولوجي ضمني في سياق الصراع الشعبوي الفكري الثقافي، من هنا نفهم ما انتهى إليه من تحديد لأنماط الدلالة يعتمد على تصنيف المتلقين لا على رصد آليات إنتاج الدلالة في بنية النص ذاتها"([4])، مع أنّه لا يوجد في سياق كلام الإمام عبارة ولا حتى مجرد إشارة يفهم منها ولو بالتأويل شيء من هذا الدجل، لكن ماذا تقول تجاه باحث يضع النتيجة قبل أن يشرع في بحثه؟ ويعتمدها قبل أن يقوم حتى بجمع المعلومات؛ لعمري إنّ الأكذوبة لتتمثل أول ما تتمثل في قوم يزعمون أنّهم يعلمون الناس المنهجية العلمية وهم أول من يخرقها ويقوض أصولها.

    ولأجل العجلة التي أشرنا إليها آنفًا، ولأجل التوتر والتشنج الطاغي على منهجه في (البحث والنظر والتحليل!) رأيناه في اندفاعته يتهم الشافعيّ بأنّه كان يحابي بني أمية لكونه تولى لهم عملا في نجران، بينما الشافعيّ لم يدرك عهد بني أميّة أصلا، ولا يسعفه ادعاؤه في الطبعة الثانية بأنّ ذلك كان خطأ لفظيًّا، لأكثر من سبب([5])، ولأنّه متعجل فكثيرًا ما ينقل كلام الشافعيّ عن الشيخ أبو زهرة، وقد رصد عليه أكثر من ثلاثين مرة يفعل هذا الفعل المنافي للأكاديميا وشروط المنهجية العلمية([6])، كل هذا التجديف العنيف سببه ما يلح على الباحث من رغبة عارمة في إلصاق التهم بالشافعيّ بعد تثبيت فكرة أنّه صانع العقل العربيّ؛ من أجل تشويه العقل الإسلاميّ؛ تمهيدًا لجرّه وسحبه إلى النموذج الغربيّ.

    أمّا الجابريّ فقد كان هادئًا متئدًا، يسبك الحيلة بحذق واحترافيّة، ويأخذ المدار على أوسع نطاقاته لئلا ينكسر كما انكسر أقرانه، فعنده أنّ صانع العقل العربيّ هو عصر التدوين، فليس الشافعيّ وحده من فعل هذا، وإنّما هو عملُ جيلٍ بأكمله، لكنّ الفكرة واحدة، وهي تحميل اللغة العربيّة وزر ما جرى، مع بعث الأيديولوجيا السياسية من قبرها لتكون عاملًا حاسمًا في التحول الذي ركب متن العربية، والذي جعل العقل المسلم أو (العقل العربيّ!) محتبسًا للأبد في دائرتها، يلف ويدور بين اللفظ والمعنى.

    فالجابريّ على مدى صفحات من كتابه "التراث والحداثة" تحدث عن العلاقة الخاصة بين اللغة والفكر في الثقافة العربية، وحاول أن يثبت وجود أزمة سببتها طبيعة اللغة العربية بعد إعادة بنائها في عصر التدوين، حيث إنّ علماء اللغة اهتموا بجمعها من الأعراب، فصار الأعرابيّ الغليظ الطبع الضيق الأفق هو صانع عالم العربيّ([7])، وقد كرر هذا بالطبع في سلسلة نقد العقل العربيّ، لكن انظر إلى المجازفة التي تخالف أبسط قواعد المنهج العلميّ؟!

    ما هذا التصور العليل؟! ما هذا الخرف الذي يتزيَّا بالمنهجية العلميّة، أهذه هي الفيلولوجيا التي تباهون بها الخلق؟ لعمري لو كانت الفيلولوجيا هذه مركبًا يمتطيه الباحث ليبحر عبر الزمن إلى الوراء لما وصل إلى هذه النتيجة البلهاء! أهو الأعرابيّ الغليظ الجافي مَن صنع للعربيّ عالَمَهُ بكل ما فيه من لغة وأدب وثقافة؟! وأين كان القرآن الذي نزل بلغة قريش، تلك اللغة التي اصْطَفَتْ على مرّ الزمن أوسط كلام العرب وأجودَهُ ونفضت عنه كلَّ وحشيّ غريب؟! أين كان القرآن في زمان كان الناس فيه يتنفسون قرآنًا يخلطونه ببعض ما خلق الله في الفضاء من الهواء؟! وأين كانت السنّة التي لأجلها تورمت ظهور الركائب لكثرة من يضربون في الأرض وينفضون سبلها ذهابًا وإيابًا لطلبها وتلقيها مشافهة عن أربابها، وماذا كان يصنع العلماء الربانيون الذين تناقلوا عبر الأجيال وتلقنوا عبر القرون أنّ الشعر ديوان العرب وأنّه لا سبيل لفهم الكتاب العزيز إلا بالحفاظ على العربية وآداباها، وماذا كان يصنع الخليل والفراء والكسائيّ والأصمعيّ وأمثالهم من فحول العربية الذين كان جلُّهم من القراء وكان جلُّ اهتمامهم إلى جانب العربية بالقرآن والقراءات؟ أتراهم تركوا الساحة العلمية والأدبية والثقافية واللغوية للأعراب دون أن يتدخلوا بثاقب فكرهم وواسع علمهم؟ لقد نَدَّتْ بك ناقتك الحمقاء إلى وادٍ لا خضرة فيه ولا ماء!

    ويبدو أنّ تلميذه "شحرور" طمع في أن يخطو خطوة أوسع؛ ليحرز نصرًا جديدًا للحداثة، لكنّ بضاعته مزجاة وآلاته متهافتة ضعيفة؛ فلم يرتفع بنظريته إلا بقدر ما يضحك الثقلين عليه، وكأنّه يريد أن يوافق الجابريّ في كون اللغة العربية بطبيعتها تعوق التفكير (لا ندري لماذا؟!) ولكنّها قابلة للتطور؛ فإذا كانت صناعة عصر التدوين للعقل العربيّ صناعة توافق ذلك الزمان المغلق؛ فإنّه بالإمكان إعادة صناعة العقل العربيّ اليوم بهذه اللغة ذاتها بما يتناسب مع انفتاح الجيل على الحضارة؛ فاللغة تتطور ككل شيء يتطور، فيقول: "قانون التطور يسري على كل شيء بما فيه اللسان العربي المبين الذي (صيغ!) به التنزيل الحكيم، وأنّ التنزيل الحكيم حوى مراحل تطور اللسان العربيّ السابقة، وأعطى خطوطًا لمراحل تطوره اللاحقة([8]).

متى وكيف صنع العقل العربيّ؟

القول الفصل الذي لا تجترئ شبهة على أن تدنو منه، فضلًا عن أن تنال منه، هو أنّ العقل العربيّ خصوصًا والإسلاميّ عمومًا قد صُنع من اللحظة الأولى لنزول القرآن الكريم على عين القرآن الكريم وبإشرافه ومتابعته وتقويمه وتسديده، وسوف نتعرض لهذه القضية هنا من خلال نظر الأمة في كتاب الله تعالى وتأثرها به، فلنأخذ الإمام ابن القيم أنموذجًا وهو يستعرض آيات الكتاب العزيز، ويبرز طريقته في تربية الأمّة على إعمال العقل وعدم إهمال الرأي، وهو مجرد نموذج نقدمه للتدليل على أنّ علماء الأمة الذين تأخر زمانهم كانوا مدركين أنّ القفرآن هو الذي صنع العقل الإسلاميّ.

    في كتابه القيّم "إعلام الموقعين عن ربّ العالمين" يقول ابن القيم: "وقد أرشد الله تعالى عباده إليه في غير موضع من كتابه، فقاس النشأة الثانية على النشأة الأولى في الإمكان، وجعل النشأة الأولى أصلا والثانية فرعا عليها؛ وقاس حياة الأموات بعد الموت على حياة الأرض بعد موتها بالنبات، وقاس الخلق الجديد الذي أنكره أعداؤه على خلق السموات والأرض، وجعله من قياس الأولى كما جعل قياس النشأة الثانية على الأولى من قياس الأولى؛ وقاس الحياة بعد الموت على اليقظة بعد النوم، وضرب الأمثال، وصرفها في الأنواع المختلفة، وكلها أقيسة عقلية ينبه بها عباده على أنّ حكمَ الشيء حكمُ مِثْلِهِ، فإن الأمثال كلها قياساتٌ يعلم منها حكم الْمُمَثَّلِ من الْمُمَثَّلِ به، وقد اشتمل القرآن على بضعة وأربعين مثلا تتضمن تشبيه الشيء بنظيره ... وقال تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} [العنكبوت: 43]([9]).

    وإذا كان الإمام قد أجمل هنا وصَرَف الاهتمام الأكبر إلى قياس الأولى أحد الأقيسة المنطقية، وقياس الشبه الذي يسوي بين الشيء ونظيره في الحكم، فإنّه في موضع آخر أشار إلى التجربة الحسيّة ومدى ارتباط نتائجها الاستقرائية بالقياس العقليّ الاستدلاليّ الذي يرتب على المعرفة المباشرة معرفة غير مباشرة، فيقول: "وكذلك كل موضع أمر الله سبحانه فيه بالسير في الأرض، سواء كان السير الحسي على الأقدام والدواب أو السير المعنوي بالتفكر والاعتبار أو كان اللفظ يعمهما وهو الصواب، فإنه يدل على الاعتبار والحذر أن يحل بالمخاطبين ما حل بأولئك، ولهذا أمر سبحانه أولي الأبصار بالاعتبار بما حل بالمكذبين، ولولا أن حكمَ النظير حكمُ نظيره حتى تَعْبُرَ العقولُ منه إليه لما حصل الاعتبار، وقد نفى الله سبحانه عن حكمه وحكمته التسوية بين المختلفين في الحكم فقال تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} [القلم: 35] {ما لكم كيف تحكمون} [القلم: 36] فأخبر أن هذا حكم باطل في الفطر والعقول، لا تليق نسبته إليه سبحانه، وقال تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} [الجاثية: 21] وقال تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} [ص: 28] أفلا تراه كيف ذكر العقول ونبه الفطر بما أودع فيها من إعطاء النظير حكم نظيره، وعدم التسوية بين الشيء ومخالفه في الحكم؟ وكل هذا من الميزان الذي أنزله الله مع كتابه وجعله قرينه ووزيره فقال تعالى: {الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان} [الشورى: 17] وقال: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} [الحديد: 25] وقال تعالى: {الرحمن} [الرحمن: 1] {علم القرآن} [الرحمن: 2] فهذا الكتاب، إعلام ثم قال: {والسماء رفعها ووضع الميزان} [الرحمن: 7] والميزان يراد به العدل والآلة التي يعرف بها العدل ... والقياس الصحيح هو الميزان([10]).


([1]) التراث والتجديد "موقفنا من التراث القديم" - حسن حنفي - المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر - القاهرة ط الرابعة 1992م صـــ110

([2]) الرسالة للشافعي (1/ 20)

([3])الإمام الشافعيّ وتأسيس الأيديولوجية الوسطية - د. نصر حامد أبو زيد - مكتبة مدبولي - القاهرة - ط الثانية 1996م صـــــ66

([4]) الإمام الشافعيّ وتأسيس الأيديولوجية الوسطية - د. نصر حامد أبو زيد - مكتبة مدبولي - القاهرة - ط الثانية 1996م صـــــ72

([5]) ر: شبهات الخطاب الحداثي حول الإمام الشافعي - علي محمود العامريّ - مقال بمجلة جامعة السلطان محمد الفاتح لعام 2016م صــــ233

([6]) ر: قراءة في فكر التبعية - محمد جلال كشك - مكتبة التراث الإسلامي - القاهرة - ط أولى 1994م صــــ198

([7]) ر: التراث والحداثة - د. محمد عابد الجابري - مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت - لبنان - ط أولى 1991م صـــ 141-155

([8]) الدولة والمجتمع - محمد شحرور - دارالأهالي - دمشق - بدون تاريخ - صـــــ92

([9]) إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/ 101)

([10]) إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/ 103)

المصدر

التفسير 


القرآن والتراث ودعاوى التحديث (1 من 4)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق