الاثنين، 11 مايو 2026

برنامج المقابلة مع الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني

برنامج المقابلة - مع الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني

كيف يعاد تشكيل العلاقات في المنطقة؟


المقابلة
حمد بن جاسم: أكبر خطر على الخليج ليس إيران ولا إسرائيل بل انقسامنا
حذر الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني من أن أخطر نتائج الحرب تمثلت في أزمة مضيق هرمز، معتبراً أن نتنياهو استفاد من المواجهة لإعادة تشكيل المنطقة، وداعياً إلى وحدة خليجية وبناء مشروع دفاعي وسياسي خليجي مشترك.


في حوار استثنائي اتسم بالصراحة والوضوح وكشف كثيرا من الكواليس السياسية المتعلقة بأخطر ملفات المنطقة، قدم الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الأسبق، رؤية مطولة ومتشعبة حول الحرب على إيران، ومستقبل الخليج، وأدوار الولايات المتحدة وإسرائيل، والعلاقة مع طهران، إضافة إلى قراءته لملفات فلسطين ولبنان وسوريا، مؤكدا أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل كبرى، وأن ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة عابرة بل تحول إستراتيجي قد يرسم شكل الشرق الأوسط لعقود مقبلة.

وخلال ظهوره في برنامج "المقابلة" مع الإعلامي علي الظفيري، قال الشيخ حمد بن جاسم إن الحرب ضد إيران لم تكن مفاجئة بالنسبة له، موضحا أنه سبق أن حذر منها في تغريدة نشرها العام الماضي، ودعا حينها دول الخليج إلى التحرك لمنعها عبر الضغط باتجاه الحلول السياسية والتفاوض، لكنه أشار إلى أن التحذير لم يؤخذ بالجدية الكافية حتى انفجرت المواجهة بالفعل.

وأكد أن المشروع العسكري ضد إيران لم يكن وليد اللحظة، بل جزء من أجندة طويلة الأمد تبناها ما وصفه بـ"الفرع المتشدد" داخل إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو، مضيفا أن إسرائيل حاولت منذ عهد الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون دفع الولايات المتحدة نحو عمل عسكري ضد إيران بذريعة برنامجها النووي.

وفي واحدة من أبرز محطات الحوار، كشف الشيخ حمد بن جاسم للمرة الأولى أنه ذهب بنفسه إلى إيران في أواخر تسعينيات القرن الماضي بتكليف من القيادة القطرية لنقل رسالة أمريكية إلى الإيرانيين بشأن برنامجهم النووي. وقال إن الأمريكيين أبلغوا قطر آنذاك أنهم يعتقدون بوجود نية إيرانية لتطوير برنامج نووي، وإنهم يريدون من طهران التخلص من هذا الملف خلال فترة قصيرة، إما عبر تسليمه لروسيا أو إخضاعه لترتيبات دولية محددة.

وأوضح أن قطر قامت حينها بدور الوسيط ونقلت الرسالة للإيرانيين، إلا أن طهران اعتبرت الدوحة متبنية للموقف الأمريكي، رغم أن قطر – بحسب قوله – كانت تنقل فقط ما طلب منها نقله.

وأشار إلى أن إسرائيل وأذرعها داخل الولايات المتحدة واصلت خلال العقود الماضية تهيئة الرأي العام الأمريكي لأي مواجهة عسكرية مع إيران، مؤكدا أن الإدارات الأمريكية السابقة، رغم تعاطفها مع إسرائيل، لم تكن متحمسة لحرب شاملة، بما في ذلك إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في ولايته الأولى، حيث كان هناك تردد واضح داخل البيت الأبيض، حتى مع وجود شخصيات متشددة مثل جون بولتون.

لكن نتنياهو – وفق الشيخ حمد – نجح هذه المرة في إقناع الإدارة الأمريكية بأن الحرب ستكون قصيرة وسريعة، وأن النظام الإيراني سيسقط خلال أسابيع قليلة، مستفيدا من تجارب سابقة مثل ما حدث في فنزويلا، ومن تصورات داخل واشنطن بأن إسقاط الأنظمة بات ممكنا عبر الضربات العسكرية والضغوط المركزة.
الخاسر الأكبر

ورأى الشيخ حمد أن الولايات المتحدة أخطأت عندما لجأت إلى القوة العسكرية، قائلا إن قوة أمريكا الحقيقية كانت دائما في قدرتها على تجنب استخدام القوة، لا في استخدامها. وأضاف أن الحرب أعادت الجميع في النهاية إلى طاولة التفاوض نفسها التي كانت قائمة قبل اندلاع المواجهة، معتبرا أن استمرار مفاوضات جنيف لأسبوعين إضافيين ربما كان سيجنب المنطقة الكارثة.

وأكد أن الخاسر الأكبر من الحرب كان الخليج وأوروبا وآسيا، بينما خرج نتنياهو بأكبر المكاسب السياسية، لأنه استطاع – بحسب تعبيره – تسويق مشروعه القائم على إعادة تشكيل المنطقة وفرض تحالفات جديدة بالقوة.

وقال إن رئيس الوزراء الإسرائيلي يتحدث علنا عن "خارطة جديدة" للمنطقة وعن تحالفات إجبارية وعن مشروع "إسرائيل الكبرى"، معتبرا أن الحرب خدمت هذا التصور بشكل مباشر.

وفي تقييمه لسلوك إيران خلال الحرب، قال الشيخ حمد إن طهران نجحت في امتصاص الضربة الأولى، ثم بدأت تماطل في الذهاب إلى تسوية لأنها وجدت مكاسب جديدة نتجت عن الأزمة، أهمها إدخال مضيق هرمز إلى قلب الصراع.

ووصف ملف مضيق هرمز بأنه أخطر ما أفرزته الحرب الحالية، قائلا إن الأزمة لم تبدأ من المضيق، لكنها انتهت بجعل المضيق محورا دوليا جديدا للنزاع، وهو ما يشكل تهديدا مباشرا لدول الخليج واقتصادات العالم.

وأضاف أن إيران تتحدث الآن عن المضيق وكأنه جزء سيادي خاص بها وليس ممرا دوليا، معتبرا أن ذلك يفتح الباب أمام أزمة أخطر من الملف النووي نفسه.
إغلاق المضيق

وشدد على أن دول الخليج كانت الأكثر تضررا من إغلاق المضيق، لا الولايات المتحدة، لأن اقتصادات الخليج تعتمد على استقرار الملاحة والطاقة، بينما استفادت شركات النفط الكبرى من ارتفاع الأسعار.

وانتقد بشدة الهجمات الإيرانية على دول الخليج تحت ذريعة استهداف المصالح الأمريكية، قائلا إن إيران ضربت منشآت نفطية وغازية ومناطق مدنية وصناعية في دول كانت أصلا ترفض الحرب عليها.

واعتبر أن طهران خسرت كثيرا من رصيدها داخل الخليج، وأن الشعوب الخليجية باتت تنظر إليها بعين الغضب بسبب الخسائر الاقتصادية وتعطيل حياة الناس والمساس بأمنهم المباشر.

ومع ذلك، شدد الشيخ حمد على أن الخليج لا يستطيع الدخول في قطيعة دائمة مع إيران، لأن الجغرافيا تفرض التعايش، مضيفا أن المطلوب ليس "فتح صفحة جديدة" بشكل عاطفي، بل إجراء مراجعة حقيقية وصريحة للعلاقة مع طهران.

وأكد أن أي حوار مستقبلي مع إيران يجب أن يكون جماعيا وخليجيا، لا عبر اتصالات منفردة ومتفرقة، لأن غياب الموقف الخليجي الموحد هو ما سمح – بحسب رأيه – لإسرائيل باختراق المنطقة وإقناع واشنطن بالحرب.

وفي واحدة من أكثر العبارات وضوحا في الحوار، قال الشيخ حمد إن الخطر الأكبر على الخليج ليس إيران ولا إسرائيل ولا حتى القواعد الأمريكية، بل الخلافات الخليجية نفسها.

وأوضح أن دول الخليج لو كانت موحدة بشكل حقيقي، لما استطاعت أي قوة دولية تجاوز مصالحها أو تجاهلها في القرارات الكبرى.

وضرب مثالا على ذلك بعدم توقيع اتفاقية تجارة حرة مع أوروبا منذ عقود، لأن الأوروبيين – بحسب روايته – لا يرون موقفا خليجيا موحدا يجبرهم على تقديم تنازلات حقيقية.
ناتو خليجي

ودعا الشيخ حمد إلى بناء "ناتو خليجي" يبدأ بعدد محدود من الدول المتفقة سياسيا وإستراتيجيا، ثم يتوسع تدريجيا، مشيرا إلى أن الاتحاد الأوروبي نفسه بدأ بعدد صغير من الدول قبل أن يتوسع.

وأكد أن نجاح أي مشروع خليجي مشترك يتطلب نظاما قانونيا ومؤسساتيا ثابتا يحترمه الجميع، الكبير قبل الصغير، وأن السعودية تمثل العمود الفقري الطبيعي لهذا المشروع.

كما دعا إلى تطوير شراكات إستراتيجية طويلة الأمد مع دول مثل تركيا وباكستان ومصر، على أساس المصالح المتبادلة، لا التحالفات الموسمية العابرة.

وفي حديثه عن الوجود الأمريكي في الخليج، قال الشيخ حمد إن القواعد الأمريكية وفرت ردعا مهما خلال العقود الماضية، لكنه شدد على أن الولايات المتحدة لن تبقى مهتمة بالمنطقة إلى الأبد، لأن أولوياتها الإستراتيجية تتجه تدريجيا نحو آسيا والمحيط الهادئ ومواجهة الصين.

وأضاف أن الحرب الأخيرة كشفت نجاح الدفاعات الخليجية في حماية دولها، لكنها أظهرت أيضا وجود ثغرات تحتاج إلى معالجة عاجلة.

وفي تقييمه للوضع الداخلي الإيراني، قال الشيخ حمد إن النظام الإيراني خرج أقوى سياسيا بعد الحرب، وإن أي محاولة لإسقاطه بالقوة العسكرية كانت وهما منذ البداية.

وأضاف أن الإيرانيين سيستفيدون من الحرب لتطوير قدراتهم العسكرية والتكنولوجية، تماما كما يجب على دول الخليج أن تفعل.

كما أشار إلى أن إيران تفاوض منذ سنوات طويلة وفق إستراتيجية "التفاوض من أجل التفاوض"، حيث تمنح الغرب انطباعا دائما بوجود تقدم بينما تواصل كسب الوقت.

وقال إن الإيرانيين يمتلكون فهما عميقا للطرف الآخر ويعرفون كيف يديرون المفاوضات، مؤكدا أن القرار داخل إيران ليس فرديا بل جماعي، تشارك فيه مؤسسات متعددة بينها الرئاسة والحرس الثوري والمرشد الأعلى.
كارثة أخلاقية وسياسية

وفي الملف الفلسطيني، قدم الشيخ حمد قراءة مطولة لأحداث السابع من أكتوبر، قائلا إنه ضد قتل المدنيين من أي طرف، لكنه اعتبر أن إسرائيل ارتكبت كارثة أخلاقية وسياسية بردها الوحشي على غزة.

وأوضح أن ما جرى منح الفلسطينيين تعاطفا عالميا غير مسبوق، خصوصا في أوروبا والولايات المتحدة، حيث بدأت الرواية الإسرائيلية تتآكل بسبب حجم الدمار والقتل الذي طال المدنيين والأطفال والنساء.

لكنه في المقابل رأى أن الفلسطينيين، وخاصة حركة حماس، يجب أن يحسبوا الربح والخسارة، لأن الكلفة الإنسانية للحرب كانت هائلة.

وقال إن إسرائيل كان يمكنها التعامل مع الهجوم بطريقة سياسية وأمنية مختلفة، كما فعلت الهند بعد هجمات مومباي، لكنها اختارت الانتقام الشامل والتدمير الجماعي.

واتهم المجتمع الدولي بالتخلي عن القضية الفلسطينية، قائلا إن الجامعة العربية أصبحت غائبة بالكامل، وإن القيادة الفلسطينية نفسها تبدو منفصلة عن الواقع الجاري في غزة.

كما حذر من تحول غزة إلى مشروع تهجير وعقار، مشيرا إلى معلومات عن وجود أموال تدفع لتشجيع السكان على مغادرة القطاع.

ورفض الشيخ حمد الطرح القائم على نزع سلاح حماس دون وجود أفق سياسي حقيقي، مؤكدا أن القانون الدولي نفسه يعترف بحق مقاومة الاحتلال.

وأضاف أن أي حديث عن نزع السلاح يجب أن يقابله حديث واضح عن الدولة الفلسطينية والحدود والحقوق السياسية.

وأشاد بالموقف السعودي الرافض للتطبيع مع إسرائيل قبل قيام دولة فلسطينية، معتبرا أن الرياض اتخذت موقفا مهما أربك حسابات نتنياهو الذي كان يراهن على اتفاق قريب مع السعودية.
حرب أهلية لبنانية

أما في الملف اللبناني، فقال إن حزب الله يواجه تحديا حقيقيا، لأن استمرار امتلاكه للسلاح واتخاذه قرارات الحرب والسلم سيؤدي إلى خسائر سياسية داخلية متزايدة.

لكنه استبعد اندلاع حرب أهلية لبنانية واسعة، مؤكدا أن هناك قوى لبنانية تدرك خطورة الانفجار الداخلي.

كما رأى أن إسرائيل لم تلتزم فعليا بأي هدنة في لبنان، وأنها تستخدم كل الملفات لخدمة مشروعها السياسي والعسكري.

وفي حديثه عن سوريا، عبر الشيخ حمد عن ارتياحه لسقوط نظام بشار الأسد، مؤكدا أنه لم يفاجأ بما حدث، لأنه كان يرى منذ سنوات أن النظام قائم على القمع والمصالح الضيقة.

وكشف أنه التقى الأسد أكثر من مرة بعد اندلاع الثورة السورية، ونصحه بالاستجابة لمطالب شعبه، لكنه رفض الاستماع لأي نصائح.

وأشاد بالأداء السياسي للقيادة السورية الجديدة، قائلا إنها تتعامل بذكاء مع الاستفزازات الإسرائيلية وتتجنب الانجرار إلى معارك غير محسوبة.

كما دعا إلى التركيز على بناء مؤسسات الدولة السورية والاقتصاد والصناعة وتوفير فرص العمل، معتبرا أن سقوط النظام السابق لم يكن نتيجة الظلم فقط، بل أيضا نتيجة انهيار المؤسسات والفقر والجوع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق