الثلاثاء، 18 أغسطس 2015

الله يرحمها


الله يرحمها
وائل قنديل


"أرسل التعازي لأعظم رئيس في أيامنا هذه، الوحيد الذي نجح في هزيمة الإسلاميين العفنين. هو الأمل العلماني للدول العربية".
الكلمات السابقة لأحد المستعمرين الصهاينة، على موقع صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، وهو ينعي والدة عبد الفتاح السيسي، نقلا عن موقع "مصر العربية". 
مواساة الصهيوني من يحكم مصر، باعتباره "هازم الإسلاميين العفنين"، تأتي في توقيت واحد مع خطاب السيسي عن ضرورة تصويب الخطاب الديني (الإسلامي). حسناً.. الخطاب الديني بحاجة إلى تجديد وتصويب، لا خلاف على ذلك. 
لكن، مَن يصوب ومَن يجدد؟ هل عبد الفتاح السيسي، وتابعه إبراهيم محلب، مؤهلان للتصدي لقضية بهذا الحجم؟
دعونا نقرأ مزيداً من برقيات التعازي الصهيونية إلى من يعتبر نفسه "قائد ثورة تصحيح الإسلام"، فمن مدينة بتاح تكفا علق "مائير": أرسل التعازي للسيسي. الرجل الذي أنقذ مصر من الخراب.
وكتب صاحب التعليق رقم 30: نقدر السيسي في إسرائيل أكثر من بيبي (بنيامين نتنياهو).
واتفق معه المعلق 29 بالقول: أفضل السيسي على بيبي. 
وكتب المعلق رقم 21 والذي يحمل اسم "رجل من إسرائيل" يقول: تعازينا للرئيس المصري..أرسل من هنا عناقا حارا. 
وجاء التعليق رقم 25 على النحو التالي: يا سيسي، أنا أفضل أن تكون رئيسا للحكومة الإسرائيلية بدلا من بيبي. 
وقال تافل: بالتأكيد، كانت أما جيدة، يشهد على ذلك تربيتها ابنها. 
مرة أخرى: تجديد الخطاب الديني أو تصويبه لصالح من؟ وكيف يمكن أن تقنع مواطنا مصريا مسلم الديانة، بات يخشى الذهاب للصلاة في المساجد، لأنها مزروعة بالكاميرات وبالعيون، بأن الرجل الذي يتمناه الإسرائيليون حاكما لهم، جدير بأن يتولى موضوع الإصلاح الديني في بلد الأزهر؟
من يطالع كلمات السيسي ومحلب، لمناسبة مؤتمر دار الإفتاء المصرية أمس، عن إصلاح الخطاب الديني، يضرب كفا بكف من انقلاب المفاهيم والمعايير، لدى سلطة قتلت وسجنت وشردت وأبعدت، من علماء الدين الإسلامي الأجلاء، عددا يكفي لتنقية الخطاب وإصلاحه، في الوقت الذي احتفظت فيه ورعت ودللت جهلاء الكلمة، وسفهاء الفتوى، وبلطجية الفقه، حتى بات معلوماً لدى أصحاب الفهم في هذا البلد أن "التجديد" صار مرادفا للتجديف، وأن التصويب بات يعني تمييع كل ثابت ومستقر من القيم. يخطب السيسي في العلماء والمشايخ، فلا يكاد يستطيع قراءة جملة واحدة مما هو مكتوب له، قراءة صحيحة، على الرغم من التدريبات والتلقينات، فكيف نصدق أن من لا يعرف كيف يقرأ نصا، يفهم في تطوير النص أو تجديده أو تصويبه؟ يُشعرك، طوال الوقت، بأن ما بينه وبين اللغة العربية التي هي لغة الخطاب الذي يريد تجديده، كالعلاقة بين اللواء عبد العاطي وطبّ الفيروسات المستعصية، كلاهما يتحدث ويفتي ويقطع في ما لا يفهمه، ولا يخصه من الأساس، غير أنها "الفهلوة"، تلك القيمة الوحيدة التي تحكم كل شيء في مصر الآن، ابتداء من الطب إلى الفقه، مرورا بالاقتصاد والسياسة والقانون.
ومعروف، بالطبع، أن "الفهلوة" هي الخطوة الأولى على طريق الدجل والنصب، فلا غرابة في أن من يدعي أن تفريعة قناة السويس الجديدة غطت تكلفتها في أسبوع عمل بعد الافتتاح، هو نفسه من يدّعي قيادة تيار التجديد والتصويب في الفكر الإسلامي، حتى وإن كان لا يقدر على اجتياز اختبار الصف السادس الابتدائي في اللغة العربية. 
لا دهشة على الإطلاق، حين يخطب رجل المقاولات السابق، إبراهيم محلب، في جمع من العلماء والمشايخ الذين تحبهم السلطة، قائلاً إن "الفتوى أصيبت بالخلل"، ولا يجرؤ أحدهم على الرد، أو المناقشة، تماما كما لا يجرؤون على مراجعة عبد الفتاح السيسي، وهو يشق بطن اللغة ويخرج أمعاءها، ويدفنها تحت كومة من الركاكة والوهن، بينما لا يملكون إلا التصفيق، من دون أن يترحم عليها أحد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق