الأربعاء، 26 أغسطس 2015

مناذرتنا غساسنتنا مع الاحترام: #ريحتكم _طلعت


مناذرتنا غساسنتنا مع الاحترام: #ريحتكم _طلعت
جهاد صقر
 خبير ومحلل استراتيجي.

لم تمنع فداحة الحماقة الأخيرة ليزدجرد آخر ملوك كسرى فارس، من أن يرثها أحفاده ليتم تمريرها اليوم للعبيد على منوال "سنعيدها سيرتها الأولى".

والقصة أن الإمبرطور التعس أراد إذلال رسل القائد المسلم سعد بن أبي وقّاص على أعتاب فتح بلاد فارس، فقام بتحميل أشرفهم تراب فارس فوق رأسه كرسالة لأميره.
ومن سوء حظ كسرى تمتع عرب ذلك الزمان بتوقد ذهن أدرك ما غاب عن بال الإمبراطور الغر، ليطلق رسل سعد سيقانهم للريح صوب معسكرهم -بالغنيمة- فرحين أن: "بشِّروا الأمير بالظفر، ظفرنا إن شاء الله تعالى".

ولما علم رستم قائد كسرى بالخبر جن جنونه، فقال: "إن العربي ليس بأحمق، والله ذهبوا بمفاتيح أرضنا". ثم أرسل وراءهم من يعيد التراب وهو يتمتم: "إن أدرك رجالنا التراب فرَدّوه تداركنا أمرنا، وإن ذهب رسل سعد به غلبونا على أرضنا".

ولما بلغ التراب سعدا هتف: "أبشروا فقد -والله- أعطانا الله مقاليد ملكهم"، وساء ذلك الفرس وغضبوا أشد الغضب مستهجنين رأي كسرى، قبل أن يُهزموا ويزول مُلكهم للأبد.

بقية القصة معروفة...تأنيب من ضمير اليوم لبعض من جاؤوا بعد سعد، ليعيدوا تراب الأمس لأحفاد كسرى، ومعه العراق والأحواز وبلاد البلوش وسوريا ولبنان والخليج العربي واليمن كهدية دون حرب، وإن وُجِدت الحرب فحرب مناذرة عرب -عملاء وعبيد- على من هم ليسوا عبيدا مثلهم لكسرى أو هرقل، كدأب مناذرة وغساسنة الأمس يُخضعون البلاد والعباد لسلطان الامبراطورين.

وللفارق هنا أن حرب مناذرة اليوم ضد إخوتهم لم تعد حربا بأخلاق ذلك الزمان، بل حرب مجازر وإبادة -بالوكالة- من طرف واحد... الجزار فيها مسلح والضحية عزلاء تشمل كل من يمكن قتله من أهل البلاد رجلا أو طفلا أو شيبة أو امرأة.
ولا عليك، فرُزّ مناذرة وغساسنة اليوم يتكفل بتغطية المقتلة بما يلزمها من سلاح ونفقة، وإعلامهم يتكفل بتصوير أنهار الدم المسفوح أنهار سمن وعسل، ويبقى الجاني -في عرفهم- الضحية. وعلى الشرعية الدولية ملاحقة من يجود على الضحية بكسرة خبز أو ضماد طبي أو موقف نخوة أو حمية. وبالطبع يمسي مكان كل معترض -على استخدام السكين للتقطيع والبرميل المتفجر لشواء الضحية- قوائم الإرهاب الدولية!

تطور الزمان ليصير المناذرة والغساسنة اليوم شيئا واحدا، إذ توحدت العمالة لكسرى وهرقل -معاً- فأمست مزدوجة. وحتى قبل توقيع الاتفاق النووي الأخير بين الإمبراطورين، عملا معا على إنفاذ اتفاقهما الدموي منذ أفغانستان، حيث تطلب توحيد العدوّ -تحت شعار المكون السني- توحيد العبيد -لا تحريرهم- في كيان واحد وبوظيفة واحدة؛ إبادة كل من لا يحذو حذو أسياد منذرٍ وغسان من بني يعرب على قاعدة إلزامية هي "حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم".

وبخلاف تراث هرقل وكسرى في النيل من كرامة الإنسان منذ العصور القديمة مرورا بالعصور الوسطى، نجد لسادية وانحطاط العبيد أصل في طقوس سادة العصر الحديث، يشهد على ذلك مشهد مجندة أمريكية تمعن في تعذيب وإذلال أسرى عراقيين مقيدين مجردين من الثياب ومحكومين فوق بعضهم البعض على نحو يخدش بقية حياء وإنسانية، وجندي أمريكي -يبول على من قتلهم من الأفغان- وهو منتشٍ بالكُليّة، وقصص تعذيب وقتل سكان وأسرى لا تنتهي على يد ضباط وجند بريطان وأمريكان ليس لها نهاية.

والحق أن التقليد لدى العبد يتفوّق على الأصل لدى السيد، والسر هنا شيمة النخوة؛ متى نُزعت من العربي هوى من الثُّريّا -حيث تحلق النسور- إلى الحضيض-أسفل سافلين بل وأسفل من السافلين-.

إن العروبة أخلاقٌ -ابتداء- قبل أن تكون لسانا، والإنسان العربي قبل الإسلام كان يتمثل من الأخلاق ما استحسنه وأقره الرسول صلى الله عليه وسلم كما كان في حال كريم العرب حاتم الطائي. ولما جاء الاسلام استكمل منظومة الأخلاق ووضعها في إطارها الصحيح. 
وكان مجرد الإقدام على الكذب انتقاصا من شرف الإنسان في الجاهلية كما في الإسلام، ولم يحل اختلاف المصالح والجبهات والمواقف بين الناس دون تحري الصدق والإنصاف حتى في حق الخصوم. يشهد على ذلك موقف أبي سفيان وهو مشرك بين يدي هرقل حين أنصف رسول صلى الله عليه وسلم، وهو ما عبّر عنه بعد ذلك: "فوالله لولا الحياء من أن يؤثروا علي كذباً لكذبت عليه (أي بحق محمد)".
وكان أقصى ما بلغه في النيل من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام حين سأله هرقل: "هل يغدر؟"، قوله: "لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها"... إنصافٌ قال بعده هرقل قولته المشهورة: "إن كنت ما تقول حقا يا أبا سفيان، فإن محمدا سيملك موضع قدميّ هاتين. وقد كنت أعلم عن طريق الكتب أن نبيا سيظهر، ولم أكن أظن أنه منكم، فلو أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لأطعتُه".

إن مقارنة عربي جاهلية الأمس -ولا نقول مسلم الأمس- بعربي "عصر التنوير" اليوم مجحفة تمام الإجحاف، بدليل تفشي الكذب بين الناس، يعضد ذلك دأب جل وسائل إعلام العرب على ترسيخ ثقافة الكذب في المجتمع، وتفننها -مثلاً على صعيد مؤسسة الحكم- في اختراع الأكاذيب وليّ الحقائق تمجيداً لفاجر ضعيف، وبالطبع شيطنة مخالفيه مهما بلغوا من قوة الحجة وصواب الموقف، وما ينطبق على "فضيلة" الكذب ينسحب على كل ما سواه من قيم وأخلاق يعاد تعريفها لتتناسب مع متطلبات عصر الحداثة -فالعولمة- والسلطان المتغلب.
ترى أكان ذلك هو ما جعل مفكراً كسيد قطب -رغم تجربة التعذيب والسجن المريرة- يكتفي بإسقاط أحكام الجاهلية على مجتمعات عرب زمانه بما تحفل به من ممارسات تأنف منها النفوس السوية أيام الجاهلية؟ إسقاط يطبق عليها أحكام مرحلة دعوة مكية تتطلب تعلم المبادئ أولاً، كشرط يسبق إقامة مجتمع يقوم على تلك المبادئ، لا يمكن القفز صوبه دون بناء الفهم والخُلُق والإنسان؟...
تصور تحامل عليه الكثيرون، فاعتبره البعض تراجعا عن اكتمال الشريعة بموجب الحقيقة القرآنية "ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا"، ، بينما اعتبره البعض الآخر تكفير مجتمع مهتدٍ بوصفه جاهليا، ونسي الطرفان أن العهد المكي عهد دعوة لا عهد قتال، وأن القتال لم يُشرع أبداً في الحقبة الجاهلية!

وفي مقابل أبي سفيان المشرك الذي كان "يستحي" في الجاهلية، تتساءل: أي انحطاط ذلك الذي هوى اليوم بالنفس البشرية كي تستمتع بصورة "سيلفي" بضحكة شيطانية، والنار تلتهم جسد الضحية المقيدة المدلاة فوق ألسنة اللهب في عصر تقدم الحضارة والمدنية؟ وأي انحطاط يجعل مَن حُرم شرف وأخلاق الجندية يحاصر مخيم بؤس كمخيم اليرموك؛ يخنق أهله لتمسي أجسادهم أشبه بهياكل عظمية؟ وأي انحطاط يجعل الجندي يعلِّق أمام الجياع ربطة خبز ليتسلى بقنص من يحاول نيلها برصاصة تُردي الضحية؟

سقوط وعدمية إنسانية وانحطاط أخلاقي يصعب على أي عالم اجتماع إنساني تفسيره، فكيف بعالم حيوان -وغريزة الحيوان تأنف السادية-؟ سادية للأسف أبطالها زبانية أمن ومخابرات عربية، بممارسات تترفع عنها أسوأ عصابات المافيا الإجرامية.

إن أبي سفيان الجاهلي لم ينل من عرض غريمه صلى الله عليه وسلم ولم يفترِ عليه أو يسبه أو يلعنه رغم عظم حقده عليه بِمَا لا يقل عن نار الحقد المجوسية.

تُرى لمصلحة من تطال أزواج محمد وأصحابه صلى الله عليه وسلم لعنات عبيد كسرى لأجيال، يتغنون بعدها بدعاوى الوحدة الوطنية؟ ألا يعد تدريب طفل عل شتم أتباع محمد وحرق دمى تجسد أزواجه -نيلاً لرضا الأبوين-، ترسيخ ثقافة افتراق مجتمعي -بل ثقافة موت جهنمية-، تجعل آلية الدمار المجتمعي ذاتية؟

إن من دمر الأحياء والمدن خلال الحرب العالمية الثانية بلندن ودريسدن -بالقنابل التقليدية- وإبادة ومسح هيروشيما وناغازاكي عن الخارطة -بالقنبلة الذرية- كان العدو الخارجي لا الأنظمة الحاكمة الدموية.
 ولم نسمع في يوم من الأيام عن تحويل هتلر مدناً ألمانية، أو تشرشل مدناً بريطانية أو موسيليني مدناً إيطالية أنقاضاً ليس فيها للحياة أثر ولا بقية.
وفي المقابل ألم يكن من دمر حواضر الفلوجة وحلب وحمص وعدن وأحياء دمشق ودرعا وريفها والزبداني، بل والبلاد كلها عن بكرة أبيها -لمصلحة كسرى وهرقل- جيش النظام الحاكم وأجهزة الدولة العسكرية والأمنية؟ أليس من السخرية أن من تنتخبه -بالتزوير- كي يخدمك، هو من يقوم بخدمة توصيلك للآخرة باسم سيادة الوطن والوحدة الوطنية؟

سئل الإمام أحمد أي الحاكميْن أفضل: "الفاجر القوي أم الأمين الضعيف؟".

فقال: "أما الفاجر القوي فقوّته للرعيّة وفجوره على نفسه. وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه وبالٌ على الرعية". 
إجابة استبعدت سيناريو مؤسسة الحكم المعاصرة الأكثر رواجا وقوامها فاجر ضعيف.

والحق أن فاجرين أقوياء كهتلر وتشرشل وموسيليني -مارسوا إجرامهم بحق عدوهم-، لم يدر بخلدهم قطع أعناق أهلهم أطفالا ونساء ورجالاً بالسكين من الوريد الى الوريد -كما هو في بلادنا على وقع "يا حسين"- يتم معها تبادل الصور التذكارية!!

ورغم إرث إجرام محاكم التفتيش، لم تتفتق عبقرية طغاة أوروبا المعاصرين عن ثقب رؤوس المواطنين باسم الدفاع عن النظام أو رسالة المسيح، كفعل أحفاد كسرى باسم حفيد النبي -وهو من الحقد والكراهية والإجرام براء-. اليد التي تسفك الدم للأسف عربية ديدنها سواد حقد وكراهية. كما أن غطاء الجرائم والاستمتاع بالمتابعة عربيان كذلك، وليس لهذا وذاك من العروبة سوى عقال وشماغ ومعهما المكسّر من الكلمات العربية... تواطؤ لم يمنع انتشار صور فظائع العبيد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لتُقدم عبر تويتر وفيسبوك -وغيرها- عبر أكثر من وسم هاشتاج، فمن#ديالى_تحترق 
إلى#دوما_تباد
 إلى#إعدام_7000سني_عراقي
إلى #مذبحة_رابعة وغيرها -مما يشيب له الولدان-، ليأتي وسم #طلعت_ريحتكم في نهاية المطاف... وسم يختصر حلقات من الفساد والإفساد والجريمة والإجرام على يد دول العصابات والميليشيا في كلمتين، ويا للعار! أمة "كُنتُم خير أمة أُخرجت للناس" لم تجد ما يجمعها في عصر انحطاط مناذرتها وغساسنتها من الإنجاز الحضاري سوى رائحة فسادهم شعارا لوحدتها!

صحيح أن تراكم أجيال من فساد مؤسسات حكم وخنوع شعوب سبب منطقي وراء النقلة من الماضي القريب مع #طلعت_يامحلا_نورها_شمس_الشموسة
 واقع اليوم مع #طلعت_ريحتـكم، لكن التجربة الإنسانية في العلاج تمتلك عناصر النجاح.

ومثلما يُعد طمر النفايات -تاريخيا- الوسيلة الأكثر جدوى للتخلص من مخلفاتها وروائحها التي تألفها النفس البشرية، تبدو #انتفاضة_الغضب للأمة كلها مع كلمة السر "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" وصفة فريدة للتخلص من كل ما يمت ل #طلعت_ريحتكم بِصِلة، بما في ذلك العابثون بشعوب ومقدرات شرقٍ يؤمن بالحرية. وبالطبع فكل من يرتضي أغلال هرقل وكسرى، محالٌ له قيادة قومه نحو تلك الحرية.

* الكاتب خبير ومحلل استراتيجي.
Twitter: @j_saqr

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق