الأحد، 12 يوليو 2026

منارات الأناضول.. مشروع جديد يعيد العلم والحكمة لمساجد تركيا

منارات الأناضول.. مشروع جديد يعيد العلم والحكمة لمساجد تركيا



ليست الاستثمارات الاقتصادية وحدها هي التي تصنع مستقبل الأمم، فالقوة الحقيقية لأي شعب إنما تقوم على أسرة متماسكة، وتعليم راسخ، وثقافة أصيلة، ووعي يتغذى من العلم الصحيح والمعرفة الموثوقة؛ ولهذا، فإن بعض المشاريع لا تقتصر آثارها على تلبية احتياجات الحاضر، بل تمتد لتسهم في صناعة مستقبل الوطن والأجيال.

ومن هذا المنطلق، نرى أن مشروع "حلقات العلم والحكمة" الذي أطلقته رئاسة الشؤون الدينية التركية (Diyanet)، ليس مجرد برنامج تعليمي جديد، وإنما هو مشروع حضاري بامتياز، يستحق كل تقدير ودعم ومساندة؛ ولهذا جاءت هذه الكلمات؛ وفاءً بواجب الشكر، وإيمانًا بضرورة تشجيع المبادرات النافعة، ودعوةً صادقة، ولا سيما إلى أساتذة الكليات الشرعية وكليات الإلهيات وأهل العلم، ليكونوا شركاء في هذا الخير الكبير، فالله سبحانه وتعالى يقول: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: 2)، وما كان نافعًا للناس، ومُسهمًا في بناء الإنسان، جديرٌ بأن تتضافر الجهود لإنجاحه وتعزيزه.

ما مشروع "حلقات العلم والحكمة"؟

يقوم مشروع "حلقات العلم والحكمة"، الذي أطلقته رئاسة الشؤون الدينية التركية (Diyanet) ضمن مشروعها الأكبر "لنلتقِ في المسجد.. قلب المدن"، على تنظيم حلقات علمية منتظمة في المساجد، يشارك في تقديمها أساتذة كليات الإلهيات والعلوم الإسلامية، وأساتذة أكاديمية ديانت، ومعاهد التخصص الديني، بهدف تدريس علوم الشريعة المختلفة، كالتفسير، والحديث، والفقه، والعقيدة، والسيرة، والتصوف، وغيرها من العلوم، في إطار علمي رصين، وبمنهجية منتظمة، تراعي احتياجات المجتمع المعاصر، وتربط بين أصالة التراث ومتطلبات الواقع.
ولا يقف المشروع عند حدود تقديم دروس دينية للجمهور، بل يتجاوز ذلك إلى بناء جسر مؤسسي متين بين الجامعة والمسجد، وبين الأكاديميين والمجتمع، بما يعيد للمسجد دوره التاريخي بوصفه منارةً للعلم، وبما يُفعِّل دور الأكاديميين والعلماء مسجديًّا ومجتمعيًّا، ويجعل المعرفة الشرعية الموثوقة أقرب إلى الناس، ولا سيما الشباب، في زمن تتسارع فيه مصادر التلقي، وتزداد فيه الحاجة إلى المرجعية العلمية الرصينة.
ومن هنا، فإن قيمة هذا المشروع لا تكمن في كونه برنامجًا تعليميًا جديدًا فحسب، وإنما في الرؤية الحضارية التي ينطلق منها، والرسالة العلمية والمجتمعية التي يسعى إلى تحقيقها، وهو ما يدعونا إلى التوقف عنده، والإشادة به، والدعوة إلى دعمه وتعزيزه.

خطوة تركية جاءت في وقتها

لم يعد الوصول إلى المعلومات أمرًا صعبًا في عصرنا، لكن الوصول إلى المعرفة الصحيحة أصبح أكثر صعوبة من أي وقت مضى، فمنصات التواصل الاجتماعي، والفضاء الرقمي المفتوح، والتدفق الهائل للمحتوى، غيَّرت الطريقة التي يتلقى بها الشباب معارفهم الدينية، وأصبح كثير منهم يتعلم دينه من شاشة الهاتف قبل أن يتلقاه في المسجد أو الجامعة.

ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى مصادر موثوقة، وعلماء متخصصين، وحلقات علم منتظمة تقدم المعرفة الصحيحة بلغة علمية رصينة وأسلوب تربوي قريب من الناس، ومن هذه الزاوية تحديدًا تتجلى قيمة مشروع حلقات العلم والحكمة؛ إذ يعكس قدرة رئاسة الشؤون الدينية على قراءة تحولات العصر، واستيعاب حاجات المجتمع، والاستجابة لها برؤية بعيدة المدى.فهذا المشروع ليس مجرد نشاط تعليمي إضافي، بل هو خطوة لإعادة المعرفة الدينية الموثوقة إلى قلب الحياة، وإحياء الدور العلمي للمسجد، وبناء جسر جديد بين الجامعة والمجتمع.

ضرورة عودة المسجد إلى رسالته العلمية

لم يكن المسجد في حضارتنا الإسلامية يومًا مكانًا للصلاة فحسب، بل كان مدرسةً للعلم، وملتقىً للفكر، ومجلسًا للحكمة، وفي رحابه كان العلماء يجلسون إلى الناس، يتدارسون القرآن والسنة، ويجيبون عن الأسئلة، ويغرسون القيم، ويُخرِّجون الأجيال.
واليوم، نحن أحوج ما نكون إلى استعادة هذه الرسالة العريقة؛ فالمسجد الذي يعمر بالعلم، لا يقتصر أثره على رواده، بل يمتد أثره إلى الأسرة، والحي، والمدينة، بل إلى المجتمع بأسره، ومن هنا، فإن مشروع حلقات العلم والحكمة لا يسعى إلى استعادة الماضي كما هو، وإنما يعمل على إحياء تقليد علمي أصيل، في صورة معاصرة، تستجيب لمتطلبات زماننا، وتفتح للمسجد آفاقًا جديدة في خدمة المجتمع.

أعظم ما يميز المشروع التركي

ولعل أكثر ما يلفت النظر في هذا المشروع أنه لا يكتفي بتفعيل دور المسجد، بل يفتح كذلك طريقًا جديدًا للتواصل بين الجامعة والمجتمع، فأساتذة كليات الإلهيات، ومدرسو أكاديمية ديانت، وأساتذة معاهد التخصص الديني، لن يبقوا داخل القاعات الجامعية وحدها، وإنما سينتقل علمهم أيضًا إلى بيوت الله، حيث يلتقون بالشباب، والطلاب، وأفراد المجتمع، في حلقات علم منتظمة.
وهذا ليس مجرد ترتيب إداري، بل هو رؤية حضارية عميقة؛ تعيد العلم إلى بيئته الطبيعية، وتجعل الجامعة أكثر قربًا من الناس، وتتيح للأجيال الصاعدة أن تتلقى العلم مباشرة من أهله؛ فحين يسير أستاذ الجامعة إلى المسجد، فإن الذي ينتقل في الحقيقة ليس شخصه فقط، بل ينتقل معه رصيد من المعرفة والخبرة والتجربة، ليصبح في متناول المجتمع كله.

ليست دعوة فحسب.. بل مسؤولية علمية

يعد مشروع حلقات العلم والحكمة من أكثر المشاريع التي تعني الوسط الأكاديمي، ولا سيما كليات الإلهيات في تركيا؛ لأنه يسعى إلى نقل الثروة العلمية التي تراكمت في الجامعات عبر سنوات طويلة من البحث والتدريس إلى المجتمع مباشرة، وليس ثمة مهمة أقرب إلى رسالة الأستاذ الجامعي من هذه المهمة، فالعلم لا يؤدي وظيفته كاملة إذا بقي حبيس المقالات العلمية، أو الرسائل الجامعية، أو قاعات المؤتمرات، وإنما تكتمل رسالته حين يلامس حياة الناس، ويجيب عن أسئلتهم، ويسهم في بناء وعي الأجيال.
واليوم، يمتلك أساتذة كليات الإلهيات رصيدًا علميًّا وخبرةً معرفية واسعة، ومن الطبيعي أن يكون المسجدُ أحدَ أهم الميادين التي تُقدَّم فيها هذه الثمرة العلمية للمجتمع، وهنا تبرز قيمة مشروع حلقات العلم والحكمة؛ إذ يهيئ بيئة يلتقي فيها الأستاذُ الجامعي بالمواطن، والعالمُ بالطالب، والكتاب بالحياة؛ ولهذا فإن هذا المشروع لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه مبادرة تخص رئاسة الشؤون الدينية وحدها، بل هو مشروع مشترك، يستحق أن تتبناه الأسرة الأكاديمية كلُّها، وأن تسهم في إنجاحه بكل ما تملك من خبرة وإمكانات.

المجتمع بحاجة إلى الجامعة.. والجامعة بحاجة إلى المجتمع

كلما اقتربت الجامعة من المجتمع، ازدادت أبحاثها حيوية، وازدادت قدرتها على معالجة الواقع، وفي المقابل، كلما ابتعد المجتمع عن المؤسسات العلمية، ازدادت حاجته إلى مصادر موثوقة توجهه وتجيب عن أسئلته؛ ولذلك تأتي أهمية حلقات العلم والحكمة؛ فهي تعيد وصل هذين العالمين من جديد؛ فعلى جانب، يقف الأكاديميون الذين أفنوا أعمارهم في البحث والتدريس، وعلى الجانب الآخر، يقف الشباب، والأسر، ورواد المساجد، وكل من يتطلع إلى المعرفة الصحيحة.
وهذا اللقاء لن يكون مجرد درس يُلقى، بل سيكون حوارًا حيًّا، يتعلم فيه الطرفان معًا، فالأستاذ الجامعي يتعرف عن قرب إلى قضايا المجتمع وأسئلته، بينما يجد المجتمع فرصة ثمينة لتلقي العلم من أهله، في بيئة علمية رصينة، وبهذا تؤدي الجامعات رسالتها المجتمعية على أكمل وجه، كما تتعزز الخدمات الدينية بما تمتلكه المؤسسات الأكاديمية من عمق علمي وخبرة تخصصية.

ملاذ آمن لشباب يبحثون عن المعرفة الصحيحة

لم تعد المشكلة اليوم في قلة المعلومات، بل في كثرتها، وفي صعوبة التمييز بين الصحيح منها والزائف، فقد أتاح العالم الرقمي كمًا هائلًا من المحتوى، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام فوضى معرفية واسعة، ولا سيما في المجال الديني، حيث تنتشر آراء وتفسيرات يصدر كثير منها عن غير المختصين.
ولهذا أصبح الشبابُ في أمسّ الحاجة إلى بيئات علمية موثوقة، يتلقون فيها العلم على أيدي أهله، ويجدون فيها من يجيب عن أسئلتهم، ويصحح مفاهيمهم، ويغرس فيهم المنهج العلمي الرصين؛ ومن هنا فإن الدروس المنتظمة التي يقدمها الأكاديميون وأساتذة التخصص ضمن حلقات العلم والحكمة لن تكون مجرد وسيلة لاكتساب المعلومات، بل ستكون فضاءً تربويًا آمنًا، يتعلم فيه الشباب كيف يفكرون، وكيف يقرأون، وكيف يفهمون دينهم فهمًا صحيحًا ومتوازنًا، وهذا، في تقديرنا، هو أحد أعظم مكاسب المشروع؛ فهو لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يبني الثقة، ويعزز الانتماء، ويقيم صلةً متينة بين الأجيال الصاعدة وبين العلم الشرعي الأصيل.

أهمية عودة المسجد مركزًا للعلم

إن حيوية المسجد لا تقاس بكثرة رواده في أوقات الصلاة فحسب، وإنما بما يحتضنه من علم، وما يشيعه من حكمة، وما يسهم به في بناء الإنسان؛ فالمساجد التي تنتظم فيها حلقات العلم تتحول مع مرور الوقت إلى مراكز إشعاع ثقافي وتربوي، يقصدها الناس لا للصلاة وحدها، بل للتعلم، والحوار، والاستشارة، والارتقاء الفكري والروحي.
ومن هنا فإننا نؤمن بأن حلقات العلم والحكمة قادرة - إذا حظيت بالدعم والمشاركة - على أن تخلق في مختلف أنحاء تركيا بيئة علمية جديدة، تعيد إلى المسجد شيئًا من رسالته التاريخية، وتجعله مرة أخرى منارةً للعلم، كما كان عبر القرون؛ فالعلم، إذا وجد المكان المناسب، لا يغير الأفراد وحدهم، بل يغير المجتمعات بأسرها.

لقد حان وقت الإسهام والمشاركة

لا شك أن هذا المشروع ليس مشروعًا يمكن لرئاسة الشؤون الدينية أن تنهض به وحدها، فالأهداف الكبرى لا تتحقق إلا عندما تجتمع المؤسسات، والجامعات، والعلماء، والمجتمع حول رؤية واحدة ورسالة مشتركة، ومن هنا، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الجميع.
ينبغي لكليات الإلهيات أن تنظر إلى هذا المشروع بوصفه امتدادًا طبيعيًّا لرسالتها الأكاديمية، وأن ترى فيه ميدانًا حقيقيًا لتفعيل دورها المجتمعي، كما ينبغي لأكاديمية ديانت، ولمعاهد التخصص الديني، أن تسهم بما تمتلكه من خبرات علمية ورصيد معرفي في إثراء هذه الحلقات وتعزيز أثرها.
أما الأكاديميون، فإن مشاركتهم في هذه الحلقات ليست مجرد نشاط تعليمي إضافي، بل هي أداء لرسالة العلم، وأمانة المعرفة، ووفاء للمسؤولية التي يحملها كل من آتاه الله علمًا ينتفع به الناس؛ فالجامعة لا تُقاس مكانتها بعدد ما تنشره من بحوث فحسب، وإنما كذلك بما تقدمه لمجتمعها من علم نافع، وبما تسهم به في بناء الإنسان وصناعة الوعي.

أعظم استثمار هو الاستثمار في الإنسان

تسير تركيا اليوم بخطى واثقة نحو مستقبل أكثر تقدمًا في مجالات التعليم والبحث العلمي والتقنية والثقافة، غير أن نجاح هذه المسيرة يحتاج، إلى جانب كل ذلك، إلى بناء الإنسان؛ الإنسان الذي يجمع بين العلم والقيم، وبين المعرفة والحكمة، وبين التخصص والانتماء الحضاري.
ولذلك تبرز الأهمية الاستراتيجية لمشروع حلقات العلم والحكمة؛ فهذا المشروع لا يستثمر في المباني، وإنما يستثمر في العقول، ولا يركز على البرامج المؤقتة، وإنما يراهن على صناعة الأجيال، ولا ينظر إلى الحاضر وحده، بل يمد بصره إلى المستقبل.
فلعل حلقة علم صغيرة تُعقد اليوم في أحد المساجد، تكون بعد سنوات سببًا في إعداد عالم، أو أستاذ جامعة، أو مفتي، أو معلم، أو شاب واعٍ يحمل رسالة العلم إلى مجتمعه، وهكذا تُبنى الحضارات؛ بخطوات هادئة، لكنها ثابتة وعميقة الأثر.

شكر.. ودعوة صادقة

إننا نتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى رئاسة الشؤون الدينية التركية على هذه المبادرة الموفقة، التي تعكس رؤية بعيدة المدى، ووعيًا عميقًا بحاجات المجتمع، وإدراكًا لأهمية إعادة وصل المسجد بالجامعة، وربط المعرفة الأكاديمية بالحياة اليومية للناس، وهو أمر ندعو أن تحتذيه وزارات الأوقاف والشئون الإسلامية في عالمنا العربي.

ونحن على يقين بأن هذا المشروع سيكون - بإذن الله - أحد المشاريع الرائدة التي ستسهم في إحياء تقاليد العلم الراسخ، وتعزيز الدور التربوي للمساجد، وبناء جسور دائمة بين الجامعات والمجتمع، وأملنا ألا تبقى هذه الحلقات تجربة محدودة، بل أن تمتد إلى جميع ولايات تركيا، وأن تتحول مع مرور الزمن إلى تقليد علمي راسخ، ينهل منه جيل بعد جيل.

لقد كانت المساجدُ في حضارتنا الإسلامية مدارس للإيمان، ومنارات للعلم، ومصانع للرجال، وربما آن الأوان اليوم لأن نستعيد هذه الرسالة من جديد .. آن الأوان أن نردم المسافة بين الجامعة والمسجد، وأن نقرّب العلماء من الناس، والناس من العلماء، وأن نتيح لشبابنا أن ينهلوا من العلم الصحيح، في بيئة إيمانية تجمع بين المعرفة والحكمة، وربما كان هذا هو المعنى الأعمق لمشروع حلقات العلم والحكمة.

يقول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)، ونحن نؤمن أن هذا المشروع صورة مشرقة من صور التعاون على البر والتقوى في زماننا، فلنكتفِ بالإعجاب به من بعيد، ولنكن جزءًا منه، ونشارك في إنجاحه، ولنعمل معًا على أن تبقى مساجدنا عامرة بالصلاة، وعامرة كذلك بالعلم والحكمة؛ فالعلم إذا انتشر أثمر، والحكمة إذا شاعت أصلحت، والمساجد إذا عادت مناراتٍ للعلم عاد المجتمعُ كله أكثر رسوخًا في هويته، وأكثر ثقةً بدينه، وأكثر قدرةً على صناعة مستقبله.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق