السبت، 29 أغسطس 2015

دولة الكانتونات " سوريا سابقًا "

دولة الكانتونات " سوريا سابقًا "



شريف عبد العزيز
هواجس التاريخ أرهقت الواقع بشدة ، وأشباح الماضي ما زالت تطارد الحاضر وتحاصره في كل مكان ، وذكريات الماضي أضحت خريطة عمل يسير وفْقَها الجميع ، سواء شاءوا أم أبَوا ، علموا أو جهلوا ، قصدوا أو غفلوا . فالجميع اليوم في سوريا يعمل على قدم وساق من أجل تقسيم بلاد الشام المباركة ، بعد أن آلت الوقائع والأحداث إلى التراضي بين الجميع ، على تمزيق الجثمان المسجى بلا حراك ، على موائد الاتفاقيات السرية والتوافقات الضمنية ، بعد 4 سنوات مُضنيات ، تحولت فيها أحلام أطفال درعا الوردية بالحرية إلى أسوأ كوابيس العصر ، وأبشع مشاهد الزمان .

حديث تقسيم سوريا في التاريخ بدأ في شهر مايو 1916 عندما أبرم وزير الخارجية الفرنسي فرانسوا جورج بيكو اتفاقاً سرياً مع نظيره البريطاني مارك سايكس لتحديد مناطق نفوذ دولتيهما في المشرق العربي، ونصت المعاهدة في صيغتها النهائية على منح فرنسا كلاً من: الموصل وسوريا ولبنان، ومنح بريطانيا جنوب بلاد الشام والعراق ، بعدها شهدت السنوات الأربع التالية اعتماد الخريطة السياسية للمشرق العربي من خلال وعد بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين عام 1917، ومعاهدة "سيفر" التي قسمت منطقة الهلال الخصيب وفق أطماع القوى الأوروبية عام 1920، ومعاهدة "سان ريمون" التي نصت على وضع سوريا والعراق تحت الانتداب الفرنسي والبريطاني تباعاً في العام نفسه .

وإمعاناً في تفتيت المشرق العربي وضع صليبو فرنسا خطة التقسيم الطائفي للمنطقة؛ فأعلنت إنشاء دولة لبنان الكبير ، ودويلة حلب ، ودويلة العلويين في شهر سبتمبر 1920 ، ودويلة جبل الدروز في أبريل 1921، ودويلة دمشق التي اتخذت من العاصمة اسماً لها، كما فرضت نظامي إدارة محليين في إقليم الجزيرة وسنجق الاسكندرونة . ثم عادوا وضموا دويلات حلب ودمشق في دويلة واحدة سنة 1924 ، ثم ضموا إليهم مناطق العلويين والدروز سنة 1936 ، وأُعطي لواء الاسكندرونة إلى تركيا ، واستقر الشكل النهائي لبلاد الشام إلى دولتين ، سوريا ولبنان سنة 1939.


أشباح الماضي وهواجس التاريخ عادت للظهور بقوة في أتون حالة الفوضى التي انتابت الشرق الأوسط ابتداء من عام 2011؛ فقد عاد الولع الغربي بخارطة المنطقة؛ إذ بدأت تظهر رسومات جديدة وخرائط مستحدثة لإعادة تقسيم المشرق العربي وفق مصالح القوى الدولية المتنافسة ، واستدراك أخطاء سايكس بيكو القديمة التي فاتها البناء على ميراث الابداع الفرنسي في التقسيم وفق الطائفة والدين ، ليس وفق القومية ، كما حدث والذي أنتج دولا كبيرة الحجم ، شاسعة الأرجاء ، يصعب السيطرة عليها . 
وتوالت الدراسات والاقتراحات من دوائر صنع القرار في أمريكا بشأن مشاريع التقسيم ، أبرزها دراسة خرائطية نشرها "معهد دراسات الحرب" لتقسيم سوريا إلى رقعة شمالية شرقية يسيطر عليها الأكراد، وأخرى وسط وشمال غربي البلاد تسيطر عليها المعارضة السنية في حلب، وثالثة يسيطر عليها النظام العلوي وتتضمن محافظات: دمشق وحمص واللاذقية وطرطوس، ونشر "مركز ويلسون" دراسة أخرى ضمّنها خريطة تقترح فض الاشتباك بين المعارضة والنظام على طول الخط السريع بين دمشق وحلب، بحيث تصبح دمشق وحمص وحماة ومحافظات الساحل تحت حكم النظام، وتخضع القطاعات الشمالية والشرقية للمعارضة.

التطورات الميدانية ، والوقائع اليومية ، والتدخل التركي بإنشاء منطقة عازلة في الشامل السوري ، والزيارات السرية والجولات المكوكية التي يقوم بها كبار مسئولي الأسد وإيران أمثال على المملوك وقاسم سليماني في المنطقة والخارج والتي يناط عنها اللثام يوما بعد يوما ، والبنود المثيرة في الاتفاق الأخير الموقع منذ أيام لوقف إطلاق النار بالزبداني بين المعارضة والنظام سوريا وحزب الله الشيعي ، والتراجع الكبير ، والانسحاب الواسع لقوات الأسد من مناطق المواجهة مع المعارضة في نقاط كثيرة ومتنوعة على الخريطة ، كلها أمور تقود إلى البدء فعليا في تنفيذ مشروع تقسيم سوريا إلى كونتات طائفية ، ودويلات صغيرة على الجهات الأربع.

فلعدة أشهر، لاحظ المحللون تراجعا إلى "دويلة" لا مفر منها نظرا لإنهاك قوات الأسد والنقص الحاد في المقاتلين الموالين ومحدودية الموارد الإيرانية وكذا المكاسب الميدانية التي حققها الثوار في الشمال وجنوب البلاد .وفي هذا السياق، يعلق الباحث "جوشوا لانديس"، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما قائلا:
" بدا المحللون مُجمعين على الاعتقاد بأن الأسد في تراجع كامل إلى "جيب" أكثر تحصينا يمتد من اللاذقية على ساحل البحر المتوسط في شمال غرب إلى دمشق . فمع تراجع قوة نظام الأسد في الآونة الأخيرة، أصبحت تطلعات النظام للعودة إلى الاصطفاف على الشاطئ في كيان خاص يحافظ على شكل نظام الأسد لقتال المعارضة من نقطة ارتكاز جديدة بخلاف دمشق التي أصبحت شبه محاصرة، وفي هذه الأثناء يتم تداول أحاديث إقليمية عن هذه الضرورة من جانب إيران التي ترى أنها ربما تضطر إلى حماية الأسد في اللاذقية بدلاً من دمشق ، كذلك هناك قوى إقليمية عربية تدرك ما يرنو إليه نظام الأسد في سوريا حال سقوطه في دمشق، أظهر ذلك العاهل الأردني، الذي دعا المعارضة السورية إلى أن تمد يدها إلى العلويين، بحيث يشعرون بأن لهم مصلحة ومكانة في مستقبل سوريا والعمل لضمان إشراكهم في عملية الانتقال السلمي، كما حذر من احتمال لجوء الرئيس السوري بشار الأسد إلى تكوين "جيب علوي"، بهذا صارت الدولة العلوية شبحًا جديدًا يرواد الإقليم.
هناك العديد من الشواهد والاجراءات التي تتخذ على الأرض من أجل تكريس قيام دولة الساحل التي ستكون فاتحة التقسيم الطائفي لسوريا . فلقد حرك النظام باتجاه تثبيت قواته في المناطق الساحلية، وتقوية دفاعاته في اللاذقية عبر تشكيل فصيل علوي جديد يطلق عليه: "درع الساحل" ونشر 1500 مقاتل من الميلشيات الإيرانية في مختلف نقاط المراقبة وحواجز التفتيش لمنع غير القاطنين في المحافظات الساحلية من الدخول إليها، وإصدار قرارات تنص على أن لا يدخل محافظتي اللاذقية وطرطوس إلا من يثبت أنه من مواليدهما، أو مالكاً لعقار، أو مستأجراً فيهما، أو عاملاً

في إحدى مؤسساتهما، إضافة إلى منع تجديد عقود إيجار المساكن لغير أبناء الطائفة العلوية في مدن الساحل وقراه الخاضعة لسيطرته ، وتتزامن عمليات الحشد الطائفي والعزل المناطقي في الساحل السوري مع جهود يبذلها النظام لفرض حدود شرقية للإقليم العلوي المفترض، حيث تم تهجير سكان القرى السنية بريف حماة الشمالي والغربي وسهل الغاب؛ ففي حين حافظت القرى التي يقطن بها إسماعيليون وعلويون ومسيحيون (سلحب والرعيدي واللقبة والمحروسة) على تركيبتها الديمغرافية قامت قوات النظام بتدمير مساكن السنة في القرى المخلطة وتهجير قاطنيها قسراً، وخاصة في الصفصافية وعمورين ، وتزامنت هذه الإجراءات مع قيام النظام بتحصين التلال الإستراتيجية شمال وشرقي نهر العاصي،ووضع المتاريس ونقاط التفتيش حولها وتلغيم محيطها،كما تم توثيق إجراءات شبيهة قام بها النظام في ريف حمص مما عزز فرضية توجه النظام نحو رسم حدود المناطق العلوية وتأمينها تمهيداً لعملية تقسيم محتمل . ومنذ أكثر من عامين والنظام ينقل كتائب من الحرس الجمهوري، ويجعل مقراتها في قرى جبلة والقرداحة وطرطوس،كما أعاد نظام الأسد ترميم البنى التحتية للمدينة، وأقام عدة مبان كبيرة على مدخلها الجنوبي، وأعلن عن افتتاح جامعة حكومية فيها، ستبدأ التدريس في سبتمبر من هذا العام، كما وسع ميناءها البحري العام الماضي، إضافة لزيادة عدد المدارج بمطار القرداحة القريب وتوسعة صالة الركاب فيه .

وفي مقابل دويلة الساحل للأسد وطائفته ، على قدم وساق يقوم الأكراد بتأسيس دويلتهم في شمال سوريا ، وبالتزامن مع عمليات التهجير القسري التي مارستها قوات النظام في ريف حماة؛ قامت وحدات حماية الشعب الكردية (المرتبطة بحزب العمال الكردستاني) بعمليات تطهير عرقي شمال شرقي سوريا ضد 23 ألفاً من السكان العرب ، والاستيلاء على أملاكهم وتدمير منازلهم في عدة قرى واقعة بريف جبل عبد العزيز مثل قرى: الضبيب والصليل والعلقانة وأم حجرة وأبو فخيذ والقرن والبديع، بينما أُفرغت منازل قرية تل الجنب والصارلي من محتوياتها ، وذلك ضمن خطة تنفذها وحدات حماية الشعب لربط ثلاثة جيوب كردية مع بعضها البعض في دويلة "روجوفا"، وتشمل: عين العرب وتل أبيض ومدينة عفرين ، ورئيس ما يسمى "المجلس التنفيذي لمقاطعة الجزيرة" أكرم حسو يتصرف وكأنه رئيس دولة، فهو: "يتحدث عن سياسات اقتصادية وضرائب على التصدير، وعن جنود يحرسون الحدود، ويتعهد بفرض النظام والقانون وتوفير الأمن لأبناء دويلته"، ويقوم حسو باقتطاع الضريبة عن الشاحنات والمنتجات التي تنتظر المرور عبر الفرات في طريقها إلى إقليم كردستان.
ولأن الجميع قد فهم اللعبة ومآلات الأمور في سوريا ، فإن الدروز أيضا قرروا البحث عن مستقبلهم ومصيرهم بعد رحيل الأسد الحتمي. ففي ظل انهيار حاميات النظام في محافظتي القنيطرة وحوران وانسحاب قواته من السويداء؛ تسربت أنباء صفقة أبرمها زعيم هيئة جديدة تطلق على نفسها اسم "المجلس العسكري للدروز في سوريا"في العاصمة الأردنية تقضي بحماية دروز سوريا من أي اعتداء مقابل وقوفهم على الحياد . وأكد موقع "ديبكا" الاستخباراتي الصهيوني في يونيو 2015 أن الحكومة الإسرائيلية تنسق مع غرفة القيادة المشتركة في الأردن عمليات تأمين الدروز ومنع وقوع أية تجاوزات ضدهم من قبل المعارضة أو النظام، خاصة وأن العديد من الدروز الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي قد لوحوا بإمكانية عبور الحدود باتجاه السويداء وحمل السلاح دفاعاً عن أبناء طائفتهم في الجبل إذا تعرضوا للخطر من قبل تنظيم الدولة .

الوضع القائم على الأرض في سوريا اليوم يدفع باتجاه تفكيك سوريا الأم لصالح دويلة الكونتات الطائفية ، فدويلة للأسد تشمل دمشق وحمص واللاذقية وطرطوس ترعاها إيران وروسيا ، محافظات الجنوب تحت سيطرة ائتلاف من الفصائل تدعمها غرفة العمليات المشتركة بالأردن ، ومحيط العاصمة دمشق تحت سيطرة عدد من الفصائل أبرزها جيش الإسلام ،والمنطقة الشرقية التي تشكل نحو ثلثي سوريا وتخضع لسيطرة تنظيم الدولة " داعش " ، وشمال وشمال شرق البلاد تحت سيطرة حكم ذاتي كردي مدعوم بإسناد جوي أمريكي وتمويل أوروبي ، شمال غربي سوريا الذي يخضع لائتلاف فصائل تحت مظلة "جيش الفتح" برعاية تركية-قطرية . وأمريكا تحاول المحافظة على مصالحها في المنطقة من خلال توظيف القوى المتنازعة واستنزافها،وذلك بالاستمرار في دعم الأكراد لضرب تنظيم الدولة شمال شرقي البلاد، وتوظيف الميلشيات المدعومة إيرانياً لوقف امتداد الجماعات "السنية المجاهدة" غربي البلاد،وتنفيذ عمليات قصف جوي لمنع امتداد الصراع إلى خارج الحدود ، خاصة إلى الجانب العراقي .

وعلى الرغم من وجود العديد من المعوقات السياسية والاجتماعية والديمغرافية أمام مشروعات التقسيم إلا إن الحصاد المرير لسنوات الثورة الأربع ، والتدخلات الدولية والإقليمية جعل من مشروع التقسيم مسألة وقت لا غير ، حتى يحصل كل طرف ومن يموله على ما يريده فعلا من مشروعه التفتيتي ، وربما سيأتي علينا الزمان الذي نقول فيه : كان هنا بلد كبير من قبل اسمه " سوريا " .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق