‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات محمد كريشان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات محمد كريشان. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 4 يوليو 2025

 الحيرة المؤلمة حين تسود الوضع العربي؟

محمد كريشان 
كاتب وإعلامي تونسي


يقول الصحافي الأمريكي إدوارد مورّو في معرض حديثه عما قد يواجهه الصحافي أحيانا من مواقف ومراحل تلتبس فيها عنده الأمور بحدة: «أي واحد لا يكون مشوّشا هو في الحقيقة لا يفهم الموقف».

وإذا كان ما قاله هذا الصحافي الأمريكي المعروف (1908-1965) ينطبق على وضع يحتار فيه الصحافي في فهم مجريات الأحداث فيبدو عاجزا على التقاط خيوط المشهد، وبالتالي عاجزا أكثر على تنزيل ما يجري في سياق تحليل متكامل، واضح المعالم، عقلاني التسلسل، منطقي الاستنتاجات، فهو بلا جدال الوضع الذي عرفته وتعرفه منطقتنا أخيرا ومنذ عدة أشهر.

قد نكون جميعا في حيرة، لكن ما يدرينا لعلّ هذه الحيرة هي بداية الفهم، لكنه فهم مؤلم للغاية في كل الأحوال


ليس الصحافي وحده من وقف محتارا منذ السابع من أكتوبر 2023 عاجزا عن فهم كثيرا مما يدور حوله بل أغلب الناس التي وجدت نفسها عاجزة على الوقوف على حقيقة ما جرى في ذلك اليوم وما أعقبه من تطورات متلاحقة مذهلة إلى يومنا هذا.

كان هناك مباشرة بعد بداية «طوفان الأقصى» هجوم إسرائيلي لا حدود لوحشيته على قطاع غزة ما زال مستمرا إلى اليوم، وما تزامن معه على الجبهة اللبنانية وانتهى بضربة قاسية لحزب الله أعادت خلط الأوراق كاملة في لبنان، وما صاحب ذلك أيضا من عمليات لجماعة «أنصار الله» في اليمن سواء في البحر الأحمر أو ضد إسرائيل، دون أن ننسى ما حدث في الأثناء من انهيار غريب لنظام بشار الأسد الدموي، وصولا في النهاية للحرب الإسرائيلية الإيرانية ودخول الولايات المتحدة على خطها سواء في ضرب المواقع النووية الإيرانية، أو العمل لاحقا على إيقافها بعد اثني عشر يوما فقط.

المشكل هنا أن الناس، وهي تتابع بشغف وتوتر كل هذه التطوّرات، المتلاحقة كانت تلوذ بالمحلّلين العسكريين والسياسيين لمعرفة خلفية ما جرى ويجري ولكنها في الغالب ظلت على ظمئها فلم تظفر بكل الإجابات الشافية للغليل، والسبب أن هؤلاء المحللين في غالبهم لا يقلّون حيرة عن الرأي العام الذي يتابعهم.

هل معنى ذلك أن كل المحلّلين السياسيين والعسكريين طوال هذه الأشهر لم يكونوا في مستوى الثقة التي وضعتها فيهم وسائل الإعلام التي استضافتهم أو الناس الذين يتابعونهم؟ طبعا لا، ولكن لا يمكن في المقابل الجزم بأن هؤلاء نجحوا في تقديم صورة كاملة وواضحة لما يجري، وهذا طبيعي في النهاية، لأن المشهد السياسي والعسكري في المنطقة والعالم كله سائل ومتحوّل باستمرار، بل وفيه الكثير من الغرائب التي لم يسبق للعالم أن تعامل معها بمثل هذه الدرجة.

وإذا ما استثنينا التحليل العسكري التي يتعامل مع معطيات ميدانية محدّدة، واضحة المعالم إجمالا رغم قسوتها، فإن التحليل السياسي أصيب بضرر كبير نتيجة أننا في نهاية المطاف لم نكن نعلم حقيقة كل ما كان يدور فما لا يقال أكبر بكثير مما يقال، وما كان يدور في الغرف المغلقة هو المحدّد في النهاية حيث إن التصريحات العلنية نجدها في الغالب بعيدة عن الواقع الحقيقي، إن لم تكن أحيانا نوعا من التلهية أو التضليل.

ما كنا نراه طوال الأشهر الماضية في المشهد الإعلامي العربي، سواء المكتوب أو السمعي البصري، هو في الغالب مجموعة آراء أو حتى تكهّنات خضعت في مجملها للقناعات المسبقة والأهواء السياسية أكثر مما خضعت لتفكيك منطقي مبني على الوقائع والمعطيات التي لا قيمة لأي تحليل دونها. لم يكن من السهل دائما أن نعثر على مقالات صحافية أم مشاركات تلفزيونية أو مساهمات مختلفة في مواقع التواصل مبنية على الحقائق الباردة وليس على ما يسمى التفكير الرغائبي الذي يعطي الأولوية لما تهواه الأنفس قبل أي شيء آخر، حتى وإن جاءت بعض الأحداث لتسفّهه أو تنسفه بالكامل.

من الظلم التعميم طبعا، فما كان الجميع من كتاب ومحللين على هذه الشاكلة لكن هذا ما طبع أغلبهم في كل الأحوال. وقد تكون حالة التشوّش التي حالت دون أن نرى المشهد كما هو، وليس كما نريد أن نراه، أن هذا المشهد بدوره لم يبد في حال فوضى واضطراب وغياب للمنطق السليم كما رأيناه طوال هذه الفترة.

من قال مثلا إننا سنكون أمام سياسة أمريكية رسمية موالية بهذه الفجاجة للعدوان الإسرائيلي على غزة وغيرها، مغرقة في التواطؤ اللئيم المخادع زمن بايدن، أو في التهريج والشعبوية الوقحة زمن ترامب؟!!

من قال إننا سنكون أمام حكومات غربية لم تعد لها في أغلبها أي علاقة بقيم الإنسانية وحتى المنطق السليم؟!! من قال إننا سنكون أمام منظومة دولية عاجزة بالكامل أن تفرض أي شيء خارج الإرادة الأمريكية؟!! ووضع رسمي عربي ضعيف ومخز إلى هذه الدرجة غير المسبوقة في التاريخ القريب؟!! وقضية فلسطينية بمثل هذه القيادة المشتتة في وضع لا يحتمل ذلك أبدا؟!! ورأي عام عربي يعاني الاستبداد والخنوع له لكنه يروم الحرية لفلسطين؟! وغير ذلك كثير.

قد نكون جميعا في حيرة، لكن ما يدرينا لعلّ هذه الحيرة هي بداية الفهم، لكنه فهم مؤلم للغاية في كل الأحوال.

القدس العربي

الأربعاء، 30 أبريل 2025

بين عبد الناصر وبورقيبة قبل 60 عاما…

 بين عبد الناصر وبورقيبة قبل 60 عاما…




 

محمد كريشان

بما أن التسجيل الصوتي لجلسة جمعت في أغسطس/ آب 1970 بين الرئيس المصري جمال عبد الناصر والعقيد الليبي معمر القذافي قد حاز عند بثه مؤخرا كل هذا الاهتمام، وأعاد إلى حلبة النقاش الجدل القديم المتجدد بين «العقلاء» و«المزايدين» حول خياري الحرب والتسوية مع إسرائيل…

وبما أننا بتنا اليوم نحاول إقناع «الأحياء» بما سبق أن ما قاله «الأموات» رحمهم الله جميعا… فلا ضير أن نستحضر بدورنا ما كان قاله في هذا الشأن الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة قبل 60 عاما بالضبط في خطاب له في تونس في اجتماع «المجلس القومي» للحزب الحاكم «الحزب الاشتراكي الدستوري».
أهمية هذ الخطاب الذي ألقاه بورقيبة في 21 مايو/أيار 1965، والذي أحتفظ بنصه كاملا ضمن الوثائق الذي كان والدي حريصا على جمعها، أنه جاء في أعقاب جولة شرق أوسطية له ألقى خلالها خطابا شهيرا أمام اللاجئين الفلسطينيين في مدينة أريحا في 11 مارس/ آذار 1965 دعاهم فيه إلى قبول قرار الأمم المتحدة الصادر في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 1947 لتقسيم فلسطين بين دولة يهودية وأخرى فلسطينية، في انتظار تغير موازين القوى لصالحهم لاحقا ضمن شعاره الشهير «خذ وطالب».
أثار خطاب أريحا عاصفة هوجاء ضد بورقيبة فاتهم بالخيانة وخرجت المظاهرات الساخطة ضده، ولهذا فقد كان خطاب تونس بعد أقل من شهرين من خطاب أريحا بمثابة الرد على تلك الحملة التي تعرّض لها شارحا بإسهاب رؤيته في موضوع الحرب والسلم مع إسرائيل.
يعترف بورقيبة في خطابه المطوّل أنه «يفهم تماما أن اقتراح مثل هذا الحل القاضي بقبول قرار التقسيم فيه ما يجرح العاطفة العربية والشعور الوطني، لأن قبول هذا الحل يعني وجود شيء اسمه إسرائيل (…) لكنني عرضته باعتبار أننا إذا تحمّلنا هذه المضايقة فترة من الزمن، وكان في مقابلها دخول اللاجئين (الذين كانوا غادروا عند قيام إسرائيل عام 1948) فسرعان ما تتغيّر المعطيات ونستطيع إذ ذاك أن نبرم اتفاقا أو نحقق تعايشا تزول معه نزعة الغلبة والقهر والاستعمار، وإلا – وهذا هو المرجّح- ندخل المعركة لكن في ظروف أحسن بكثير من الملابسات الموجودة الآن».

عبد الناصر إنما تخلى في الحقيقة عن دعم بورقيبة لاعتبارات تتعلق بزعامته العربية وقتها وشعاراتها الثورية وشعبيته الجارفة التي فضّلها جميعاً على واقعية بورقيبة

وبنظرة ثاقبة من زعيم حقيقي، قال بورقيبة: «أتمنى أن أكون مخطئا في تقديراتي ولكن الأيام بيننا فبعد عام أو اثنين أو ثلاثة عشر أو عشرين أو مائة سيحكم التاريخ» مضيفا أن ما يضايقه فعلا «ليس عجز العرب في المشرق على محق إسرائيل، لكن ما أغتاظ له والله، هو فقدان نية صادقة لخوض الحرب ولتحرير فلسطين».
ومما قاله بورقيبة في خطابه أيضا أن «الأيام بيننا والدهر كفيل بأن يظهر المحق من المبطل والمخطئ من المصيب. وسيثبت التاريخ أن زعيما عربيا أراد أن يبعث القضية من مرقدها وأن ينقذها من التعفّن ويدفعها في طريق النجاح وأن يلعب اللعبة الكفيلة بإرجاع اللاجئين وتوريط إسرائيل على أساس متين وفي ظروف سياسية تضمن للعرب تأييد دول العالم كلها (…) لكن غباوة وغطرسة بعض المسؤولين أغلقت هذا الباب (…) وسيقول الفلسطينيون ذات يوم لو اتبعنا هذه الطريقة لكان من الممكن أن تحقّق لنا ما حققت لغيرنا» في إشارة منه إلى التدرّج الذي تبنّاه في كفاحه ضد الاستعمار الفرنسي ضمن ما كان يسميه «سياسة المراحل».
وأشار بورقيبة كذلك إلى أن ما يؤلمه هو «مصير الفلسطينيين الواثقين بعبد الناصر باعتباره مسؤولا عن أكبر دولة عربية تملك الطائرات والدبابات وتتحدى الأمريكان، وباعتباره انتصر على بريطانيا وفرنسا وعلى الدنيا كلها، لكن ما باله لم ينتصر حتى الآن على إسرائيل؟ لا ريب أنه سيقول لولا بورقيبة لانتهى الأمر»، ليخلص في النهاية إلى ما نرى اليوم حقيقته ماثلة أمام أعيننا وذلك حين قال «إذا ما استمر هذا التدجيل فلن يحاربوا إسرائيل ولن يتركوا الفلسطينيين يحاربونها خوفا من رد الفعل، ومما يجلبه لهم الفلسطينيون من بلاء إذا أقدموا على ذلك».
وفي نهاية خطابه قال «أتمنى من كل قلبي أن تنجح الخطة التي يريد أن يتّبعها المشرق، وأن تكلّل الحرب التي يلوّحون بها بالنصر، وإن كنت لا أؤمن بها لأنني أعرفهم، ولأنني جرّبتهم، وخبرت نفسيتهم».
استنتاج مؤلم دفعني ذات جلسة مع الأستاذ محمد حسنين هيكل في بيته في برقاش إلى سؤاله عما قيل وقتها من أن بورقيبة قبل أن يلقي خطابه في أريحا التقى بعبد الناصر ووضعه في صورة ما يعتزم قوله، وأن الرئيس المصري لم يكن له من اعتراض عليه، ولكن بعد أن هاج الشارع العربي ضد بورقيبة بسبب الخطاب لم يجد بورقيبة سنداً من عبد الناصر ذي النفوذ القوي على ذلك الشارع فتركه وحده يتلقى التنديد والشتائم.
لم ينكر هيكل هذه الواقعة لكنه حرص على توضيح أن استماع عبد الناصر وقتها لما كان ينوي بورقيبة طرحه لا يعني بالضرورة القبول به. لم يبدُ لي كلام هيكل مقنعاً بصراحة، وأحسست أن عبد الناصر إنما تخلى في الحقيقة عن دعم بورقيبة لاعتبارات تتعلق بزعامته العربية وقتها وشعاراتها الثورية وشعبيته الجارفة التي فضّلها جميعاً على واقعية بورقيبة، حتى وإن كان الفلسطينيون هم من دفعوا الثمن في النهاية… وما زالوا يدفعونه إلى اليوم.

الثلاثاء، 28 مايو 2024

الكل تغيّر… إلا واشنطن!

 الكل تغيّر… إلا واشنطن!

محمد كريشان


كل المواقف الدولية مما يجري في غزة يرجى تغيّرها إلا الموقف الأمريكي. إصرار عجيب على البقاء في الجانب القبيح من التاريخ ومواصلة البحث عن الأعذار لتخفيف وطأة ما تقوم به قوات الاحتلال هناك، حتى عندما يكون مفضوحا وفظيعا كقصف مخيم للاجئين في رفح وسقوط عشرات الشهداء متفحمين أغلبهم من الأطفال.
مجزرة اهتز لها العالم ولم تُبقِ أحداً على حياد معيب ومع ذلك نجد أن مسؤولين أمريكيين يقولون لموقع «أكسيوس» إن «إدارة بايدن تقيّم فيما إذا كان الهجوم على مخيم للنازحين في رفح يمثل انتهاكا للخط الأحمر الذي حدده الرئيس بايدن»… هكذا بكل بساطة وصفاقة!!
ويضيف أحد هؤلاء للموقع نفسه أن «الهجوم في رفح من المرجح أن يزيد الضغوط السياسية على بايدن لتغيير سياسته تجاه الحرب في غزة» ما شاء الله!! أكثر من ذلك يقول المتحدث باسم مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، بعد جملة اعتراضية سريعة لرفع العتب يصف فيها صور هجوم رفح بـ «المفجعة والمروّعة» إن «لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها في ملاحقة حماس لكننا واضحون بأنه يجب اتخاذ كافة الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين (..) ونحن على اتصال مع الجيش الإسرائيلي وشركاء آخرين في المنطقة لتقييم ما حدث بالضبط».!!
تغيرات طفيفة أو كبيرة حدثت في كل المواقف الدولية من إجرام الحكومة الإسرائيلية يمكن أن تلمسها هنا أو هناك، إلا الموقف الأمريكي فهو يلف ويدور ويراوغ ليعود دائما إلى نفس النقطة.
حتى كندا التي ظلت لأشهر ملتصقة بالموقف الأمريكي من عدوان غزة لم تجد خارجيتها بدا من المطالبة بالوقف الفوري لإطلاق النار قائلة إنها «تشعر بالفزع من الضربات التي قتلت الفلسطينيين المدنيين في رفح» مطالبة بأن «ينتهي هذا المستوى من المعاناة الإنسانية».
ألمانيا تتغير وتقول وزيرة خارجيتها إن «حكم محكمة العدل الدولية بشأن غزة وإسرائيل ملزم ويجب بالطبع احترامه». وهولندا تتغير هي الأخرى ويقول رئيس وزرائها إن «الصور المروعة القادمة من رفح تسلط الضوء مرة أخرى على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار في غزة» داعيا إسرائيل إلى «الامتثال العاجل لأمر محكمة العدل الدولية» بل وتؤكد وزيرة خارجيتها كذلك أن الدعوة إلى عقد مجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل هدفه «نقل مخاوفنا العميقة بشأن الوضع المقلق والحرج للغاية في رفح بما في ذلك عدم وصول المساعدات الإنسانية» في «إشارة سياسية قوية بأن اتفاقية الشراكة تغطي النطاق الكامل للعلاقة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل».

تغيّرات طفيفة أو كبيرة حدثت في كل المواقف الدولية من إجرام الحكومة الإسرائيلية يمكن أن تلمسها هنا أو هناك، إلا الموقف الأمريكي فهو يلف ويدور ويراوغ

رئيس المجلس الأوروبي يوضح أكثر ويقول «أذكّر إسرائيل بأن اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل يجب أن تستمر على أساس احترام حقوق الإنسان والقانون الدولي بما يتماشى مع قيمنا» مع إشارات صدرت بإمكانية فرض عقوبات أوروبية على إسرائيل تحرمها من ميزات اقتصادية عديدة في علاقاتها التجارية مع الاتحاد الأوروبي.
حتى تلك الدول التي ما زالت مائعة في تنديدها بما تقترفه إسرائيل مثل بريطانيا تخرج منها أصوات على غرار ما قاله عمدة لندن من أن «افتقار حكومتنا إلى القيادة أمر مخجل للغاية ويجب عليها أخيرا وقف مبيعات الأسلحة وممارسة ضغوط حقيقية لإنهاء هذا الرعب».
التصريحات الشجاعة للأمين العام للأمم المتحدة متواصلة بكل ثبات وكذلك وكيله للشؤون الإنسانية والمفوض السامي لحقوق الإنسان وباقي المسؤولين الأمميين وكلها تدعو إسرائيل إلى وقف هجومها العسكري في رفح عملا بأمر محكمة العدل الدولية والقانون الدولي الإنساني.
كل الدول الغربية تستعيد تقريبا بدرجة أو بأخرى إنسانيتها والحد الأدنى من الإنصاف والعدالة في الحكم على ما يجري في غزة من جرائم منذ 8 أشهر، ومن لم يفعل ذلك بوضوح بعد، أو لم يتجرأ على الأقل على الاعتراف بالدولة الفلسطينية مثل إسبانيا وأيرلندا والنرويج، نجد أن المظاهرات العارمة المستمرة دون كلل تحاول أن تدفع بمواقفهم إلى الأمام، وقد نجحت في ذلك إلى حد لا بأس به.
الكل تقريبا يسير في هذا الاتجاه بسرعة متفاوتة من بلد إلى آخر إلا الولايات المتحدة التي يمعن كل مسؤوليها والمتحدثين باسمها من رئيسها إلى وزير خارجيتها إلى المتحدث باسم مجلس أمنها القومي إلى المتحدثين باسم خارجيتها إلى معظم نوابها وأعضاء مجلس شيوخها فهم مصممون إلى الآن وبتعسف مستفز، على البقاء على تحيزهم الظالم للمعتدي عبر مواقف متلونة تزداد تهافتا.
الكل تقريبا بدأ يتحدث عن أن لا أمل أبدا في وقف هذا العدوان المتوحش إلا عبر فرض العقوبات الاقتصادية والعسكرية على إسرائيل وصولا إلى المقاطعة الكاملة كما حدث مع نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا نهاية ثمانينيات القرن الماضي والتي أدت إلى إسقاطه بداية التسعينيات. إسرائيل المتوحشة والمجرمة يجب أن تتحول، تماما مثل ما حصل مع جنوب افريقيا وقتها، إلى دولة منبوذة بالكامل ومقاطعة من الجميع.
الكل بدأ يفهم ذلك إلا الولايات المتحدة، عدا بعض الأصوات الحرة فيها التي ترفض هذا العمى اللعين.


القدس العربي



الجمعة، 24 مايو 2024

كن منتخبا وديمقراطيا ومجرما… لا بأس!

 كن منتخبا وديمقراطيا ومجرما… لا بأس!

محمد كريشان


مع أن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان وضع قادة الاحتلال والمقاومة في نفس السلة وهو يطلب إصدار مذكرة توقيف دولية في حق كل من يحيى السنوار ومحمد ضيف وإسماعيل هنية من حركة «حماس» وبنيامين نتنياهو ويوآف غالنت من الحكومة الإسرائيلية بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، إلا أنه من المناسب أن نرى كيف استقبلت «حماس» ذلك وكيف استقبلته «إسرائيل».

حركة «حماس» استنكرت بشدة «مساواة الضحية بالجلاد دون أساس قانوني» في «مخالفة للمواثيق والقرارات الأممية التي أعطت الشعب الفلسطيني وكافة شعوب العالم الواقعة تحت الاحتلال الحق في مقاومة الاحتلال بكافة الأشكال بما فيها المقاومة المسلحة». أما كل الطبقة السياسية الإسرائيلية فقد أجمعت على مهاجمة المحكمة والمنظومة الدولية التي تنتمي إليها معتبرة ما جرى «خطأ تاريخيا» و«وصمة عار على نطاق عالمي» متهمة إياها بالخصوص بمعاداة إسرائيل والسامية، لكن مع تركيز خاص على أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال مساواة «شخصيات منتخبة في حكومة ديمقراطية هي الديمقراطية الوحيدة في المنطقة» بحركة «إرهابية».

هنا يتضح أن الاستنكار الفلسطيني للتمييز بين قوة احتلال وشعب يرزح تحت بطشه، له رغم كل شيء، سنده القانوني في التشريعات الدولية، بينما الاستنكار الإسرائيلي لا سند له، ليس فقط لهجومه الكاسح على المحكمة والطعن في نواياها وصدقيتها وإنما بالخصوص في اعتبار «إسرائيل» نفسها محصنة من أية ملاحقات دولية مهما كانت، فهي لأنها «ديمقراطية وحكومتها منتخبة» فلا يقبل أن تلصق بها تهم لا تليق إلا بحركة «إرهابية»!!

هذا منطق غريب وغير مسبوق، بمعنى أن الجريمة حتى وإن كانت واضحة وموثقة فلا يجوز أن توجه لجهة منتخبة وديمقراطية، وهذا يعني في النهاية أنه بإمكانك أن تكون مجرما بلا حدود لكنك مع ذلك محصن لأنك منتخب وديمقراطي وبالتالي لا يجوز مساواتك بآخر ارتكب نفس الجرائم وعليه أن يلاحق عليها ويعاقب فقط لأنه مصنف «إرهابيا»!!

الاستنكار الفلسطيني للتمييز بين قوة احتلال وشعب يرزح تحت بطشه، له رغم كل شيء، سنده القانوني في التشريعات الدولية، بينما الاستنكار الإسرائيلي لا سند له



المصيبة أن هذا المنطق الأعوج والمتغطرس تبنته الولايات المتحدة هي الأخرى فوزير خارجيتها أنتوني بلينكن رأى أن مساواة إسرائيل بـ«حماس» في الجرائم وطلب مذكرات الاعتقال «أمر مخز» فيما وصفه البيت الأبيض بـ «الشائن» في وقت مضى عدد من أعضاء مجلس الشيوخ من الجمهوريين بالخصوص في حملات ردح حقيقية ضد المحكمة وصولا إلى تهديدها بانتقام مقبل، يبدو أنه قد شرع في السعي إلى بلورته في الأوساط التشريعية.
من حسن الحظ أن هذا المنطق لم يتفش في كامل الأوساط الأمريكية ولا الغربية من ذلك مثلا أن السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز، وفي خطوة تختلف عن زملاء له اتسمت بالتهديد والوعيد من أمثال لندسي غراهام وتيد بود وجايمس ريش، اعتبر أن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية «على حق في إصدار أوامر اعتقال بحق القادة السياسيين المتورطين بارتكاب جرائم حرب» وأنه «يجب احترام القانون الدولي وبدون هذه المعايير فقد ينزلق العالم بسرعة إلى الفوضى والهمجية والحروب المستمرة».

وعلى عكس دول أوروبية سايرت نفس المنطق الأعوج الإسرائيلي والأمريكي، مثل المجر والنمسا والتشيك، جاءت مواقف فرنسا وألمانيا وبلجيكا وإيرلندا بل إن باريس ذهبت إلى أبعد من ذلك حين قالت خارجيتها إنها كانت حذرت إسرائيل «بضرورة التزامها الصارم بالقانون الإنساني الدولي، وخاصة المستوى غير المقبول للضحايا المدنيين في قطاع غزة وعدم وصول المساعدات الإنسانية بشكل كاف».

وفي ضوء ما قاله جوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي من أن «جميع الدول التي صادقت على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ملزمة بتنفيذ قرارات المحكمة» فإنه من المتوقع أن يعطي التعاون الأوروبي في تطبيق مذكرات الاعتقال، حين صدورها، زخما كبيرا لعملية ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين.

مشهد يبدو أنه سيزيد في تعميق الفرز الدولي مما يجري وسيزيد في جعل الولايات المتحدة الوحيدة التي تبقى على تأييدها الأعمى للسياسات الإسرائيلية، ففي أي وضع ستجد الإدارة الأمريكية نفسها إذا ما مضت مذكرات الاعتقال قدما وأصبح نتنياهو وغالنت ممنوعين من السفر وزيارة العواصم العالمية، عدا عن مذكرات سرية قد تصدر في حق آخرين، وبعضهم قد يزور واشنطن نفسها، من يدري؟ وفي أي وضع ستجد الإدارة الأمريكية نفسها إذا ما أدانت محكمة العدل الدولية في لاهاي إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية في حين ما زال الرئيس بايدن ينكر ذلك حتى قبل يومين فقط؟

العالم يتغير بسرعة والمد التضامني والحراك الطلابي المتصاعدان يدفعان بقوة نحو ذلك ما سيعري أكثر فأكثر «الفشل الأخلاقي» الذي سقطت فيه عواصم كبرى وسياسيوها وسينهي، وهذا هو الأهم على الاطلاق، حالة الاستثناء التي كانت تحظى بها إسرائيل لعقود.

إسرائيل وقادتها في ضنك حقيقي هذه الأيام، أما السنوار والضيف، فكما كتب موقع «مسار» الفلسطيني «فلن يكترثا للأمر، لسبب بسيط أنهما قررا الموت أو الحياة داخل غزة، ولا يفكران في قضاء إجازة رأس السنة في لاس فيجاس».

الخميس، 15 فبراير 2024

مصر التي كانت في خاطرنا…

 مصر التي كانت في خاطرنا…

محمد كريشان

دولتان فقط بإمكانهما أن توقفا هذا الاندفاع الإسرائيلي المجنون نحو عملية عسكرية مدمّرة في رفح جنوب قطاع غزة: الولايات المتحدة، طبعا إن أرادت، ومصر، إن أرادت هي الأخرى.
لا فائدة في إطالة الحديث عن واشنطن وما كان يمكن أن تفعله لأنه بات من لغو الحديث، لكن ما يمكن أن يكون مفيدا حقا هو الحديث عن مصر فهي أبرز المتضررين بعد الفلسطينيين من كل ما حدث ويحدث، حتى وإن تصرّفت مع غزة طوال هذه الأشهر الأربعة من العدوان من باب الجوار المزعج لا غير، وليس من باب المسؤولية الأخلاقية والتاريخية والاستراتيجية التي تجعل غزة في صميم أمنها القومي.
يكفي أن نتابع ما يقوله الإعلام الإسرائيلي هذه الأيام عن مصر حتى ندرك مدى لؤم الصورة التي يروّجها عنها، والتي لم يأت للأسف من القاهرة ما يمكن أن يسفّهها فعلا لا قولا.
تقول القناة 12 الإسرائيلية إن «مصر لا تعارض دخول القوات الإسرائيلية إلى رفح لكنها تريد أن يتم تنسيق هذه التحركات معها» وتضيف أن «الجانب المصري في المحادثات المغلقة لا يعارض العملية العسكرية لكنه يرفض إمكانية دخول أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى الأراضي المصرية» فيما تقول إذاعة الجيش الإسرائيلي نقلا عن مسؤولين مصريين لنظرائهم الإسرائيليين «لن يتم منع عملية عسكرية في رفح طالما أنها تنفذ دون وقوع إصابات بين المدنيين الفلسطينيين» (كيف ذلك؟!!) معلّقة بالقول «مصر قد تتحدث بلغة خشنة ضد إسرائيل لكنها لن تعقد الأمور على الجيش الإسرائيلي». أما «يديعوت أحرنوت» فلم تنظر إلى مصر إلا من هذا «الثقب الضيّق» حين تقدّم الأمر بالقول إن «هناك مخاوف لدى الجيش الإسرائيلي من إمكانية إدخال مصر مساعدات إنسانية لغزة عبر معبر رفح من دون إجراء تفتيش إسرائيلي في ظل زيادة الضغوط عليها (مصر)» لتخلص إلى أن «الجيش الإسرائيلي منزعج من أن الإضرار بالتنسيق الأمني مع مصر في مسألة إدخال المساعدات لسكان غزة سيضر بأمن إسرائيل ويحذر من احتمال نقل الأسلحة إلى هناك».
كل ما يكتب ويقال في الإعلام الإسرائيلي هذه الأيام لا يخرج عن مثل هذه النماذج التي لا تختلف كثيرا عما يروّجه الإعلام الأمريكي، من ذلك مثلا ما أوردته شبكة «إن بي سي» عن مسؤول رفيع في الإدارة الأمريكية من أن «الجانب المصري في المحادثات المغلقة لا يعارض العملية العسكرية لكنه يرفض إمكانية دخول أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى الأراضي المصرية» دون أن ننسى الإحراج الكبير الذي سبّبه بايدن للرئيس عبد الفتاح السيسي حين قال بأنه كان يسعى لدى «الرئيس المكسيكي» ويضغط ليفتح معبر رفح مع غزة للسماح بدخول المساعدات الغذائية والإنسانية بكثافة وانتظام، مما استدعى ردا مصريا لم تأخذه أغلب أوساط المراقبين بالجدية التي أخذوا بها تصريح بايدن.

من حق المحبّين لمصر والغيورين عما يفترض أن يكون لها من مكانة ودور رياديين في المنطقة، وفي قيادة أي جهد حقيقي للتصدّي للعربدة الإسرائيلية، أن يروا قاهرة مختلفة عما يرونه الآن

ما يجب ألا ننساه كذلك، ما نشرته وسائل إعلام أجنبية عن رشى وفساد مخجلين لضباط مصريين مقابل السماح لأهالي غزة المنكوبين لدخول البلاد للعلاج، أو للمقيمين في الخارجين والعالقين هناك بالمغادرة.
وحتى مع ما أصدرته الخارجية المصرية قبل يومين من مواقف «ترفض الدعاوى الإسرائيلية لتنفيذ عملية عسكرية في مدينة رفح وتحذر من عواقبها الوخيمة» و«تطالب بضرورة تكاتف جميع الجهود الدولية والإقليمية للحيلولة دون استهداف مدينة رفح» الذي اعتبرته مع استمرار عرقلة نفاذ المساعدات الإنسانية بمثابة «إسهام فعلي في تنفيذ سياسة تهجير الشعب الفلسطيني وتصفية قضيته» فإن الصورة التي ترسّخت تدريجيا عن السياسة المصرية طوال أربعة أشهر من عمر العدوان الإسرائيلي الهمجي على غزة لم تتغيّر كثيرا، حتى وإن سرّب بعض الإعلام الدولي أن القاهرة هدّدت بتعليق اتفاقية «كامب ديفيد» الموقّعة مع إسرائيل عام 1979 إن هي مضت قدما في اجتياح رفح، أو أنها حرّكت مجموعة من العربات والدبّابات إلى حدود غزة تحسّبا لأي تطور محتمل.
كل ذلك يعني أنه رغم كل ما رآه كثيرون من تقصير مصري، اعتبر في النهاية خدمة لإسرائيل وواشنطن، فإن هذين الأخيرين ليسا حتى في وارد الامتنان، بل نراهما يمعنان في نوع من التشهير والإهانة وصلت حد شن وزير المالية الإسرائيلي هجوما حادا على السلطات المصرية، محمّلا إياها مسؤولية كبيرة عن هجوم حركة «حماس» في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.
من حق السلطات المصرية أن تستاء من كل هذا الذي يقال ويكتب، ومعها إعلامها وحساسيته الشديدة تجاه أي نقد يوجّه إليها، لكن من حق المحبّين لمصر والغيورين عما يفترض أن يكون لها من مكانة ودور رياديين في المنطقة، وفي قيادة أي جهد حقيقي للتصدّي للعربدة الإسرائيلية، أن يروا قاهرة مختلفة عما يرونه الآن، أي قاهرة أكثر قوة وأكثر جرأة في تحمّل المسؤولية التاريخية والأخلاقية التي تفرضها الأحداث لكنها لم تفعل، وقد علّق حافظ المرازي أحد الصحافيين المصريين البارزين على كل ذلك بالمثل القائل «اللي يربط في رقبته حبل.. ألف مين يسحبه»!

الأربعاء، 29 سبتمبر 2021

قيس سعيد "الحاكم بأمره"

 قيس سعيد "الحاكم بأمره"
محمد كريشان

«الدولة الآن هي قيس سعيّد وقيس سعيّد هو الدولة».. 

هذا أصدق ما كتبه أحد الصحافيين التونسيين للتعبير عن طبيعة المرحلة الحالية منذ أن قرر الرئيس التونسي في 22 سبتمبر/ أيلول إسقاط أجزاء من الدستور الصادر عام 2014 والإبقاء على البعض الآخر، مانحا نفسه سلطة الحكم بمراسيم بعد شهرين من إقدامه على عزل رئيس الوزراء وتعليق عمل البرلمان وتولي مهام السلطة التنفيذية والتشريعية وحتى القضائية.

وصف يعيد إلى الأذهان المقولة الشهيرة المنسوبة للملك الفرنسي «لويس الرابع عشر» الذي حكم فرنسا بين 1661- 1715 والملقب بـ «الملك الشمس» حين قال «الدولة هي أنا» حتى غدت مثلا شائعا للتعبير عن الشطط في الاستبداد. 

وإذا كان التاريخ العربي يحيلنا إلى من عرف باسم «الحاكم بأمر الله» الخليفة الفاطمي السادس الذي حكم من 996 إلى1021، فإن قيس سعيّد يجوز أن نطلق عليه دون تجن «الحاكم بأمره».

الأمر الرئاسي الذي أصدره الرئيس التونسي لم يكتف بتفصيل الدستور وتفكيكه على مزاجه الشخصي، فأبقى على ما يريد ورمى بغيره، وإنما احتكر لنفسه أيضا تعديل الدستور والقانون الانتخابي معلنا أنه سيتولى التشريع عبر أوامر رئاسية، وسيغير النظام السياسي للبلاد. 

يحدث كل ذلك دون تحديد سقف زمني ودون وجود أية هيئة رقابية على ما سيفعله ودون إمكانية للطعن في أي أمر رئاسي يمكن أن يصدره مع أن الله وحده سبحانه من «لا معقّب لكلماته».

أما المجالات التي يمكن أن يفتي فيها الرئيس بمفرده، وتصدر كقوانين باتة ونهائية، فقائمتها طويلة من الشغل والصحة والثقافة والإعلام والبيئة والجيش والأمن والمعاهدات الدولية والأحزاب والجمعيات والنقابات والقضاء والانتخابات والجنح والجنايات والضرائب والأداءات بمعنى كل مناحي الحياة في البلاد تقريبا، حتى أن البعض ساخرا ما إذا كان العلم الوطني والنشيد الرسمي سيبقيان على حالهما أم لا.

واضح الآن أن الأمر لم يعد يتعلق بالتصدي لـ «خطر داهم» يهدد الدولة، ولا حتى بوضع حد لحالة من الفوضى والتسيب والفساد وانعدام المسؤولية تسببت فيها منظومة سياسية مهترئة وحكومة عاجزة وبرلمان مثير للسخرية، وإنما هي رغبة جامحة للحكم الفردي.

كل ذلك شكّل صدمة لكل من توهّم أن ما قام به الرئيس ليلة 25 يوليو/ تموز من حل الحكومة وتعليق صلاحيات البرلمان إنما جاء لمصلحة وطنية ضاغطة غفرت له تعسفه البيّن في اللجوء إلى الفصل 80 من الدستور. لقد أفاق كثير من هؤلاء الآن، وليس الجميع، على أن ذلك كان بعض الحق الذي يراد به كل الباطل.

أما أقوى المناهضين للرئيس سعيّد فيبقى بلا جدال الوضع الاقتصادي الذي بات بعض الخبراء يخشون عليه من مصير لبنان أو اليونان

لا شك في أن الوضع السابق كان مزريا ساهم كثيرون في مزيد تعفينه، ولا شك كذلك أن حركة «النهضة» ورئيسها على وجه الخصوص لم تنجح في شيء نجاحها في تأليب الناس ضدها بسبب انتهازيتها وحرصها على البقاء في الحكم، مهما كان الثمن. لقد انزلقت هذه الحركة تدريجيا في نفس ممارسات حزب الراحل بن علي السابقة من سوء تصرف ومحسوبيات ووضع اليد مع لوبيات الفساد وباروناته، ورفض زعيمها للديمقراطية داخل حزبه وتجاهله للأصوات الداعية للإصلاح وضرورة تخليه عن رئاسة مجلس النواب وغير ذلك كثير، وكل ما سبق يفسر في البداية تهليل الكثير من التونسيين ابتهاجا بالتخلص من هذه الرموز المكروهة للغاية.

هذا الوضع انعكس الآن حتى على المشهد السياسي الحالي في البلاد فالمخاوف الجمّة التي أثارتها خطوات الرئيس جعلت معظم الأحزاب تعدل عقارب ساعاتها، إلا قلة ممن أعمى الكره الأيديولوجي قلوبها وعقولها. ومع أن عددا من الأحزاب أصدرت بيانات مشتركة وصلت حد اتهام سعيّد بأنه بات «فاقدا للشرعية» وكذلك إلى إنشاء تنسيقيات للتصدي لتوجهاته المخيفة إلا أنها ليست مستعدة، الآن على الأقل، لوضع اليد مع حركة «النهضة» لأن ذلك سيكون مجلبة للسخط والغضب الشعبيين.

المطمئن نسبيا أن المجتمع المدني التونسي بدأ يستفيق ويتحرك، بعد مرحلة من الانتظار والضبابية وبعض الأمل في الرئيس، فنزل الناس إلى الشارع في وقفات احتجاجية قد تشهد المزيد من الزخم في المستقبل، كما شرعت الكثير من المنظمات في إصدار البيانات المشتركة المحذرة من مخاطر الحكم الفردي المطلق وويلاته في بلد تآمر عليه كثيرون، من الداخل والخارج، لإجهاض تجربته المتميزة رغم كل العثرات. ومع أن «الاتحاد العام التونسي للشغل» بات أكثر انتقادا للرئيس بعد فترة من المهادنة والتفهّم إلا أن تحرّكه الحقيقي في الشارع لإحباط أي نزعة استبدادية هو الذي سيكون المرجح للقوى الرافضة مع قطاعات رمزية وازنة كالقضاة والمحامين وغيرهم.

أما أقوى المناهضين للرئيس سعيّد فيبقى بلا جدال الوضع الاقتصادي الذي بات بعض الخبراء يخشون عليه من مصير لبنان أو اليونان، فعندما يصطدم الناس أكثر فأكثر بمزيد تردي المستوى المعيشي وارتفاع الأسعار سيدركون وقتها أنه ليس بالشعارات والكلام الفارغ يعالج الاقتصاد أو يتم التصدي للفساد. كل الأمل أن يدرك الجميع ذلك سريعا دون أن تضطر البلاد إلى دفع ثمن فاحش كهذا.




(عن صحيفة القدس العربي اللندنية)
 

الأربعاء، 1 سبتمبر 2021

«كُلُّنا قيس سعيّد»

 «كُلُّنا قيس سعيّد»

محمد كريشان

أكشفها للمرة الأولى…
قبل عدة أشهر اتصل بي هاتفيا أحد مستشاري الرئيس التونسي قيس سعيّد ليقترح عليَّ منصب مسؤول الإعلام في قصر قرطاج. للأمانة لم يفصح الرجل ما إذا كان الرئيس نفسه هو من كلّفه بذلك، لكن هذا ما مفهوما ضمنا من المحادثة على كل حال.
شكرت الرجل على الثقة لكني رددت فورا بأنني لم أعمل طوال حياتي إلا في مهنة الصحافة التي لا أجيد غيرها، على فرض أني أجيدها فعلا، ومن الصعب أن أقبل في هذا العمر منصبا سياسيا حتى وإن كان ذا صلة بالصحافة. وأضفت بأنني، مع ذلك، على استعداد كامل للمساعدة في أي استشارة إعلامية حتى لو تطلبت مني القدوم إلى تونس، على أن تكون بلا مقابل ولا تتحمل الرئاسة لا تكاليف السفر ولا الإقامة.
كان الرجل على غاية من التهذيب والتفهم ولم يطلب مني شيئا سوى أن يبقى هذا الموضوع طي الكتمان طالما أنني لم أقبل العرض فوعدته بذلك. وطالما أن هذا المستشار لم يعد ضمن فريق الرئيس فقد رأيت أنه بات بالإمكان رواية القصة، مع الاحتفاظ باسمه، ولكن ما هي المناسبة؟
المناسبة هي ما بات عليه الظهور الإعلامي المتعدد للرئيس سعيّد هذه الأسابيع من هنات زادها فداحة تزلف المتزلفين وتطبيل المطبّلين. الرئيس اليوم لا يحاور الصحافيين ولا يلتقي بهم ولا يكلّف نفسه عناء الجلوس مع إعلامه الوطني ليشرح له لماذا فعل ما فعل، ويسمح بطرح الأسئلة عليه ومجادلته، عسى يتضح الخيط الأبيض من الخيط الأسود، لأنه يفضل للأسف الحديث منفردا.
الرئيس الآن، في مكتبه أو في زياراته إلى بعض المواقع، تحوّل إلى ما يشبه جهازا مبرمجا سلفا للإرسال فقط ويرفض استقبال أي شيء، إنه يبدو كمن أدمن الحديث مع نفسه وإلى نفسه. يستقبل الوفود والمسؤولين ليلقي عليهم المحاضرة تلو الأخرى باستعارات مختلفة، دينية وتاريخية، وبحث عن سجع لغوي لا داعي له ولا فائدة. ربما هو لهذا السبب يكره كلمة حوار ويكرّر معارضته لها، ليس مع الفاسدين فقط كما يسميهم بل مع الجميع، فالواضح أنه لا يستطيع إلاّ أن يحاضر، كما كان يفعل لسنوات أمام طلبته في الجامعة، دون نقاش أو تعقيب. وإن كان ذلك مقبولا، جدلا، مع طلاب علم فما الداعي له مع فاعلين سياسيين واقتصاديين تشفق عليهم وهم يجلسون أمامه صامتين لا حول لهم ولا قوة.

الرئيس الآن، في مكتبه أو في زياراته إلى بعض المواقع، تحوّل إلى ما يشبه جهازا مبرمجا سلفا للإرسال فقط ويرفض استقبال أي شيء، إنه يبدو كمن أدمن الحديث مع نفسه وإلى نفسه

ترسّخت هذه الشخصية للرئيس تدريجيا طوال الأشهر الماضية لكنه، ومنذ قراره في 25 يوليو- تموز الماضي الانقلاب على الدستور الذي أقسم عليه ومجاراته في ذلك من قبل المؤسستين الأمنية والعسكرية، بات يشعر بنوع من الثقة والمتعة في أن يظل كذلك. هو يفعله الآن بأكثر حماسة طالما أن أغلب الشعب، كما يقال، يؤيده مزهُوا بشعار «كُلنا قيس سعيّد» الذي يردده أنصاره في كل محفل بدعوى أن الرجل أراحهم من عفن المرحلة الماضية وسياسييها النزقين والفاسدين.
ترى ماذا كان عساي أفعل لو كنتُ اليوم مسؤول الإعلام في القصر وعليَّ نصح الرئيس حول أفضل الطرق للحديث إلى الإعلام والشعب؟ وكيف يمكن لي أن أفلح في إقناعه بأن التعامل مع الإعلام فن يُدرّس ومهارات يتدرّب عليها الساسة في كل دول العالم حتى تصل رسائلهم بوضوح إلى الرأي العام ويتجنبوا، في نفس الوقت، المطبّات وحتى الحماقات؟ لقد عرفت تونس قادة ملكوا موهبة الحديث إلى الناس فالحبيب بورقيبة خطيب مفوّه، والباجي قايد السبسي من نفس المدرسة، أما بن علي فقد كان مدركا لحدوده لذا فضّل في الغالب الخطب المكتوبة بعناية.
ما يزيد من صعوبة، أو استحالة، أن ألعب أنا، أو غيري، مثل هذا الدور أن كل من عرف الرئيس سعيّد يجمع على أنه شخص عنيد للغاية لا يحب الاستماع إلى أحد، وهو ما يبرر ربما استقالة معظم المستشارين الذين عملوا معه. إنها صفة مخيفة لكنها كارثية إن هي كانت لدى رجل في مثل منصبه لذا لا فائدة في ذكر النهايات المأساوية للكثير منهم.
أما ما يزيد الأمر قتامة فهو أن «حليمة» التي تعرفونها لعقود في الإعلام التونسي عادت إلى عاداتها القديمة: دعاية فجة، هذيان محموم، مديح مبتذل، كذب بواح، لم يسهم فقط في النفخ المفتعل والمنافق في الرجل وتشويه خصومه بل وصل إلى حد توتير علاقات تونس بدولة جارة مثل ليبيا بناء على تقارير مفبركة هي السخف بعينه. وإذا كان هذا النهج اقتصر سنوات بورقيبة، وإلى حد ما سنوات بن علي، على بعض الصحف المعروفة والأقلام الموصومة فإنه مع قيس سعيد أصبح على نطاق واسع وخانق بعد أن انضم إلى ما سبق جيش جرار في مواقع التواصل الاجتماعي.
هؤلاء بنفخهم في صورة الرجل عن غير هدى إنما يصنعون منه تدريجيا صنما من الشكولاتة قد لا يمانعون يوما في التهامه إذا تغيّرت الأوضاع، أو صنما من الحجر سيسقط يوما على رؤوسهم ورؤوسنا جميعا.