‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات شريف أيمن. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات شريف أيمن. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 13 أغسطس 2025

الأنظمة التي باركت فض رابعة لن تنقذ الفلسطينيين

 الأنظمة التي باركت فض رابعة لن تنقذ الفلسطينيين



شريف أيمن 

مع لحظة إعلان إطلاق طوفان الأقصى، كان واضحا أن المنطقة أمام حادثة لن يكون ما قبلها كما بعدها، فهناك جُدُر هائلة تحطمت أمام رجال يمتلكون إيمانا وعزما أكثر مما يمتلكون من مُعَدَّات تناسب الحدث، وهذه الجُدُر المحطَّمَة ستحتاج إلى إعادة بناء لتكرار صورة الردع الوهمي الذي تحطم يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وبات وضع التغيرات في المنطقة مرهونا بمن سيفقد القدرة على التحمل أولا. ويبدو أن الفلسطينيين راهنوا على أن تفكك وهشاشة الوضع الصهيوني الداخلي، والضغوط الخارجية -لا سيما العربية- لوقف العدوان المرتقب، سيساهمان في إيقافه في مرحلة مبكرة، وهو ما حدث عقب الهدنة الأولى في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، وكان متوقَّعا أن يُمدَّد وقف إطلاق النار ليصير نهائيّا، وهو ما لم يحدث.


تنوَّعت المواقف العربية على مدار الأشهر الاثنين وعشرين، بين ضغوط دبلوماسية علنية على الجانب الصهيوني، أو تجاهل المجزرة لحين انتهاء "المهمة المعلنة للجانب الإسرائيلي، وهي القضاء على المقاومة" وفقا لتصريح السيسي في مؤتمره مع المستشار الألماني في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، وأحيانا بمواقف صلبة تخص قضية التهجير، لكن المواقف المجافية للسلوك الصهيوني ظلت سطحية ولا تمس العمق الصهيوني، فلم يشعر بضغط كافٍ يدفعه إلى وقف عدوانه الوحشي غير المسبوق في التاريخ المعاصر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

الصفقة المخزية والمتواطئة مع الاحتلال، تأتي في سياق تبدو فيه أمارات على تغيّر الموقف المصري في الآونة الأخيرة من الموقف الفلسطيني، والتوجه نحو الضغط على الفلسطينيين بكثافة أكبر، وتقليل التوجه إلى الاتصالات الدولية مع الأنظمة المخالفة للسياسة الأمريكية، وذلك بعد فشل جولة المفاوضات الأخيرة التي كادت أن تتوج بتوقيع اتفاقية وقف نار مؤقت

استمر الكيان المُعادي في عدوانه لأن العرب أوصلوا رسائل غير علنية بوجوب تدمير الحركات المقاوِمة، فكتب دينيس روس في صحيفة "نيويورك تايمز" في بدايات الحرب أن "إسرائيل ليست الوحيدة التي تعتقد أن عليها هزيمة حماس"، مضيفا "خلال الأسبوعين الماضيين، عندما تحدثت مع مسؤولين عرب في أنحاء مختلفة من المنطقة أعرفهم منذ فترة طويلة، قال لي كل واحد منهم إنه لا بد من تدمير حماس في غزة".

أما الرسائل العلنية "الوقحة" فكانت في جانب عسكري، مثل رسوِّ سفن أسلحة في موانئ عربية، أو مرورها في قناة السويس، أو نقلها في سفن عربية، كما في حالة السفينة السعودية التي فضحها الإيطاليون.

وجانب اقتصادي، نشرته صفحة "إسرائيل بالعربية" في شباط/ فبراير الماضي، فذكرت الصفحة: "وفقا للبيانات الإسرائيلية، بلغ حجم التبادل التجاري الاسرائيلي مع الدول العربية الخمس الرئيسة (مصر، والأردن، والإمارات، والمغرب، والبحرين) 4.524 مليار دولار في العام الماضي، ما يعني زيادة بنسبة 15 في المئة عن العام السابق. وشهدت هذه التجارة نموّا مستمرّا منذ عام 2020، تصدرت الإمارات القائمة بتجارة بلغت 3.2 مليار دولار، تليها مصر (579 مليون دولار حسب البيانات الاسرائيلية، لكن البيانات المصرية تشير إلى 2.672 مليار دولار بسبب واردات الغاز الطبيعي). كما زادت تجارة البحرين بنسبة 843 في المئة، والمغرب بنسبة 39 في المئة. وتشير البيانات إلى وجود تجارة غير معلنة مع دول عربية وإسلامية أخرى، بقيمة 14.7 مليار دولار".

والسطر الأخير شديد الدلالة على مدى الانحطاط الذي وصل إليه قادة دول عربية وإسلامية يقيمون تجارات سرية مع الاحتلال، ما يؤدي إلى دعم اقتصاده، في الوقت الذي يدمِّر فيه أقوات وحياة الفلسطينيين ومستقبلهم لسنوات قادمة. وجدير بالذكر أن هذا التقرير صدر قبل أشهر من توقيع نظام السيسي اتفاقية توريد غاز -تسرقه دولة الاحتلال- بلغت قيمتها 35 مليار دولار، وفيما يبدو أن السيسي يريد منافسة الإمارات في نيل الرضا الصهيو-أمريكي.

هذه الصفقة المخزية والمتواطئة مع الاحتلال، تأتي في سياق تبدو فيه أمارات على تغيّر الموقف المصري في الآونة الأخيرة من الموقف الفلسطيني، والتوجه نحو الضغط على الفلسطينيين بكثافة أكبر، وتقليل التوجه إلى الاتصالات الدولية مع الأنظمة المخالفة للسياسة الأمريكية، وذلك بعد فشل جولة المفاوضات الأخيرة التي كادت أن تتوج بتوقيع اتفاقية وقف نار مؤقت. ويبدو أن هذا التغير كان السبب في توجيه حركة حماس نداءها إلى المؤسسات المصرية على لسان الدكتور خليل الحية، وقابَلَه هجوم مصري إعلامي حاد على الحركة واتهامها بأنها سبب الدمار في القطاع، تكرارا لخطاب صهيوني جاهد السيسي كثيرا ليخرجه إلى العلن، منذ بدء العدوان؛ لكن الأجهزة الوطنية المصرية كانت حائط صد أمامه لفترة طويلة، ونرجو أن تستعيد زمام السيطرة، بعد هذا التحول الذي نبع من ضغط أمريكي قاسٍ فيما يبدو.

تهل هذه الأيام ذكرى فض اعتصام رابعة العدوية في مصر صيف عام 2013، وهي أكبر مجزرة لمدنيين في مصر المعاصرة، وقد أدَّت تبعاتها إلى تغيير توجهات الدولة المصرية المشرفة من القضية الفلسطينية خلال عاميْن وخمسة أشهر مثَّلوا عمر الثورة المصرية، وكانت مشاعر المصريين حيَّة وطبيعية وصادقة تجاه العدو التاريخي لمصر والمنطقة

في سياق متصل، تهل هذه الأيام ذكرى فض اعتصام رابعة العدوية في مصر صيف عام 2013، وهي أكبر مجزرة لمدنيين في مصر المعاصرة، وقد أدَّت تبعاتها إلى تغيير توجهات الدولة المصرية المشرفة من القضية الفلسطينية خلال عاميْن وخمسة أشهر مثَّلوا عمر الثورة المصرية، وكانت مشاعر المصريين حيَّة وطبيعية وصادقة تجاه العدو التاريخي لمصر والمنطقة، ولم يكن نزْع علم الاحتلال من على سطح المبنى الذي تدنسه السفارة هو ذروة الغضب الشعبي، فلو كان نظام الحكم الديمقراطي مستمرّا حتى اليوم، لما استطاع الحاكم المصري المنتخَب أن يصم آذانه عن معاناة الفلسطينيين على الحدود الشمالية، ولا أن يقبل بالعربدة الصهيونية في فلسطين وسوريا ولبنان واليمن وإيران، ولكانت هناك مواقف حقيقية وصلبة توقف العدوان مبكرا، لكن الانقلاب العسكري الذي جاء بتمويل عربي ودعم صهيوني كامل، أوصلنا إلى ما نحن فيه من مهانة.

ربما يكون الربط بين حادثة محلية وأخرى إقليمية، تباعَدَ الزمن بينهما، ضربا من ضروب إقحام حوادث في سياق واحد، بغرض الترويج لخطورة أحد الحدَثيْن، لكن الرابط هنا ليس بين تأثير الحادثة الأولى في الثانية. ورغم وجود هذا الأثر بدرجة ما، فإن الرابط الملموس أن أنظمة الحكم التي نفَّذت المجزرة المحلية أو دعمتها أو باركتها، هي الأنظمة التي لا تعنيها قضايا الشعوب، ولا تفهم معاني الكرامة ما دام الممسك بأطواقها في أمريكا راضيا عنها، حتى وإن عنَّفها أو أهانها أمام وسائل الإعلام، فهذه الأنظمة الدموية بطبعها، والمتشبثة بمقاعدها، لا يعنيها أن يموت كل الفلسطينيين أو أن تزول حتى فلسطين، بل ربما لا يعنيها احتلال أوطانها ما دامت ستظل ممسكة بمقاليد المال والسلطة باعتبارها ولاة للقوى العظمى، مثل عباس القابع في رام الله ويهينه الاحتلال في كل لحظة؛ لكنه لا يمانع في أن يستأسد على الفلسطينيين إذا غضبوا لدماء ذويهم في غزة.

طينة عباس هي طينة باقي الحكام العرب، فهم مستعدون لتسليم أوطانهم مقابل البقاء في سلطة ظاهرية تمنحهم قوة لا حدود لها أمام الضعفاء من بني جلدتهم؛ هكذا يقول لنا عدوان غزة، وهكذا قال لنا فض رابعة من قبل، وسنظل نسمع قصص المهانة والخزي إلى أن تزول أنظمتنا السياسية، وتتولى الحكمَ أنظمةٌ ديمقراطية منتخَبَة تلبي طموحات شعوبها، أيّا كانت خلفية هذه الأنظمة الفكرية أو السياسية.

الاثنين، 3 مارس 2025

خيارات العرب في قمة القاهرة

 خيارات العرب في قمة القاهرة

شريف أيمن

ستنعقد القمة العربية في السادس من آذار/ مارس، إن لم يطرأ جديد، وكان من المفترض أن تنعقد يوم 27 شباط/ فبراير الجاري، لكن يبدو أن هناك ما استدعى التأجيل، وانطلقت مع عملية التأجيل لقاءات عربية مكثفة بين دول الخليج ومصر والأردن، ودخلت تركيا وإيران في لقاءات ثنائية أخرى مع دول الإقليم.

ومع الموقف المبدئي العربي برفض تهجير الفلسطينيين، فقد ارتفعت -بدرجة ما- آمال الشعوب العربية في تبني القمة موقفا صلبا أمام خطة ترامب، لكنها آمال مشوبة بحذر بالغ، بسبب أداء هذه الأنظمة طَوال حرب الإبادة التي شنها الاحتلال على قطاع غزة المناضل الصامد.

إذا تعاملنا وفق الآمال، فالمرجو من القمة العربية أن تعلن موقفا واضحا لا لبْس فيه يتبنى أربعة أمور:

استمرار وقف إطلاق النار وانتقاله إلى إنهاء العدوان، وبدء إعمار قطاع غزة، ورفض تهجير الفلسطينيين إلى أي مكان خارج وطنهم، ودعم قيام دولة فلسطينية على حدود القرار الأممي 181 لعام 1947، ورفض الاحتلال الصهيوني للأراضي السورية.

كان معيبا أن القمة الطارئة ستنعقد بسبب تصريحات ترامب الداعية إلى تهجير الفلسطينيين، فالدعوة إلى القمة ارتبطت بمخاطر محتملة على مصر والأردن، وكأن الشعب الفلسطيني وحده كان لا يستحق عقد قمة لوقف العدوان ولدعمه


كان معيبا أن القمة الطارئة ستنعقد بسبب تصريحات ترامب الداعية إلى تهجير الفلسطينيين، فالدعوة إلى القمة ارتبطت بمخاطر محتملة على مصر والأردن، وكأن الشعب الفلسطيني وحده كان لا يستحق عقد قمة لوقف العدوان ولدعمه، لكن على كل حال جاءت حاجة مصر والأردن في مصلحة الشعب الفلسطيني، ما يجعل السقف مرفوعا عن حدود عملية التهجير.

إذا الموقف الأول الداعم لوقف التهجير، يجب أن يكون تمديد وقف إطلاق النار بمراحله الثلاث التي تتضمن وقفا دائما لإطلاق النار، وإعادة إعمار قطاع غزة، ورفع الحصار عن الفلسطينيين فيه، وهذه العملية لا يبدو أنها ستحدث وفقا لتصريحات القادة الصهاينة في الكيان وأمريكا، ولعل الأصوات الداعمة لوقف إطلاق النار في الكيان تتحدث بوضوح عن استمرار الحرب بعد استعادة الأسرى، وآخرها لوزير الحرب السابق يوآف غالانت في مؤتمر بجامعة رايخمان، الذي قال أمس الثلاثاء: "لا يمكن تحقيق هدفيْ الحرب إلا بخطوة واحدة: أولا إعادة الأسرى، ثم القضاء على نظام حماس، لسبب بسيط وهو أنه إذا ذهبنا بالترتيب المعاكس: فلن يكون لدينا أي أسرى يمكن إعادتهم"، فضلا عن تصريحات نتنياهو والأمريكان عن وجوب القضاء على حماس، ومعلوم أنه لا سبيل للقضاء عليها سوى بالقتال.

لذا، إذا أراد المؤتمِرون من العرب منع التهجير الفلسطيني، فعليهم أن يعبِّروا عن رفضهم تجدد القتال بإجراءات عملية، مثل فتح المعابر دون الالتفات للقيود الصهيونية على شاحنات المساعدات، وتصعيد الضغط الدبلوماسي، في الهيئات الأممية، وسحب السفراء، أو قطع العلاقات، وما إلى ذلك من الأدوات الدبلوماسية، وكنا نرجو أن تكون هناك خيارات أكثر قسوة، لكن هذا السقف الذي لا يمكن لهؤلاء الحكام أن يجاوزوه.

أما الموقف الثاني، فيجب أن يرقى إلى اعتبار عملية تهجير الفلسطينيين في قطاع غزة أو الضفة بمثابة إعلان حرب على مصر والأردن، وبالتالي لن تقف الدول العربية الأخرى متفرجة على تهديد أمن الدولتين.

والموقف الثالث، يتعلق بإعلان دعم المؤتمِرين في القاهرة قيام دولة فلسطينية مستقلة، كاملة السيادة على حدود عام 1947، وهي الحدود المنصوص عليها في قرار الأمم المتحدة رقم 181 (د-2) في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947، المعروف باسم "قرار تقسيم فلسطين"، ورغم اعتراف كاتب السطور بإجحاف هذا القرار للفلسطينيين، لكنه يبقى الحد الأدنى الذي ينبغي على العرب أن يطالبوا به، وحينها يمكن للفلسطينيين أن يتجولوا وينتقلوا خارج حدود غزة، ولكن إلى عسقلان والمجدل ويافا والناصرة وبئر السبع وغيرها من مدن وبلدات فلسطين في حدود عام 1947، لا أن ينتقلوا إلى مصر والأردن والسعودية أو حتى أوروبا.

كذلك لا ينبغي فصل الدولة الفلسطينية المرتقبة عن كونها دولة غير كاملة السيادة، بمعنى أن من حقها أن تنشئ قوات نظامية لحفظ الأمن، وقوات عسكرية لحفظ حدودها من أي عدوان صهيوني مستقبلي، وهذا بالمناسبة سيمنع التهجير أيضا وبالتالي سينتفع المصريون والأردنيون من هذا الردع ولن يجدوا أنفسهم في حاجة إلى الخوض في قرارات تهجير.

تستلزم السيادة أن تتوقف دعوات الحكام العرب إلى إنشاء دولة منزوعة السلاح، فهذا غير مقبول من ناحية المبدأ، فضلا عن وجود عدو همجي ووحشي ومجرم يتربص بالفلسطينيين، كما عليهم تعديل مبادرة السلام العربية التي تنادي بسلام مقابل دولة فلسطينية على حدود عام 1967، فما سبب اختيار هذه الحدود رغم أن القرار الأممي لعام 1947 أعطى الفلسطينيين مساحة أكبر؟!

وكما أن حدود عام 1967 واقعة تحت الاحتلال، فحدود 1947 تقع تحت الاحتلال كذلك، وكما أن القرار 242 الصادر في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر لعام 1967 قرار أممي، فالقرار السابق له رقم 181 قرار أممي أيضا، لكنه يمتاز عنه بأنه من الجمعية العامة، لا كالقرار اللاحق الصادر عن مجلس الأمن وهو هيئة منبثقة من الأمم المتحدة، مع ما للمجلس من ثقل وأهمية، كما أن قرار مجلس الأمن لم يكن ناسخا أو ملغيا للقرار 181.

إن درجة من التصالح الداخلي، ستفتح الباب أمام تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة العدوان الطاغي، وهذا دور الأجهزة الوطنية التي تدفع الحكام إلى رفض التهجير ورفض تصفية القضية الفلسطينية، ربما على غير إرادتهم، فهؤلاء الوطنيون يدركون خطورة هذا المسار، ويقفون حجر عثرة أمام ترْك الساحة للقرارات المنفلتة، وسيكون مناسبا أن يُكملوا رسم الصورة لصناع القرار وإخبارهم أن الظرف لا يحتمل الانقسام السياسي


أما الموقف الرابع، فيتعلق بالدولة السورية الجديدة، فمن واجب العرب أن يدعموا تحرر أرضها، والبدء أولا بعودة الاحتلال إلى حدود اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، ثم استمرار المطالبة بانسحاب الاحتلال من الجولان السوري المحتل، والالتزام بقرار مجلس الأمن رقم 242 الذي دعا الاحتلال الإسرائيلي إلى الانسحاب من الأراضي التي احتلها في عدوانه على الدول العربية صبيحة 5 حزيران/ يونيو 1967.

هذا السقف المطروح ليس خياليّا، وليس صداميّا للغاية مع محور الشر الأمريكي-الصهيوني، بل هو نابع من نقاشات قانونية ومطالب بديهية في القانون الدولي، ومتوافق مع مطالب الشعوب التي يمكنها أن تدعم مُطلقي هذه الدعوات بشتى الصور، وهذا يستدعي تكرار ما ذكره العبد الفقير كاتب السطور في مقاله السابق: "لم يعد اليوم أمام الحكام العرب مفر من أخذ موقف داعم للقضية الفلسطينية، ولو على غير إرادتهم، إنقاذا لحكمهم، أو تفاديا لانقسام أنظمتهم السياسية. وهذه الخطوة تستلزم درجة من التراجع عن مساحات القمع الداخلية، إذ إن المعارضين لأنظمتهم هم الأقدر على قيادة حركة الشارع من أجل تنظيم معارضة شعبية حقيقية، تساعدهم في موقفهم الرسمي أمام ترامب وحلفائه".

إن درجة من التصالح الداخلي، ستفتح الباب أمام تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة العدوان الطاغي، وهذا دور الأجهزة الوطنية التي تدفع الحكام إلى رفض التهجير ورفض تصفية القضية الفلسطينية، ربما على غير إرادتهم، فهؤلاء الوطنيون يدركون خطورة هذا المسار، ويقفون حجر عثرة أمام ترْك الساحة للقرارات المنفلتة، وسيكون مناسبا أن يُكملوا رسم الصورة لصناع القرار وإخبارهم أن الظرف لا يحتمل الانقسام السياسي. وما فعله السيد عمرو أديب في إحدى حلقاته، عندما طالب بإخراج المعتقلين دون استثناء، كان دعوة في محلها، لخطورة الظرف والوضع على المنطقة كلها، لا فلسطين فقط، فالصهاينة إذا ابتلعوا فلسطين، فلن يترددوا في قضم أي قطعة أخرى تكون متاحة لهم، كما فعلوا في سوريا ولبنان هذه الأيام.

الخميس، 13 فبراير 2025

ترامب وسياسة الإذلال.. هل يستفيق حكام العرب؟

ترامب وسياسة الإذلال.. هل يستفيق حكام العرب؟

شريف أيمن 

اعتاد ترامب منذ ولايته الأولى أن يتحدث عن الحكام العرب باستخفاف يبلغ حد إذلالهم والحط من مكانتهم، ومع تقدمه أكثر في السن، بات أقل قدرة على التحكم في اختيار كلماته وأكثر قسوة في حديثه عن حكام المنطقة، وانتقل أيضا إلى أطروحات الاستيلاء على كندا، وإشعال حرب تجارية، لكن الأخطر أنه على وشك فتح "أبواب الجحيم" -بالفعل- على المنطقة وإشعال حرب إقليمية، لا أحد يعلم إمكانية توسعها، وتبعاتها، لكن القدر المتيقَّن من النتائج أنها ستكون كارثية على العالم بأسره، لا مجرد هذا الإقليم.


كان مطلب ترامب في بداية حكمه أن تستثمر المملكة مبلغ 500 مليار دولار في بلاده، وبدلا من مجابهة هذا المطلب الاستعلائي، جاء الجواب باستثمار 600 مليار دولار، ليرفع ترامب المبلغ إلى تريليون دولار، كما أنه طالب مصر والأردن باستقبال سكان غزة في عملية إخلاء قسري كاملة الأركان، وجاءت الردود الأولية على استحياء ترفض تلك المطالب، وتقبل الذهاب إلى البيت الأبيض لترتيب الأمور مع الزعيم المتهور.

كما أن من أمارات الإذلال أيضا، توقيعه يوم أمس الاثنين، على أمر تنفيذي لتخفيف القيود على قانون يحظر على الشركات الأمريكية رشوة المسؤولين الأجانب، وبرر ترامب قراره بقوله: "لقد تبين أن الأمر يبدو جيدا على الورق، ولكن من الناحية العملية، فهو كارثة، هذا يعني أنه إذا ذهب أمريكي إلى دولة أجنبية، وبدأ في ممارسة الأعمال التجارية هناك بشكل قانوني أو شرعي أو غير ذلك، فمن المؤكد تقريبا أن يتم التحقيق معه وتوجيه الاتهام إليه [يقصد اتهامه في أمريكا لأنه سيدفع رشوة في تلك البلاد]، ولا أحد يريد ممارسة الأعمال التجارية مع الأمريكيين بسبب ذلك".

يتعامل ترامب بهذا الازدراء منذ ولايته الأولى، لكنه قرر هذه المرة رفع السقف إلى حدود أعلى وسط ظرف إقليمي متوتر، ومكمن الإخفاق يأتي من اجتماع العوامل المعيقة لأي تصور، لكن ترامب يعتمد، في تجاهله للعوامل المعيقة، على قدراته التفاوضية وتحكُّمه في أنظمة الحكم الإقليمية


يتعامل ترامب بهذا الازدراء منذ ولايته الأولى، لكنه قرر هذه المرة رفع السقف إلى حدود أعلى وسط ظرف إقليمي متوتر، ومكمن الإخفاق يأتي من اجتماع العوامل المعيقة لأي تصور، لكن ترامب يعتمد، في تجاهله للعوامل المعيقة، على قدراته التفاوضية وتحكُّمه في أنظمة الحكم الإقليمية، لذا صرَّح بأنه قد يوقف المساعدات المقدَّمة إلى الأردن ومصر إن لم يقبلا خطته الإجرامية بحق سكان غزة، كما يتحدث عن تمويل جريمته من دول الخليج الثرية، ليضع العرب في قلب أكبر خيانة ومذَلَّة في تاريخهم المعاصر.

استند ترامب، في موقفه هذا، إلى سلوك السلطات العربية المعادي للحركات المقاوِمة، وغير العابئ بالقضية الفلسطينية، وهو سلوك يمتد إلى نحو عقدين، خاصة منذ أعلن العرب مبادرة السلام العربية عام 2002، بينما كانت الدبابات الصهيونية تحاصر عرفات في رام الله، بل اعترض بعضهم على منحه كلمة "متلفزة" في القمة، ما أخَّر كلمته إلى اليوم الثاني والأخير من أعمال القمة، بحسب شهادة السيد عمرو موسى في مذكراته، ثم تصاعد السلوك العربي المتجاهل للفلسطينيين وحقوقهم وتركوهم في الساحة وحدهم.

نجح الفلسطينيون في إحباط عدة مخططات صهيونية، بدءا من خطة فك الارتباط في غزة عام 2005 وتحريرها على وقع ضربات المقاومة، ومرورا بأكثر من عدوان صهيوني دون تحقيق أهداف الحرب المعلنة، وتمسك الفلسطينيين في الضفة والقدس بأماكنهم وإحباط محاولة تغيير الأوضاع في الحرم الشريف، وانتهاء بإفشال أهداف الاحتلال في عدوانه البربري والهمجي على قطاع غزة، رغم الدمار الواسع.

خلال هذين العقدين، اتخذت الأنظمة الإقليمية موقفا معاديا من الفلسطينيين في وسائل إعلامهم الرسمية، والقريبة من الجهات الرسمية، وانتشرت حملات إلكترونية تدعو للتنصل من القضية الفلسطينية والفلسطينيين، وتزامَنَ مع حالة "التصهين العربي"، نقل سفارات أجنبية إلى القدس المحتل، واعتبارها عاصمة دولة الاحتلال، منتصف 2018، ثم جاءت اتفاقيات أبراهام، بعد نقل السفارات بعامين، لتعلن مكسبا جديدا للمشروع الصهيوني وخسارة جديدة للقضية الفلسطينية، وعزْلها عن المحيط العربي أكثر فأكثر، وكان ترامب صاحب الفضل في ذلك كله.

طَوال حرب غزة كان الموقف العربي مخزيا ومتواطئا، ولم يصدر موقف عربي موحد لفتح المعابر رغما عن إرادة الاحتلال لإدخال المساعدات وإجلاء الجرحى، فضلا عن الضغط السياسي لإنهاء المجزرة الأبشع في تاريخ الحروب غير المتكافئة.

في السياق ذاته، مُنعت مظاهر الدعم في الشوارع بالتظاهر والاحتجاج، وحفلت الدول العربية بالمهرجانات والاحتفالات الترفيهية والراقصة، وكأن الذين في غزة ليسوا بشرا، فضلا عن أن تجمعهم بالعرب روابط العرق واللغة والدين!

من هنا وجد ترامب أنْ لا عائق سيقف أمام جريمته المزمعة، فتجاهل السخط الشعبي تجاه الحكام العرب، وأمعن في إذلالهم، كما رفع نتنياهو السقف، وتحدث عن رشوة الغزيين الميسورين لمسؤولي الحدود المصريين ليخرجوا من القطاع، ودعا السلطات السعودية لاستقبال الفلسطينيين، لتبدأ ملامح الخطاب العربي في التغير، ومهاجمة نتنياهو والاحتلال بجرأة غير معهودة من الحكام الجدد بعد انتكاسة الربيع العربي، بالإضافة إلى رفض معلن تجاه خطة ترامب.

الإشكال الذي يواجه الحكام العرب هنا يرتبط بوجدان فلسطين في الوعي المجتمعي العام، فمثلا أوردت مجلة "ذا اتلانتيك" في أيلول/ سبتمبر 2024، أن محمد بن سلمان قال لبلينكن: "هل أعبأ شخصيّا بالقضية الفلسطينية؟ لا، لا أعبأ، ولكن شعبي يعبأ". وبغض النظر عن أي إنكار لذلك، فالممارسة العربية تقول إن معظم الحكام لا يعبأون بالفلسطينيين، لكن الشعوب تعبأ، ولا حاجة إلى سماع ذلك الكلام بآذاننا، فالممارسة واضحة بجلاء كامل، والشعور المجتمعي المرتبط بفلسطين واضح كذلك، بل قطعا يمتد ذلك الشعور في جميع أجهزة أنظمة الحكم الأمنية والعسكرية والسياسية، ما جعل التخاذل العربي في أثناء الحرب محل سخط، وتجدد العدوان الهادف إلى التهجير قد يقود إلى اضطرابات سياسية شديدة العنف، وهو ما يقلق الحكام العرب بقوة.

لم يعد اليوم أمام الحكام العرب مفر من أخذ موقف داعم للقضية الفلسطينية، ولو على غير إرادتهم، إنقاذا لحكمهم، أو تفاديا لانقسام أنظمتهم السياسية. وهذه الخطوة تستلزم درجة من التراجع عن مساحات القمع الداخلية، إذ إن المعارضين لأنظمتهم هم الأقدر على قيادة حركة الشارع من أجل تنظيم معارضة شعبية حقيقية، تساعدهم في موقفهم الرسمي أمام ترامب وحلفائه


أمَّا ما يجهله تاجر العقارات ترامب ومعه نتنياهو، أن الأرض عند العربي والمسلم تعني الشرف، وأن مفهوم "الحدود تراب" راسخ في وجدان هذه الأمة المتصلة تاريخيّا وجغرافيّا وحضاريّا، وقضية فلسطين ملموسة في أعين أطفال العرب ووَعْيِهم، وبالتالي ستنطلق موجات عنف جديدة في كل بقعة تدعم توجه ترامب و"بيبي" تجاه القضية الفلسطينية، سواء كانت تلك البقعة في الأراضي المحتلة أو في الإقليم أو خارجه.

لم يعد اليوم أمام الحكام العرب مفر من أخذ موقف داعم للقضية الفلسطينية، ولو على غير إرادتهم، إنقاذا لحكمهم، أو تفاديا لانقسام أنظمتهم السياسية. وهذه الخطوة تستلزم درجة من التراجع عن مساحات القمع الداخلية، إذ إن المعارضين لأنظمتهم هم الأقدر على قيادة حركة الشارع من أجل تنظيم معارضة شعبية حقيقية، تساعدهم في موقفهم الرسمي أمام ترامب وحلفائه.

هذا التقارب الداخلي، إذا حدث، لا يعني التطبيع الكامل مع هذه الأنظمة، أو تطبيع الأنظمة مع المعارضين، فيمكن أن يظل الناشطون المعارضون على رفضهم للأنظمة الحاكمة وانتقادهم لها، وهو الشعور نفسه من قِبَل الأنظمة تجاه المعارضين، لكن هناك لحظات يبدو فيها تصرفٌ يحمل بعض قِيَم رجال الدولة، عندما يتفقون مع معارضيهم على تجاوز أزمة كبيرة ستعصف بالجميع، وهو سلوك كان يتكرر من أنظمة حكم المنطقة قبيل أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، وبدرجات أقل قبل ثورات 2011، ثم اختفى ذلك بعد صعود الحكام الجدد في المنطقة منذ عام 2013، وآن أوان تصحيح ذلك المسار.

إن اندلاع حرب إقليمية وتصفية القضية الفلسطينية سيشعل نارا وحربا دينية لن تستطيع دولة السيطرة عليها، ولن تنجو من تبعاتها أي دولة، حتى لو احتمت بعزلتها وراء أقاصي البحار، فبدء موجات العنف الحديث ارتبط باحتلال أفغانستان نهاية سبعينيات القرن الماضي، ولا يزال العالم يجني ثمار هذا الاحتلال الغاشم، أما احتلال كامل فلسطين سيتسبب بأحداث قد تبدو تبعات احتلال أفغانستان أمامها مجرد نزهة.


الخميس، 19 ديسمبر 2024

أحاديث الثورة السورية وتغيير المنطقة

 أحاديث الثورة السورية وتغيير المنطقة



شريف أيمن


أعادت مشاهدُ تجول السوريين في قصور أحد أكثر الأنظمة وحشية في تاريخنا المعاصر؛ ذكرياتٍ كادت تُنسى عقب اندلاع انتفاضات الربيع العربي، ورغم انتكاسة الانتفاضات في جميع الدول، فإن تجدد حيوية الملف السوري ونجاحه في الإطاحة بحكم البعث، أعادا الأمل في وصول الشعوب إلى حقوقها، وذلك دون إغفال لخطورة المسار المسلح في التغيير، ما دامت هناك إمكانية لتجنبه.

تعددت الأحاديث من هنا وهناك حول المقاومة ومحورها، وحول عمالة التنظيمات المسلحة أو تشددها الديني، وحول قدرة الاحتلال على التغيير، وحديث خاص من إخواننا القوميين عن دور سوريا في المقاومة ومحورها.

هذه الأحاديث المتعددة الاتجاهات والمعقَّدة تحتاج إلى مناقشات معمَّقة بين المختصين، لأجل التنبه لأمرين؛ أولهما، أهمية الحفاظ على الدولة السورية، وحرية الشعب في اختيار ممثليه في المؤسسات السياسية والتنفيذية كافة، وثانيهما، عدم انزلاق سوريا إلى الأنظمة العربية المتواطئة ضد القضية الفلسطينية، خاصة أن سوريا دولة محورية في المنطقة بتاريخها وحاضرها العريق، كما أنها دولة حدودية مع كيان الاحتلال ما يجعل لها أهمية كبيرة في المحيط العربي والدولي.

الأحاديث المتعددة الاتجاهات والمعقَّدة تحتاج إلى مناقشات معمَّقة بين المختصين، لأجل التنبه لأمرين؛ أولهما، أهمية الحفاظ على الدولة السورية، وحرية الشعب في اختيار ممثليه في المؤسسات السياسية والتنفيذية كافة، وثانيهما، عدم انزلاق سوريا إلى الأنظمة العربية المتواطئة ضد القضية الفلسطينية، خاصة أن سوريا دولة محورية في المنطقة بتاريخها وحاضرها العريق، كما أنها دولة حدودية مع كيان الاحتلال ما يجعل لها أهمية كبيرة في المحيط العربي والدولي


لا يزعم كاتب هذه السطور تخصصه في الملف السوري، لكن تأثير الأحداث في منطقتنا المشابه لأحجار الدومينو يجعل ما حدث في سوريا مؤثرا في مصر وباقي المنطقة، وبالتالي يسمح بمناقشة الأحداث من زوايا أخرى لا تتعلق بتشابك الأوضاع وتعقيدها في الداخل السوري.

كانت علامة الاستفهام الرئيسية تتحدث عن سبب نجاح السوريين الآن بعد 14 عاما تقريبا، ومدى ارتباط ذلك بالاحتلال الصهيوني، وهو ما تتزايد شكوكه بتفاخر نتنياهو المتكرر بأنه "يغير الشرق الأوسط".

يمكن القول، وبارتياح كبير، إن ما حدث في سوريا نتيجة ترتيبات دولية رأت أن التخلص من نظام الأسد في هذا الوقت أمر ضروري، لإضعاف حزب الله وإيران في المنطقة، فالثورة السورية تعرضت لتعطيل من جهة، وتفخيخ لها باتساع الصراع المسلح من جهة أخرى، بغرض إزهاق الربيع العربي، وإعطاء صورة لشعوبنا تقول إن الاستبداد أفضل لكم من الدخول في مواجهة مع المستبدين، وهي النتيجة التي رأيناها في سوريا واليمن وليبيا، أمّا الدول التي خاضت ثورة سلمية (مصر وتونس والجزائر والسودان) فقد تعرضت لارتدادات كارثية، وشهدت أحداثا مسلحة في حالتيْ مصر والسودان.

كما أن روسيا التي شاركت في نجدة الأسد سحبت يدها من الدعم العسكري، فضلا عن انشغال إيران وحزب الله بالصراع مع كيان الاحتلال.

أعطت هذه المشاهد مجتمعة يقينا بأن ما حدث في سوريا الآن يرتبط بالاحتلال، ووُصِمَت قيادات التنظيمات المسلحة بالعمالة، واكتمل المشهد بجملة نتنياهو السابق ذكرها. ومع التسليم بصحة الدور الغربي في رفع الحماية عن الأسد، إلا أن الجزء الغائب عن هذا المشهد، ليس الدور الصهيوني، بل الدور الفلسطيني، فالذي يغير الشرق الأوسط الآن ليس نتنياهو، بل يحيى السنوار وحركات المقاومة التي أشعلت طوفان الأقصى، ودفع الطوفانُ الدولَ الغربية إلى تجرع هزيمة (يسعون إلى أن تكون مؤقتة) في ملف الثورات وتغيير نظم الحكم الوكيلة عنهم، في سبيل حماية دولة الاحتلال الهشة والضعيفة.

الحقيقة أن ارتدادات "طوفان الأقصى" على المنطقة بدأت في سوريا، بعدما زلزلت الداخل الصهيوني، وأوصلته إلى حالة اشتعال داخلي اجتماعيا وسياسيا، فضلا عما كشفته من الهشاشة العسكرية، وما إلى ذلك من التفاصيل التي تشرح ما أحدثه الطوفان في الداخل الصهيوني، لذا فإن فضل ما حدث في سوريا لا يعود إلى الغرب والصهاينة، بل يعود إلى تبعات طوفان الأقصى، وهذا جانب لا ينبغي تجاهله والقفز على ما بعده وهو الدور الغربي.

هذا التخلي الغربي، أعاد لأذهان الحكومات الوكيلة له في المنطقة مخاوفها من أن الغرب لا يعبأ بحلفائه، وسيترك سقوط الأنظمة رغم خطورته على حلفاء آخرين في المنطقة، فسقوط بشار يمثل خطرا على باقي الأنظمة الاستبدادية في المنطقة، سواء كانت أنظمة وراثية أو عسكرية، لكن المصالح الغربية تتفوق على أهمية الوكلاء الذين يمكن الاستغناء عنهم في طرفة عين، والمصلحة الأكبر هنا كانت كيان الاحتلال الذي يحمي مصالحهم بتمزيق المنطقة، أو حراسة منابع النفط والغاز، والاستثمارات في كيان الاحتلال تبلغ مئات المليارات من الدولارات، وهو أهم من تغيير نظامٍ ما سيسعون إلى استبداله بآخر كما حدث في مصر.

الحديث الذائع الآخر يثيره إخواننا القوميون بشكل أساسي، إذ يعتبرون بقاء بشار من مصلحة المقاومة وفلسطين، لأن نظامه يفتح لحركات المقاومة مكاتب في فلسطين، لكن ذلك الأمر يتجاهل أن هذا النظام صاحب أهدأ جبهة مع العدو الصهيوني، بل إن الاحتلال يعربد في الأجواء السورية ويقصف ما يشاء منذ عشرات السنوات في العمق السوري دون أي رد فعل، فضلا عن سكون جبهة الجولان، دون السماح حتى بمقاومة شعبية تكبد الاحتلال خسائر، فأي انتصار هذا لفلسطين في ظل عدم الاشتباك العسكري، أو حتى السماح بتشكيل مقاومة شعبية لتحرير الأرض السورية؟!

أدرك البسطاء في فلسطين نفسها، وفي قطاع غزة؛ شرف المقاومة وفخرها، أن إزاحة نظام استبدادي سيفيد قضيتهم ولن يضرها، وتحرر الدول العربية لن يؤدي إلا إلى زوال الاحتلال. هذا ما يدركه الصهيوني وصانع القرار الغربي جيدا، لذا عمدوا إلى إفشال ثوراتنا وهبَّاتنا السياسية، وهذه هي رغبتهم الحقيقية، لا كما يقول إخواننا القوميون، إن رغبة الصهاينة إزالة نظام بشار


والأهم من هذا، كيف يمكن لإزاحة نظام قمعي دموي، تسبَّب بتحويل المطالب السياسية إلى مواجهة مسلحة، ثم عمَّق الأزمة بإدخال بعد طائفي في الصراع المسلح، كيف يمكن أن تكون إزاحته أمرا غير مرغوب به؟! ما دامت عملية الإزاحة كانت بأيدي أبناء البلد، فإنها عملية مرغوبة، ثم يأتي واجب إجبار القادمين الجدد على مجافاة ما صنعه النظام السابق من استبداد واحتكار للحكم، وهذا دور السوريين الذين يتوافدون على بلدهم مرة أخرى.

لقد أدرك البسطاء في فلسطين نفسها، وفي قطاع غزة؛ شرف المقاومة وفخرها، أن إزاحة نظام استبدادي سيفيد قضيتهم ولن يضرها، وتحرر الدول العربية لن يؤدي إلا إلى زوال الاحتلال. هذا ما يدركه الصهيوني وصانع القرار الغربي جيدا، لذا عمدوا إلى إفشال ثوراتنا وهبَّاتنا السياسية، وهذه هي رغبتهم الحقيقية، لا كما يقول إخواننا القوميون، إن رغبة الصهاينة إزالة نظام بشار.

سيقوَى محور المقاومة بالحرية، ومغالطة ذلك تصب في صالح الصهيونية لا العكس كما يتوهم إخواننا، والواجب توجيه القادمين الجدد إلى مسارات الديمقراطية، وكيفية تعزيزها، وإدراك حساسية الداخل السوري، وتنوع تركيبته السياسية والاجتماعية، وأهمية الانتخابات في تعزيز مكسب الإطاحة بالأسد، وأهمية المقاومة في مشروع حرية سوريا، وعدم انتكاسة ثورتهم. فالواجب نصحهم لا التعالي عليهم أو ازدرائهم لأنهم أصحاب لِحى، أو وصمهم بالعمالة لمجرد احتفاء نتنياهو بما حدث في سوريا، فنحن أَفْرَحُ من نتنياهو بالحرية، بينما هو يفرح بتمزيق مجتمعاتنا أو وجود حكام مستبدين على شاكلة السيسي وابن زايد.

مبارك للسوريين حريتهم، وستظل أعين الجميع على سوريا حرصا على عدم لحاقها بالدول المنتكسة، كما ستظل تكلفة التغيير السلمي تكلفة مُثلى مقارنة بخطورة التغيير المسلح، لكن المستبدين هم الذين يسعون إلى رفع الأثمان المدفوعة للتخلص من استبدادهم. وشعوبنا مسالمة لأقصى درجة، تتحمل الاستبداد ولا تحمل السلاح، والإجرام الذي فاق الحد هو الذي أخرج السوريين المسالمين عن طورهم ودفعهم إلى هذه الرحلة التي لم يكونوا يتمنونها قطعا، ولا نتمناها في أي بلد آخر، بل نرجو نيل حريتنا بحناجرنا وتصويتنا الانتخابي فقط، والعائق هو الاستبداد، ودول تزعم أنها ديمقراطية أو ترعى الديمقراطية، بينما هي تدير مشروعا استعماريّا دينيّا بغيضا.

الثلاثاء، 29 يناير 2019

قمة الوقح والمدّعي


قمة الوقح والمدّعي


شريف أيمن
اجتمع السيسي وماكرون أمس الاثنين (28 كانون الثاني/ يناير) في الذكرى الثامنة لجمعة الغضب، التي كسر فيها المصريون الدولة العسكرية القائمة منذ 1952، واستطاع العسكر استعادة الحكم سريعا لأسباب كثيرة ليس هذا محلها، لكن المهم أنالمؤتمر الصحفي لهما عقب الاجتماع أبْدَى مرتكزات العقيدة السياسية المصرية منذ منتصف 2013، كما أبْدَى طبيعة السياسة الفرنسية خاصة والغربية بشكل عام تجاه ما يجري في مصر. وكان العطل (غير المعهود) في السماعات الداخلية، مناسبا لعدم التقاط أي طرف للأصوات المتألمة من السياسات المصرية والدولية، وكاشفا للضعف المصري في التنظيم، حتى على مستوى قمة بذلك المستوى.

كان ملفتا تحدّث السيسي عن تأثر "النخبة المصرية المثقفة بكتابات مفكري عصر النهضة الفرنسية"، ومن يستمع إلى خطابات السيسي وتوجهاته يعلم أنه لا علاقة له إطلاقا بأي مجال فكري أو ثقافي، حتى يتحدث بأريحية عن مفكري عصر النهضة، فضلا عن أن أهم إسهامات مفكري عصر النهضة يجافيها السيسي ونظامه السياسي على طول الخط. ولا وجه يبدو لتأثر السيسي بمونتسيكيو، مؤسس نظرية الفصل بين السلطات، ولا جان بودان، ناحت مفهوم السيادة واستقلال القرار الوطني عن العوامل الخارجية. فالسيسي لا توجد لديه أسس قانونية ولا فكرية ولا ثقافية ولا علمية تحكم إدارته، خاصة أنه من قال: "يعمل إيه التعليم في وطن ضائع"، وأنه من قال: لو كنا نقوم بدراسات الجدوى لما تحقق ربع الإنجاز الحالي في مصر، لكنه على كل حال مشهور بالجرأة غير العادية على اقتحام ما لا يحسنه.

من يستمع إلى خطابات السيسي وتوجهاته يعلم أنه لا علاقة له إطلاقا بأي مجال فكري أو ثقافي، حتى يتحدث بأريحية عن مفكري عصر النهضة، فضلا عن أن أهم إسهامات مفكري عصر النهضة يجافيها السيسي ونظامه

كان ملفتا كذلك خوض السيسي في قضية حقوق الإنسان أثناء خطابه وأثناء إجابته على سؤال صحفي فرنسي، وأراد السيسي أثناء خطابه أن يشير إلى خصوصية الحالة المصرية بقول: "إن مؤسسات المجتمع المصري، بجميع أشكالها التنفيذية والتشريعية والقضائية والمدنية، تتضافر جهودها لتطوير منظومة حماية حقوق الإنسان من منطلق فهم معمق لعوامل التاريخ والحضارة والتراث التي تقود إلى حركة التطور الطبيعي للمجتمع، وفقاً لدرجة امتلاكه للعناصر اللازمة التي تدفعه من مرحلة إلى أخرى، اتساقاً مع تطلعاته الوطنية ومسئولياته الإنسانية. ولا يخفى هنا ضرورة التعامل مع قضايا حقوق الإنسان بمفهومها الشامل؛ لأن جميع تلك الحقوق متشابكة ومتداخلة وتعزز بعضها البعض بحيث لا يمكن تجزئتها؛ فالحق في الحياة، والأمن، وحرية الرأي والتعبير، والتنمية بما يشمل الحصول على غذاء ورعاية صحية وتعليم ومسكن لائق، إنما هي حقوق توليها مصر أولوية كبيرة انطلاقاً من مسؤوليتها تجاه مواطنيها والتزاماً ببنود الدستور التي تعد أساساً راسخاً لحماية حقوق الإنسان، وأن الشعب المصري صاحب الحق في تقييم مدى ما يتمتع به من حقوق سياسية واقتصادية واجتماعية. كما يجدر بنا في هذا المقام تأكيد ضرورة ألا تثنينا التحديات التي تواجهنا، سواء في المنطقة أو أوروبا، من انتشار لظاهرة الإرهاب وزيادة معدلات الجرائم المرتبطة بالعنصرية وكراهية الأجانب، عن التشبث بمواصلة توفير الحماية والتقدم لمواطنينا".

ففضلا عن أكاذيب جهود المؤسسات المصرية لتطوير منظومة حقوق الإنسان، المعلوم واقعها المتدهور، فإن السيسي يصر دائما على التأكيد أن هناك منظورا آخر لحقوق الإنسان يغفل عنه الغرب، وهو يقف هنا موقف المنظّر مدعي الحكمة والفلسفة. ومعلوم مدى ابتعاده عن هذا المجال بملايين السنين الضوئية، خاصة عندما قال وهو يتحدث عن حقوق الإنسان في مصر: "لسنا كأوروبا وأمريكا، وكل دولة لها خصوصيتها. التعدد والتنوع بين الدول طبيعي، ومحاولة تغيير التنوع إلى مسار واحد لن يكون جيدا"، وهو هنا يشير إلى تنوع بين القمع والحريات. وهذه المقارنة تظهر مدى الثبات الانفعالي لماكرون، إذ لم ينفجر ضاحكا من هذه السذاجة والحماقة.

وطالب السيسي الأوروبيين بألاّ يروا المصريين بعيون أوروبية، بل بعيون مصرية، وتلعثم وهو يستكمل عبارته الغريبة وتشبيهه المثير للضحك كالعادة. ثم انتقل السيسي في رده على كلام ماكرون الناقد لمصر بأنه نابع من حرصه على سمعة مصر كصديق لها، فكان رد السيسي المزلزل: "من يقوم بعمل سمعة دولية هي الاتهامات، لو محدش اتكلم عن موضوع حقوق الإنسان، كان الموضوع انتهى"، فالسيسي كما يطالب الإعلام المصري بالسكوت، فإنه يطالب المجتمع الدولي والإعلام العالمي بالسكوت، ليصر على إهانة مصر، عندما يبدو للإعلام والمجتمع الدوليين أن هذا الجنرال محدود القدرات يحكم دولة بحجم مصر.

يشير إلى تنوع بين القمع والحريات. وهذه المقارنة تظهر مدى الثبات الانفعالي لماكرون، إذ لم ينفجر ضاحكا من هذه السذاجة والحماقة

أمام هذه الأكاذيب والسذاجات اللامنطقية، كان خطاب ماكرون واضحا في دعمه للسيسي، فهو تحدث عن التقاء في وجهات النظر حول ليبيا "وعمل في الميدان" كذلك، وتحدث عن نفس التلاقي في وجهات النظر حول سوريا لمكافحة ما أسماه ماكرون بوقاحة "الإرهاب الإسلامي"، ثم عاد ماكرون ليؤكد أن البلدان واجها "آفة الإرهاب الإسلامي"، ليضيف أن أمن واستقرار مصر "أهمية استراتيجية لنا، ومعركتكم هامة لنا". وبالطبع، لم يقف السيسي ليرفض كلمة الإرهاب الإسلامي من ماكرون، بل ربما أكّدها وهو يتحدث عن فشل إقامة "دولة دينية في مصر"، وهذا هو المتوقَّع من مغتصب للسلطة، يبحث عن شرعية خارجية بعدما فقدها داخليا.

خطاب مخفف حول "بعض أسماء تبدو هامة" لفرنسا، فيما يشير إلى انتقادات انتقائية لحقوق الإنسان، وكذلك لم يتحدث ماكرون عن القتل بالشوارع، ولا القتل بالجملة في سيناء

كان خطاب ماكرون داعما للسيسي في ما أسماه مواجهة الإرهاب الإسلامي، وواضحا في دعمه للعملية الاقتصادية التي أفقرت المصريين وقصمت ظهورهم، واعتبر ما يقوم به السيسي "إصلاحات اقتصادية طموحة"، مما دفعه لتعزيز الشراكة الفرنسية بمليار يورو على مدى أربع سنوات قادمة، ثم توجه بدعم كامل بقوله: "رسالتي للشركات الفرنسية: مصر تتحول، مصر تحدّث نفسها، مصر تتطور، وشركاتنا يجب أن تستغل الفرص العديدة". وكانت هذه الكلمات عقب حديث ماكرون عن حقوق الإنسان في مصر وانتقاده "الصوري"ّ لها، إذ لا تمكن مقارنة ما قام به ماكرون من دعم سياسي واقتصادي للسيسي، مع خطاب مخفف حول "بعض أسماء تبدو هامة" لفرنسا، فيما يشير إلى انتقادات انتقائية لحقوق الإنسان، وكذلك لم يتحدث ماكرون عن القتل بالشوارع، ولا القتل بالجملة في سيناء. صحيح أنه ليس مطالبا بذلك، لكن بما أنه تحدث عن "حالات فردية ظهر له أنها لا تزعزع الاستقرار"، فكان الأجدر به أن يتحدث عن حالات جماعية تصنع قنابل موقوتة بالمنطقة كلها.

كنا أمام قمة بين وقح انتقائي في حديثه عن حقوق الإنسان، ومدافع عن انتهاكها طالما لا تمس من يشبهونه في الأفكار، وموقفه من ابن سلمان يؤكد هذا التوجّه المتسم بالنقد الخافت دون فاعلية، والطرف الآخر في القمة، كاذب مدّعٍ للحكمة والنزاهة، وهي قمة تليق بالحكام الغربيين والشرقيين على السواء، وتبيّن مأزق السياسة الدولية في هذه المرحلة اللاأخلاقية، مما يؤكد يوما بعد يوم أن النظام الدولي فقد صلاحيته، وهو بانتظار لحظة إسدال الستار على مرحلة وضيعة من التاريخ البشري، تشبه تماما مرحلة تأسيسه عقب حرب مات فيها عشرات الملايين، وصاغ أسسها أكثر الأطراف إجراما.

الثلاثاء، 4 أغسطس 2015

أين أوجيني؟


أين أوجيني؟

شريف أيمن

(1)

قال في وثيقة بدء الحفر: "نأذن نحن عبد الفتاح السيسي ببدء حفر قناة السويس الجديدة لتكون شريانًا إضافيا للخير لمصر ولشعبها العظيم وللعالم أجمع، حفظ اللهِ -هكذا أعربها- مصر..".

الرجل من لحظته الأولى تلبّسَتْه مصر الخديوية حتى بألفاظ التعظيم، وتلبس الحالة مستمر إلى الآن، بما في ذلك بذخ وسفه الاحتفال بها، لدرجة ركوب المحروسة التي استقلها الخديوي إسماعيل أثناء افتتاح القناة (1869)، كل هذا التلبس لم يراعِ الفارق الكبير بين قناة كاملة وتفريعة عنها.

(2)

شُقّت القناة على مدار 10 سنوات (1859- 1869) واستُعمل لشقها مليون مصري من أصل أربعة ملايين تقريبا، وقضى مئة وعشرون ألفا نحبهم ظلما وإهمالا وذلا، ورغم تلك المآسي لم يتورع صاحب مصر عن إظهار البهجة وأمارات سفهه، فاستدان لأجل الاحتفال -رغم غرق دولته في الديْن- واستدعى 500 طاه و1000 رجل لخدمة ضيوفه الذين بلغوا 6000 مدعو.

الخديوي الحالي أمر بشق تلك التفريعة رغم ضآلة مردودها الاقتصادي، واستكتب الأسهم كسلفه وجمع المليارات، لا لشيء سوى إشعار البسطاء أنه قام بعمل قومي يخلد ذكراه، كأنه أنشأ السد كملهمه الراحل، أعلن عن قناة جديدة بجرأة غير معهودة على تجاوز الأوصاف الطبيعية، وقد فعل مبارك أطول منها دون زعم كونها قناة جديدة، أمر الخديوي الحالي بتقليص مدة الحفر لثلث المدة المقترحة ليظهر قوته وعزمه المصطنعين، ومستصحبا مع أمره -لصاحب الرتبة الأقدم منه- تلك الابتسامة "الآسرة"، دون الاكتراث بما سيصحب التقليص من رفع بميزانية الحفر وإنهاك للدولة، دخل في تحدٍ لا أدري مع مَن لأجل إنشاء مشروعه لا مشروع الوطن، وكان الأولى الاستثمار في المجتمع المنهك المطحون.

(3)

ما تم تداوله أن حفل الافتتاح وحده سيتكلف 30 مليون دولار أمريكي، وطمأنتنا الدولة الرشيدة بأن المبلغ سيكون من الرعاة لا من الخزانة، لكن ماذا عن المقابل المقدّم للرعاة؟ وماذا عن نفقاتها هي؟
أمر جناب الحاكم المعظم أدام الله ظله: بدعوة زعماء الدول والوجهاء، وصك آلاف العملات الذهبية -بما يمثل 15% من الذهب المخصص للعملات التذكارية- لتوزع على حضور الحفل، وعشرات مراكب الصيد توزع على بعض الأسر، واستخدام جنابه لمركب المحروسة، وحضور المواطنين من بر مصر للترحيب بالأجانب، واستدعاء القوات لتأمين الحفل ومعهم مئات الكلاب من أوروبا، وأُنشئت الطوابع التذكارية، وأعلنت بمصر إجازة رسمية، ورفعت الأعلام في كل البقاع، وأقيمت الاحتفالات.

رغم كل ما فعله من نفقات يبقى التساؤل عن أهم ضيوف الحفل.. أين فائقة الجمال إمبراطورة فرنسا؟ أين أوجيني؟

(4)

المشروع الحقيقي والاستثمار الفعلي بالقناة، تعميقها أو إنشاء مشروع لوجيستي بها، والاستثمار الحقيقي بالوطن ينصب على مداه الطويل لا الدعاية الخاطفة للنظم الحاكمة -ليتها كانت صادقة- يكفي المرء معرفة أن ذاك الذي يحكم قام بتقليص ميزانية الزراعة في بلد يحيا عليها وعلى ضفاف النيل بمقدار 60% عن الموازنة السابقة، الأمر الذي يدل على حجم العبث بهذا الوطن وعلى مواطن القوة به الخائرة أصلا.

الاستثمار الحقيقي بالدولة لا يقوم باستهلاك 150 كغم من الذهب لأجل صك عملات احتفالية، والتوسع في النفقات الأمنية والاحتفالية، كأن الأموال خاصة بالآمر بتوزيعها، في ظل بلد يعاني من فقر شديد وحالة اقتصادية بلغت أوجها، وكل تكاليف الاحتفال لا تشير إلى حاجة مصر للتقشف بل تشير لكونها دولة غنية للغاية؛ إذ أن هذه مصروفاتها الاحتفالية فكيف بالمتعلقة بالبحث العلمي والصحة؟ كأن الدعوة للتقشف وشد الأحزمة خاصة بالمقهورين اقتصاديا، دون من يسوس البلد، ويغدق على "أذرعه" وضيوفه.

(5)

تتبع تاريخ ذلك الشريان -الذي أضحى من أهم ما يميز ذلك البلد المسكين- يثير العجب، فعندما قررت فرنسا السعي لإنشاء القناة، غضبت إنجلترا وضغطت لعدم إنشائها، وبعد قرن تقريبا اتفقت الدولتان على محاربة مصر عقب التأميم!

كذلك الطرق المنافسة له، فأدناها تأثيرا طريق رأس الرجاء الصالح؛ لبعده الشديد وارتفاع تكاليف النقل عبر الإبحار منه، وهو طريق موجود فعليا، أما المشروع الذي ينافس القناة بحق طريق بحر الشمال، وهو الذي يربط بين قارتي آسيا وأوروبا والمحيطين الأطلسي والهادئ، إلا إن الصعوبات التي تعيقه سياسية أكثر منها تقنية، فمنها ما يتعلق بالدول المستفيدة منه وهي ليست على وفاق كبير، ومنها ما يتعلق بخط السكة الحديد الإيراني الذي يربط بين إيران وأذربيجان، كأحد المحطات المهمة في الطريق ككل، والصعوبات فيه متعلقة بالتضاريس الصعبة التي تعوق المشروع، ومنها ما يتعلق بالمناخ نظرا لمروره بالقطب المتجمد الشمالي، والأهم أن الطريق سيقوم بتغيير مناطق النفوذ في العالم وتحويل أماكن النقل البحري والبري، ومسارات الطاقة بين دول يتوجس الغرب منها كإيران وروسيا، كل ذلك مما يسهم في صعوبات تنفيذه.

الممرات المنافسة رغم عدم جديتها حتى الآن في إحداث صدع في قوة القناة، لا ينبغي أن يتم تجاهل خطرها المستقبلي لو نُفذ ممر بحر الشمال، الذي سيسمح لمنطقة بحر قزوين بأن تكون مركز التقاء للمرات الدولية، والانصراف لمشروع محور تنمية القناة هو الذي يحقق لمصر طفرة اقتصادية حقيقية، لا تلك الأحداث القائمة على الزيف والتدليس.