كيف تعيد أرض الشام تصحيح البوصلة؟
إضاءات سياسية ودعوات جريئة

مضر أبو الهيجاء
إنَّ بركةَ الشامِ التي أخبرَ اللهُ بها لا تنحصرُ في الأرضِ، بل تتعدّاها إلى الإنسانِ بما يحمله من عقيدةِ توحيدٍ وإيمانٍ، وبما يجسّده من ثباتٍ على الصراطِ، وبما يرشدُ به أمّتَه من خياراتٍ.
وكما أنَّ جزءًا من أهلِ الشامِ قد أخطؤوا في توجيهِ البوصلةِ السياسيةِ نحو مشروعٍ معادٍ للأمةِ في إيران، مما تسبّب في فجواتٍ حقيقيةٍ بين الشعوبِ العربيةِ وبين القضيةِ الفلسطينيةِ، وأحدث غبشًا واضطرابًا في فهمِ الحقِّ وتمييزِ الحقائقِ، وخاصةً فيما يتعلق بالمشروعِ الإيرانيِّ ودينِ وليِّ الفقيهِ الذي يقوده الملالي؛ فإنَّ أهلَ الشامِ الكرام، بعد تحريرِ سوريا وعودةِ العلماءِ والدعاةِ إليها متحررين من بطشِ الظالمين، قادرون اليوم على تصويبِ البوصلةِ السياسيةِ للأمةِ.
الحلفُ العربيُّ والإسلاميُّ معَ تركيا الشَّوْكَة
إن تصويب العلماء الأبرار والثوار الأحرار البوصلة السياسية للأمة انطلاقا من أرض الشام المحررة يكون من خلال تفعيل تحالف مع تركيا المسلمة والمنتمية.
تُرْكِيَا المُسلمة صمَامُ أَمَانِ العَرَبِ وَالمُسْلِمِينَ
ورغم وجود جوانب قصور وخلل في مسيرة الإصلاح التركية، وحقيقة وجود وحش العلمانية فيها، إلا أنها كدولة وجيش ومجتمع وأحزاب حاكمة وشخصيات رئاسية في مجموعها تمثل شوكة سياسية وعسكرية فاعلة إقليميا ووازنة دوليا بشكل يصب في مصلحة الأمة، وهي بذلك مرشحة لأن تكون بوصلة سياسية يجتمع حولها العرب والمسلمون بهدف إعادة تشكيل وحدة سياسية تدريجية للأمة، لا سيما في ظل تحولات دولية متوقعة وتغيرات في موازين القوى سترسم واقعا ومستقبلا قهريا جديدا.
العَرَبُ بَيْنَ الاِسْتِضْعَافِ أَوِ التَّحَالُفِ وَالاِنْعِتَاقِ مَعَ تُرْكِيَا
وفي هذا السياق، فإن تكوين تحالف سياسي عربي إسلامي يجمع الباكستان والجزائر ومصر والسعودية مع دولة يقودها رجل قوي ذكي منتمٍ للأمة – الرئيس التركي أردوغان-، منحاز لشعوبها وغيور على دينها، وهي دولة تشكل شوكة وقوة إقليمية ذات موجودية عسكرية معتبرة وحضور فاعل -تركيا المسلمة-، شرط لاكتمال وتحقق الحلم والفكرة بالشكل الذي يجسده ويجعل منه أداةً لموازنة الحال ومواجهة التحدي القائم، ومدخلًا لتجاوز حالة التفكك والاستضعاف التي تعانيها جميع البلاد العربية، وأملا واعدا في تموضع عربي إسلامي مدرك للتحولات الدولية القائمة وصلب أمام منعرجاتها القادمة.
طَلِيعِيَّةُ الدَّوْرِ السِّيَاسِيِّ فِي الشَّام
وعلى هذا، فإن تصحيح البوصلة السياسية يبقى مرهونًا بقدرة خصوص أهل الشام الأبرار والأحرار وعموم العرب المنتمين على استيعاب التحولات الدولية، وإدارة وعقد التحالفات باتجاه القبلة الصحيحة، انطلاقًا من الانتماء الثقافي القائم على شرعة الإسلام، وبمنطق المصلحة والاستقرار المشتركين، مع تجنب الانجراف نحو فخاخ الاستقطاب الطائفي والمذهبي.
المنقذ لسورية من التشرذم والتفتيت
لقد نجح الخصوم في ضرب الثَّورة السُّوريّة المباركة في مقتل، عندما قَتَلوا بضربةٍ واحدةٍ قيادتها الواعدة التي جمعت بين سَويّة التديّن وصوابيّة الفهم ونُضج الرؤية السياسيّة ورُقيّ السلوك الدعويّ والمجتمعيّ والثوريّ، وهي قيادةُ أحرار الشام التي اغتيلت بيد كهنةٍ دوليّين في ليلةٍ مظلمة، فكان اغتيالُها منعطفًا حقيقيًّا سبّب تراجعًا وأشكالًا من الانحرافات والتشرذم في مسيرة ثورة أهل الشام المباركة.
وإنَّ من قتل قيادة ثورة الشام المباركة الأكثر وعيًا وسَويّةً لا يزال قائمًا يحيط بسورية وله أثرٌ فاعلٌ في داخلها، يرقب كل شيء عن كثب، الأمر الذي يوجب التنبّه من خطوةٍ راجحةٍ يُعاد فيها إرجاع سورية مئة عامٍ إلى الخلف، ليمنع نهضتها ويحول دون قوتها، بل ويشرذمها ويفتتها بشكلٍ مفزع، الأمر الذي يوجب على السوريين السياسيين والقادة والنخب والمفكرين والدعاة أن يوقنوا بأنه من الناحية العملية لن يُنقذ سورية من التشتّت والتمزّق شبه المحقّق في المدى المتوسط إلا تحالفُها مع الشوكة التركية، التي تجمعها معها وحدة ثقافية قائمة على دين الإسلام، كما تجمعها معها مصالح سياسية وجغرافية واقتصادية ومائية وعسكرية وأمنية.
وفي ظل وجود الكيان الإسرائيلي، الذراع النجس للمشروع الأمريكي الصهيوني، فإن ابتلاع سورية أمرٌ وارد قائم ودائم، بعد أن دمّرها الغرب بالأيادي الأسدية والإيرانية، ولا منقذ لسورية من الابتلاع بعد الله إلا تحالفُها مع تركيا الأم، الذي سيشكّل منعطفًا حقيقيًّا لصالح عموم العرب، تكون طليعته سورية الحرة.
حقيقة التحرير وبُرهان امتلاكُ الإرادة السّياسية
وإن أول علامات تحرر سورية بصفتها الإسلامية المنتمية هي خروجها من عقيدة القُطْرية الجاهلية، وتجسيدها لهدف المسلمين في الوحدة السياسية كشرطٍ لاسترداد دولة الأمة الغائبة وعودة الريادة الحضارية للمسلمين.
ملاحظة: المقال الحالي استكمال لمقال تركيا المسلمة.
مضر أبو الهيجاء بلاد الشام 5/5/2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق