الأربعاء، 19 أغسطس 2015

في بلادي معركة عنوانها القرآن






في بلادي معركة عنوانها القرآن

د.أحمد بن راشد بن سعيد


لا تخبروا أحداً. في السعودية، بلد الحرمين ومأرِز الإسلام، تدور هذه الأيام رحى معركة طاحنة عنوانها القرآن، ومضمونها جمعيات تحفيظه. المعركة لم تبدأ قبل أسبوعين أو ثلاثة، بل منذ 11/9، عندما شارك متشددون سعوديون في الهجمات على الولايات المتحدة.
عشرات المقالات للتيار الليبروفاشي شرعت منذ تلك الهجمات في التحريض على كل ما يتصل بالإسلام: العمل الخيري، المراكز الصيفية، النشاطات المدرسية غير الصفّية، وأخيراً، جمعيات تحفيظ القرآن.
لم تكن واشنطن بحاجة إلى التسلط على هذه الظواهر الاجتماعية والثقافية النبيلة في المجتمع السعودي، فقدقام مندوبوها بالمَهَمَّة خير قيام، زاعقين في وسائط الإعلام خدمةً لحربها الكونية على ما وصفته بالإرهاب.
عبد الرحمن الراشد كان من أكثر الزاعقين بحسبانه أكثر جنود واشنطن حماساً في المنطقة.
زعم في جريدة «الشرق الأوسط» (17 أيار/مايو 2003) أن الجمعيات الخيرية والمؤسسات الدينية في السعودية ما هي إلا محاضن لتفريخ الكراهية، وأن مستشفيات البلاد «مليئة بمنشورات تحرّم مصافحة الكفار»، كما أن «التلفزيون السعودي متخم ببرامج دينية»، وحتى المدارس تحرّض على الانتقام من «الغربيين الكفرة» من خلال عرض «صور القتلى الفلسطينيين والعراقيين»، لاسيما مدارس البنات التي «تحولّت إلى مراكز تثقيفية في الشأن السياسي».
لم يكن وزير الدفاع الأميركي آنذاك، دونالد رامسفِلد، بحاجة إلى أكثر من هذا الخطاب ليدين به السعودية كياناً وشعباً، ويبتز قيادتها لتحقيق الأحلام الإمبراطورية للمحافظين الجدد في واشنطن.
استمر هذا الخطاب سنين عددا، وتصاعدت نبرة التحريض على هوية الدولة السعودية، فكتب تركي الحمد (مهووس هو الآخر بمعاداة الإسلام) مقالاً في جريدة «الشرق الأوسط» دعا فيه المملكة إلى التخلي عن ارتباطها بما أسماه «الوهابية» التي ارتبطت بالإرهاب بحسب تعبيره، مضيفاً «أن السلوك الإرهابي كامن في ثنايا الفكرة الوهابية، التي تشكل في النهاية إيديولوجية الدولة وأساس شرعيتها»، الأمر الذي يشير بأصابع الاتهام إلى المملكة بوصفها كياناً. 
وختم الحمد مقاله بالقول إن «قيمة الإنسان» أهم من «المذهب والإيديولوجية»، ما يجعل التخلي عن شرعية الدولة مفتاح خروج الدولة من أزمتها! 
(21 أيلول/سبتمبر 2003).
في 13 تشرين الأول (أكتوبر) 2010 أصدر خالد الفيصل، أمير منطقة مكة، قراراً بسعودة حلقات تحفيظ القرآن بالرغم من استثنائها من جهة حكومية أعلى من منصبه، وهي وزارة الداخلية. وقد أسفر القرار عن حرمان أكثر من 30,000طالب من الحفظ، وعودتهم إلى منازلهم؛ وفصل نحو 9,000 محفّظ غير سعودي من أعمالهم. لكن الأمير تراجع عن قراره بعد ضغوط شعبية كبيرة. في البدء، صفّق التيار الليبروفاشي المهيمن على الصحافة للقرار. أحد هولاء، يحيى الأمير، كتب في جريدة الوطن (يملكها الأمير الفيصل) مقالاً أشار فيه إلى ان الفيصل لم يفعل سوى مواجهة «التطرف» (أين السعودة إذن؟) واصفاً الهبّة الشعبية ضد القرار بأنها «آخر معارك التشدد الخاسرة» التي يخوضها «مفتعلو الحرائق» الذين يتّسمون «بفجور في الخصومة، وضلال في الاستشهاد، واعتساف للنصوص»، و «يؤمنون بأن المملكة دولة للمسلمين، وليست دولة للسعوديين» (23 تشرين الثاني/نوفمبر 2010).
حصة آل الشيخ، امرأة لا تملك من المؤهلات غير مهاجمة الإسلام، وهو ما يبدو أنه أهّلها للكتابة الصحافية، نشرت لها جريدة الرياض هذا الهراء: «إني لواثقة أنه لو أُغلقت جمعيات ومدارس تحفيظ القرآن ووُزّعت تكاليف المساجد المنتشرة بعشوائية زائدة عن الحاجة على إنشاء مجمّعات سكنية للفقراء وبناء مراكز إيواء للمحتاجين لما نقص من الدين شيء» (4 أيلول/سبتمبر 2014).
في 27 تموز (يوليو) 2015، فجّر وزير التعليم، عزام الدخيل، في تدوينة له على تويتر هذه القنبلة: «قياماً بواجبنا تجاه القرآن الكريم، وإضافةً لمدارس التحفيظ القائمة، فوّضت مديري التعليم بصلاحية فتح فصول تحفيظ القرآن في مدارس التعليم العام».
كان لا بد أن ينتفض الليبروفاشي الذي يرى في الدين خصماً، وفي القرآن خطراً، فأطلق وسماً في تويتر بعنوان: «عزام يتخبط» كتب فيه عبد الرحمن اللاحم (محامٍ موتور): «يا خوفي نفيق ذات صباح، (فنجد) كتب سيد قطب وحسن البنّا قد عادت إلى مكتبات مدارسنا».
عبد العزيز الخميس، ليبروفاشي لكنه مثير للشفقة لغبائه المفرط، اتهم الدخيل بمخالفة سياسة البلاد من خلال «أدلجة التعليم»، وتربية النشء على «الثورات والفوضى وعدم الاستقرار». وبلغ الأمر بكاتب آخر من التيار المهجوس بالإسلاموفوبيا، اسمه علي الموسى، أن يطالب الوزير في مقال له عنوانه: «عزام يتخبط..يخطط» أن يبني في حارته (حارة الموسى!) مدرستين، واحدة تشتمل على فصول لتحفيظ القرآن، والأخرى تركز على محاضرات الفيزياء والرياضيات واللغة، قائلاً للوزير إن ذلك «هو الحل الوحيد لإنهاء وصايتك على مستقبل ولدي»، محاكياً بذلك نظراءه في مصر: «إحنا شعب، وانتو شعب» (الوطن، 31 تموز/يوليو 2015).
لم تنته القصة. إذ قررت الأغلبية الصامتة من الشعب أن تتحرك. كان سلاحها الإعلام الجديد، وفي القلب منه تويتر.
أليس تويتر هو البرلمان غير المعلن؟ في عصر صحافة المواطن، الجماهير هي التي تمسك بزمام المبادرة؛ التاريخ هو الذي يصنعه المهمَّشون. التقطتُ قرار الوزير، والحملة عليه، لأدعو في تغريدة لي إلى التبرع لجمعيات القرآن عبر القنوات الرسمية بعشرة ريالات على الأقل. 
حظيت التغريدة بنحو 7,000 تدويرة، وانكبّت الجماهير على التبرع حتى من خارج البلاد. 
سُقط في أيدي التيار/الأقلية وطفق يكيل الشتائم والاتهامات للحملة الطاهرة ومنسّقها ومتبرّعيها الشرفاء.
لم تكن لهؤلاء حجة على الحملة إذ إن المتبرعين لا يدفعون نقداً، بل يودعون تبرعاتهم في الحسابات البنكية لجمعيات القرآن، وهي جمعيات مسجلة رسمياً في وزارة الشؤون الإسلامية، ثم يلتقط المتبرع صورة ضوئية للإيصال، وينشرها في وسم: #حملة_التبرع_لجمعيات_القرآن.
 قمت بتدوير التغريدات المشتملة على الإيصالات، الأمر الذي ألهب الحماس ورفع الروح المعنوية. شهدت الحملة مزادَيْن على عقدَيْ ألماس تبرعت بهما امرأتان، وبيعا بـ 105,000 ريال. 
ومن الطريف أن مؤسسة الحنزاب لعلوم القرآن في قطر اشترت عقداً بـ 30,000 ريال، حوّلت ثمنه إلى ثلاث جمعيات في المملكة، وتنازلت عن العقد. لكن أكبر مفاجآت الحملة كانت تبرع رجل أعمال بأرضين تجاريتين مساحتهما 4,000 متر للمركز الخيري بالخرج، قيمتهما 3 ملايين ريال. 
وفي ختام الحملة، اقترحت التبرع لعدد من جمعيات القرآن في أطراف البلاد، فبلغ ما أودعه المواطنون في حساباتها 99,000 ريال. بلغ مجموع التبرعات نحو 3 ملايين ونصف المليون، ثم أُسدل الستار على كرنفال تطوعي مدهش استمر أسبوعاً.
لم يستوعب تيار الأقلية حجم الهزيمة التي أنزلتها به الأغلبية الساحقة من المجتمع. لكن ما هي إلا بضعة أيام، حتى خرج كاتب في جريدة عكاظ اسمه محمد العصيمي ليطالب بصفاقة بإلغاء جمعيات القرآن وحلقات التحفيظ في المساجد، والاقتصار على الحفظ في البيوت، والذريعة طبعاً: سد منافذ «الإرهاب» (12 آب/أغسطس 2015).
أدركت أن الاستجابة يجب أن تكون عملية لا لفظية، فاقترحت حملة جديدة قصيرة مدتها يومان يتبرع فيها المواطنون لمزيد من الجمعيات.
كان الحصاد أكثر من 10,000 ريال، والجواب ما رأى القوم لا ما سمعوا. في 17 آب (أغسطس) خرج كاتب آخر في جريدة المدينة اسمه أسامة عجلان داعياً إلى إلغاء جمعيات القرآن، وتكثيف حصص التحفيظ بالمدارس بدلاً منها؛ من أجل منع استغلال عقول «صغار السن لزرع فكر تكفيري إرهابي» بحسب تبريره.
هذه المرة اخترت أن يكون الرد وسماً علمياً عنوانه: #قبس_من_الذكر_الحكيم يغرّد فيه المواطنون بآية وتفسيرها من كتب التفسير.
كان الإقبال جماهيرياً ولافتاً، وأصاب الفريق الموتور في مقتل.
معركة الهوية لم تضع أوزارها بعد. لكن وعي الجماهير المؤمنة سينتصر في النهاية, وهو ما عبّرت عنه في عدد من ردودي في تويتر على دعوات إلغاء الجمعيات: سنلغيهم ويبقى القرآن.

•  @LoveLiberty

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق