هاجر عليها السلام.. المرأة التي حولت الصحراء إلى درس خالد في اليقين

تتحول بعض الشخصيات في التاريخ مجرّد أسماء تُذكر إلى معانٍ حيّة تسكن الوجدان، وتصبح مواقفها نورًا تمشي به الأرواحُ في ظلمات الحياة، ومن أعظم هذه النماذج المباركة السيدة هاجرُ عليها السلام؛ تلك المرأة التي لم يكن معها في الوادي غير رضيعٍ صغير، وقلبٍ ممتلئ بالله، ويقينٍ لا تهزّه الرمال ولا الوحشة ولا الخوف (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم: 37).
لقد شاء الله أن تكون قصتها أكثر من قصة أمٍّ تبحث عن الماء، بل أرادها منهجًا كاملًا في التوكل والسعي والصبر والتسليم (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: 3)، حتى صار سعيها عبادةً تتكرر كل يوم على ألسنة الملايين وأقدامهم وقلوبهم، وما ذاك إلا لأن الله إذا أحب عبدًا صادقًا جعل أثره ممتدًّا في الأرض والسماء.
إنّ المتأمل في سيرة هاجر لا يرى امرأةً ضعيفة تُصارع ظروفًا قاسية، بل يرى روحًا ربانية تربّت على الثقة بالله حتى غلب يقينُها قوانينَ الأرض كلها؛ ولذلك بقي ذكرها خالدًا، لا بكثرة الكلام، وإنما بصدق الموقف، فبعض الناس يكتبون أسماءهم بالحبر، وأهل الصدق يكتبهم الله بالنور.
إذًا لن يضيّعنا الله
من أعظم ما تعلّمناه من هاجر عليها السلام أن القلب إذا امتلأ بالله هانت عليه المخاوف كلّها، لقد كانت في موقفٍ يكفي وحده لتحطيم أشدّ النفوس صلابة: وادٍ مقفر، لا ماء فيه ولا بشر، وطفل صغير يصرخ من العطش، وزوجٌ يغادر المكان امتثالًا لأمر الله، ومع ذلك لم يكن أول ما خرج من قلبها صراخ الاعتراض، وإنما سؤال اليقين: "آللَّهُ أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذًا لا يضيّعنا"(1).
فلما علمت أن الأمر من الله، تبدّل المشهد كلّه في قلبها، وقالت كلمتها التي ينبغي أن تبقى زادًا لكل خائف: "إذًا لا يضيّعنا". يا الله… ما أعظم هذه العبارة، وما أوسع أبواب الطمأنينة التي تحملها، لم تقل: كيف سنعيش؟ ولم تقل: من أين يأتي الطعام؟ ولم تسأل عن تفاصيل النجاة؛ لأنها عرفت أصل الحقيقة: أن من كان الله معه فلن يضيعه الله.
وفي حياتنا صحارى كثيرة لا تقلّ قسوة عن صحراء مكة؛ صحارى الفقد، والخذلان، والمرض، والقلق، والغربة، وضيق الرزق، وتعثّر الأحلام. وكثيرًا ما يقف الإنسان أمامها مرتجفًا لأنه ينظر إلى قلة الأسباب، بينما كانت هاجر تنظر إلى عظمة رب الأسباب. وهنا يكمن الفرق بين من يعيش بعينه، ومن يعيش بقلبه قال تعالى: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ) (الملك: 15).
لقد علّمتنا هاجر أن اليقين ليس كلامًا يُقال في أوقات الراحة، وإنما نورٌ يظهر حين تنطفئ الأنوار كلها، وأن المؤمن الحقيقي ليس من لا يخاف، بل من يغلب خوفه بثقته بالله؛ ولذلك كانت تلك المرأة وحدها أمةً كاملة من السكينة في قلب الصحراء.
البيت الذي تحرسه التقوى لا يضيع
علّمتني هاجر أن البيت لا تقوم أركانه بالأثاث والجدران وحدها، وإنما تقوم أولًا بالإيمان، فقد يغيب الرجل عن بيته لسببٍ من الأسباب، وقد تضيق الأحوال، وقد تشتدّ الظروف، لكن المرأة المؤمنة تستطيع أن تحرس بيتها بالله، وأن تصنع من قلبها وطنًا آمنًا لمن حولها، وهذا درس لأسر الأسرى والمعتقلين في فلسطين وعالمنا.
لم تكن هاجر تملك أسباب الاستقرار الظاهرة، لكنها كانت تملك ما هو أعظم من ذلك: قلبًا موصولًا بالله؛ ولذلك لم يتحول غياب إبراهيم عليه السلام إلى انهيار، بل صار بابًا لظهور معدنها الإيماني العظيم، فلقد بقيت وحدها مع رضيعها، ولكنها لم تستسلم للذعر؛ لأن الأرواح التي تتوكّل على الله لا تسقط بسهولة.
وكم من البيوت اليوم تمتلئ بالناس لكنها فارغة من السكينة والمودة والرحمة (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم: 21)؛ لأن الإيمان غائب عنها، وكم من بيتٍ صغيرٍ قليل الإمكانات لكنه ممتلئ رحمةً وطمأنينة لأن فيه قلبًا يعرف الله.. إنّ السعادة الحقيقية ليست فيما نملك، بل فيمن نتوكّل عليه.
وهاجر عليها السلام تعلّم النساء أنهن لسن كائنات هامشية في صناعة الحياة، بل قد تكون المرأة المؤمنة سببَ نجاة أسرة كاملة، بل أمة كاملة؛ فهذه المرأة التي كانت وحدها في الوادي، صار أثرها جزءًا من شعائر الإسلام إلى يوم القيامة، وما ذلك إلا لأن الله يرفع من صدق معه، ولو كان وحيدًا لا يملك شيئًا من زخارف الدنيا.
الطريق إلى الله ليس دائمًا كما نحب
علّمتنا هاجر أن الطريق إلى الله لا يسير دائمًا وفق ما تهواه النفوس، فبعض الناس يظنون أن الإيمانَ الحقيقيَّ يعني أن تُفتحَ الطرقُ بسهولة، وأن تأتيَ الطاعةُ موافقةً للرغبات، بينما الحقيقة أن أعظم أبواب القرب إلى الله قد تمرّ عبر المشقة والتضحية والصبر.
لم يكن فراق الزوج سهلًا على هاجر، ولم يكن ترك الولد في الصحراء هيّنًا على إبراهيم - عليه السلام - لكنهم أدركوا أن العبودية ليست أن نعبد الله حين توافق أوامرُه رغباتِنا فقط، بل أن نعبده لأنه ربنا، ولأنه أعلمُ بنا من أنفسنا.
إنّ كثيرًا من الابتلاءات التي تمرّ بنا ليست عقوبة، وإنما تربية إلهية ترفع أرواحنا إلى مقاماتٍ أعلى، وقد يظن الإنسان في لحظةٍ ما أن الطريق قد أُغلق أمامه، بينما يكون الله في الحقيقة يفتحُ له بابًا أعظم مما تخيّل.
ولهذا كانت قصة هاجر درسًا عظيمًا في معنى التسليم؛ فالإيمان ليس مجرد مشاعر دافئة، بل قدرةٌ على الثبات حين تتعب الروح، وعلى الطاعة حين تتألم النفس، وعلى حسن الظن بالله حين تبدو الصورة كلها غامضة.
لأن الله أمرني!
من أجمل ما تعلّمناه من هاجر أن أعظم سبب يدفع الإنسان لفعل الشيء هو أن يكون الله قد أمر به، فحين يصبح أمرُ الله هو البوصلةَ الكبرى للحياة، تهدأ الحيرة، وتسقط الفوضى، ويستريح القلب من مطاردة رضا الناس (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28).
لقد كانت تستطيع أن تغضب، وأن تعاتب، وأن ترفض، لكنها حين علمت أن الأمر من الله سكتت كل الاعتراضات داخلها؛ لأن الأرواح المؤمنة تدرك أن الله لا يختار لعباده إلا الخير، وإن خفيت الحكمة في البداية.
ونحن في زمانٍ صار كثيرٌ من الناس يربطون الطاعةَ بالمصلحة العاجلة، فإذا فهموا الحكمة أطاعوا، وإذا غابت عنهم تثاقلوا، أما أهل الإيمان العميق فإنهم يطيعون؛ لأنهم يثقون بالله قبل أن يفهموا التفصيلاتِ كلَّها؛ ولذلك فإن عبارة: "لأن الله أمرني" ليست كلمة سهلة، بل مقام عظيم من مقامات العبودية؛ مقامٌ يتحرر فيه القلب من عبودية الهوى، ومن خوف الناس، ومن اضطراب التردد، ليعيش في سكينة الامتثال لله وحده.
السعي الذي يحبه الله
علّمتنا هاجر أن الله لا يريد من عباده التواكل، بل يريد منهم السعي الصادق، لم تجلس تنتظر معجزة تنزل من السماء وهي قادرة على الحركة، وإنما قامت تسعى بين الصفا والمروة، تركض مرة، وتمشي مرة، وتصعد وتهبط، وقلبها معلّق بالله، ويأتي هنا حديث ابن عباس السابق؛ إذ يقول: "... وجَعَلَتْ أُمُّ إسْماعِيلَ تُرْضِعُ إسْماعِيلَ وتَشْرَبُ مِن ذلكَ الماءِ، حتّى إذا نَفِدَ ما في السِّقاءِ عَطِشَتْ وعَطِشَ ابنُها، وجَعَلَتْ تَنْظُرُ إلَيْهِ يَتَلَوّى -أَوْ قالَ: يَتَلَبَّطُ- فانْطَلَقَتْ كَراهيةَ أَنْ تَنْظُرَ إلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفا أَقْرَبَ جَبَلٍ في الأرْضِ يَلِيها، فَقامَتْ عليه، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوادِيَ تَنْظُرُ: هلْ تَرى أَحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفا حتّى إذا بَلَغَتِ الوادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِها، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإنْسانِ المَجْهُودِ حتّى جاوَزَتِ الوادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ المَرْوَةَ فَقامَتْ عَلَيْها ونَظَرَتْ: هلْ تَرى أَحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذلكَ سَبْعَ مَرّاتٍ -قالَ ابنُ عَبّاسٍ: قالَ النَّبيُّ ﷺ: فَذلكَ سَعْيُ النّاسِ بيْنَهُما- فَلَمّا أَشْرَفَتْ على المَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقالَتْ: صَهٍ -تُرِيدُ نَفْسَها-، ثُمَّ تَسَمَّعَتْ، فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقالَتْ: قدْ أَسْمَعْتَ إنْ كانَ عِنْدَكَ غِواثٌ، فَإِذا هي بالمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بعَقِبِهِ -أَوْ قالَ: بجَناحِهِ- حتّى ظَهَرَ الماءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وتَقُولُ بيَدِها هَكَذا، وجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ الماءِ في سِقائِها وهو يَفُورُ بَعْدَ ما تَغْرِفُ"(2).
إنّ الله كان قادرًا أن يُفجّر زمزم من اللحظة الأولى، لكنه أراد أن يعلّم البشرية كلها أن الفتح يأتي بعد السعي، وأن الأرزاق تُنال بالأخذ بالأسباب مع صدق التوكل، قال تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً {5} إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (الشرح).
وكم من إنسان يريد الفرج دون تعب، والنجاح دون مجاهدة، والفتح دون طرق الأبواب، بينما كانت هاجر تركض في الصحراء بكل ما تملك من جهد، رغم أن الظاهر كله يقول: إنه لا ماء هنالك.
لقد تعلّمنا منها أن الله ينظر إلى صدق المحاولة قبل الوصول، وإلى إخلاص القلب أثناء السعي، وأن العبد إذا تحرك لله فتح الله له أبوابًا لم يكن يتصورها.
قد يأتي الفتح من مكانٍ آخر
ومن أعجب الدروس التي تعلّمناها من هاجر أن الإنسان قد يسعى في اتجاه، بينما يأتيه الفتحُ من جهة أخرى تمامًا، لقد كانت تبحث عن الماء بين الصفا والمروة، لكن زمزم تفجرتْ تحت قدم إسماعيل عليه السلام، وكأن الله يريد أن يقول لنا: اسعوا أنتم بما تستطيعون، أما الفتح الحقيقي فمن عندي أنا، وليس بالضرورة أن يأتي من الطريق الذي تتوقعونه.
وهذا من ألطف أسرار التربية الإلهية؛ لأن الإنسان لو جاءه الخيرُ دائمًا من نفس الباب الذي طرقه لتعلّق بالأسباب أكثر من تعلقه بالله، لكن الله أحيانًا يفاجئ عبده بالعطاء من حيث لا يحتسب، حتى يبقى القلب معلّقًا به وحده (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (سورة الطلاق).
كم من إنسان ظن أن نجاته في وظيفة، فجاءه الفتح من بابٍ آخر، وكم من شخص ظن أن سعادته في أمرٍ معين، فإذا بالله يرزقه خيرًا أعظم لم يكن يتخيله؛ ولذلك فإن المؤمن يسعى، لكنه لا يعبدُ الطريق، بل يعبد ربَّ الطريق.
الفرج قد يتأخر لكنه لا يضيع
علّمتنا هاجر أن الفرج ليس شرطًا أن يأتي في منتصف التعب، بل قد يتأخر حتى تظن أن الجهد قد استُنفد كله، ثم يفتح الله فجأةً أبواب رحمته.
لم ينبع زمزم من أول شوط، ولا من الثاني، ولا الثالث، بل بعد اكتمال السعي كله، وكأن الله يربّي عباده على الصبر الكامل، لا الصبر المؤقت (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 153)، (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 155).
وكثير من الناس يتوقفون قبل الفتح بلحظات؛ لأنهم يظنون أن الطرق انتهت، بينما تكون الرحمة على الأبواب؛ ولذلك فإن من أعظم العبادات أن يبقى الإنسان ثابتًا حتى آخر لحظة، وألا ييأس من الله مهما طال الانتظار.
إنّ الله لا ينسى عباده الصادقين، لكنه يختار الوقت الذي يفتح لهم فيه؛ لأن بعض القلوب لا تنضج إلا بالصبر، وبعض الأرواح لا تتطهّر إلا بطول الانتظار.
امرأةٌ خلد الله سعيها
وأخيرًا علّمتني هاجر ألا أقلّل من شأني، وألا يظن أحد أن المرأة لا تستطيع أن تصنع أثرًا خالدًا، فهذه المرأة التي كانت وحدها في الصحراء، جعل الله سعيها شعيرةً من شعائر الحج، يسير عليها الملايين جيلاً بعد جيل، فلم يكن معها سلطان، ولا جيش، ولا مال، لكن كان معها الصدق، والله إذا أحب صدقَ عبدٍ جعل أثره ممتدًا عبر الزمان.
إنّ الخلود الحقيقي ليس أن يعرف الناسُ أسماءنا، بل أن يرضى اللهُ عنا، وأن يجعل لحياتنا أثرًا نافعًا في الأرض، وهاجر - عليها السلام - لم تكتب كتابًا، ولم تخطب في الناس، لكنها كتبت بصدقها درسًا خالدًا في معنى الإيمان؛ ولهذا بقيت سيرتها حيّة في القلوب؛ لأنها لم تكن امرأةً عظيمة في الظاهر فقط، بل كانت عظيمة عند الله، ومن عظُم عند الله عظُم أثره في الدنيا والآخرة.
المقاصد العظمى في قصة هاجر عليها السلام
رغم كل ما تعلمناه من هاجر أعلاه فإن قصة هاجر - عليها السلام - ليست مجرد مشهدٍ مؤثر من مشاهد الصبر الإنساني، بل هي بناءٌ مقاصديٌّ عظيم، تتجلّى فيه حِكَمُ الله في تربية النفوس، وصناعة اليقين، وربط القلوب به سبحانه، فالأحداث في القرآن والسنة لا تُروى لمجرد الحكاية، وإنما لتُنشئ في الإنسان معنى العبودية، وتكشف له سنن الله في الحياة والهداية والتمكين.
ومن يتأمل قصة هاجر يرى أنها تحقّق مقصدًا عظيمًا من مقاصد الإيمان، وهو: تحرير القلب من التعلّق بالأسباب وربطه بمسبّب الأسباب سبحانه؛ فقد جُرّدت المرأة من كل ما يبعث الطمأنينة الظاهرة: لا ماء، ولا زرع، ولا مجتمع، ولا حماية بشرية، ثم تُركت مع رضيعها في وادٍ موحش، وكان من الممكن أن تنهار النفس أمام هذا الفراغ المخيف، لكن الله أراد أن يعلّم البشرية أن القلب إذا امتلأ بالله لم يعد فقر الأسباب سببًا للهزيمة الداخلية.
وفي القصة مقصدٌ آخر جليل، وهو: الجمع بين التوكّل والسعي، فهاجر لم تجلس مستسلمة تنتظر الفرج، ولم تعتمد على الحركة وحدها، وإنما جمعت بين حركة الجوارح وافتقار القلب؛ ولذلك جاء زمزم بعد السعي، ليبقى هذا الدرس خالدًا: أن الله يريد من عباده أن يتحركوا نحوه، وأن يبذلوا ما يستطيعون، ثم يفتح لهم من حيث لا يحتسبون، ومن هنا صار السعي بين الصفا والمروة شعيرةً متكررة؛ لأن الإسلام لا يربّي أتباعه على السكون والعجز، بل على الحركة الممتلئة يقينًا.
ومن المقاصد العظيمة في القصة أيضًا: تربية الإنسان على الصبر الطويل وعدم استعجال الفرج؛ فالماء لم ينبع من أول لحظة، مع أن الله قادر على ذلك، ولكن تأخير الفرج كان جزءًا من التربية الإلهية؛ حتى تتعلّم القلوب أن الثبات عبادة، وأن بعض أبواب الرحمة لا تُفتح إلا بعد اكتمال السعي والصبر والافتقار.
كما تتجلّى في القصة مقاصد الأسرة المؤمنة التي تُبنى على الطاعة لا على الهوى، فإبراهيم عليه السلام، وهاجر، وإسماعيل، كانوا جميعًا جزءًا من مشروع ربانيٍّ يقوم على الامتثال والتسليم؛ ولذلك تحوّلت هذه الأسرة الصغيرة إلى أصلٍ من أصول الهداية في الأرض، وارتبطت بها شعائرُ الحج، وبُنيت في موضعها الكعبة المشرفة، ليبقى أثرُ الطاعة ممتدًّا في حياة الأمة كلها.
ومن المقاصد الباهرة في قصة هاجر كذلك: تكريم المرأة المؤمنة وإبراز دورها في صناعة التاريخ الإيماني؛ فالإسلام لم يجعل المرأة كائنًا تابعًا بلا أثر، بل جعل سعيَ امرأةٍ واحدة عبادةً تتكرر إلى يوم القيامة، وفي ذلك رسالةٌ عميقة: أن القيمة الحقيقية عند الله ليست بالنوع ولا بالمظهر، وإنما بالصدق والإيمان، والقيام بالوظيفة التي أرادها الله للإنسان.
وفي القصة أيضًا مقصد تربوي دقيق، وهو: تعليم الأمة أن الفتح قد يأتي من غير الجهة التي يسعى إليها الإنسان؛ فقد كان سعيُ هاجر بين الصفا والمروة، بينما جاء الماء من تحت قدم إسماعيل عليه السلام، وكأن الله يربّي عباده على ألا يعبدوا الأسباب، وألا يظنوا أن النتائج مرتبطة دائمًا بالطريق المتوقع، بل المطلوب منهم أن يصدقوا في السعي، أما الفتح فبيد الله وحده.
ثم إنّ القصة كلها تنتهي إلى مقصدٍ جامعٍ عظيم، وهو: أن الصدق مع الله يخلّد الأثر؛ فهاجر - عليها السلام - لم تكن صاحبةَ مُلكٍ ولا سلطان، ولم تترك خلفَها خُطبًا أو مؤلفاتٍ، ولكنها تركتْ صدقًا خالصًا، فخلّد اللهُ ذكرها، وجعل خطواتها شعيرة، وارتبط اسمها بأقدس بقاع الأرض، وهكذا يعلّمنا الله أن الأعمال التي تُصنع بإخلاصٍ صادق قد تتحول إلى نورٍ يمتد أثره عبر القرون.
وهكذا لم تكن هاجرُ عليها السلام امرأةً واجهت محنةً ثم انتهى أثرها، بل كانت مدرسةً ربانيةً كاملة، علَّمت القلوب أن اليقين قد يصنع من الصحراء حياة، وأن السعي الصادق لا يضيع عند الله، وأن الفرج قد يتأخر لكنه يأتي في اللحظة التي يختارها الله بحكمته ورحمته، وفي قصتها تتجلّى مقاصد عظيمة؛ ولذلك بقيت هاجرُ حيّةً في ضمير الإيمان، لا لأن التاريخ حفظ اسمها فحسب، بل لأن الله رفع ذكرها بصدقها، فصار سعيُها درسًا، وصبرُها نورًا، ويقينُها زادًا لكل قلبٍ أرهقته الحياة، حتى كأنها ما زالت تهمسُ في آذان المؤمنين والمؤمنات عبر القرون: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: 3).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق