‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوسف الدموكي صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوسف الدموكي صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 6 مارس 2026

ترامب والحديقة الخلفية للبيت الأبيض

ترامب والحديقة الخلفية للبيت الأبيض
صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة,


مع تكلفتها 400 مليون دولار، يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن فرحته الغامرة بتطوير حديقة البيت الأبيض، في خطابه المُتزامن مع العدوان الأميركي الإسرائيلي على طهران، حيث تطرّق إلى أصوات الدقّ والإصلاحات المستمرّة في الخلفية، التي تُشعره بالسعادة، والتي ربما اختلطت قليلًا بصرخات أطفال مُتقطّعة نتيجة قصف أميركي-إسرائيلي لمدرسة استُشهد فيها نحو 160 طالبة، بينهن 10 معلّمات في إيران، لترد إيران بغارات عنيفة ما زالت مُستمرّة حتى ساعة الكتابة، وغالبًا حتى وقت قراءتك هذا المقال، على قواعد أميركية ومصالح تابعة لها في المنطقة، بما في ذلك ما طاول مرافق مدنية وبنى تحتية خليجية، وأوقع ضحايا مدنيين على هذا الجانب أيضًا.

لا يعبأ ترامب كثيرًا بالعمّال الذين على بعد مئة متر من مكتبه، وربّما لو سقط أحدهم من علٍ فتمزّق إربًا لن يكون نصيبه أكثر من بيان نعيٍ لن يلقيه بنفسه، إلا على سبيل اللَقطة لو سمحت الفرصة، ولا يبالي كذلك بأن تتكلّف الميزانية والمتبرّعون نحو نصف مليار دولار لتعديلات ستعجب زوجته، خاصةً مع اختيارها لون الستائر الذهبي على جانبي النافذة من خلفه، يعود الرجل لتكريم بعض الجنود، ثم يواصل الإطناب عن نزواته التجميلية والتفاصيل التافهة، ثم يتحدّث عن حرب إيران التي لن يُصاب بالملل إن طالت، ربما بالتزامن مع سقوط قذيفة على دماغ رضيعة إيرانية أو طفلة كويتية، لا بأس.

لن يُصاب ترامب بالملل إن طالت الحرب ضد إيران

يلتفت ترامب كلّ دقيقة تجاه الحديقة الخلفية، يشرئب، يصغي السمع، يتلذّذ بصوت الدقّ أكثر، يطرب لهذه "التعديلات" التي يجريها في ذلك الجناح من عالمه، فلا بأس بما يرد في نشرات الأخبار، كلّها تفاصيل لا تساوي شيئًا إلا كونها مجرّد عملية "تجميل وتشجير وتغيير"، كالتي تدور في الحديقة خلفه، ما دام ذلك خارج هذا البيت "الأبيض"، فإنه يتساوى، فهناك كما ترى عالمان، عالم تُنصب فيه الموائد والولائم، ويُعدّل القاعة لاستقبال 999 ضيفًا بدلًا من 200، ويحرص على استبدال الرخام الأبيض بالعشب الذي تغوص فيه كعوب أحذية النساء، وعالم آخر يغرس فيه القواعد والأرجل والرجال كمساحة تجربةٍ لا يطاوله منها نارٌ ولا شرر ولا دخان، فلتولع، وما الضرر المباشر عليه؟

أما تلك "الحديقة"، فقد ارتضت ذلك الحكم باقتناع عجيب، وقد حوّل أراضيها وسماواتها إلى فضاء عجيب للتسلية وأحيانًا للخناق وتصفية الحسابات، فمن يرد أن يعاركني فليأتِ إلى تلكم العواصم فوق رؤوس سكّانها، وليرني أشرس ما عنده، في النهاية قد يمضي جريحًا أو منتصرًا لا بأس، ويترك المكان شاهدًا على خسارته أو غارته، لا يهم، لكنني على كلّ حال سأركب طائرتي بعد تزوّدها بالوقود هنا، ثم أرحل لأبيت بجوار ميلانيا، في فراشنا الوثير المطلّ على الحديقة الغرّاء، ولا ضير ببعض مفرقعات تظهر من بعيد، فكلّ شيء يمكنه الحدوث، ما دام الأمر لا يجاوز الحديقة.

الجمعة، 13 فبراير 2026

ما لم يظهر في وثائق إبستين

 ما لم يظهر في وثائق إبستين

يوسف الدموكي
صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة

3 ملايين صفحة ما زال الخلق يقرؤونها منذ 10 أيام، كانت توجههم الأوراق إلى حيث شاءت، وتصدمهم كيفما شاءت، لا أحد قرأ شيئًا يريد أن يقرأه فعلًا، من أفرج عنها أو القائم بأمره هو من قرر ماذا على الجميع أن يقرأ، عن كسوة الكعبة التي على الأرض، أم الوايت صوص الذي فوق اللحم البشري، أم الدبلوماسية التي تغزلت إليه بأختها، أم ما هو أكثر بكثير. على كل حال، لن يستطيع إنسانٌ قراءة كل هذه الأوراق ولا البحث المنهجي فيها بما يكشف له حقائق واضحة، لأن الحقائق قد لا تكون ببساطة في ما أفرج عنه، بغرض الإغراق -في رأيي-، أو تكون فيها من حيث لا يصل الناس إليه، أو لا تكون قابلة للظهور أبدًا. فهل كنتم ترجون أن يفرج عن آلاف الوثائق؟ هاكم هي بين أيديكم بالملايين، ثم اليوم تريدون "متعة" إضافية؟ سنزيل العلامات السوداء من بعض النصوص، لنمنحكم شيئًا "تصعيديًّا" تتفاوضون عليه.

ذلك السيناريو، من نظير المؤامرة، يملك حصة في التحليلات فعلًا، وله زاوية معتبرة في المنطق، وإذا جمعنا الأحداث بالترتيب، وفلسفة الإدارة الأميركية مع رصيدها "الأخلاقي"، يمكننا تخيل كم هو قريب هذا السيناريو إلى الحقيقة أكثر من غيره، حيث لا مانع لدى النخبة بأن يضحَّى بالرجل ذي الجلباب الأبيض الذي يطهو لإبستين في بيته، ولا بعض الساسة الذين دعتهم نزواتهم لأبشع القذارات والقاذورات، ولا بعض الأكاديميين المثيرين للشفقة والقرف بشهواتهم المعقدة، كل ذلك إلهاء مناسب للغوغائيين الذين يريدون أن يغوصوا في ذلك الوحل من باب الفضول لسنتين قادمتين، لكن أحدًا لن يسأل عن شيء معين في الوثائق نبرزه إليه، ببساطة لأنه لا أحد يعرف ما يراد إخفاؤه في الوثائق فعلًا.

والتكلفة الآنية؟ بعض الخجل للطبقة السياسية والنخب المتورطة؟ بعض التضحية بآخرين؟ بعض الضجيج الذي سيصدره من يعتقدون أنهم كانوا كبش الفداء؟ 

لا بأس، فإبستين نفسه لم يعد موجودًا -بغض النظر عن فرضية أنه ما زال على قيد الحياة أصلًا-، ولن يتمكن أحد من الوصول في عهد الإدارة الأميركية الحالية إلى ما يدينها ويهدد بقاءها، وقد تجذرت في كثير من المفاصل، وأنهكت المؤسسات بتوغل موحش، والشارع نفسه لا يعول عليه كثيرًا حتى اللحظة، حيث لا مانع من استبدال هؤلاء "المهووسين جنسيًّا" في الدورة القادمة، في أفضل الأحوال، أما بقاؤهم فهو جزء من وجه أميركا الذي لا مانع من بقائه، ليس لأنه إن طلع العيب من أهل ميبقاش عيب، ولكن لأن ذلك "التوحش" جزء من القناع الذي يفضله مجانين السلطة أحيانًا، من قبيل منطق "أنا بعمل وبعمل وهعمل.."، فما يعيبني لو صح هذا كله؟

لن يستطيع إنسانٌ قراءة كل هذه الأوراق ولا البحث المنهجي فيها بما يكشف له حقائق واضحة، لأن الحقائق قد لا تكون ببساطة في ما أفرج عنه، بغرض الإغراق

والحقيقة الجلية هنا أن وثائق إبستين ليست إثباتًا صادمًا بعكس الخيالات التي كانت مرسومة، وإنما هي توكيد لها لا أكثر، مع أمثلة مقتضبة، لأن الذين بقروا بطون الحوامل في العراق وأفغانستان وغزة، والذين تقربوا بأشلاء الأطفال شلوًا شلوًا وطفلًا طفلًا، والذين اغتصبوا الذكران في سديه تيمان وغوانتانامو وأبو غريب، والذين استحلّوا نفط العراق وليبيا وفنزويلا وفيتنام، لم يكن ينقصهم أن يغتصبوا الفتيات القاصرات، أو أن يقوموا بطقوس يتقربون خلالها بأفعال لا ترد على عقل أو دين أو جنون أو انعدام دين وفطرة، لأن ما لم يظهر في وثائق إبستين ببساطة كان قد ظهر بالفعل على مدار 50 سنة مضت، بالتزامن مع المراسلة بالإيميل وما قبله، حين كانت لحوم "الشرقيين"، وثروات "الجنوب العالمي" حِلًّا للاغتصاب الجماعي، من قبل الرجل الأبيض الوسيم، الذي يرى العالم كله جزيرة معزولة يمارس فيها ما لذ له وطاب، ولا يعكر صفوه إلا هؤلاء الـ8 مليارات من البشر، الذين يرفضون أن يؤكَلوا صامتين على عشاء الليلة.

ترامب ورفاقه أدركوا فعلًا.. من أين تؤكل الكتف!

الجمعة، 19 ديسمبر 2025

"مش لسة بدري يا حورية؟"

 "مش لسة بدري يا حورية؟"

يوسف الدموكي

صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة


مش لسة بدري يا حبيبي؟! 

كانت تسألني كلّ صباح، وكلّ ليلة، كلّما هممت بخروج، أو اختفيت فجأة. 

كانت قريبتنا الخمسينية، ذات الوجه الملائكي، والقلب الأموميّ، والعيون العسلية، تُسائلني بعاطفةٍ تسبق عاطفة أمي، تسألني سؤالاً لم تسأله في حياتها، وهي التي لم تُنجب طيلة ثلاثين سنة قبل أن آتي إليها على عجَل، أقول: "آويني" يا حورية! 

كنتُ في منتصف العقد الثاني من عمري، صبيّاً يغادر طفولته توّاً، ويغادر معها بيته بالكامل، مُطارَداً من وحوش ليلٍ ضارية، لا يأمن منها مؤمن، بل "المؤمن" نفسه ضالتهم، ويكفيك إيمانك بكونك إنساناً، له صوت، وصورة، له حقّ، وكلمة، له هتاف، وأغنية، كان كلّ ذلك مُخالفاً لأمن الدولة، وتهديداً لسلامتها القومية، وتكديراً لسلمها العام، وقلباً لنظام الحكم.

أما قلب حورية، فكان بكراً، يشتاق إلى البكر، خصباً، عذباً، يريد أن يحبّ مولوده الأوّل، يريد أن يرزقَ بابنٍ يشقّ طريقه إلى الدنيا، فكنت ذلك الولدَ الذي أتاها من حيث لا تَحتسب، يحتاج إلى رعايةٍ، وإلى مهرب، وإلى مخبأ، وكم كانت قاسية المخابئ القلقة، وكم كانت تضنّ أحياناً بالأمن حين أرمق النافذة فأجد المدرّعات قريبة، لو نظر أحدهم فوق رأسه لرآني، إلّا عند "حورية"، كان المكان "محروساً" بحنانها، وكانت الأرض ممهّدةً بأهدابها، وكان "جدي عبد الستار" زوجها، وأحد أعمام والدي، صديقي الذي يكبرني بنحو نصف قرن، وكانت حورية، هي أمي التي رزقتها على كبَر، كما كانت تقول أمي التي ولدتني منذ الصغر.

 لو نظر أحدهم فوق رأسه لرآني، إلّا عند "حورية"، كان المكان "محروساً" بحنانها، وكانت الأرض ممهّدةً بأهدابها

أخالها مولودةً في لُفافتها، لم يقرّروا اسمها بعد، حتى رأوا مُحيّاها واستشعروا روحها فسمّوها "حورية". كبرت حورية، ولم يتغيّر بداخلها شيء، تلك الصغيرة شديدة البراءة، ناصعة الصفاء، أنظر في عيونها فأجد والدةً بلا ولد، وأنا لديها في ثلاث سنوات من الركض أمام المجهول، ولد بلا والدة، فكانت أمّي، وأقولها لها "أمي" فتطرب أذناها، وتغرورق عيناها، أيُبشر المرء بالولادة في هذا العمر؟ أجل، ومن قبلك أمّنا سارة.

تأتي لي حورية كلّ صباح بالإفطار، قبل أن يرتد إليّ طرفي، أو أقوم من مقامي. 

تعدّ لي الشاي والقهوة قبل أن أشعر بتنميلة رأسي، تطهو لي العشاء ألواناً وأصنافاً قبل أن يقرقر بطني، تُجالسني وهي عمّة أمّي، وزوجها وهو عم أبي، يجالساني كأنما يجالسان طفلهما الذي يضحكان على كلّ توافهه، يعيدان الكرّة من الأوّل. 

لم يكن ينقص المكان إلّا أرجوحة لي، حتى يستعيدا طفولة طفلهما كاملة، وأنا، في هنائي رغم الشقاء الذي يلفّني، كنت أشعر أنني أطارَد حين أكون في الخارج، وما إن أصل بيتهما حتى أخلع عني قلقي، وأنفي ملاحقتي، وأستشعر خلودي إلى قطعة من الزمان والمكان، مستثناةٍ من تلك المهزلة، إلى أن غبتُ عن حورية، وواصلت الركض بين المخابئ والمهارب، حتى عُدتُ بعد شهور من التعب، لأبيت الليلة التي قُبض عليّ فيها عندها، أمسكوا بي أمام عينيها، وقد فشلت الخطط التي أعدتها لي سابقاً، ليبدأ أسري منذ لحظة رأيت عينيها ترمقانني بنظرة مودِّع باكٍ.

بعد فترة السجن، عدت، ثم تغرّبت، تسع سنين، وأنا على العهد مع حورية، أنتظر "يا أمي" التي أقولها لها مباشرةً، وتنتظر "يا ابني" التي تقولها لي من دون حواجز، وبعيداً عن سماعة الهاتف. تسع سنين يا حورية، وأسألك اليوم: "مش لسة بدري؟"، تقولين: "بدري من عمرك يا حبيبي"، وقبل أن أقول "من عمرك أنت"، يأتيني الهاتف، يقول لي: "توفيت... حورية".



الثلاثاء، 28 أكتوبر 2025

السودان... قصة "الذهب الأحمر"!

 السودان... قصة "الذهب الأحمر"!

يوسف الدموكي


خمسمئة يوم وأكثر من الحصار الخانق والمجاعة القاتلة، مئات الشهداء ومئات آلاف النازحين، مجازر بالسكين وبالساطور وبالبارود، حقيقةً لا مجازًا، اغتصاب وهتك عرض واستعباد للسيّدات والأطفال والعجائز، مذبحة تتلو مذبحة، وصور تملأ مواقع التواصل، ومقاطع مرئية يلتقطها قتلة "الدعم السريع" لأنفسهم، على الطريقة الإسرائيلية في التوثيق والتباهي، مع اختلاف الألسنة واتفاق الجرائم والأهداف، وكلّ ذلك بدعمٍ واحد، من الاحتلال أو من وكلائه في المنطقة، سواء ارتدى مسعّر الحرب بدلةً سوداء أو ثوبًا أبيض، وكلّ ذلك، والصمت يحيط بكلّ شيء، والصحراء تبتلع آلام الجرحى وقرقرة الجوعى، بل والجرحى والجوعى أنفسهم، فيُدفنون أحياءً أو شبه أحياء، ويرحلون في طي الكتمان، مع أنّ قاتليهم لا يعبأون كثيرًا بأن يضعوا كواتم للصوت.

يصوّر "الدعَّامة" أنفسهم وهم يرتكبون فظائع لم تكن لتتخيّلها في أشدّ العصور جاهليةً، وربّما لأنّهم متعجّلون للغاية، فإنهم يتعجّلون القتل، دهسًا وذبحًا وقنصًا وقصفًا وحرقًا، أما من يملك رفاهية التمهل منهم فإنه لا يتوانى عن التمثيل بضحيته من أوّل لحظة، من قبل أن يموت، فيغتصب، ويعذّب، وينكّل، ويُهين، ويضحك، ويشارك أصدقاءه الإنسانةَ التي بين يديه، كما ورد في شهادات موثّقة حول أنّ الميليشيات أجبرت امرأة على الزواج من أربعة جنود، وغيرها من الفظائع المروّعة التي لا تسع المرارة لذكرها، ولا تكفي عيون ثمانية مليارات إنسان لبكائها دهرًا كاملًا.

كأنّ البشرية لا تكتفي بما جنت من عار، ولا تكتفي الأنظمة العربية بنكسة خذلان غزة، إنّما أرادوا أن يتمّوا المهزلة ببيع السودانيين في سوق الرقيق

وبينما ينشغل العالم بغزّة، بين قتلته ومشاهديه ومأجوريه، ومقاوميها ومناصريها، انفرد الوحش المُتعالي بالفاشر والخرطوم ودارفور، ومدن السودان الجريح، واحدةً تلو الأخرى، يمصّ دمها كاملًا، يمضغ أشلاءها حتى العظم، يغتصب نساءها حتى آخر رمق، يذبح أطفالها من الوريد إلى الوريد، ثم ينتقل "مكبّرًا" إلى المدينة التالية! مدعومًا كامل الدعم، في شيك على بياض، من تجار الذهب المخلوط بالدم، ذهب أحمر، لا أصفر، يقبض لا يلمع، له رائحة السوائل الزفرة لا المعادن، وفيه لعنة نفاذة، تدخّر نفسها حتى تُهلك التُجّار عن بكرة أبيهم، وتفسد تجارتهم، وتقتصّ منهم لكلّ هؤلاء الذين بُترت سواعدهم لسرقة الأساور من الأرسُغ، وانتُهكت أعراضهن للتخلّي عن الخواتم، مع أنّ القاتل كان بإمكانه الاكتفاء بالسرقة، لكنه اختار الجرائم المُتسلسلة، وتلك ليست من منطلق الطمع في المسروق، إنما غريزة الإجرام في الأسافل.

ومع تلك الإبادة الكبرى، ذلك التطهير العرقي، ذلك الاحتلال والاستعمار معًا، سمِّه كما تريد، يُذبح السودانيون في سكوت مقيت، لا أحد يتحرّك، بل لا أحد يدين، بل لا أحد يصدر بيانًا لا يساوي ثمن الحبر الذي كُتب به، ثمّة تآمر جماعي على شعب أعزل، على ملايين المواطنين الآمنين، على مئات آلاف المُجوَّعين المحاصرين، على مئات الشهداء في كلّ يوم وليلة، كأنّ البشرية لا تكتفي بما جنت من عار، ولا تكتفي الأنظمة العربية بنكسة خذلان غزة، إنّما أرادوا أن يتمّوا المهزلة ببيع السودانيين في سوق الرقيق، لصاحبهم "الأبيض"، وحول رسغه أغلى أسوارة ذهبية في العالم، لكنها الوحيدة التي في أصلها ممزوجة باللون الأحمر.



قوات الدعم السريع

جرائم الاستعباد
الاغتصاب

الجمعة، 26 سبتمبر 2025

لا للاعتراف بفلسطين!

لا للاعتراف بفلسطين!

يوسف الدموكي
صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة

ابتهاجات، واحتفالات، وفوضى أممية عارمة، ضجيج في القاعة، مباركات بين الساسة، ومهرجانات فوق الطاولات، البعض يكاد يرقص لأصحاب الفخامة والسمو على الترابيزة، فالحدث جلل؛ بريطانيا التي سلّمت فلسطين لعصابات من اللصوص وقطّاع الطرق تعترف بتلك الأرض التي سلّمتها وأهلها لمجازر ذبح أهلها بالسكاكين، وبلدان أخرى، بقصد ومن دون قصد، تظنّ الاعتراف بما هو مُعترف به إنجازًا، كأن تقول إنني أعترف أنّ هذا الجبل جبل، وهذا النهر نهر، بغضّ النظر عن تسميم مياهه، وقتل أسماكه، والفتك بغواصيه، وتدمير البيوت القائمة على ضفافه ونواصيه، لكنني بالنهاية أعترف بالحدود، والجغرافيا، من دون اعتراف بالتاريخ، سأعترف بالأراضي ما بعد احتلالها، ولكن بشرط، أن نُسقط اعتبار أنها محتلة من الحسبان أصلًا.

وماذا عن سكان هذه الـ"فلسطين" التي اعترفتم بها من باب نكايات سياسية، أو امتصاص لأزمات داخلية، أو احتواء لجموع غاضبة ستؤثّر على انتخاباتكم القادمة؟ 
ماذا عن الفلسطينيين؟ 
أهل تلك الأرض التي عمرها عشرة آلاف سنة قبل الميلاد، فيما تعترف بها دول وممالك عمرها قرون قصيرة؟ لا بأس بهم؟ بإبادتهم؟ 
ذلك شرط الاعتراف، أن نرسم خطًا حول المحرقة، ثم لا نبالي بالمحترقين بين حدوده، أن نقبّل أقدام الطبشور ونغضّ الطرف عن الآدمي المنتهك، أن نضع أصابعنا على الخريطة، بينما أصابع اليد الأخرى على عيوننا، تلك حيلة مناسبة لتخدير هؤلاء الحمقى جميعا، لا بأس أن يعترف نتنياهو نفسه بنفسه بفلسطين، بشرط أن يدع العالم فلسطين وشأنها، وشأنه.

تُهدم المآذن والقباب ثم يصلّون تحت خيالها، يرسلون السلاح بيدٍ ويكتبون الاعتراف بيد أخرى


ثم هذه الدولة المُعترف به، سنلحقها بنعت آخر، اسمح لي، اسمحوا لنا أيّها السكان المبادون عن بكرة أبيكم، ومع احترامنا لأبيكم، أن تكون دولة "فلسطينية"
.. ها؟ ماذا؟ "منزوعة السلاح"؟ نعم؟ 
أجل، هكذا سيكون الاعتراف، سأعطيك قطعة من أرضك، وأسلبك معظمها، ثم تلك القطعة الضئيلة ستكون كخرقة بالية، بلا سيادة، أي مارٍّ بها يستطيع أن يحوّلها إلى أيّ شيء يريد، قميصًا أكمامه في تل أبيب، أو بنطالًا تواري به سوءة بريطانيا، أو أدنى من ذلك للمتخاذلين العرب، دولة "منزوعة الكرامة"، منزوعة الإنسان، منزوعة الدولة، وبمعادلة حسابية بسيطة، سنطيّر البسط مع المقام، سنحذف "دولة" مع "سلاح"، لأنه كما تعلم لا أرض بلا شرف عسكري، ولا حدود بلا جنود يحمونها، فحينها لن يتبقى من جملة "دولة فلسطينية منزوعة السلاح" أي حرف، ربما قد تنسى بعض الحركات سهوًا؛ "الكسرة" مثلا!

ولذا، بعيدًا عن اعتبارات السياسة، واعتبروها جعجعةً في قاعة خلفية موازية للأمم الساقطة، حيث يُقتل الإنسان ويمشون في جنازته، حيث يُحرق البيت ويرفعون صوره، حيث يُهتك عرض العلم ثم يلفونه فوق الجسد المسجَّى، حيث تُهدم المآذن والقباب ثم يصلّون تحت خيالها، حيث يرسلون السلاح بيدٍ ويكتبون الاعتراف بيد أخرى، وأي يدٍ تلك التي سيكون له اعتبار بينهما؟ 
حيث يعترفون بفلسطين الذكرى، فلسطين الشيء، فلسطين اللفظ لا المعنى، فلسطين الخطوط المتقاطعة لا الإنسان المُمزّق، فلسطين التي تشبه كلّ شيء عدا فلسطين، فلهم فلسطينهم، ولنا فلسطين!