الجمعة، 29 مايو 2026

رحلة البحث عن السعادة

 رحلة البحث عن السعادة

محمد صالح البدراني

"السعادة ليست بلوغ الهدف وإنما هي نظام القناعة والرضا"


الوسائل والغايات

عندما نريد أن نصل بدقة إلى ماهية الشيء؛ علينا أن نفككه، ونحن نفعل هذا غريزيا، فالطفل يحطم اللعبة التي تثير فضوله، لأنه لا يعرف كيف يفككها ويبقيها سليمة ليعيدها، هو يبحث عن فهم لماهيتها وإلا فهي تعجبه ويحبها وربما يبكي بعد أن يحطمها، كذلك يستمر يحطم كل ما يمر به بطريقة وأخرى ما لم يحرك منظومته العقلية ليدرك الماهية من وظيفة الأشياء، أو يعرف ما يريد ويفرق بين الآلية والوسيلة والغايات، وأي منها يحرك مساره؛ أهو الفرح ببلوغ الغايات، أم شحنة النجاح في قيادة الواسطة التي يفترض أنه سيبلغ بها الأسباب التي ندر ما تبلغ في واقعنا، لأننا نتحرك غالبا بعقل القطيع حتى عندما نظن أننا أبدعنا، بيد أننا لم نبدع، وإنما تمكنّا من وسيلة لكن لا نقودها صوابا نحو الغايات وإنما نستقر عند هدف يشير إلى التفوق بالوسيلة، كأن أنجح في وظيفة أو عمل تجاري أو إنجاز كتاب وهكذا.

كم من الناس يعتبر نجاحه في هذه الوسيلة إلى السعادة تفوقا ويشتكي أنه مجهد وليس سعيدا، فلا المال يسعد ولا الجاه يسعد ولا مكانة اجتماعية تسعد، ويبقى الإنسان يسأل أين السعادة، وننظر فنرى أن السعادة تعبير عن إنجاز مهمة فهي ومضة، ويقول قائل الدنيا دار ابتلاء، ولا سعادة إلا في الآخرة حيث لا شقاء.

ثوابت ينبغي إدراكها:

إن الله جل وعلا لم يجعل الآدمية كسلالة في الأرض إلا لاختبار منظومتها العقلية، وكيف ستفهم الأمور وكيف سيكون القرار، وفشلها يظهر على الأرض بشكل حروب مدمرة لا هدف ساميا لها ولا إزالة للظلم، بل تأكيده أو تحويله من ظلم إلى توحش يفقد الآدمية معناها، ومع هذا ترى المجرم القاتل حنونا على أبنائه ويحب القريب منه ولكن تحت المجهر سنرى اختلافا عن الإنسان السوي، لكنه يمارس حياته بسلطة الغريزة وعلو غرائزه في حب السيادة والتملك والنوع والبقاء، هو ليس سعيدا ولكنه ترك غرائزه تستعمر منظومته العقلية، هو في امتحان منظومة العقل يعتبر فاشلا، وربما الناس مع انخفاض الوعي والقيم تعتبره ناجحا، فيزيد اعتقاده بأنه بلغ الغاية، والتسطح واضح فيما بلغ، سواء كان قاتلا أو غشاشا في تجارة أو مستحوذا على أموال الغير أو محتالا، أو أي ممن يعرف كل الناس ويذمهم بل يذم من يمارسها، ولو فعَّل منظومته العقلية لأدرك أنه لم يبلغ السعادة كغاية ولم يسر في طريقها، هو من أوصل نفسه لهذا الطريق، فالله يريك أقدار الأرض وسنن الكون ثم يرى عزمك وتصرفك بإرادتك.

تحديد الأهداف إلى الغايات:

الناس يبحثون عن النجاح، والنجاح نهاية مرحلة وليس صفة دوام، وفي رحلة البحث عن السعادة قلما تجد أناسا يعرفون بالضبط ما يريدون عندما تتحول الوسائل أهدافا، ويتعاظم الحلم السابق للوصول لما بعد الوصول إلى الأهداف والغايات التي تتمركز بها السعادة على ومضات متعددة لتشكل الإضاءة القصوى المتخيلة والتي ندر من الناس من يحصل عليها. وربما هؤلاء لا مال ولا جاه لهم ولا منصب، لكنهم أدركوا الدرب ولم يسرعوا وهم يحلمون فيفوتهم ممر يؤدي إلى السعادة وهم عنه غافلون، كما يحصل عند من يغرم بالنجاح اللحظي ويظن أنه حقق السعادة، قبل أن يجد أن الطريق إلى السعادة ما زال طويلا وأنه وصل نهاية مرحلة إنجاز في آلية ليس مطلوبا الاستمرار فيها. وقد يكون بوهمه بها وتمتعه وهو يسير بسرعة لإدراك السعادة قد فاته الانتباه إلى الممر المؤدي إلى السعادة، ويستمرون في الأهداف بطريق لا عودة فيه ولا استدارة فيبقى الوهم يشغل الحياة.

ما هي السعادة إذن؟

علينا أن نفرق بين متعة الإنجاز ومتعة الشراب أو الطعام وبين والسعادة، السعادة ليست متعة الإنجاز، وليست متعة حاجة أو غريزة، وكذلك السعادة ليست إحساسا بحالة فوز أو ملذات، وإنما السعادة بالرضا عن قناعة وخلق جو المتعة بالحياة مع محيطك عائلة أو جوار، واعتبار عوارض الحياة ليس قهرا أو غمّا وإنما هي من مسارها. وأتعس الناس هو من لا يفعل هذا أو يتولد عنده ذا الشعور، بل التعيس من تأتيه فرصة سعادته مع رفيق أو شريك وهو لا يتصور أنها فرصة سعادته فيعبر المنعطف المؤدي إليها بكل إصرار متصورا أن سعادته بوهم في ذهنه قد لا يكون هو من وضعه هدفا، وإنما وراثة أو ما يحبه الناس، غير مدرك أن إحساسه بمتعة الإنجاز متكرر متخيل، فهي ليست ما عمل من أجلها ولا امتهن مهنته من أجلها ولا سافر من أجلها، وإنما أتته من حرصه على أن يحقق سعادة لم يعرفها يوما ليميز بين السعادة ومتعها وبين متعة الإنجاز أو ملذات صغير. وهنا قد تكون السعادة مع غني لا يحمل همّ ثروته أو يكون هو الخادم والعبد لها بارتفاع غريزة التملك التي لا تقنع بالمتاح، سواء عند فقير أو غني، ولا بمن ليس لديه مشاكل واضحة، لكن تعاسته أنه لا هدف عنده؛ فالسعادة إذن ليست بلوغ الهدف وإنما هي نظام القناعة والرضا، وهذان يتوفران في الجنة الموعودة، لذا سيكون الإنسان سعيدا وفق هذا المعيار.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق