من إبستين إلى العادلي
كيف تُدار السلطة عبر الابتزاز وصناعة النخب
المرتهنة؟
لم يكن الإفراج المتأخر عن وثائق جيفري إبستين حدثًا قانونيًا عاديًا، بقدر ما شكّل لحظة كاشفة لآليات أعمق تحكم علاقة السلطة بالنخب في العالم المعاصر.
فالقضية، التي أُغلقت رسميًا بموت المتهم، عادت إلى الواجهة لا بوصفها فضيحة أخلاقية، بل باعتبارها مدخلًا لفهم بنية خفية لإدارة النفوذ، تقوم على الاستدراج والتوريط، ثم التحكم الصامت.
اختزال إبستين في صورة، مجرم جنسي، قراءة تُضلل النقاش أكثر مما تشرحه.
ما تكشفه الوثائق المُفرج عنها من مراسلات وجداول لقاءات وأسماء تتكرر في سياقات غير رسمية، هو نمط عمل طويل الأمد، لا تكون فيه العلاقة المحرّمة غاية في ذاتها، بل وسيلة لإنتاج قابلية دائمة للضبط.
في هذا النموذج، لا يحتاج من يمتلك التسجيل أو الشهادة أو المراسلة إلى ممارسة ضغط مباشر؛ يكفي أن يكون الملف موجودًا، ليؤدي وظيفته تلقائيًا.
هذا النمط ليس جديدًا في تاريخ أجهزة الاستخبارات، لكنه يجد صدىً محليًا واضحًا في اعترافات حبيب العادلي، وزير الداخلية المصري الأسبق، حين أقرّ أمام المحكمة بمراقبة وتسجيل شخصيات سياسية وإعلامية.
أهمية هذه الاعترافات لا تكمن في بعدها الفضائحي، بل في كونها تكشف ممارسة ممنهجة:
تحويل الحياة الخاصة للنخب إلى أدوات ضبط طويلة الأمد، تُنتج الخوف والتبعية داخل المجال العام نفسه.
المقارنة بين حالتي إبستين والعادلي لا تهدف إلى المساواة بين السياقين، بل إلى إبراز تشابه المنهج والوظيفة.
في الحالة الأولى، نحن أمام رجل أعمال بواجهات خيرية وأكاديمية، يعمل خارج الأطر الرسمية، لكنه يؤدي دورًا سياسيًا بامتياز:
جمع النفوذ، تدويره، ثم استخدامه بهدوء. وفي الحالة الثانية، نرى مؤسسة أمنية رسمية تُستخدم لإنتاج ملفات ضد النخبة التي يُفترض أنها شريك في المجال العام.
في الحالتين، لا يتعلق الأمر بانحراف فردي، بل ببنية تسمح بتحويل المعرفة الخاصة إلى سلطة.
اللافت في شبكة إبستين أن جمهورها لم يكن جماهيريًا، بل نخبويًا بامتياز. المستهدفون لم يكونوا شخصيات ذات شرعية اجتماعية راسخة، بل نخبًا صاعدة: سياسيون يسعون إلى اعتراف دولي، أكاديميون يبحثون عن التموضع العالمي، وشخصيات إعلامية بلا قواعد محلية تحميها.
هذه الفئات تحديدًا أكثر عرضة للاستدراج، لا بالضرورة بسبب فساد أخلاقي عام، بل بسبب هشاشة بنيوية: طموح فردي مرتفع، مقابل اعتماد متزايد على مصادر شرعية خارج المجتمع.
في هذا السياق، يتحول الخطأ الشخصي، إلى مدخل لتجريد الفرد من استقلاله.
السيطرة هنا لا تُمارَس بالقوة المباشرة، بل بالخوف من السقوط؛ لا بالإكراه، بل بالاحتمال.
وهو ما يفسر لماذا لا نرى أوامر واضحة، ولا فضائح متتابعة، ومع ذلك نلاحظ اصطفافات متناسقة، وصمتًا انتقائيًا، وخطابات متشابهة رغم اختلاف السياقات.
الأكثر خطورة أن بعض الأسماء المرتبطة بدوائر إبستين كانت قريبة من فضاءات تُنتج الخطاب الأخلاقي العالمي:
حقوق الإنسان، حقوق المرأة، الحوكمة، والدبلوماسية الناعمة.
هنا لا نتحدث عن إدانات مباشرة، بل عن مفارقة بنيوية: كيف يمكن لمن يعمل داخل منظومة قابلة للابتزاز أن يتحدث باسم قيم كونية دون أن تتحول هذه القيم نفسها إلى أدوات إدارة سياسية؟ في هذه الحالة، تفقد الأخلاق بعدها التحرري، وتتحول إلى لغة نفوذ ناعمة تُستخدم لإعادة إنتاج النظام القائم، لا لتغييره.
التركيز الإعلامي على مصير إبستين أو تفاصيل حياته الشخصية يُضلل النقاش. القضية الحقيقية ليست موته، بل الوظيفة التي كان يؤديها.
وبالمثل، فإن اختزال تجربة العادلي في شخصه يخفي النظام الأوسع الذي يسمح بتحويل الأجهزة الأمنية إلى مصانع لإنتاج نخب مرتهنة عبر الملفات.
ما دامت النخب تُصنع خارج مجتمعاتها، وتُمنح شرعيتها من المؤسسات الدولية أو من أجهزة الدولة القمعية، لا من القاعدة الاجتماعية، فإن شبكات مشابهة ستستمر، بأسماء مختلفة، وأساليب أكثر احترافًا، وفضائح أقل ضجيجًا.
بالنسبة للعالم العربي، لا تكمن خطورة وثائق إبستين في الأسماء التي تثير الجدل، بل في النموذج الذي تكشفه. نموذج يفسر تشابه الخطابات رغم تغيّر الوجوه، وانفصال كثير من النخب المتصدّرة عن مجتمعاتها.
اعترافات العادلي ليست استثناءً محليًا، بل تعبيرًا فاقعًا عن آلية عالمية: التحكم في المصائر لا يتم عبر القمع المباشر فقط، بل عبر إنتاج نخب قابلة للضبط، تُدار بالملفات، وتُمنح أدوارها مقابل الصمت أو الانضباط.
قيمة هذه الوثائق والاعترافات لا تكمن في التشهير، بل في فضح بنية سلطة لا تحكم بالقوة وحدها، بل بالابتزاز المؤجل؛ ولا تفرض الحاكم فقط، بل تصنع النخبة التي تتكلم باسم المجتمع وتتحكم في مساراته.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بحدة لم يعد: من تورّط؟
بل: كيف يُعاد إنتاج نظام لا يسمح بالصعود إلا لمن يمكن كسره، ولا يمنح الصوت إلا لمن يظل قابلًا للإسكات؟ ومتى سيتم الإفراج عن نسخة ملفات ايبستن المصرية وماذا يمكن أن تفصح عنه من معلومات صادمة، وتكشف عن شخصيات مثيرة للجدل؟!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق